أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - حميد طولست - الضامة ملجأ مسني مدينة فاس















المزيد.....

الضامة ملجأ مسني مدينة فاس


حميد طولست

الحوار المتمدن-العدد: 2390 - 2008 / 8 / 31 - 06:45
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


اثبت العلم و التجربة أن الزمان يتدفق إلى الأمام تاركا وراءه الأعمار تمضى وتوغل في الُمضي.و أن عمر الحيوية يسجل لا محالة فتورا مهما حاول الإنسان مغالبة قواعد البلى والتقادم، والتعلق بحلم الخلود والشباب الدائم. و رغم إيمان الإنسان الأوربي القاطع بأن لا دوام إلا لله وحده لا يشاركه فيه أحد. فقد تكونت لديه قناعةٌ راسخةٌ بأن الحياة تبدأ في الستين.. بعدما ينجز المرء مشروعه في الحياة وتتقلص مسؤولياته ويتفرغ لتعويض ذاته عما حرمته منه ضغوط العمل. وهي في عُرف الكثيرين فترة استجمام ومغامرة واكتشاف لحضارات وثقافات جديدة، لذا تراهم سائحين في الأرض مستمتعين ببهجة الحياة بعد التقاعد، فلا ترى الكهل بينهم على الدوام بائساً مكفهر الوجه تعلو محياه مسحة من حزن وكآبة.
كما هو حال كهولنا الذي يكذب مقولة أن عروق الإنسان تبقى عامرة بالحيوية والنشاط بعد أن يقفز قفزات واسعة في مسافات السنين. فالذين نطوا فوق حدود الشباب وعانقوا الكهولة والشيخوخة في المغرب، فئات عريضة جدا وفي تزايد مستمر، كما اتبتت ذلك وثائق بعض الدراسات حول الشيخوخة. فالمسنون عندنا حطام بشرى يعيشون إكتآبا دائما وفراغا قاتلا. كائنات خرافية من زمن آخر، تقاوم الحرمان من كل شيء، وترزح تحت ثقل التجاهل ورعب اللامبالاة، لا تنعم بشيء على الإطلاق، فلا ضمان اجتماعي، ولا رعاية صحية، ولا معين؛ هياكل عظمية متحركة، أجساد فقدت كتلها، ملامح متجهمة لا تبتسم إلا لماما، وكأن الأفراح رحلت عنها دون رجعة. حياة مملة رتيبة باردة تئن تحت وطأة الخواء، صيرورة مستنسخة ساكنة ينساب الوقت فيها بطيئا متهالكا حزين. يصارعون الزمان و روتينه بذات الوتيرة، ملزمين أنفسهم بذات الجهد والمهام التي تحملوها فتيانا، ضاغطاين بذلك على صحتهم ومستنزفين طاقاتهم لآخر رمق، مرتبين أيامهم بين تأدية الصلوات بمساجد الحي والعودة فى تثاقل وسوداوية ليسندوا جدران "باب المكينة وطالع هابط و سيدي مجبر وجنان السبيل وباب الساكمة "العتيقة البئيسة مثلهم، حيث يتخذون من ظلال أسوارها نواد يدمنون فيها على نفس الأحلام المكرورة المدغدغة لبقايا الذاكرة المتعبة بماض مثقل بمشاهد المكابدة السيزيفية الباهتة.
فنراهم جماعات وقد غطى بعضهم رأسه بقلنسوات من ورق جرائد شاخت لا تقوى على التصدي لأشعة شمس فاس اللآهبة، ملوحين في تحد بشياشات صنعوها بأنفسهم من قش رخيص، لطرد ذباب ملحاح لا يفارق أنوفهم المتورمة. يلعبون "الضامة "على بقعة أرض نظفوها بعناية فائقة، وخطوا عليها مربعات سودوا بعضها بطلاء نباتى، ثم وضعوا فوقها أقراصا خشبية و سدادات قنينات مشروبات لم يعرفوا لها طعما قط، اختيرت بفنية بالغة، يتبارون في تحريكها بحكمة ودراية عالية، متضاحكين متندرين على بعضهم البعض بلغة خاصة جدا: فلا تسمع إلا( ثلاثة وضامة ...سير الواد الواد و احضيه راه هواد ...كول الكلب قبل ما يكلك ...)وغير ذلك مما تعارف عليه لاعبو الضامة كلغة خاصة بالعبتهم. الضامة عالمهم الخاص، بقوانينه الخاصة، ونظمه الخاصة ،وسلوكاته الخاصة. لعبة خاصة تخفف توترهم النفسي، وتهرب بهم نحو التحرر من ربقة واقع ظالم، وتنسيهم قساوة مجتمع لا يرحم مسنيه. لعبة تفتح أمامهم فضاءات أرحب وأفسح مما هم فيه من اوضاع اجتماعية سيئة سماتها :المعاناة الدائمة و الإحباط المزمن، الفقر المدقع والعوز المفرط، في وقت يحتذم فيه نقاش الغرب حول اختراع مضادات الشيخوخة ومشاكلها الاجتماعية والأخلاقية وتأثيراتها الجانبية وفوائدها في إنقاص مما تسببت فيه من زيادة في الوزن، وتصحيح ما شوهته من رشاقتها .
إنها مفارقات كبيرة أقف عندها و استسمح مسني المغرب عامة، ومسني حيي "فاس الجديد" خاصة لأشكر باسمهم معدي أحد البرامج الذي اهتم بهم وقدم موضوعا تحت عنوان "من أجل شيخوخة سعيدة وخالية من الأمراض المزعجة" كم يبدو براقا هذا الشعار الذي تضمن عشر نصائح قمينة بأن تجعل الإنسان يعيش قرنا من الزمان باقل خسارة ممكنة. فعن أي إنسان يتحدث البرنامج ؟؟؟ وأي خسارة يعني و يقصد ؟؟؟ وكأن هذه الفئة من شيوخنا بقى لها ما يمكن أن تخسره بعد أن بلغت من العمر عتيا، بل وصلت إلى أرذل الأعمار و أقبحها، ولم تجد ما تنفق في تسيير أمورها الحياتية غير معاشات وتحويلات هزيلة جدا رفعت حكومة عباس الفاسي مشكورة من حدها الأدنى إلى 600 درهما؟؟؟؟؟. قيمة يمنح أضعافها مسن من مسني العرب أو أوروبا (كبقشيش) لاختصاصي تدليك ولحصة واحدة. إنه برنامج نخبوي خاص بمجتمعات الوفرة، التي "يتفشش" فيها المسنون المحظوظون، أما مجتمعنا فيشكو السواد الأعظم منه الندرة في كل مقومات الحياة المادية والمعنوية، ويكافح مسنوه الفناء في كل خطوة وحين، تهزمهم الظروف الواقعية، ويسقطون في متن الكدح صرعى إنعدام التوازن، فلا تهمهم نصائح ( معدة البرنامج ) في شيء، وأن غالبيتهم لا يملكون جهاز تلفاز.
لقد طالت أعمار هذه العينة الشقية من المواطنين، لا لأنهم يعتمدون في حياتهم "عادات غذائية سليمة وصحية " كما ورد في البرنامج، بل لأنهم يأكلون أقل مما يجب، وأقبح مما يجب، لأن ظروف الفقر المدقع أخضعهم -وإلى جانبهم السواد الأعظم من ساكنة حيي"فاس الجديد"- إلى حمية إجبارية صارمة تميزت بمحدودية السعرات الحرارية، بل و إنعدامها بالمرة في طعامهم الخبز والشاي. إنها مجموعة بشرية ليست في حاجة(للأيروبيك)ولا لمؤلف "مات روبيرتس(objectif formes))، الذي يعتبر وصفة سحرية للتخلص من الوزن الزائد، فهؤلاء لا وزن لهم على الإطلاق، فأي وزن زائد يمكن أن تختزنه أجساد فئة طالها الإهمال واستفحلت مشاكلها، و استشرت عللها، فغدت أشباحا لا كتل لها، تقتات على "البقولة" التي يجود بها الخالق الذي لا ينسى عبده بفضل أمطاره التي تهل وتختفي، فهل تزيد "البقولة" في الوزن يا ترى؟؟؟؟؟.
إن معضلة الشيخوخة في بلادنا، ظاهرة اجتماعية صنعتها أيدينا، أكثر مما ساهمت فيها أقدارنا. لذا يصعب التعامل معها والتفكير فيها بمثل هذه البرامج "الممركنة "أو بتخصيص يوم أو يومين للاحتفال بها كما تفعل الجهات الرسمية وغير الرسمية عندنا، تعقد الندوات والمؤتمرات، ويتفنن منظموها في إلقاء الخطب البثراء، والقصائد العصماء، وإن كنت لا أقلل من جدوى وجدية هذه الندوات والمهرجانات و ذاك النوع من الكتابات، لأن قلوب معديها ومنظميها والمشاركين فيها لاشك (ربما) مملوءة حماسا وشغفا في إيجاد الحلول لمعاناة المسنين. إن الأمر يستدعي أن تأخذ هذه الإشكالية المكان الرئيسي من اهتمام المسؤولين الذين عميت أعينهم عن التبصر في آثارها، قبل المبادرة الجريئة التي أقدم عليها ملك البلاد محمد السادس. إذ كان من الواجب أن تصبح الهاجس المؤرق لكل فرد من مجتمعنا علنا نخفف من وطأتها. فالتعبئة يجب أن تكون في مستوى الظاهرة. فلا يكفي أن نحتفل بيوم عالمي للمسنين على اعتباره موضة مجلوبة، نجتمع، ندردش، نصدر التوصيات، ونطلق الوعود تلو الوعود في احتفالية وبهرجة و ينتهي الأمر بانتهاء المهرجانات والندوات وننقض ما تواصينا به بلامبالاتنا المعهودة، أو نسود بياض صفحات الجرائد بما يهم النخب المترفة دون أن نكترث لحال من يقضي يومه إلى ربه كادحا- فالطيور لا تصنع الربيع كما يقول الغربيون. لقد آن لضمائر مسؤولينا وعلى رأسهم المنتخبون-الذين تحولوا إلى أدوات لتبرير الواقع وليس لتغيير ما هو قائم -أن تستيقظ وأن تهب لإنقاد الذين سبق أن اغتالتهم وعودهم العرقوبية خلال الحملات الإنتخابية ولا تزال تمعن في إغتيالهم من جديد بما تزرعه من وهم في جحور بشاعة واقع موبوء، و بما تبنينه لهم من فراديس وهمية، وما تجهزه لهم من نواد وعوالم وهمية في كل بقاع البلاد، إنه خلط الآمال بالأوهام للإبحار بالتعساء في غيبوبة مثيرة وخداعة، إنه شعار من شعارات الترويج الإنتخابوي الإيديولوجي يزهر حين يكون مكسبا للذين يرفعونه، وليس مبدءا من مبادئ الجدة والتجديد، لأن جل القرارات المتخدة للنهوض بحال هذه الفئة تنتمي إلى النوع الإحتفالي المؤقت السريع الزوال، أكثر مما تندرج في إطار الخطط المحكمة الرزينة التي تتطلبها العناية و الاهتمام لتلبية الحد الأدنى من مطالب هذه الفئة الاجتماعية والصحية والنفسية؛ لذا يجب أن نقر بأن أداءنا في هذا الميدان الاجتماعي أدنى بكثير من قدراتنا، وأن ما حققناه أقل بكثير مما يفرضه الدين الحنيف والضمير الحي، أمام إزدياد حاجيات ذوي الأعمار المتقدمة .
فالعناية بالمسنين والأطفال المشردين والمعاقين: تربية وسلوك وإحساس ومعتقد وعقلية لابد أن تصاحبنا في معيشنا اليومي، وأن تتجدر في تصرفاتنا، وأن تطفو على سطح أفعالنا بعيدا عن الاحتفاليات المناسباتية الموسمية التي تبقى غير ذات معنى لأن الفعل لا يواكبها والقدوة لا تعززها والنية لا تصاحبها ...فهل ستظل علاقة مسؤولينا بالمسنين تسير على هذه الوتيرة المتسمة بإستغلال ظروف التعاسة والركوب عليها للأغراض الإنتخابية كلما حمي وطيس الإستحقاقات،و بالإهمال والنكران بعد فتور حمأة الحملات الإنتخابات وإنقضائها ، في حين تغدق الامتيازات على من ليسوا في حاجة لها. ألم يحن الوقت لإعادة النظر في القائم والسائد الذي تكرسه أنانية "سياسيينا الكبار" ، ونوازعهم الضيقة ....





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,222,871,973
- أندية للمتقاعدين؟‮!‬
- °°° بسطاء يرفَعهم الفساد إلى طبقة الأثرياء!
- الألقاب الطريفة والمثيرة للسخرية
- الواقع شيء والمرتجى شيء آخر
- رقابة الانتخابات
- .فرخ الوز عوام
- بنك الزواج للمزلوطين!!
- °°°صراعات المنتخبين وتعاسة الناخبين
- الرصيف أو الطروطوار
- حيرة هلال
- °°° حزب الصم البكم الذين لا يقشعون.
- المنتخب متهم حتى تثبت براءته
- استطلاع الرأي ترف ديمقراطي لا نملكه
- ثقافة السلام وخطاب التحجر
- الشوبينغ - و شبقية التسوق
- فوضى فتاوى القحط و دعاوى الإبادة
- الشارع المغربي!
- °°°الكائنات الإنتخابوية...
- الفساد والإفساد..
- صحافة الحقيقة!


المزيد.....




- قطر تغري ألمانيا باستثمارات تصل إلى 35 مليار يورو
- مادورو يدعو غوايدو للاحتكام إلى الانتخابات لإنهاء الأزمة الس ...
- من هو انتحاري الأزهر؟
- بايرن وليون يرغمان ليفربول وبرشلونة على التعادل
- كيم يشن حملة تصفية جديدة لمعارضين
- دم الشباب.. إكسير للحياة أم مجرد خدعة
- الشرطة الفرنسية تقتل رجلا هاجم المارة وسط مرسيليا بالسلاح ال ...
- فرنسا وألمانيا تتفقان على خطة سياسة صناعية أوروبية
- محكمة أمريكية تستأنف نظر دعوى فلسطينية ضد الملياردير أديلسون ...
- كوبا تنفي وجود قوات لها في فنزويلا


المزيد.....

- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي
- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - حميد طولست - الضامة ملجأ مسني مدينة فاس