أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين النصير - أدباء عراقيون -ابو كاطع: شمران الياسري















المزيد.....

أدباء عراقيون -ابو كاطع: شمران الياسري


ياسين النصير

الحوار المتمدن-العدد: 139 - 2002 / 5 / 23 - 08:59
المحور: الادب والفن
    




أدباء عراقيون
ابو كاطع: شمران الياسري 1926- 1981

لم تعد ذكرى شمران الياسري " أبو كاطع" مجرد ذكرى لأديب مات في الغربة، بعيدا عن أهله واصدقائه وأرضه، فالموت في الغربة هذه الأيام من أكثر الأمور عادية في حياة الأدباء والمثقفين العراقيين.
فهو موت للجسد وموت للذاكرة أيضاً.
كما حدث لمصطفى عبود ومصطفى عبد الله ومحسن اطيمش و للجواهري والبياتي وللفنانة زينب ولشريف الربيعي ولعزيز السماوي وغيرهم.
كما هو موت لأدباء الداخل أيضا ذلك النمط الذي لم تشهد مثله بلدان العالم هو أن يموت الأديب نتيجة نقص في الحرية والرأي والدواء.
بينما تصرف الملايين على ملذات وجرائم الثقافة في مهرجاناتها.
الموت لكلا الطرفين قائم قبل أن يهاجروا عن أوطانهم أو أفكارهم.
وما تبقى من حياتهم بعد الهجرة.
وموت الحرية ليس إلا مراوحة في السرير ذاته، بين أن يعالج وضعه بكبرياء المثقف الذي لم يبع نفسه، وبين أن يعيد ترتيب ما تبقى له من أوراق بعد أن أهملها.
وعندما يكون المثقف بين هذين الأمرين يأتي الزمن على بقيته المتعبة فيصادرها القبر والكفن.
هي أذن محنة الثقافة التي أراد زبانيتها في العراق أن تتحول إلى ثروة مهملة ملغية ومتروكة على أرصفة الموانئ والطرقات.
وأراد لها البعض من مدعي التقدمية أن تكون لهم هوية يتاجرون بأسمائهم دون مد يد العون لهم.
ومع ذلك لا نقول أننا نكابر، فثمت موت ثالث يأتي هذه المرة من النسيان : نسيان الأديب أو الفنان.
ذلك الداء الذي يصاب به أدباء الخارج أكثر من سواهم.
فالحياة هنا تفرض عليهم أن تكون أعينهم مصوبة للغد المبهم رغم توفر المال والطعام.
شمر المثقفين في المنافي ليسوا بخير وأن طالت أيديهم جيبوهم هذه المرة.
المثقفون في الخارج بدأوا ينسون أمثال أبو كاطع الصوت الشعبي الممتلئ ثقافة بالحياة، الصوت النقي الذي امتلأ بلا السياسية والثقافية.
فيحول مفرداتها البسيطة إلى حكم وأمثال شعبية - سياسية.
ذلك الصوت الذي كان يهدر من إذاعة بغداد ببرنامجه المعنون " أحجيها بصراحة ".
وبقي البرنامج لصدقه ونظافته لصيقا بموقف إنسان قلما يغادر ذاكرتنا.
وينسون الجواهري والسياب وبلند ومصطفى جمال الدين وينسون يوسف الحيدري ومحمود جنداري وموسى كريدي وسامي محمد وجعفر علي وغيرهم.
السياسي والأديب شمران الياسري أحد المثقفين الذين ربطوا بين الثقافة والسياسة بروح شفافة ملفته للنظر فهو وأن انتمى لحركة الحزب الشيوعي كان على خلاف معها في مواقفها غير الدقيقة مما سبب له تعبا فوق تعب ملاحقة السلطة له وهجرته وغربته حتى في بلده.
وفي برنامجه اليومي المثير للجدل " احجيها بصراحة يا أبو كاطع"يكشف فيه عن مساوئ سلطة وطبقات متنفذة وعن تشويه للتاريخ وعن إلغاء للفقراء والعمال، وعن تحريف للثقافة وللمثقفين كان يسجل فيه يوميا عما يستجد على أرض الواقع، وعما لم يتغيرفي أرض الواقع ايضاً.
الصوت الذي جلب عليه المطاردة والنفي والاختلاف ليستقر المطاف به في هنغاريا، محتذيا باراتها الليلية وصحبة بألسنة مختلفة واناس يستطيب بهم المجلس كلما كان هناك شأن عراقي.
ثم يموت بحادث طرق في يوم ممطر لم يكن معه إلا صديق هنغاري.
ويصادف أن يكون موته في يوم قصدته شخصيا آتيا إليه من بغداد ومعي هدية خاصة له- بطل عرق مستكي- طالما كنا نشربه معا.
هدية هي بعض مما يسري النفس ومجموعة من كتب عراقية، لكنه لم يقرأها فقد غادرنا في يومها إلى مثواه الأخير.
وكنت في يومها في بيت الناقد والمترجم مصطفى عبود.
الموت بالنسبة لأبي كاطع كان كامنا في مرابع طفولته، عندما انتمى لحركة سياسية تقدمية قادته للسجن مرات عدة، وللهرب ، وللأختباء وللظهورللعلن وللمطاردة وحتى محاولة الأغتيال.
يكتب أبو كاطع احاديثه الإذاعية باللهجة الشعبية المفهومة من قبل كل العراقيين مستجلبا فيها حسجة الجنوب، وموال أواسط الفرات، وهوسات العشائر وغناء البادية، ومنابر الحسينيات، وثقافة الريف الحكائية.
ومن داخل هذا التركيب الثقافي العراقي الغائر في الشعبية، كتب أبو كاطع روايته المهمة "الرباعية " حيث جسد فيها تاريخ المجتمع العراقي من خلال مفردات الريف الاقتصادية والسياسية والفكرية.
بنماذج لا تنسى، وبشخصيات حية مكسوة بلحم العراق السياسي وبدمه الوطني وبثقافته الفطرية.
فرسم لنا شمران اليسري خريطة لأناس الريف وهم يتطلعون لعراق توزع أراضية على عمالها، ويتقاسم ابناء العراق ثرواته، ويتعلم أطفاله في مدارس لا يقرأون فيها نشيدا غير النشيد العراقي الحقيقي، ويفهم أناسه العلاقة بين المدينة والريف من خلال تعاملهم مع الماكنة والبذور والنقود ، ويعرفون أن رعاة الغنم هم أيضا بشر لهم حقوهم ومواقفهم .
ومن داخل هذا التكوين الريفي يطل شمران الياسري على حركة الحداثة وعلى أفكارها الجديدة لبناء مجتمع عراقي .
وفي الوقت نفسه كان يكشف عن الموت الكامن في كل خطوة يخطوها الريف إلى الأمام كان يحذر وينذر أن لا تؤمنوا بمطر الصيف فهو قاتل للزرع وللضرع.
فكما أن للتقدم نموا يكون للتخلف والرجعية وقوى الردة نمو متصاعد.
يعالج المواقف المتناقضة لقوى التقدم ولقوى الردة بشيء من السخرية المريرة التي جلب عليه عداء أصدقائه قبل اعدائه.
مما اضطره الموقف المتناقض خاصة في مرحلة ما يسمى بالجبهة الوطنية إلى مغادرة العراق ابتعادا قسريا عن ريفه وناسه وثقافته وحزبه.
ليموت في أرض غريبة رغم امتلائها بالحب له، ويموت ثانية في ذاكرة أصدقائه رغم تذكرهم له، ويموت في السرد الحكائي الذي نجد تأثيره على الكتاب واضحا.
تعرض أبو كاطع في بغداد لابشع انواع الممنوعات ابتداء من سجنه، مرورا بفترات اختفائه إلى منعه من تقديم برنامجه الاذاعي ، إلى رفض طباعة رباعيته المشهورة،وأخيرا مغادرته العراق عام 1976 بعد أن حرم من الكتابة حتى في الصحافة الشيوعية.
يقولون عنه أنه لا يحب أن يكون مع المنتصرين، بل مع أولئك المنسيين والمهملين والعاديين والخاسرين ، فهم نبع كتاباته، وهم سجله اليومي.
ومنهم كان يستمد مادته الثقافية الساخرة ومن مواقفهم المفترقة يبني كيان مقالته.
كانت له ذاكرة تجمع بين الحكاية القديمة ووالحكايةالشعبية الحديثة جمعا يجد له متكئا في الحياة اليومية للناس.
وفي برنامجة أو عموده الصحفي اليومي يؤكد ابو كاطع حضور الثقافة الساخرة الواخزة الناقدة في حياة الناس وهواسلوب لم يكن أحد من المثقفين العراقيين يقترب منه لصعوبته ما عدا القلة من المثقفين العراقين الذين برعوا في الكتابة الساخرة من بينهم صاحب جريدة حبزبوز وابو سعيد وقله أخرين.
فالسخرية هي فن الصعوبة، لعل الفن الكاركتيري العراقي من أكثر الفنون شعبية لما يمتلكه من بساطة تعبيرية ساخرة مرسومة بالصور المضحكة في الموضوعات الساخرة التي يعالجها أبو كاطع يوميا نجدها مستلة من نماذج معينة تتمثل بالناس بدأوا بالتحول من وضع قديم إلى وضع جديد لم يستطيعوا استيعابه، الفقير الذي صار غنيا والجاسوس الذي تحول إلى وطني والاقطاعي الذي اصبح فلاحا والنمتنز النقود إلى فاقدها والراعي إلى ملاك وهكذا ففي مثل هذه النماذج تكمن السخرية والمفارقة والمواقف الماساوية.
ولانه سياسي منتم لحزب سياسي وكي يصل إلى هدفة بيسر وسهولة كانت كتاباته تخضع لعامل النقد، ولكنها في الوقت نفسه تمتلك الثقافة المفارقة، فهي معلومات عن التحول القافز، وحكاية مفارقة، وطراوة في الأسلوب واقتصاد في الكلمات..
فالريف العراقي منذ القدم وما يزال هو المعين لثقافة المدينة، ولانه ريف تربى على الحرمان والسعف والجوع نتيجة سيطرة الاقطاع وتجار المحاصيل اصبح مادة لثقافة القص والشعر والغناء وخزينا لحكايات الاقدمين يرويها قاص القرية مازجا بينها وبين حكايات ألف ليلة وليلة وكأن الزمن في قرانا العراقية لم يتقدم.
ولهذا نهض الريف في الحكايات الشعبية وفي الأدب الساخر أكثر مما نهضت المدينة.
من يقرا رواية ابو كاطع " الرباعية" قد لا يجده روائيا متمكنا من فن القص، ولكنه يجده كاتبا استخدم فن الرواية للقول عن أوضاع مجتمع مضطرب.
وفي مرحلة من أخصب المراحل سياسيا، فقد كانت كتاباته بارومتر الحياة الاجتماعية، منها يستلم القارئ الظروف التي يمر بها العراق.
ومنها يغادر إلى سواها.
وفي المحصلة أن هذه الرباعية التي لم تلق النقد الذي يليق بها، مهدت لأدب ريفي اجتماعي تشرب في العديد من كتابات الأدباء العراقيين لاحقاً.

شخصيا كنت من اصدقاء شمران الياسري ، ابو كاطع فهو مدير تحرير الثقافة الجديدة وأنا محرر فيها بالقسم الثقتافي مع نخبة أدبية بينهم الناقد فاضل ثامر وهاشم الطعان والفريد سمعان.
ومعنا عدد من الكتاب.
في هذا المطبخ اليومي للثقافة الجديدة كنا نطل على تاريخ العراق من خلال ثلاثة صور الاولى ان موقع الثقافة الجديدة كان في الباب الشرقي ومن حولها عدد من مراكز الأمن والاستخباراتةوحركة المدينة وصخبها وتحولاتها ومظاهراتها ومصادماتها فبغداد لا تراها إلى في ساحة التحرير.
الثانية أن مجلة الثقافة الجديدة يومذاك ليست الثقافة الجديدة اليوم كانت مجلة نابضة بالحداثة والتقدم تضع في حسابها ثقافة العراق قبل ثقافة الدول الأخرى.
الثالثة أن الفترة التي كنا نعمل بها وهي بداية السبعينات تشهد في يوم واحد اغتيلات سياسية ومفاوضات لقيام الجبهة الوطنية.
ولا تدري أين تذهب بعد ان ينتهي الدوام في الثقافة الجدية هل تذهب إلى بيتك، أم إلى مكان مجهول وأنت معصوب العينين.
في هذا الجو كان أبا كاطع مديرا للثقافة الجديدة وفي الوقت نفسه كان ممنوعا من الكتابة.
ولما لم يستطع الموازنة قرر الرحيل عن العراق ليسكن في هنغاريا ويموت في جيكوسلوفاكيا ويدفن في مقبره فارغة إلا من حنين وطن وكلمات قليلة.

yne.alnasayyir@wanadoo.nl









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,007,862
- أدباء عراقيون- غائب طعمة فرمان


المزيد.....




- مثير: بوعشرين يلتمس العفو الملكي !!!
- العطلة الصيفية في موريتانيا.. موسم الهجرة إلى -محاظر- القرآن ...
- الأستاذ معلم السينما
- وأخيرا.. لجنة بمجلس النواب تنهي -بلوكاج- القانون الاطار للتر ...
- فرنسا و«وليدات العنصرية»!
- ابن كيران يخسر معركة القانون الاطار للتربية والتكوين
- بي تي أس في السعودية: لماذا تريد الرياض أشهر نجوم الفن على أ ...
- الفنانة المصرية أمل رزق: -مش محتاجة غير ستر ربنا-
- -فنانة العرب- أحلام الشامسي -ترقص- في السعودية!
- أمانة البيجيدي تعاقب منتخبي -المصباح-


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين النصير - أدباء عراقيون -ابو كاطع: شمران الياسري