أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي الحمداني - المجتمع المثقف بين الوصاية والمشاركة والتبعية















المزيد.....

المجتمع المثقف بين الوصاية والمشاركة والتبعية


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 2396 - 2008 / 9 / 6 - 03:20
المحور: المجتمع المدني
    


من المؤكد أن أي مجتمع يعيش صعوبات أو أزمات أو منعطفات أو حالة مفترق طرق بحاجة الى نوعية معينة من أفراد المجتمع كي يقوموا بأعمال وأدوار تسهم في تغييره أو تطويره نحو الأفضل، وهناك قناعة واضحة عند المشتغلين على / وفي المجتمعات تحليلاً وتشخيصاً ونقداً،
أن ما تعيشه هذه المجتمعات نتاج أسباب مركبة منها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أي أنها بتعبير أدق إشكالية ، مثلاً ، من الصعوبة معالجة الأزمات التي تعيشها المجتمعات فقط بالتكنولوجيات والتنمية الاقتصادية غير المؤسسة والمبنية على المسألة الاجتماعية والثقافية.
ففي المجال الثقافي تحديداً تحتاج مثل هذه المجتمعات لعدد من المفاهيم الثقافية المهمة التي تسهم في تغيير الواقع البائس كالإنسانية والتسامح والاحترام والتعددية ، وعدد آخر من المفاهيم التي يمكن للثقافة أن تؤثر فيها كالعقلانية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة . ومن خلال المفاهيم الثقافية أو المفاهيم التي يمكن للثقافة الإسهام في تحقيقها تبرز حاجة المجتمع للإسهام في تنزيل هذه المفاهيم على الواقع كي يحدث فيه التغيير ثم التطور والتقدم، ويتم ذلك بمساهمة المثقف كصاحب دور مهم . ومع هذا ، فلا معنى عندما يكون المجتمع بحاجة للمثقف كصاحب دور ، أن يطلق للمثقف العنان لنفسه في ممارسة الدور المطلوب منه من دون وجود مقيدات لهذا الدور ، فمن ضمن المقيدات ، قيد أن يُفترض في المثقف الذي يقوم بأداء أدوار معينة حد من المعرفة والكفاءة والقدرة مع مراعاة النسبية هنا ، وقيد آخر عدم نزوع المثقف للاستحواذ على الفعل والتوجيه في الساحة الاجتماعية بصورة غير ديمقراطية ومتسامحة، وقيد ثالث التأكيد على أن المثقف أحد الفاعلين في المجتمع من الذين يطمحون ويسهمون في تطويره وتغييره، ومن الذين تبرز وجهات نظرهم في المجتمع بوضوح وتأثر فيه، وهذه المقيدات لا تعني ألاّ يحق للمثقف التمايز في دوره مقارنة بغيره، فهو حامل للوعي والمعرفة ذات الطابع المختلف يحمل قضية يعمل من أجلها ، لإسهام الوعي والفكر في تغيير الواقع الذي يمتلك المثقف قدراً منه أو يشتغل عليه.
لا يمكن للمثقف الاستغناء عن المجتمع مهما كانت طبيعة هذا المجتمع ومهما كانت طبيعة المثقف ، لأن المثقف يهتم بالشأن العام للمجتمع كالوعي والنقد فلا بد أن يكون ذا علاقة بالمجتمع ، ولكن الإشكالية هي في كيفية هذه العلاقة ، فقد تأخذ منحى وصاية المثقف على المجتمع ، وقد تأخذ منحى مشاركة وتعاون المثقف مع المجتمع، وقد تأخذ منحى تبعية المثقف للمجتمع، وقد فشل النموذج الأول وهذا ما يطالب به بعض المثقفين إثر انتقادهم ممارسة المثقف الوصائية على المجتمع بطلب رفع وصايته عن المجتمع والجمهور، وهم محقون في ذلك بشرط ألا يؤدي ذلك لإنهاء العلاقة بين المجتمع والمثقف، بمعنى أدق أن تتم إعادة صياغة هذه العلاقة مجدداً وفق الموضوعية والظروف الحالية ، ومن المؤكد أن نتيجة النموذج الثالث كذلك الفشل لأنه نموذج مقلوب للنموذج الأول فهو ينفي أو يعدم ما توصل له المثقف من رؤى ومعرفة لتوظيفها لأجل خدمة الشأن العام في المجتمع ، ويبقى النموذج الثاني وهو الأفضل من بين النماذج ، الذي يمكن وصفه بأنه ديمقراطي يقيم علاقة متوازنة بين الطرفين ، وهذا يمثل الشرط الضروري في حساب علاقة المثقف – المجتمع ، بأن يكون هناك قدر واضح من الاستقلالية لدى الطرفين – المثقف والمجتمع - ، لا فقط كما يطالب بعض المثقفين أن تكون للمثقف استقلالية عن المجتمع الذي ينتمي له ، فكذلك للمجتمع الحق أن يكون له قدر من الاستقلالية عن المثقف ، وهذا القدر من الاستقلالية يحمي ويخدم الطرفين ، فلا يبخس المثقف قدرته على الفعل أو يجعله تابعاً من دون وعي للمجتمع ومتطلباته ، ويحمي المثقف من أخطاء قد يقع فيها المجتمع فعلاً ، أو أن المثقف يرى باعتبار موقعه وخطابه أن المجتمع قد يقع فيها، ولا يجعل المجتمع تابعاً للمثقف من دون وعي ومساءلة ومحاسبة، وتحمي كذلك المجتمع من أخطاء قد يقع فيها المثقف فعلاً أو يرى أن المثقف قد يقع فيها باعتبار أن المجتمع ليس مكوّناً من قطيع) (– كما يظن البعض - بل فيه متعلمون ونخب وأصحاب تجارب وتخصصات ، وكذلك في المجتمع هناك شرائح تستطيع نقد ما يقوله المثقف .وتتسم العلاقة بين المثقف والمجتمع بأنها من النوع الجدلي بمعنى أن كلاً منهما يؤثر في الآخر ، فليست العلاقة بين المجتمع والمثقف علاقة عامل مستقل وعامل تابع كما هي في علم الرياضيات ، ولتوضيح ذلك ، باعتبار أن المثقف نتاج مجتمعه لأنه فرد في مجتمع ، فالمثقف يتأثر بما يحمل المجتمع من قيم سلبية أو إيجابية وبما يوجد فيه من تعقيدات ، فالمفترض في المثقف الوقوف موقفاً سلبياً أمام القيم السلبية في المجتمع بنقدها والاعتراض عليها ومحاولة تغييرها ، كما المفترض في المثقف الوقوف موقفاً إيجابياً من القيم الإيجابية لنشرها والعمل من خلالها على ألا تتحول هذه القيم كسلطة تفرض اتجاهاً واحداً يصب في صالحها وتعارض مناقشتها ، ولاعتبار أن النقد الذي هو أحد مقومات المثقف الذي يمارسه على المجتمع بمكوناته ، فمن خلال هذا النقد يحاول المثقف التأثير في المجتمع ، وقد يمارس المثقف أفعالاً تجاه المجتمع توصف بالتمرد ، ومع هذا قد يُوفق المثقف في أداء هذه الأفعال والأدوار التي تخصه وقد لا يوفق ، وهذا وفق شروط وظروف تفرض أو تساعد أو تعيق المثقف في تحقيق ما يراه تجاه مجتمعه . ولكن الواقع يشهد أن ما يُسطر أحياناً من أن هناك علاقة مثالية بين المثقف والمجتمع ليس صحيحاً، فهناك عدد من التوترات يساهم فيها أحياناً بعض المثقفين ، وأحياناً أخرى يساهم فيها المجتمع أفراداً وجماعات . ويرجع بُعد المثقفين عن المجتمع لأسباب عدة منها أن تجاوب المجتمع مع المثقف رهن بقدرة هذا المثقف عن أن يفصح عما يختلج في أعماق ذلك المجتمع ، ونزعة المثقفين بالاهتمام بالآخر (الغرب)، وعدم اضطلاع المثقفين بدورهم التغييري، وغياب الرؤية الحضارية الشاملة لدى كثرة المثقفين، وتشتت المثقفين وعجزهم عن تكوين قوة ثقافية متكاملة مترابطة.
بينما يرجع بُعد المجتمع عن المثقفين لأسباب عدة منها تشوه المجتمع وأمراضه، وسيطرة بعض أنماط الفكر الديني التقليدي المتخلف الذي ولدته عصور الانحطاط ، والمستـوى الثقافي الضحل للكثرة من أفراد المجتمع.
المثقف وليد تأثيرات المجتمع ، فلا يمكن للمثقف العيش أو التفكير مع افتراض انعدام تأثير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مجتمعه عليه ، فمن الصعوبة تصور نشوء مثقف من فراغ بل هو نتاج ظروف معينة تمر وتؤثر عليه بقوة ، فالمثقف مشدود للواقع الذي يحيط به ، إلا إذا أراد المثقف الانعزال بوعي منه لذلك أو من دون وعي بذلك ، ومن هنا تتكون مواقف وأفكار ورؤى المثقف ، فمثلاً مطالبة عدد من المثقفين بالديمقراطية كانت نتيجة لوجود حالات القمع والاستبداد تمارس في المجتمع من قبل أفراد أو جهات ضد غيرهم ، أو مطالبة بعض المثقفين بالعدالة الاجتماعية كانت نتيجة وجود تفاوت طبقي كبير في المجتمع وهناك من يستفيد أو يتسلط على أموال وأحوال المجتمع ويهيمن عليها من دون ترك المجال لغيره العيش بكرامة .ليس بالضرورة أن يكون تأثير المجتمع على المثقف بتحديد اتجاهات المثقف التي يلزم على المثقف سلوكها ، فقد يمارس المجتمع على المثقف دوراً سلبياً بممارسة الرقابة السلبية عليه ، التي قد تكون أحياناً أقسى من رقابة السياسة ، أن هناك عدة رقابات على المثقف أقساها ليست الرقابة السياسية بل الاجتماعية والذاتية فعند أي كلام عن الرقابة على الفكر والرأي أو القول أو الإيمان أو التعبير، تتبادر إلى ذهن الإنسان رقابة الدولة أو السلطة الحاكمة. وكثيراً ما يكون ذلك هو واقع الأمر في العديد من الدول العربية. وكثيراً ما تتمثل رقابة ما بقوانين وأنظمة وقرارات تصدر عن الدولة وتطبّقها أجهزة الدولة. ولكن هذه الحقيقة لا تمنع وجود رقابات أخرى ، قد تكون في بعض الأحيان أقسى من الرقابة الرسمية ، أو على الأقل أصعب من التحايل عليها وتجاوزها . فهناك رقابة المؤسسة غير الرسمية ، رقابة المجتمع ككل (تحت وطأة تاريخ من التخلف أو القهر أو الحرمان أو الجهل)، التي تمارسها جهات نافذة في المجتمع ، كالعشائر والطوائف والشرائح المهنية أو الطبقية والأحزاب السياسية ، بل أصحاب المؤسسات الخاصة والمصالح الضيقة . إن لسيف التقليد والجهل وضيق الصدر والأفق حداً أمضى من سيف الدولة في بعض الأحيان . ولعل أقسى وأبشع من هذه الرقابة أو تلك ، رقابة الإنسان (الداخلية) التي لا يمليها عليه وعيه أو ضميره أو شعوره بالمسؤولية ، بل يفرضها عليه جبنه أو شرهه أو لا مبالاته ، أو عواطف هوجاء لا تتيح له أن يمارس الحرية التي وهبها الله له وسمحت بها الأنظمة " إذن أن المشاكل التي يعانيها المثقف من المجتمع لا تقل عن المشاكل التي يعانيها من أنظمــة الحكم والسياسة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,647,555,449
- الشباب وقيادة المجتمع
- حرية الاحلام المريضة
- قراءة هادئة لشارع صاخب
- النفط مقابل الكرة
- الجذور التاريخية لمفهوم حقوق الإنسان
- الطريق إلى البيت الابيض
- نظفوا العراق
- اليورو والانتخابات العراقية
- زيادة الرواتب
- من يحتاج الاتفاقية نحن أم أمريكا؟؟
- الديمقراطية بين اللفظ والممارسة
- تصورات العرب حول الديمقراطية
- الديمقراطية التي يخشاها البعض
- هل تسرع حزب الله
- إدارة الصراع باستخدام العنف
- العراق والعرب قراءة الواقع الحالي
- بين نشيد موطني ووصايا القائد
- الجوار العراقي والدور لمطلوب
- التاسع من نيسان
- عراقيو الخارج


المزيد.....




- الأمم المتحدة تنفي تعيين دبلوماسية أسترالية سابقة كمبعوثة لل ...
- البحرينيون يتعرضون لأبشع انتهاكات حقوق الإنسان
- البحرين لازالت تمارس التعذيب بشكل مفرط وبأساليب ممنهجة وأنما ...
- حقوق الانسان تدعو الطلبة للعودة الى الدراسة ضمانا- لحقهم في ...
- -ليست إيران-... مفاجأة في تقرير الأمم المتحدة حول هجمات -أرا ...
- مفوضية حقوق الإنسان في العراق تدعو الطلبة إلى العودة لمدارسه ...
- الأمم المتحدة: مليشيات استهدفت واختطفت ناشطين في التظاهرات ا ...
- مصر.. تنفيذ حكم الإعدام بمغتصب رضيعة
- اعتقال 4 مسؤولين في كركوك بتهم فساد
- الأمم المتحدة غير قادرة على التأكد من أن أسلحة الهجمات على ...


المزيد.....

- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي الحمداني - المجتمع المثقف بين الوصاية والمشاركة والتبعية