أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد طولست - °°°الكائنات الإنتخابوية...















المزيد.....

°°°الكائنات الإنتخابوية...


حميد طولست

الحوار المتمدن-العدد: 2371 - 2008 / 8 / 12 - 07:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


: الهدف من وجود المجالس التشريعية في بلد ما هو تمثيل وخدمة المجتمع، وتبني قضاياه وطرحها على الحكومة، والضغط عليها والبحث عن الحلول المخففة من الناخبين‬، فكلما زادت مشاكل المجتمع ومحنه الاجتماعية والاقتصادية، إلا وكانت دافعا قويا لإحتدام الحراك داخل الركح السياسي، ينقله البرلمانيون إلى الحكومة بما يملكون من أدوات مكفولة دستوريا كالمحاسبة والمراقبة واستجواب الحكومة بكل دواليبها لما فيه المصلحة العامة للوطن‬. البرلمانيون إذن هم أشخاص ينتخبهم الشعب ليكونوا نوابا عنه في‮ ‬المجالس النيابية،‮ حسب وظائف محددة،‮ ‬منصوص عليها في‮ ‬دستور البلاد،‮ ‬وقوانينها المنظمة لعمل ممثلي الأمة في الهيئات والمؤسسات العامة. لكن أبشع ما في بعض نوابنا، أنهم لم يحاولوا يوما تصحيح فهم دورهم الذي ربما فهموه على انه هو كيف يستطيعون الحصول على القدر الأكبر من المصالح للفرد منهم او لكتلتهم؟ ونسوا أو تناسوا ما حدده الدستور من واجبات و وظائف أنيطت بهم كمنتخبين، والمختزلة في‮ ‬ثلاث مسؤوليات رئيسية وهي‮:‬
أولا: سن القوانين والتشريعات الجديدة أو تعديل المعمول بها بحيث تتماشى مع متطلبات الحياة وتطورات الزمن الذي‮ ‬نعيشه،‮ ‬بما‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى المزيد من الحقوق والحريات لأفراد الشعب،‮ ‬ولا‮ ‬يحد أو‮ ‬ينتقص منها‮.‬
وثانيا: الرقابة على الأجهزة التنفيذية للتأكد من أنها تعمل وفقا لتلك التشريعات والقوانين والخطط العامة الموضوعة للدولة ولا تحيد عنها‮.‬
وثالثا: فحص ومتابعة شكاوى المواطنين التي‮ ‬ترد للنائب سواء عضو البرلمان أو عضو المجلس البلدي،‮ ‬والعمل على وضع الحلول لتلك الشكاوى وفقا للقوانين السارية،‮ ‬شريطة أن لا‮ ‬يؤدي‮ ‬تلبية مطالب بعض المواطنين إلى إلحاق الضرر بالمصلحة العامة لمجموع أفراد المجتمع. ولأجل ذلك يتمتعون بالحصانة البرلمانية لضمان الحماية أثناء التعبير عن آرائهم بحرية، وانتقاد الحكومة وكل من يتحمل نصيبا من المسؤولية في البلاد، مهما سما المنصب الذي يحتله، وفتح جميع الملفات مهما بلغت درجة حساسيتها..
. فهل‮ ‬يقوم نواب الشعب‮ ‬بما‮ ‬يلبي‮ ‬تلك المسؤوليات الموكولة لهم، والمتعارف عليها في كل قوانين الدنيا وتستخدم من أجلها الحصانة؟.‮ مع الأسف هذه العلاقة غائبة في واقعنا السياسي المغربي، وهي معكوسة تماما، لأن بعض برلمانيينا الآتين من الأحزاب الصغيرة والكبيرة على حد سواء، اليسارية منها و اليمينية، الاسلامية أوالليبرالية، وحتى التي في منزلة بين المنازل، لا يقدرون تلك المسؤوليات حق قدرها ويستعملون الحصانة في غير محلها، فعوض أن تكون حصنا للنواب كي يقوموا بواجبهم في خدمة الشعب، فبعضهم يفعل العكس، و"يخدم" الشعب بطريقة أخرى. وعوض أن يستغلوا الحصانة التي يتمتعون بها من أجل محاربة الظلم والفساد، يتخذونها كقناعا يختفون تحته لممارسة نزواتهم المصلحية في واضحة النهار، فلا يضعون حماية الإنسان وتحسين أوضاعه غاية، ولا تحركهم معاناة وعذابات الناس مع الغلاء الفاحش، والفقر المدقع، والتهميش والإقصاء، ولا تؤرقهم حماية الإنسان وتحسين أوضاعه بقدر ما تحركهم الدوافع الإنتخابية الصرفة. فالمواقع عندهم أهم بكثير من لقمة عيش المواطنين وأمنهم وصحتهم وكرامتهم. لذلك لا نلاحظ إلا الركود ونوم أهل الكهف يعم جل معاقل الأحزاب وبرلمانييها كلما تعلق الأمر بمعاناة أبناء هذا الشعب، لأن بعضهم يعتقد ان دوره وواجبه تجاه ناخبيه لا‮ ‬يتعدى رعاية بعض فرق كرة القدم، أو رعاية دورة إسعاف، أو رعاية طبق خير وانتهى الموضوع‮.. ‬والبعض الآخرمنهم لا شغل لهم ولا مشغلة سوى اصدار تصريحات تحكي‮ ‬الانجازات الخرافية، وتروي‮ ‬للعالمين الفتوحات الدنكيشوطية، وكأن الناخبين لا عقول لهم تفهم ولا اسماع لهم تسمع ولا عيون تراقب وتحاسب‮.‬ والبعض من النواب تفرغوا لمهاجمة غيرهم من النواب حتى بلغ‮ الغرور ‬ببعضهم اصدار‮ قرارات حول ما‮ ‬يجوز وما لا‮ ‬يجوز للنواب الآخرين التحدث فيه‮. ‬وكأنم أوصياء‮ ‬على النواب وليس مجرد نواب مثلهم‮..!!‬ والبعض الآخر لا يعرف من العمل التمثيلي سوى متابعة الفضائيات وتسجيل الملاحظات حول ما‮ ‬يسمونه‮ "‬خلاعه ودلاعه"‮ ‬ويرصدون‬ جميع القنوات ويراقبون كل الفضائيات و‮ ‬يقضون‮ ‬الساعات الطوال أمام الشاشة الصغيرة ليخرجوا في‮ ‬النهاية بحصيلة طويلة عريضة حول‮ ‬الاغاني‮ ‬والمسلسلات والمنوعات وحتى ستار اكاديمي‮الذي يتابعونه بدقة دقيقة‮ ‬ليقولوا‮ في النهاية لناخبيهم حرام ما‮ ‬يجري. هكذا قتلنا بعضهم ضجرا، و خابت آمالنا في الكثيرمنهم.. لم نصوت لهم ربما.. لم نؤمن بهم.. ربما أيضا ولكننا حتما استيقظنا ذات صباح ندي لنجدهم هناك خلف المقاعد الوثيرة يشمرون عن سواعدهم لا دفاعا عن مصالحنا او مصالح بعضنا، وإنما يمارسون الاحتراف السياسي أحيانا بخبث شديد وتارة بغباء اشد.

‮ أغرب سلوكات بعض برلمانيينا، والتي تدفعنا لأن نفقد الذرة الأخيرة المتبقية من المنطق ومن العقل ومن القيم ومن المبادئ..هو أن أكثرية حراكهم المسعور، وتباكيهم المفضوح لايبدأ، إلا إذا مست مصالحهم الشخصية، وهددت مكتسباتهم الآنية، عندها فقط، يهبون من بياتهم الطويل، وغيابهم المتكرر، ليدافعوا عن مكتسباتهم المادية منها والمعهوية.. كما وقع مؤخرا حيث صوت المستشارون المحترمون في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بالإجماع لصالح إسقاط المتابعة عن زميل لهم والمنتمي لحزب المتابع في قضية فساد مالي لا علاقة لها بالسياسة أو المعارضة البرلمانية،. ويكفي أن نعرف أن هناك حوالي مائة وثمانين طلبا تقدم بها برلمانيون من مختلف الأحزاب والفرق البرلمانية إلى لجنة العدل والتشريع لإسقاط المتابعة ضدهم في قضايا مختلفة ليست لإحداها علاقة بعملهم النيابي. يعني قضايا تتعلق بالشيك بدون رصيد وباستغلال النفوذ والفساد الأخلاقي وغيره من الجرائم والمخالفات التي لا تعفي أصحابها من المتابعة ولو بوجود حصانة برلمانية. ومن غرائب مجلس المستشارين، أن هذه هي المرة الأولى التي يصادق فيها المستشارون على نقطة واحدة بالإجماع التام! وليست هذه هي النازلة الوحيدة التي يبلي فيها نوابنا البلاء الحسن، فقد سبق قبل شهور، للبرلمانين أن فجروها بركان غضب عارم عم قبة البرلمان المغربي بمجلسيه وبصوت واحد رافضين الزيادة التي مست ثمن وجبتهم داخل مطعم البرلمان، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وناضلوا نضال الاشاوس، بكل الوسائل من اجل تخفيض ثمن وجبتهم داخل مطعم البرلمان من 70 درهم إلى 60درهم. وبما أن الضغط يولد الانفجار فقد اضطر رئيس البرلمان المغربي مصطفى المنصوري اصدار أمره بتخفيض تمن وجبة البرلمانيين. وقد انتفظ نواب الأمة قبل ذلك للمطالبة بالزيادة في رواتبهم وتحسين تقاعدهم، قد تحقق لهم ذالك بسرعة البرق دون الإكترات للظروف والاكراهات الاقاصادية للبلاد التي يتحججون بها كلما تعلق الأمر بتحسين أوضاع المواطنين .
فأحوال الشعب ومعاناته لا تخطر لبعضهم على بال إلا إذا أصبحت الإنتخابات قاب قوصين أو أدنى، فهاك يا الخطب العنترية، وهاك يا الشعارات الفضفاضة، وهاك يالوعود البراقة العرقوبية، وهاك يا الحلول السحرية لكل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وحتى النفسية. إنها قضية شائكة، بل هي معضلة المعضلات التي تتطلب جرأة النقاش وفتح الملفات. لأن التجربة الانتخابية الأخيرة مع الأسف الشديد لم تُظهرأي اختلاف أو تميز بين جل الذين خاضوا غمارها، إذ لم يتميز خلالها التقدمي عن المحافظ ، العلماني عن الإسلامي، ولا اللبرالي عن الاشتراكي ، فقد وقفت جل الأطياف المتنافسة بكل مشاربها المتنوعة وايديولوجياتها المختلفة في منطقة الظل أو ما يسمى بالمنطقة الرمادية، أي بلا لون وبلا طعم وبلا موقف، ونسي أغلبهم كل مبادئه الإيديولوجية والأخلاقية و حتى الدينية وتعاليمها التي اعتادوا الصياح بها كلما اعتلوا منصة أو أمسكوا بمكرفون .
لم تخرج الانتخابات هذه المرة كما في كل مرة عن إطار الرؤى والأفكار العامة الفضفاضة المتشابهة والمتطابقة والمشتركة بين المرشحين برغم تعدد الانتماءات وتنوع المشارب. فالكل يطرح نفس العناوين العامة والأرقام الفضفاضة الخيالية، ويبحث عما هو متطابق فيه مع غيره حتى غدا الجميع متطابقا مستنسخا، فيما الأصل في العملية التعدد والتنوع والاختلاف والتجدد الذي من أجله شرعت الانتخابات لتغيير الوجوه والطاقات كل خمس سنوات. لا أدري لماذا يخيفنا التجديد والاختلاف والتنوع إلى هذا الحد-أم أن في القضية إنة- فبدون اختلاف لن يكون هناك تغيير، ومن دونه لن نتمكن من خلق أ وإبداع أو ابتكار، و سيبقى الحال على ما هو عليه، وسنظل في صراخ الضفادع المؤدي إلى الوهم لا الحقيقة وإلى الخيال لا الواقع.
وهذا في حد ذاته وجه من أوجه الانحراف الخطيرة،‮ ‬الذي ‬يستدعي‮ ‬إجتراح آليات تفرض من خلالها رقابة شعبية دائمة، تحول دون وقوع النائب البرلماني ‬في‮ ‬مستنقع الانحراف من اجل مصلحة شخصية أو حزبية ضيقة، خاصة أن التجربة العملية أثبتت أن هناك قابلية كبيرة أن‮ ‬يتورط العضو المنتخب في‮ ‬بؤرة الفساد،‮ ‬فهو من البشر،‮ ‬والبشر‮ ‬غير معصومين من الوقوع في‮ ‬الخطأ،‮ ‬وفي‮ ‬أحيان كثيرة تكون تلك الأخطاء فادحة ونتائجها كبيرة ووخيمة في‮ ‬حق المجتمع بأكمله..
ومهما استغبى المنتخبون العوام والبسطاء بالخطب الرنانة والكلام المعسول، ومهما استثمروا الدين والمقدسات، ووظفوا التبريرات وحشدوا الأعذار، فلن يكون بمقدورهم إخفاء هوياتهم واجنداتهم الحقيقية طويلا، فهم معرضون اليوم أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في حال ركونهم إلى حالهم الراهنة، واطمئنانهم إلى أدائهم المستفز بغيابهم عن الحضور الفاعل في حياة المواطن المغربي ومساندته في نظاله من اجل الخبز والكرامة، نعم هم معرضون إلى التحول إلى واقع أكثر هشاشة وهامشية مما هم عليه اليوم، خصوصا إذا قورن أداؤهم، بتدخلات الملك محمد السادس ومنجزاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تجاوزت بكثير سرعة حركاتهم السلحفائية، وقد كان من المفروض أن يكونوا في مقدمة تلك الإتفاضات والتظاهرات التنموية، أو على الأقل في موازاتها، يكشفون مواطن الخلل، ويقدمون الاقتراحات، ويفتحون النقاشات المتنوعة للمساهمة في التنمية والتجديد والتطوير الذي يرومه ملك البلاد ويعمل من إجله، ويفرضه الدستورية كواجبات مطلوبة، بل واجب على ممثلي‮ ‬الشعب الوفاء بها تجاه من انتخبهم، خاصة أن طموحات المغاربة ليست صعبة المنال ولا تشكل إعجازا لهم مطلقا. فهي طموحات بسيطة لشعب بسيط لا يريد إلا السكينة والاستقرار، وأن يذهب الأطفال إلى المدرسة لتحصيل العلم والمعرفة، وأن يجدوا بها الرعاية والمعرفة والفرح والسرور، بعيدا عن الخوف والجوع والمرض. شعب لا يبحث عن عيش الأستقراطية والبذخ و الإسراف، كل ما يبغيه ويهمه هو الكفاف والعفاف والغنى عن الانتهازيين المصلحيين في كل ما يتعلق بقضاياه المعيشية والحياة. فالربيع الذي يحلم به المغربي، بسيط جدا ويختزله في مدخول معيشي كريم يتناسب والسياسة السعرية المتصاعدة للسلع والخدمات، وأمن وأمان، ومواطنة متساوية ترسي قيم الحق والعدالة والحقوق، وتنشر قانون الخير والصلاح، وتحترم تعاليم السماء، وتعاقب المذنب والفاسد و تبرئ البريء.
‮ فكيف سيشرح المنتخبون لناخبيهم سبب تلك المواقف السلبية التي واجهوا بها المسيرات الإحتجاجية السلمية ضد التهميش وغلاء المعيشة كتلك التي حدثت في صفرو وأكنفو، خنيفرة، وسيدي إفني، وهل يمكن لمثل تلك المواقف العدمية أن تثمر حلولا ناجعة لمشاكل البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ أم أنهم أصيبوا بزهيمر سياسي حتى نسوا أوتناسوا أنهم طعنوهم حتى النخاع بوقوفهم مع المتفرجين على محنهم، أم هو الابتذال السياسي والفكري والتدهور الأخلاقي في المواقف تجاه من وضعوا كل الثقة فيهم.
وما أظن أن أكثرية هذه الكائنات الإنتخابوية التي لا تنتعش إلا بهواء الانتهازية، ولا تحركها إلا الامتيازات والمصالح، أن تقنع أيا كان من المواطنين ليتعاطف معها بعد أن خدلته في قوت يومه وكرامته، وتخلت عنه وعليه في أحرج المواقف والظروف، وكما يقول المثل الدارجي " اللي بغى الجراب يصاحبو في الليالي" وبمعنى آخرص "الصيف ضيعت اللبن".
مخطئ من يظن أن حزب العدالة والتنمية هو أقوى حزب في المغرب، ومخطئ أكثر من يحسب أن حزب الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي أو غيرهما من الأحزاب التي شاركت في الانتخابات الأخيرة والتي بلغ عددها ثلاثة والثلاثون حزبا، هي أحزاب قادرة على قلب الطاولة في وجه صناع القرار، أوبلوغ الريادة في قلوب الناس. فأكبر حزب وأخطره في البلاد هو حزب الصامتين الذين شكلوا في تشريعيات 7 شتنبر نسبة الثلثين، والذين لقنوا كل الأحزاب التقليدية والحداثية بكل مرجعياتها تلك النتيجة النكراء والتي كانت بمتابة إنذا وتحذير.
صحيح أن الصمت سلوك سلبي خطير، ولكن الأشد خطورة منه، هو أن يستمرء الصامتون هذا الوضع وتتحول أكثريتهم إلى متفرجين على ما يدور حولهم بحجة تمضية الوقت والتسلية بسقطات وهفوات هاته الأحزاب التي تقول ما لا تفعل. فالصامتون بذلك يتسلّون بمصيرهم ويضحكون على أنفسهم، ما دام مالئوا الفراغ هم الذين سيتحكمون في رقابهم كلما تمادوا في صمتهم المقيت..
لكن حزب الصامتين رغم بساطة مكوناته، ليس كما يظن سياسيونا أن غالبية منخرطيه صم بكم عمي أمام ما يجري من دحرجة عنيفة للبلاد نحو الهاوية. إنه حزب أتقن مهنة الصمت دون أن يضيع حواسه الخمس، فهو لم يصب بالعمى كما يتمنى له البعض، إنما أغمض عينيه حتى لا يرى ما يدور حواليه من تلون للمرشحين بين استحقاق وآخر،. صم آذانه كي لا يسمع الأصوات النكراء التي غطت دورات المجالس بما لا تشتهيه طبلات آذانه من الأكاذيب والوعود والترهات، زكم أنفه حتى لا يشم رائحة العفن المنبعثة من إبط منتخب ثقيل الظل، منتفخ البطن، لا يظهر إلا في زمن الحملات القصيرة غير آبه للكوارث المحدقة بالوطن والمواطنين.لم يصب بالبكم، لكنه اغلق فمه حتى لا يصرد جرد حساب ومساءلة لبعض النواب حول أدائهم ومواقفهم و اسلوب عملهم، وخاصة حينما يتعلق الأمر بانسلاخ بعضهم عن ماضيهم المفعم بأفكار التغيير والعدالة والتقدم، و انتسابهم إلى واقع جديد وتنكرهم فيه لكل ما بشروا به اثتاء الحملات الانتخابية.
إن انتقام حزب الصامتين -الضعيف/ القوي- قد يتضاعف في الانتخابات القادمة إن لم يحسن استغلاله وتوظيفه في إطارالواقع والمستقبل، ويستثمر ضعفه القوي لسد الفراغ الذي تستغله التشكيلات السياسية التي تملأ بخوائها كل الفراغات التي يتركها الصامتون بصمتهم، والتي لن تجد بعدها مكانا لها تمارس فيه سياستها التي لا تمارس عادة إلا في حالات الصمت وحالات الفراغ...
لهذا علينا أن نُدرك جيدا أنّ ترك هذا الحزب الصامت تتقاذفه الأيدي وتتلاعب به الأهواء قد ينذر بكوارث اجتماعية مدمّرة، تفتح الباب أمام فتن داخلية تتعدد فيها المرجعيات المُتعصبة لأهوائها داخل المجتمع، فيتحول هذا الثراء وهذا الزخم الذي يتميز به الشعب المغربي إلى تسليم بما هو قائم بصفته المنجز النهائي المثالي الذي لا يمس، والذي لا يمكن الحلم بتغييره نحو الأحسن، مما يغذي شكلا من أشكال الاستسلام. ويأتي ذلك على النقيض من رغبة الكثير من المفكرين والمثقفين التقدميين – الصامتين- في التسلح بالحاسة النقدية والانحياز للعمل في سبيل التغيير نحو الأحسن وعدم الاستكانة للأوضاع القائمة مهما بدا الطريق مسدودا؟ فهل لنا أن نتوصل إلى طرق ناجعة تخرج الغالبية منا من صمتها السلبي، وسلبيتها الصامتة، فلسنا أقل من بلدان ومجتمعات وصلت إلى تحقيق اشراك كل مواطنيها لحل مشاكلهم وبناء مستقبلهم وتحسين أحوالهم بأقل جهد ووقت. ولاشك أنه لدينا آراءا وأفكارا وقوانين وأحزابا وبرلمانيين مواطنين، فقط حاجتنا إلى إخلاص النوايا ونقاوة الضمائر، ومخافة الله الذي سيحاسبنا على أفعالنا واتجاهاتنا ومكنونات سرائرنا قبل ظواهرها. فمتى يراجع الصامتون قناعاتهم وأفكارهم ومواقفهم، ويجروا عليها تعديلات و تدقيقات و تصحيحات قبل فوات الآوان؟؟؟..وما فكرة تأسيس جمعية " لكل الديمقراطيين " إلا لإبتلاع هذه الشريحة من الصامتين وتأطيرها في وضع سياسي متخبط ومتسيب .إستنادا على أرقام العزوف الانتخابي في مقولة غريبة لجأت إليها الحركة، إذ تذكر في خطابات قادتها أن الأحزاب السياسية لم تستطع أن تؤطر سوى 20 في المائة من المواطنين، وأن ثمانين في المائة خارج دائرة التأطير، وأن الذين شاركوا في الانتخابات لا يتعدون 37 في المائة، وهو ما يعني أن 63 في المائة لم تجد الإطار السياسي المناسب لها. وقد استعارت الحركة هذه المقولة من أدبيات اليسار الراديكالي الذي كان يعد نسبة العزوف عن الانتخابات في رصيده السياسي كما يعتبر الأصوات الملغاة شكلا من أشكال الاحتجاج السياسي على العملية الانتخابية المحسوب أيضا على رصيده السياسي.
وبقدر ما تحمل هذه المقولة من تحريف لأسباب ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وبقدر ما تحمل أيضا من تمويه وادعاء تمثيلية الجماهير التي لم تعلن عن موقفها السياسي التفصيلي، بقدر ما تضمر تبرئة للسلطة عن مسؤوليتها في تنامي ظاهرة العزوف، وأيضا في عرقلة مساعي الأحزاب نحو التأطير السياسي الحقيقي للمواطنين، إذ الثابت أن للسلطة دور كبير في إضعاف قدرة الأحزاب السياسية على تأطير المواطنين إن عبر آلية المنع والتضييق أو عبر آلية تضييق هوامش الأحزاب السياسية للفعل والمبادرة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,634,726
- الفساد والإفساد..
- صحافة الحقيقة!
- °°° كثرة المهرجانات تبديد للمال العام
- °°°الوصايا العشر الموصلات لمجلسي النواب والمستشارين
- °°°الشذوذ الجنسي.. أسبابه وهل له علاج؟


المزيد.....




- اليمن... -أنصار الله- تسيطر على مناطق غرب الضالع وتقطع إمداد ...
- مادورو يؤكد سيطرة حكومته الكاملة على فنزويلا
- دوتيرتي يهدد كندا بالحرب
- استمع إلى صوت المريخ
- لماذا خططت -جماعة أمريكية مسلحة لاغتيال باراك أوباما-؟
- حرب اليمن.. ربع مليون قتيل وثلاثة سيناريوهات
- ترامب يقرر عدم حضور مسؤولي إدارته حفل العشاء السنوي لمراسلي ...
- قطار زعيم كوريا الشمالية المصفح يعبر الحدود الروسية
- الثَّوْرَاتُ مُحَصَّنَةَ ضِدِّ السَّرِقَةِ
- سَيِّدِي زَيْنَ العَابِدِينِ .. التَّهْرِيجُ لَا يَلِيقُ بِم ...


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد طولست - °°°الكائنات الإنتخابوية...