أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - نذير الماجد - يا صعاليك العالم اتحدوا !!















المزيد.....

يا صعاليك العالم اتحدوا !!


نذير الماجد

الحوار المتمدن-العدد: 2378 - 2008 / 8 / 19 - 05:30
المحور: حقوق الانسان
    


التقى الإسكندر المقدوني ذات مرة بأحد الفلاسفة وهو يعاني من لفح الشمس وقال له متباهيا: "أنا الإسكندر الأكبر"، فأجابه ذلك الفيلسوف في نبرة تحدٍ مشوبة بازدراء وعدم اكتراث: "وأنا ديجين الكلب!" وقال له الملك: "اسألني أي شيء تريد" فأجابه بهدوء: "ابتعد حتى لا تحجب عني الشمس" (1) هذا جواب ذكي بلا شك، حيث يختزل كل فلسفته التي تعرف بالفلسفة الكلبية نسبة لاسم الساحة التي كان يتجمع فيها الأدنون و "الصعاليك" مع هذا الفيلسوف الذي كان يفترش الأرض في العراء ويلبس أثواب المتسولين ويشاركهم شظف العيش وقسوة الحياة.

كانت تلك الساحة /المدرسة التي تخرج منها "ديجين" أُنشئت خصيصا للمنبوذين أو المفلسين، فلا يحق إلا لهم الالتحاق بهذا الصرح العلمي الفريد من نوعه، أما من كان شريفا أو نبيلا أو من علية القوم فلا تقبل عضويته إلا بعد أن يحقق كل الشروط التي تؤهله لأن يكون مثلهم، منبوذا "أو كلبا حقيرا" لا يعبأ بكل ملوك الدنيا!

عرف هؤلاء المنبوذين أو لنقل الصعاليك بفطنتهم ونباهتهم بأن الروح لا تتحرر إلا بإهمال كل ما من شانه أن يقترب من السيادة أو يخلع المشروعية لنيل السلطة، إنهم يجدون حريتهم حيث لا سلطة ولا وجاهة وحيث ثمة لا شيء يخشون خسرانه، هناك في الهامش الذي يقصى إليه كل أؤلائك المهمشين من المغضوب عليهم لا شيء يستوجب المهادنة، هناك لا مكان لأنصاف الحلول، فثمة مساحة شاسعة لا تقبل إلا الألوان الحاسمة، لأن ما سواها هي أداة السلطة. في ساحة الصعاليك هذه لا مكان للمساومة ولا للمصالح أو التحالفات أو متطلبات المرحلة التي لم تكن لصالحهم يوما! هذه الساحة مفتوحة لكل مهدور ولكل مقهور في هذا العالم، فهم كما هو زعيمهم مواطنون عالميون تجمعهم جبهة موحدة للصعاليك، شعارها "لا أملك شيئا حتى لا يتملكني شيء!!"

وأول مبدأ لهذا التجمع والذي يتصدر خطابهم وفلسفتهم هو أن لا ترغب أو تحتكم إلى شيء خارج الذات، أو كما يعبر التيولوجي الأمريكي باول تيليش بقوله الاحتكام للذات وليس للغير، أطلق لنفسك العنان في الفكر شريطة ألا ترهن قناعاتك للرغبات الخارجية أيا تكن، فحينذاك لن تكون أنت أنت، ولن تحمل إلا قناعة مستوردة وضمير مستورد، ابتكر ذاتك وأطلق لها العنان وبالتالي تضفر بالتحرر وتصبح أنت أنت!

لكن هذا لن يمر دون منغصات أو معوقات مزعجة، حتى وإن كان هذا التمرد والتحرر الفكري لا يتعدى نطاق "ساحة الصعاليك"، احذر فأنت ملاحق حتى وإن كنت صعلوكا منبوذا، اجعل هذا الفيلسوف نصب عينيك دائما فهو لم يسلم رغم خرقته البالية وعزوفه عن كل مغريات هذه "الدنيا الفانية!!"، فما دامت لك هذه الميزة الفارقة التي تجعل منك إنسانا وليس شيئا آخر وهي ميزة العقل والتعقل فأنت مطارد إذن! وعليك لعائن الله والدين والناس أجمعين إذا ما نطقت ولو ببنت شفه أو أعطيت عقلك شيئا من الكرامة..

لا تصغي إليهم ولا تكترث بهم أبدا، فلديهم ديناميات مجهزة بكل أدوات الهدر هدفها الأساس استنزاف قدرتك حتى في اختياراتك، أي حتى لو أردت أن تكون مجرد صعلوك تستوطن الأرصفة، ستكون في نظرهم مفسدا في الأرض، احذرهم فبإمكانهم توظيف ثالوثهم القذر المكون من الأصوليات والعصبيات وضلعا ثالثا تعرفه جيدا هو الاستبداد! (2) هذا الثالوث البشع أو "مثلث الحصار" كما يحلو لمصطفى حجازي أن يسميه له قدرة عجيبة على التسلل، إنه يمارس سطوته ويدخل بكل عدته المزودة بأحدث تقنيات غسيل الأدمغة إلى داخل حصنك المنيع ولكن عبر الشباك. لأن الهدر لا يكتمل إلا باجتيافه، فالهدر من الخارج لا يمكن أن يصل إلى أي نتيجة إلا بإحداث هدر على المستوى الداخلي، هدر على مستوى الذات التي تستعير كل آليات ووسائل هذا المثلث المرعب حتى تمارس دورا تكامليا متماهيا مع الهدر الخارجي، وبهذا تحل كارثة على مستوى وجودي حميم، لأنها تستبدل الكراهية ذات الفعل التدميري الهائل بطاقة الحب للذات..

أمام هذا الانسحاق يصبح المرء مهيئا تماما لتلقي كل مفاهيم ومفردات الخطاب النقيض، لتمارس الذات على نفسها فعل الهيمنة والاخصاء، ويصبح المرء بشكل كامل مستلبا مغتربا يمارس فعلا نسقيا مضادا لا يتوافق ولا ينسجم مع مصلحته الحميمة، وبفعل هذا التماهي الإسقاطي بالمعتدي يمارس هو الآخر فعل الهدر مع ذاته ومحيطه، وبهذا تتفاقم دوائر الهدر وتخصى كل الطاقات التي تنزع إلى نماء الذات واستقلالها، وبالطبع سيكون أول ضحية في هذا الجحيم هو "العقل النقدي" فيما سيعتلى "العقل الإجرائي" الصدارة منتصرا ممتشقا سلاح "النص"، فهو المعني أساسا باجترار المقولات المأذونة والتي بدونها لا يضمن هذا الثلاثي ديمومته ولا تستتب له الأوضاع، هنا يجد الصعاليك أنفسهم بإزاء حرب معلنة ضد الفكر بقتله ووأده قبل أن يستفحل وتتكاثر تلك الشجيرات العصبية التي تربط بين خلايا الدماغ!! وقبل أن تبلغ الذروة في فعاليتها التي هي ممارسة النقد وبلورة السؤال عن كل ثنايا الوجود..

هذه الغاية "النبيلة" لا تتأتى إلا بإتباع آلية شبيهة بما يعرف "بإيقاف التفكير" الذي يعتمد على مبدأ الاقتران الشرطي، (3) فحيثما تطفح على السطح أفكار وسواسية ومزعجة لحالة الاسترخاء الدائم التي تنعم بها السلطة بأشكالها الثلاثة، تقمع مباشرة بشكل حاسم وعنيف، حتى لا يتجرأ أي أحد وتسول له نفسه أن يفهم أو يفكر أو ينشط خلاياه الذهنية التي يجب أن تخبو وتموت، وهكذا يقترن الفكر الحر بالقمع، ليس هذا وحسب، بل يتنامى القمع ويعاش بشكل يومي كثقافة يتشربها ويدمجها في داخله ليمارس هو بذاته قمع الأفكار والتأملات والوساوس التي كانت تخالجه بشكل نشط في البداية ثم تخبو وتنعدم شيئا فشيئا. ومن خلال آلية العدوى الانفعالية تعمم هذه الثقافة المتآكلة بممارسة قمع ذاتي وهدر متبادل بين أفراد المجتمع المغلق والتقليدي بطبيعته، فلو صادف أن انتهك أحدهم التابوات أو الخطوط الحمراء المفروضة من قبل ثالوث السلطة بالتفكير أو التأمل سيواجه أولا وقبل كل شيء نظرائه أنفسهم الذين يشاركونه المصير نفسه ويتقاسمون معه الألم، فيشهرون أمامه أسلحة التجريم والتحريم والنفي بعيدا عن كنف العصبة "المؤمنة" وبذلك لن يصدح احد بالسؤال فيحل اليقين السكوني محل التوتر الفكري والتوقد الثقافي.

هذا المجتمع بهذه الحيثيات لابد أن يكون مجتمعا مغلقا لكنه هشا خاملا يحمل بذور تفتته وانهياره، ولا منجاة من ذلك كله إلا بإشاعة الفكر النقدي المتفحص مهما كانت التضحيات، يجب أن يضطلع كل مثقف وكل فاعل اجتماعي بمهمة التثقيف ونشر فضول المعرفة لأن الأزمة أزمة ثقافة ومعرفة وقراءة في الأساس، والمعرفة في مجتمعاتنا هي الفريضة الغائبة لهذا نجد الهوة شاسعة جدا بين مجتمعاتنا الملقنة والمدجنة جيدا وبين تلك المجتمعات التي استطاعت أن تتخطى الحواجز الثقافية التي تشكل الرافعة والبنية التحتية للاستبداد، المجتمع الياباني مثلا استطاع أن يحقق نموذجا رائدا في تخطي الجمود والانسداد التاريخي الذي قبع في أتونه لقرون طويلة، هذا المجتمع لم يحرز كل هذا النجاح إلا بعد أن أعاد صياغة الإنسان الياباني ليصبح قادرا على ممارسة فعل التفكير المبدع والنهم المعرفي، إنه مجتمع معرفة بامتياز، لهذا ليس من المستغرب أن يتسع الفارق بين من يقرأ هناك ومن يقرأ هنا..

من يوقظنا من هذا السبات الأزلي؟ هل نحتاج لعملية جراحية تستبدل استبدادا صريحا بآخر مقنع بالليبرالية تارة والقومية أو الاشتراكية تارة أخرى؟ أزمتنا ليست في الأنظمة السياسية بقدر ما تكمن في عطالتنا الفكرية وركودنا الثقافي، حتى المجتمعات التي نعمت بالحداثة بدأت تتجاوز ذاتها عبر الخطاب الفلسفي والفكري الطليعي الذي يدشن الآن مرحلة ما بعد الحداثة، فبعدما تشبعت بالماديات والعلمنة بدأت تستعيد ذاتها في مراجعة نقدية شاملة، فلديها القدرة على تجاوز ذاتها باستمرار، أما نحن فلانزال نقبع في مناخات قروسطية، فكل مرجعياتنا القيمية والفكرية والأخلاقية كانت متشكلة في مناخ قروسطي "أسطوري" نحن اتخمنا بهيمنة الدين على كل شيء اثر حدوث تضخم تراثي وأصولي، لذلك فالمهمة الأساسية تكمن في إعادة الاعتبار للعقل والعقلانية، ولهذا كان لابد من إحداث صدمة للهيمنة المتصلبة والقراءة الجامدة للإسلام الصحيح الرسمي المهيمن على الواقع، الإصلاح والتغيير يجب أن يبدأ من هنا، ولكن حتى الآن لم تتوفر إرادة جادة للإصلاح، فحتى التيارات التراثية التي أرادت أن تصلح التراث بالتراث نفسه لم تحظى بقبول ولا بصدى جيد في الأوساط الشعبية التي تهيمن عليها التيارات الأصولية.

هذه الحقائق وغيرها هي التي تشكل خيوط الأزمة التي تنوء بها مجتمعاتنا، وتثقل كاهل الصعاليك الذين هم الأكثر تضررا لأنهم يمثلون طبقة رخوة سريعة التأثر من طبقات هذا المجتمع الممتلئ بالصعاليك!

هامش:
1) قصة الحضارة، ديورانت.
2) الإنسان المهدور، مصطفى حجازي.
3) نفس المصدر السابق.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,277,273,333
- توضيح حول تحريم السيستاني للمسلسلات التركية
- السيستاني والمسلسلات التركية
- لا تحجبوا أكسجين الوعي!
- مشاكسات على هامش الفقه!
- فقهاء ولكن..!
- إلى من يتغنى بالموت ليل نهار!
- لماذا كذب وليد جنبلاط؟
- آمنوا ولا تفكروا!
- حوار الأديان في السعودية.. هل هو اكذوبة أبريل؟!
- اشكاليات الحجاب في الخطاب الديني
- السعودية:المرأة و السيارة و جدل لا ينتهي
- طبروا كلكم إلا أنا!
- الاسلاميون في البحرين و مفاتيح جنة الفقهاء!
- عاشوراء: موسم المنابر و حصاد الوجاهة!
- التحية إلى روح بينظير بوتو
- نحو رؤية جديدة للزواج
- أحاديث في الحب
- الإسلاموية و فوبيا التجديد!
- فتاة القطيف: قضية فتاة أم وطن!
- الفن ليس محظورا منذ الآن «2»


المزيد.....




- لجنة الأمم المتحدة تعلن موقفها بشأن طلب موسكو توسيع وجودها ب ...
- إسرائيل: تقرير الأمم المتحدة بشأن جرائم حرب غزة متحيز ضدها ...
- إسرائيل: تقرير الأمم المتحدة بشأن جرائم حرب غزة متحيز ضدها ...
- عون يؤكد معالجة لبنان ملف النازحين وفق مصلحته العليا وليس ال ...
- قيادي في -أنصار الله-: السعوديون المعيق والمعرقل لتنفيذ اتفا ...
- رئيس مجلس النواب اللبناني: مصلحة لبنان وسوريا في عودة النازح ...
- الأمم المتحدة تؤكد التزامها بأن احتلال اسرائيل للجولان السور ...
- السباق إلى القمع في البحرين
- بالفيديو.. هكذا تعذب إسرائيل الأسرى
- الجزائر تشارك في مؤتمر حول دور الشتات في تطوير المجتمع المدن ...


المزيد.....

- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حقوق الانسان: قراءة تاريخية ومقاربة في الاسس والمنطلقات الفل ... / حسن الزهراوي
- العبوديّة والحركة الإلغائية / أحمد شوقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - نذير الماجد - يا صعاليك العالم اتحدوا !!