أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اخر الاخبار, المقالات والبيانات - برهان شاوي - العــــراق.. بيت للشمــس وللشـجــر محاولة لإستعادة صورة الكاتب الشهيد حميـد ناصـر الجيــلاوي















المزيد.....

العــــراق.. بيت للشمــس وللشـجــر محاولة لإستعادة صورة الكاتب الشهيد حميـد ناصـر الجيــلاوي


برهان شاوي
الحوار المتمدن-العدد: 732 - 2004 / 2 / 2 - 03:47
المحور: اخر الاخبار, المقالات والبيانات
    


العام 1970، هجمة شرسة على الشيوعيين والديموقراطيين من قبل الفاشيست
البعثيين عمت جميع مدن وقرى العراق. حينها كنا فتيان تصطخب الاحلام الجامحة
والرغبات الشبقة في دواخلنا. كنا مجموعة صغيرة نهتم بالأدب ونحبو في باحاته،
ونحاول ان نتعلم المشي في رحابه، كما كنا نتطلع الى السياسة كجزء مكمل
لرجولتنا المبكرة. كنا ما بين الثالثة عشر والسادسة عشر من العمر، نستعير الكتب
من بعضنا البعض،أذكر إن محسن الذهبي كان يزودنا بدواوين نزار قباني وبعض
الروايات الجديدة، وطارق صبري طخاخ، وعطا صبري، ورحمن غيدان،
ومرتضى حسن الذي جاءنا من البصرة، وطالب حسن، وحميد جاسم (ماو)،
وكنا نحظى بتعاطف بعض المدرسين الذين كانت الهمسات تتبعهم لكونهم من
الشيوعيين او المتعاطفين مع الحزب الشيوعي أمثال كريم الشيخ وهمام الشبيبي،
وعادل العامل، وغيرهم.

ذات يوم جاءنا عطا صبري ملهوفا،هل سمعتم : الليلة البارحة اقتحم رجال الأمن
منزل الاستاذ همام الشبيبي واعتقلوه، كما اعتقلوا بعض المعلمين والمدرسين من
المدارس الاخرى أمثال مدرس الرياضة المعروف سعدون(ابوجيشي) ومحمد قاطع
وستار مزبان وحميد ناصر ناصر الجيلاوي، وبعض الطلبة الذين لهم علاقة
بالاتحاد العام لطلبة العراق، وبعض الفلاحين من الحي والنعمانية. حينها امتلأت
قلوبنا الصغيرة بالوجل، لكننا رغم ذلك شعرنا بأهميتنا الشخصية، مثلما شعرنا
بحب وفخر لكل هؤلاء المعتقلين. ومن باب الوفاء لهم شكلنا خلية تنظيمية للاتحاد
العام لطلبة العراق في مواجهة التشكيلات الاولى للاتحاد الوطني لطلبة العراق،
وهو المنظمة الطلابية الرسمية للبعثيين، دون ان يكون لدينا اتصال حقيقي بالتنظيم
الطلابي الذي اعتقل معظم المسؤولين فيه وعليه.

تلك كانت المرة الأولى التي سمعت بها باسمين عزيزين على القلب والذاكرة لحد
الآن، وهما: الاتحاد العام لطلبة العراق، وحميد ناصر الجيلاوي.

بعدها بعام رحلت الى بغداد وبدأت سنوات النضال الحقيقية في صفوف الاتحاد
العام لطلبة العراق. وكنا ابناء الكوت الذين ندرس في بغداد، نحاول ان نعيد
تشكيلات التنظيم الطلابي في المدينة، لا سيما اثناء فترة الصيف، وقد رافق هذا
الأمر بعض الانفراج السياسي النسبي الحذر، وخلال هذه الفترة كان العديد من
المعتقلين قد خرج من السجن، واعيد بعض المفصولين الى وظائفهم.. وسمح
لصحافة الحزب الشيوعي بالصدور، لاسيما الجريدة الاسبوعية ( الفكر الجديد)،
والتي كانت توزع في الكوت داخل مكتبة في شارع المشروع، صاحبها كان
وكيلا للأمن، ويتواجد فيها يوم وصول الجريدة بعض رجال الأمن.

أذكر اليوم الذي فيه تعارفت على الشهيد  الكاتب المبدع حميد ناصر الجيلاوي،
إذ ذهبت الى تلك المكتبة قبل ميعاد وصول الجريدة بقليل، وما ان وصلت حتى
اسرعت بشراء نسخة منها رغم مماطلة صاحبها محاول تاخير بيعها متحججا بعدم
استلام الوصولات والقوائم وما شابه من اعذار، حتى يضمن وصول المخبرين
الذين مهمتهم كانت تنحصر في معرفة قراء صحيفة الحزب الشيوعي في الكوت.
دخلت المكتبة الصغيرة، وتناولت الجريدة مسرعا بعد ان طويتها بشكل جيد وآمن،
ومن ان دلفت الى الفرع الذي يتجه الى مصرف الرافدين، ومقر نقابة المعلمين،
حتى رأيت رجلا أسمر نحيلا، يدلف خلفي الى الفرع نفسه، وكان يبتسم بمودة
ودفء.. لم افهم شيئا، وما ان لحق بي وصار على مبعدة خطوات مني حتى مد
ذراعه الى مصافحا، ومقدما نفسه، حميد.. فتناولت كفه لأشد عليها، وبدأنا الحديث
الأولي المتعثر، لكنه الواثق..كان يعرفني، ويعرف ان لدي محاولات شعرية، لكنه
كان يعرف الكثير عن نشاطي السياسي الطلابي.. كيف لا وهو الكادر المتقدم في
صفوف الحزب الشيوعي في المحافظة .

بعد ذلك صرنا نلتقي باستمرار، كلما سنحت لنا ظروفنا، وكان الأدب والسياسة
يتداخلان في حديثنا. حدثني عن مشاريعه القصصية والروائية، وعن تقصير
الصحافة الحزبية، التي صارت يومية فيما بعد، في التعامل مع أدباء المحافظات.

كان الشهيد حميد ناصر الجيلاوي أنموذجا مختلفا للمثقف الثوري، والمبدع الملتزم،
فرغم ثقافته العالية، وتنوع مواهبه الفنية والأدبية، إنسانا بسيطا ومتواضعا بشكل
متميز، ليس ذلك التواضع المقنع الذي يدخل في باب التهذيب، وانما التواضع
الحقيقي والأصيل..، كما كان ديموقراطيا على خلاف الصورة النمطية للمسؤل
الحزبي والسياسي، فكثيرا ما كان يستقبل آرائي الجامحة والمتطرفة، وفق تعبيرات
الأدب الحزبي، بروح رفاقية حقيقية وبمشاركة جادة وحقيقية في النقاش
والاختلاف، وكثيرا ما كنا نتفق في الآراء، لكنه رغم ذلك يعود ليؤكد ان هذا هو
رأيه الشخصي وانه يدافع رغم ذلك عن موقف الحزب، ورغم انني كنت غير
مقتنع بهذه الطريقة من تبني الآراء، لكنني كنت أحترمها في الشهيد لأنها تعبر
عن وفائه واخلاصه لموقف الحزب، وبالتالي تعكس موقفه الاخلاقي والشخصي
من العالم والاشياء.

 حينما صدرت مجموعته القصيصية الصغيرة ( بيت للشمس وللشجر ) كانت
فتحا أدبيا مهما، وبشارة حقيقية لولادة كاتب مهم سيكون إضافة في القصة
العراقية القصير.. كانت لغته شعرية ، كثيفة، إنسيابية، مليئة بالتعبيرات
والاستعارات والتوريات، لغة مليئة بالشمس والظلال، وكان ابطاله من الفلاحين،
والكادحين والكادحات من ابناء شعبنا، ابطال حقيقيون، لهم تارخهم المعروف
في مسيرة الكفاح ضد القتلة والانذال والفاشيست.

لم تكن تغويه هموم المثقفين الفلسفية والذاتية، ولم يكن يميل الى التجريب لمجرد
المتعة الفنية وانما كان يحاول ان يكن ضمير هؤلاء الفلاحين الذين ترعرع بينهم،
فمنحوه ثقتهم وولائهم، وتلك النسوة اللاتي بحن له ببعض أسرارهن الجميلة،
فحاول بكل نبل المثقف الثوري ان يجسد بطولاتهن الانسانية ومآثرهن الجليلة
في الصبر والصمود ومواجهة محاولات الاذلال والحصار بكبرياء العراقيات
الفضيل.

ورغم التزامه الحزبي المعروف على مستوى محافظة الكوت والفرات الاوسط،
الا انه حينما يكتب كان لا يحتكم الا الى الروح الانسانية وجلال الموقف،
والتواءات الوضع البشري، وارتعاشات الروح وقلقلها وهواجسها وذبذباتها القلقة.

قبل اعتقالي بفترة قصير في نهاية العام 1978 التقيته بعد تلبدت السماء بالغيوم
المكفهرة ونذر الشر، وكانوا قد نقلوه معلما في تكريت، التقينا لدقائق معدودة،
كان حديثنا مشحونا بنبرة الحقد على القتلة والبعثين، وبالعتاب على الموقف المتردد
وغير الحاسم من مجريات الامور من قبل الحزب، لكنه كان أكثر تفاؤلا مني، فقد
كان يذكر بان الحزب مر بمثل هذه المحن وانه سيظل بيتا للشمس وللشجر مهما
حاول القتلة والانجاس والانذال ان يدمروه.

بعد ذلك بسنتين،أي بعد اعتقالي، واختفائي ثم هروبي مشيا على الاقدام من العراق
الى بلد مجاور، ثم وصولي الى بيروت، تذكرت بعض توصيفات الشهيد حميد
ناصر الجيلاوي للقتلة البعثيين، أثناء الحملة الدموية ضد الشيوعيين في نهاية
السبعينات، حينما كنت في بيروت أقرأ رواية ( فارس الأمل ) لجورج أمادو،
إذ تداخل وصف الشهيد مع وصف أمادو للقتلة إذ يقول :( وحل، قذارة، بذاءة،
تعاسة، جراح متقيحة، لحم مصاب بالبرص، صديد جراح، قيء، بصاق، عفونة،
نفاية المواخير، تلك هي الصفات التي تليق بهذه الحثالة من الناس.
إنه من الأفضل، ياصديقي، أن نملأ فمنا بالقذارة، من ان نتلفظ بأحد أسماء هذه
الديدان التي تحمل قلب الوحوش، انهم لقتلة، قتلة باردو الاعصاب، جبناء، بهائم،
منحطون، وان أوسخ كلمة، وأقذر عبارة، تشكلان شيئا لطيف الوقع وقصيدة
غنائية بالقياس الى أسمائهم المتعفنة..).

أخي ورفيقي وصديقي الشهيد حميد ناصر الجيلاوي، ويا أصدقائي ورفاقي
الشهداء، كم يحزنني أنكم لم تروا صنم الطاغية وهو يتهوى تحت زخات أمطار
الفرح التي انهمرت من الحناجر، ولم تروا كيف ضرب أحد اخوتنا الطاغية
بالنعال إيذانا بانهيار جمهورية الرعب، وكيف القي القبض على فارس الأمة
وسيفها الضارب وحارس البوابة الشرقية في جحر وقبر في الأرض سكنه
حيا هاربا من غضب ابناء الشعب العراقي.

أيها الشهيد الجليل، لقد فقدك الأدب العراقي، قبل ان يكتشف بيتك المليء بالشمس
والشجر، وقبل ان يقرأ رواياتك الملحمية، لكنه بلا شك سوف يضيء ذاكرتنا
من خلال نشر نتاجاتك ومؤلفاتك ابداعاتك الجميلة. ونعاهدك ان نجعل من العراق
بيتا للشمس وللشجر.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,102,077,106
- حـول الـثقـافـة الفـاشـية فـي العــراق ( 3-3) دولة البعــث ا ...
- حـول الـثقـافـة الفـاشـية فـي العــراق ( 2-3) الدولة البوليس ...
- حول الثـقـافــة الفـاشـية في العـراق (1-3) أقـنعة الفاشـية ا ...
- الفضائيات العربية.. والتضليل الإعلامي.. والإرهاب 2&3
- الفضائيات العربية.. والتضليل الاعلامي.. والإرهاب -1
- تحيـــة للحـــوار المتـمــــدن... تحيــة لـرزكــار القلب في ...
- الـــدوخــة الفـلســـفية
- ملاحـظـات حـول مفهـــوم الـصــورة في الثـقــافـة العــربيـة ...
- صـــرخـة الحــــلاج حول كتاب (نصوص التصوف الاسلامي) للمستشرق ...
- عرض كتـاب: أندريــه بيـــلي.. في - مشـاكل الإبـــداع
- الســـينمـا.. الموسيـــقى.. وشـكل القصيـدة
- قــُــــداس جنــــائـــزي
- عن الإبـداع.. وسـلوك المـــبدع
- هـل هنـاك ( رأي عــام ) عــربي حقــا؟؟
- حـقـــوق الإنسان فـي البـلـدان العربـيـة...!!!!
- عن قنــــاع المثقـف... العراقي..!
- فـي الثقــافـة الـعراقـيـة الجــديـدة
- مـن قصــــــائد الحـجــــــر
- مـن ( أعـصــــاب ) فلاديميـر فيسـوتسـكي
- الفضائيــات العــربية.. والعـــراق 3 - 3


المزيد.....




- أمريكا تتهم روسيا بعدم الحفاظ على معاهدة الصواريخ النووية
- هجومان لـ -أنصار الله- على الجيش اليمني في مأرب
- مقتل 4 في تحطم طائرة هليكوبتر بالبرتغال
- جونسون آند جونسون في قفص الاتهام
- الهوية الوطنية في مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية
- -كاف- يحدد تاريخ حسم مستقبل أمم أفريقيا 2019
- حادث مأساوي بالبوندسليغا.. لاعب فوق الميدان ووالده يتوفى في ...
- -حشيش فاخر-.. صورة رونالدو لترويج المخدرات
- بالفيديو.. العراقي سلومي هاوي الطيور والقطط
- -منحة من أجل النجاح- غيّرت حياة أربعة آلاف فتاة مغربية


المزيد.....

- فيما السلطة مستمرة بإصدار مراسيم عفو وهمية للتخلص من قضية ال ... / المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية
- الخيار الوطني الديمقراطي .... طبيعته التاريخية وحدوده النظري ... / صالح ياسر
- نشرة اخبارية العدد 27 / الحزب الشيوعي العراقي
- مبروك عاشور نصر الورفلي : آملين من السلطات الليبية أن تكون ح ... / أحمد سليمان
- السلطات الليبيه تمارس ارهاب الدوله على مواطنيها / بصدد قضية ... / أحمد سليمان
- صرحت مسؤولة القسم الأوربي في ائتلاف السلم والحرية فيوليتا زل ... / أحمد سليمان
- الدولة العربية لا تتغير..ضحايا العنف ..مناشدة اقليم كوردستان ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- المصير المشترك .. لبنان... معارضاً.. عودة التحالف الفرنسي ال ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- نحو الوضوح....انسحاب الجيش السوري.. زائر غير منتظر ..دعاة ال ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- جمعية تارودانت الإجتماعية و الثقافية: محنة تماسينت الصامدة م ... / امال الحسين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اخر الاخبار, المقالات والبيانات - برهان شاوي - العــــراق.. بيت للشمــس وللشـجــر محاولة لإستعادة صورة الكاتب الشهيد حميـد ناصـر الجيــلاوي