أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - التضخم















المزيد.....



التضخم


محمد باليزيد

الحوار المتمدن-العدد: 2341 - 2008 / 7 / 13 - 01:57
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


مقدمة: لقد ملأ الكلام عن الغلاء، بكونه الهم اليومي في هذه السنوات الأخيرة لعدد هائل من سكان كوكبا، الصحف ونشرات الأخبار. واهتم به المسؤولون من أبسط المستويات إلى أعلاها. كما تحدث الاقتصاديون وغيرهم عن التضخم، بصفته الظاهرة الملازمة أو المسببة للغلاء(0)(a). والحقيقة أنه غالبا ما يخلط البعض، غير المختصين طبعا، بين مفهومي الغلاء والتضخم ويعتبرهما اسمان لمسمى واحد. إلا أننا نعتبر التضخم تمظهرا لأسباب اقتصادية وسياسية ينتج عنها التضخم ثم الغلاء. مع الإشارة إلى أنه يمكن أن يحدث، وإن كان هذا نادرا، الغلاء دون تضخم. تجدر الإشارة، منذ البداية، إلى أنه لولا النقد، لما استطاع احد الكلام عن ظاهرة اسمها التضخم. فإذا نحن حاولنا أن نتصور اقتصادا خاليا من النقد، معناه أن التبادلات تتم فيه بالمقايضة أو ما شابهها، فلن يحدث في هذا الاقتصاد خلل يشبه ما نسميه اليوم بالتضخم. اللهم إلا إذا تحولت إحدى السلع ، كالملح أو النحاس مثلا لدور يشبه النقد. فهذه الظاهرة إذن مرتبطة بما يسمى ب"الاقتصاد النقدي". من هنا كان ربط التضخم بالنقد مسألة لا بد منها.
I)) محاولة تعريف: يعرف التضخم، "l’inflation"، غالبا على أنه "الغلاء (b)(c)المستمر والمعمم والانخفاض المستمر لقيمة النقد وقدرته الشرائية." كما يعَرف كذلك بعبارة أبسط: "التضخم (d)هو زيادة الكتلة النقدية باستمرار بنسبة تفوق زيادة الإنتاج أو السلع." ولكن لنخرج من بعض الغموض الذي يكتسي هذا التعريف يجب أن نشير إلى أن هناك وضعين يمكن أن يكونا معنيين بالقول. الوضع الأول هو أن "المواطن، وليس النقد، تنخفض قدرته الشرائية ويضيق عليه الرزق." والوضع الثاني هو أن "المواطن يرتفع دخله بارتفاع التضخم ويحافظ على قدرته الشرائية كما هي على الأقل." نلاحظ من وجهة نظرنا أن "الغلاء" يشير إلى الوضع الأول أكثر مما يشير إلى الوضع الثاني. أما مسألة انخفاض قيمة النقد، فيمكن أن يفهم منها الوضعين معا. هذه الملاحظة ضرورية كي نبتعد عن نهج سائد لدى بعض الاقتصاديين والمتمثل في جريهم وراء الأرقام دون الاهتمام، وربما دون أن يدركوا حقا، ما تعنيه هذه الأرقام من وضع اجتماعي ومن إعادة هيكلة للمجتمع وغير ذلك من مساوئ ومحاسن التطور الاقتصادي. بعض المنظرين ربما يتجاهل ذلك متوهما أن ابتعاده عن المدلول الاجتماعي للأرقام يجعل منه المُنظر المحايد، المتعالي عن الصراع الطبقي(1)، الذي لا يؤثر أصله، وليس انتماءه لأن هكذا شخص لا انتماء له أصلا، الاجتماعي على مصداقيته العلمية. ونحن نرى العكس: إن عدم اهتمام المنظر بالمدلول الاجتماعي للأرقام يجعل منه مجرد آلة حاسبة ثم أن معرفة ما وراء الأرقام هو وحده الطريق نحو علاج الوضع الذي أنتج هذه "الأرقام".
II)) أسباب التضخم:
من أسباب التضخم التي يذكر الاقتصاديون الكلاسيكيون ما يلي:
أ‌) الكلفة(e) l’inflation par les couts (2) ومعناه أن السلعة قبل أن تصل السوق تمر بمراحل متعددة من مراحل الإنتاج. وارتفاع ثمن/كلفة مرحلة من هذه المراحل يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع ثمنها في السوق. فأن يرتفع ثمن بعض المواد الأولية أو ترتفع كلفة النقل أو كلفة اليد العاملة أو ترتفع نسبة الضرائب التي تطالب بها الدولة. وكذا ارتفاع سعر الفائدة الذي ترتفع بموجبه حصة الرأسمال المالي في فائض القيمة وكذا هامش ربح الرأسمالي. رغم أن كثيرا من الاقتصاديين لا يناقشون حين الكلام عن الكلفة سوى كلفة العمل. كل هذا وذاك يؤدي في النهاية إلى ارتفاع سعر السلعة في السوق. والحقيقة أن هذا العامل المسمى "الكلفة" يطال تقريبا كل العوامل التي تؤدي إلى التضخم.
ولكن، كي يكون تحليلنا أقرب إلى الصواب، يجب أن نشير إلى أنه حين نقول مثلا ارتفاع المواد الأولية. فإننا نعني أن هذا السبب هو السبب الأول والأصلي وليس نتيجة سبب آخر وإلا سنكون كمن يدور في حلقة مفرغة. ارتفاع المواد الأولية يكون نتيجة إحدى العوامل التالية، دون الحديث عن كلفتها الذي سيدخلنا كما قلنا في حلقة مفرغة: أولا عدم إمكانية الزيادة في إنتاجها لمسايرة الطلب المرتفع وذلك بسبب ندرتها في الطبيعة أو انتهاج سياسة عدم التبذير خوفا من نفاذها أو نتيجة احتكارها من طرف شركة أو شركات معينة. ورغم أن التضخم يعني ارتفاع أسعار جميع، أو جل، المواد فإن تحليلنا المرتكز على مواد معينة أو مادة واحدة ليس سوى ضرورة منهجية. كما أن مناقشة سبب ما بمفرده لا يعني عزله عن السياق العام. إن ارتفاع سعر مادة أولية بسبب الاحتكار يعني بوضوح أن هذه الفئة الاجتماعية المتحكمة في هذه المادة إنما تحاول الاستفادة من تحكمها ذاك لتغيير قواعد اقتسام الدخل الوطني لصالحها. أما ارتفاع سعر مادة نتيجة ندرتها، خاصة إذا كان معدنا مثل البترول أو مادة قابلة للنفاذ كالخشب، فله مفعولان أنظر المقال: الغلاء، رابحون وخاسون (a). أما ارتفاع سعر مادة كبعض الفواكه مثلا نظرا لندرة الظروف التي تنتجها فله مفعول واحد هو جعل استهلاك هذه المادة حكرا على فئات محدودة سواء على المستوى الوطني أو الدولي. العامل الثاني المتحكم في ارتفاع الكلفة هو الضرائب المفروضة من طرف الدولة. ولأن الضرائب هذه تجمعها الدولة لتصرفها على الخدمات الاجتماعية أو الاستثمار البعيد المدى كالطرق والبحث العلمي وغير ذلك. إذن فزيادة الكلفة بهذه الطريقة، وإن كان يؤدي إلى غلاء الأسعار وارتفاع كلفة العيش، فهو كذلك ادخار عام تقوم به الدولة بصفتها الراعية الوحيدة للمصلحة العامة. هذا الادخار الذي سيؤتي أكله على المدى المتوسط أو البعيد. فالتضخم الناتج عن هكذا سبب لا يعني الغلاء بقدر ما يعني تحويل قسط من الدخل لتحسين ظروف المواطن مستقبلا. العامل الثالث المتدخل في الكلفة هو اليد العاملة. لكن قبل أن نتحدث عن هذا العامل سنتطرق إلى عامل آخر ألا وهو هامش ربح الرأسماليين أرباب الشغل أو الممولين، أصحاب الأبناك، فهذه الفئة لأنها المتحكمة في عملية الإنتاج والبيع كلما ارتأت أن موازين القوى لصالحها، للإشارة فإن بعض الاقتصاديين يتغافلون موازين القوى الاجتماعية ولا يتكلمون سوى عن ميكانيزمات السوق، وأنها يمكنها أن تزيد من هامش ربحها، على حساب الفاعلين الآخرين مثل بائعي المواد الأولية، الفلاحية مثلا، أو العمال المنتجين فهي لا تتردد في ذلك. أما عامل اليد العاملة، فرغم أنه عامل مهم في عملية الإنتاج، إلا أنه بالنسبة لمسألة تحديد الكلفة يبقى غالبا مجمد الفعل/مخصيا. وذلك نتيجة موازين القوى التي نادرا ما تكون لصالحهم بفعل تشتت العمال وقلة وعيهم بمصلحتهم وعدم تنظيمهم. ولو أن العمال منظمين فعلا، ولو أن النقابات جادة في الدفاع عن حقوق العمال، مع احترامنا للعمل النقابي وتقديرنا للإكراهات التي تجعله دائما في موقع الدفاع بعيدا عن الهجوم، لوجدنا عمال كل وحدة إنتاجية مصرين على أن تُحَدد أجورهم تبعا للكمية التي ينتجون وسعر تلك البضائع في السوق ولكانوا مصرين على معرفة كم يأخذ رب المعمل بصفته صاحب رأس المال ومنظم العمل وكم يأخذون هم بصفتهم منتجين إلى حدود الإرهاق أحيانا. ولأن هذه الفئة، العمال، لا يتمتعون بأية سلطة قرار، كما أوضحنا، يبقى فعلهم مجرد رد فعل جد متأخر بعد أن يشعروا أن الأسعار في السوق، أسعار المواد التي ينتجون بأيديهم، لا يستطيعون شراءها. وهنا يطالبون بالزيادة في الأجور ولا يحصلون إلا على جزء يسير مما يطلبون. لهذا نرى أن اعتبار كلفة اليد العاملة كمسؤول عن التضخم هو مجرد تغليط. وما دمنا قد تطرقنا لمسألة المواد الأولية، فإننا لا نستطيع أن نمر مر الكرام دون التطرق لمسألة سعر البترول. هذه المادة اللغز التي أصبحت تتحكم في اقتصاد العالم. لقد سمعنا منذ أيام، شهر ماي 2008، أن الكنغريس الأمريكي يناقش، أو سيناقش، مشروع قانون يتيح فرض عقوبات على الأوبك بصفتها المسؤول الأول عن ارتفاع سعر البترول بشكل مستمر وبالتالي كمسؤول عن الفوضى والأزمة التي تهدد الاقتصاد العالمي!! لقد ارتفعت أسعار البترول تقريبا 100% في ظرف وجيز، من 70 دولار إلى 135 دولار. يعلم الجميع أن بترول دول الخليج والسعودية والعراق لا تتحكم فيه سوى الشركات الأمريكية بالإضافة إلى تحكمها في بترول دول أخرى ذات سيادة بالمقارنة مع الدول المذكورة. وأن بترول الوطن العربي بالإضافة إلى البترول المستخرج من الأراضي الأمريكية. يشكل قسطا جد مهم من المعروض في السوق. فمن المتحكم إذن في سعر البترول؟ مسترشدين بالمبدأ القانوني القائل بضرورة معرفة المستفيد من الوضع الذي يترتب عن أي فعل إجرامي قبل البحث عن المجرم المفترض. من يتطوع، قبل أن ندين الأوبك، ويصرح لنا بنصيب الخزينة الأمريكية من فائض القيمة في صناعة وتجارة البترول العالمية؟ (3). إن زيادة أسعار هذه المادة باستمرار لا يفسرها سوى الزيادة المهولة في إنفاق الولايات المتحدة الأمريكية على الحروب خارج أراضيها لمحاربة كل "أنواع الإرهاب". سواء كان عقائديا وتحرريا يرفض السيطرة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي كما في الشرق الأوسط أو إيديولوجيا تحرريا مثل أنظمة أمريكا اللاتينية أو وطنيا يطمح إلى استرجاع الشخصية الوطنية وعدم القبول بالوصاية الأمريكية على العالم مثل طموح كوريا الشمالية وإيران إلى امتلاك الطاقة النووية(4). الارتفاع المهول لأسعار البترول إذن هو نتيجة كون الاقتصاد الأمريكي، (USA)، اقتصاد حرب ونتيجة إرادة هذه الأخيرة في تغيير توزيع الدخل العالمي لصالحها منذ أن أحست أن موازين القوى، في هذا العالم الذي سيصير يوما بعد يوم مجرد وحدة موحدة للإنتاج والتسويق، صارت لصالحها كفاعل اقتصادي دون غيرها.
التفسير الآخر للتضخم هو ما يعرف بالتضخم نتيجة الطلب. L’inflation par la demande. هذا التفسير الذي يعتمد على نظرية العرض والطلب. أي أن الأسعار هي نتيجة تلاقي العرض والطلب. وما دمنا هنا أمام تضخم يعني جميع الأسعار فالمسألة إذن لا تتعلق بمادة واحدة أو بضع مواد، وإنما بعدد كبير من المواد أو بمادة قادرة على أن تنقل عدواها إلى جميع المواد كالبترول مثلا. فهل ازداد الطلب على البترول في هذه الفترة الوجيزة بنسبة 100%؟ إن الجواب بنعم يعني أن استهلاك أو على الأقل الحاجة إلى استهلاك هذه المادة قد تضاعف. وهذا واضح أنه غير صحيح لأن النمو الديمغرافي خلال هذه الفترة لن يكون قد ازداد، تراكميا، بأكثر منن 10أو 15%. وحتى إذا أخذنا بعين الاعتبار تغير عادات الاستهلاك مثل زيادة نسبة الأشخاص في العالم الذين يملكون سيارة فإننا لن نصل إلى أكثر من نسبة 20%. أما إذا أخذنا بعين الاعتبار تحول بعض الدول من الاعتماد على الطاقة الأحفورية إلى الاعتماد على الطاقة النووية، في الأغراض السلمية طبعا، فسوف نجد أن الحاجة، والتي تعني الطلب اللهم إلا إذا كانت هناك حاجة إلى التخزين(5) زيادة على الاستهلاك، أن هذه الحاجة قد تقلصت ولم تزدد فمن أين إذن أتى ارتفاع أسعار النفط؟ وهكذا إذن نجد أن نظرية العرض والطلب، والأوبك تحاول الرفع من إنتاجها، أن هذه النظرية غير صالحة لتفسير الوضع الحالي. ومع ذلك يجب أن نشرح ما تعنيه هذه النظرية على المستوى الوطني(6). إن زيادة الطلب، أو كون الطلب يفوق العرض، يكون نتيجة أسباب منها مثلا: أ) زيادة النمو الديمغرافي. في هذه الحالة زيادة السكان تعني كذلك زيادة اليد العاملة، أي قوى الإنتاج، بما يعني زيادة المادة المعروضة في السوق بنفس القدر أو أكثر. ما عدا بالنسبة لبعض المواد التي لا يمكن زيادتها والتي تخضع لمبدأ الندرة وهذه الحالة لا تعني الغلاء المعمم كما أسلفنا. ب) توجيه كمية إلى التصدير وتقليص العرض الداخلي. وهذه المسألة، في حد ذاتها، لا تعني الغلاء المعمم. ذلك أن التصدير إنما يتم من أجل موازنة الاستيراد. أي من أجل جلب مواد وخدمات لا تنتج داخليا. فهو إذن من أجل تحسين عيش المواطن. لكن حين يتم التصدير من أجل جلب سلع لا يستهلكها عموم المواطنين، كسيارات فخمة جدا أو ما شابهها، هذه المواد التي تتطلب نظرا لطبيعتها كميات أكبر لموازنتها، فإن هذا يعني تحويل الدخل الوطني إلى تلبية حاجيات شرذمة قليلة جدا على حساب فئات عريضة لم تتخطى بعد عتبة الفقر. وهذه الحالة جد منتشرة اليوم في دول العالم الثالث والمغرب واحد من هذه الدول. إذ كلما أعلن عن توسيع مجال التعامل التجاري مع الاتحاد الأوربي، ورُوج لذلك عبر الإعلام الرسمي كما لو أنه خطوة نحو الرخاء، كلما رأى المواطن قدرته الشرائية تنقص نتيجة هروب سلع من السوق كان في حاجة إليها وقادرا على شرائها، كالخضر والفواكه والأسماك، ودخول سلع إلى السوق منها ما يملأ الفيترينات في المدن ولا يستطيع المواطن سوى التفرج عليها ومنها ما "لا عين رأت ولا قلب وجع". نحن هنا إذن إزاء سياسة إغناء الأغنياء وتفقير الفقراء. ولسنا إزاء "ميكانيزمات السوق". ج) أما حين تقلص الدولة الضرائب على الدخل بشكل يؤدي، حسب النظرية التي نحن بصددها، إلى ارتفاع دخول المواطنين ويرتفع بالتالي طلبهم للبضائع مما يؤدي إلى تجاوز الطلب للعرض فالغلاء. إن "تقليص الضرائب" ليست ذاتها في كل حال وفي كل ظرف. فعن أية ضرائب نتكلم؟ من المعروف أن الضرائب تجمعها الدولة من أجل القيام بخدمة عامة. لنأخذ نوعين من الضرائب، المعمول بها في النظام المغربي، وهما الضريبة على القيمة المضافة، (TVA) ،والضريبة العامة على الدخل، (IGR). والأخيرة غالبا ما تطبق بالمبدأ التصاعدي. أي أنه كلما ارتفع الدخل ترتفع النسبة المخصومة منه. وحتى دون تطبيق المبدأ التصاعدي، فإن تطبيق نفس النسبة على الدخول، مثلا 10%، يجعل الأفراد يساهمون بأقساط غير متساوية في الخزينة العامة. لكن كل هؤلاء الأفراد يستفيدون من الخدمات العامة بنفس الحظ. وهذا التدخل من طرف الدولة هدفه الحفاظ على التوازنات الاجتماعية وتخفيف "فعل السوق" الحاد في توزيع الدخل. والتخلي عن هذا يعني تخلي الدولة، بقرار سياسي وإن يكن غير معلن، تخليها عن التدخل لصالح الفئات الضعيفة. وهذا ما تتجه نحوه اليوم السياسات الدولية، أي الاتجاه نحو الليبرالية المتوحشة(7). أما فيما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة فالأمر مختلف شيئا ما. فهذه الضريبة، ما بين 15 و20% من قيمة كل سلعة، تفرض على السلع في السوق. كل مؤسسة تؤدي للدولة بقدر ما تبيع. ومعنى هذا أن المستهلك هو من يؤدي هذه الضريبة. أي أن كل المستهلكين يؤدون بقدر استهلاكهم. وقيام الدولة بهذا الدور يعطيها صفة مدبر عام. أي أنها تحل محل الأفراد في القيام بالادخار من أجل المصلحة العامة. والتخلي عن هذا الدور يعني التخلي عن التدبير الجماعي أي أنها بدلا من أن تفرض على المواطن ادخار 20% من دخله لبناء المستشفيات والمدارس لتعليم وتطبيب أسرته تتركه وشأنه حرا في دخله وليأكله من اليوم الأول في الشهر وبعد ذلك يصوم دون حاجة إلى تطييب ولا تعليم. في نظام كهذا يجد المواطن نفسه، حتى ولو كان ذا دخل لا بأس به، في مآزق عدة. إذ عليه أن يعلم أبناءه في المدارس الخصوصية ويعرف كيف يختار الأجود منها دون التأثر بالمظاهر والإشهار، أي أنه مطلوب منه أن يكون خبيرا تربويا. وعليه أن يواجه، وهو في حالة من الضعف بسبب مرضه أو مرض أحد أفراد أسرته، سماسرة القطاع الطبي الخصوصي الذين يكونون خارج أية مراقبة مهنية أو أخلاقية(8). كما عليه، من أجل ادخار "القرش الأبيض لليوم الأسود"، أن يواجه سماسرة التأمين ويكون خبيرا بذلك كي يحسن اختيار البيت الأمين لوضع قروشه. ومن هنا فتخلي الدولة عن الضرائب أو تقليصها في اتجاه التخلي عنها ينزع عنها صفتها كحكم اجتماعي وكراع للمصلحة العامة وكساهر على عدم حدوث توثر اجتماعي بفعل ميكانيزمات السوق. ويبقى لها فقط صفة الدولة الأمنية التي لا يهمها سوى الحفاظ على أمن المواطن. وطبعا لن يحتاج آنذاك إلى الأمن سوى الفئات الميسورة التي بدأت، حتى في هذه المسألة تعتمد على نفسها بتكوين أمنها الخاص.. د) أما زيادة الكتلة النقدية، أي زيادتها بنسبة تفوق الزيادة في المولد المنتجة/المعروضة في السوق، فهي فعلا ستؤدي إلى زيادة الأسعار لأنها تتلخص في خلق طلب دون عرض. لكن يبقى مشروعا أن نتساءل: من أين تأتي هذه النقود؟ إن الدولة هي المتحكم الوحيد في عملية خلق النقد. فلماذا تخلق الدولة نقدا ليس له مواز في السوق؟ ولمصلحة من؟ وكي لا نكرر ما قلناه بهذا الصدد في مقال "الغلاء، رابحون وخاسرون" نرجو من القارئ الاطلاع على هذا الرابط (a) في "الحوار المتمدن". وباختصار، فإما أن تكون الدولة في ظرف حرب أو أنها تخلق النقد نتيجة، أو بهدف، خلق امتيازات لفئة معينة يراد لها أن تتمتع بقسط من الناتج العام دون المساهمة في الإنتاج. ه) أما مسألة تغيير عادات المواطنين واتجاههم نحو الاستهلاك بدل أو بدرجة أكثر من اتجاههم نحو الادخار، فهذا الوضع يعني في نظرنا ما يلي: إن شعبا يستهلك بالكامل ما ينتج، هو شعب يعيش يومه ليومه. ولا يفكر في تنمية موارده ولو لمواجهة نموه الديمغرافي. وهو بهذا لا يمكنه تجاوز مستواه الفكري ولا المادي مطلقا. فالادخار هو ما يساعد على الاستثمار الذي يؤدي إلى التنمية. هذه التنمية التي تعني توسع آلة الإنتاج(9) كما وكيفا. فإذا كان شعب ما يدخر نسبة 10% من إنتاجه، لتوسيع وإصلاح وتطوير آلة إنتاجه. ثم، وهذا لا يمكن أن يحدث بشكل مفاجئ، تغيرت ثقافة الناس واتجهوا أكثر نحو الاستهلاك. مع العلم أن سياسة الادخار يجب أن تتحكم فيها السياسة المالية للدولة أكثر مما تتحكم فيها رغبات الأشخاص، مع افتراض أن هذا حصل وانخفضت نسبة الادخار انخفاضا مهما ومستمرا، فذلك يعني طبعا،حاليا، زيادة الطلب على سلع الاستهلاك وارتفاع أسعارها وبالمقابل سوف تتجه رؤوس الأموال، في المدى المتوسط، إلى إنتاج المزيد من مواد الاستهلاك مما يؤدي إلى إعادة التوازن. أي إلى إنتاج ما يحتاجه المجتمع من مواد استهلاك، نقطة التوازن التي تقف عندها قوى ألإنتاج تتوقف على النسبة التي ستبقى للادخار/ الاستثمار. نقطة الصفر هي أن يبقى ما يكفي فقط لصيانة آلة الإنتاج هذه وتعويض ما اندثر منها. في هذه الحالة يصل المجتمع إلى نقطة لا تسمح له لا بتطوير إنتاجه ولا بتوسيعه ولو لمواجهة نسبة ضئيلة من النمو الديمغرافي. وإذا كانت هذه تعتبر نقطة الصفر في ظل اقتصاد عالمي محمية فيه الاقتصادات الوطنية من المنافسة، فإنه الآن في ظل اقتصاد عالمي مفتوح فإن نقطة الصفر تتطلب الكثير من أجل جعل آلة الإنتاج الوطنية غير معرضة للتهميش من قبل منافسين عالميين يتطورون يوما عن يوم.
يضاف إلى السببين السابقين، الكلفة والطلب، ما يدعوه أصحاب هذه النظرية بالتضخم نتيجة زيادة أسعار الفائدة.. والحقيقة أن هذا اسبب هو مجرد جزء من عنوان كبير يتحاشاه بعض الاقتصاديين ألا هو صراع الفاعلين الاقتصاديين، أطراف الإنتاج، على اقتسام القيمة المضافة. فأن نقول ارتفاع معدل الفائدة يعني أن ممول المشروع، البنكي، يطلب مقابل ماله أكثر مما كان يحصل عليه. أي أنه يريد أن يزيد من حصته من فائض القيمة. فإذا اضطر صاحب المعمل، المسير للعمل، بقبول ذلك فإن مسايرته لهذا ستكون ليس على حساب حصته وإنما على حساب الأطراف الأخرى. والطريقة الأيسر هي أن يحسب ذك زيادة في الكلفة، والأمر فعلا كذلك، فيرفع من سعر منتجاته في السوق دون أن يرفع طبعا من أجور عماله، فهو لا يبحث عن زيادة أخرى من الكلفة تفقده تنافسيته. هكذا يحافظ رب العمل على هامش ربحه أو حتى يرفعه وتبقى أطراف أخرى في عملية الإنتاج، أضعفها العمال الذين يشترون القسط الأكبر من هذه البضائع في السوق، الخاسر الأول من هذا الميكانيزم. حيث يجدون أجرهم قد تقلصت قدرته الشرائية. وهكذا يضطرون إلى المطالبة برفع أجورهم.
هذا عن النظريات الكلاسيكية عن التضخم. فما هي العوامل التي أتت بها الظروف الحالية بالإضافة إلى ما ذكرَته تلك النظريات؟ إنها في اعتقدنا رزمة من الأسباب نذكر منها ما يلي: أ) هناك أولا مسألة انتقال التضخم من داخل دولة ما إلى اقتصاد عدد كبير من الدول. والعالم الآن يعيش هذه الحالة بكل وضوح. فتأثير اقتصاد الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي لم يعد يخفى على أحد(10). والسبب في هذا في نظرنا يعود إلى أمرين أولهما ارتباط نظام الأداءات في جل أنحاء المعمور بالدولار، خاصة في مجال البترول. هكذا فإن انخفاض الدولار، بسبب التضخم الأمريكي يوما عن يوم، تؤدي ثمنه، بهذه النسبة أو تلك، كل دول العالم. كما أن كون الولايات المتحدة مساهم مهم في التجارة العالمية له دوره في نقل الأزمة، عبر الدولار طبعا. وإذا كان هذا التضخم في الولايات الأمريكية نتيجة بالخصوص للحروب المستمرة التي تخوضها في بقاع من الأرض لفرض هيمنتا. والتي ترتفع مصاريفها وتفوق طاقة الاقتصاد الأمريكي(11)، فإن ميكانيزمات التضخم تلك تسمح لها بفرض قسط من هذا العبء على باقي دول العالم، أي مشاركها حروبها. ب) كما أنه من بين الأسباب المهمة للتضخم، خاصة في الدول الغير المستقرة التي لا تنتقل فيها السلطة بشكل سلمي، والتي تلجأ خوفا من ذلك إلى تضخيم أجهزة الأمن والمخابرات. وهي بذلك تضخم قطاعا غير منتج على حساب قطاعات منتجة وتكدس طاقة بشرية(12) في ذلك القطاع وتخلق فئة تستهلك ولا تنتج. ج) ثم أن كل ما يمكن أن يدخل في باب تبذير المال العام واختلاس مال الغير، بدء من الرشاوى الصغرى فالكبرى فنظام الامتيازات الذي يعطي "حقوقا" فوق القانون وصولا إلى فساد الإدارة الذي يجعل الأموال تصرف فقط على الأوراق وليس على أرض الواقع. ثم مسألة الديون الخارجية التي تؤخذ من أجل مشاريع تنموية فيضيع القسط الكبير منها نتيجة ما قلناه من فساد ويبقى الشعب يؤدي الفاتورة عاما عن عام(13). كل هذا يخلق كتلة نقدية دون مقابل في السوق أو يحول الدخل من فئة إلى أخرى بطرق غير مشروعة. فتأخذ الثانية حصة لا تستحقها من الدخل الوطني.
تكلمنا عن الكتلة النقدية مقارنة مع الناتج الوطني أو ما يسمى بالناتج الداخلي الخام PIB (h) (i). يحدد الناتج الداخلي الخام كما يلي: الناتج الداخلي الخام= مجموع القيمة المضافة +الضريبة على القيمة المضافة (14)+مستخلصات الجمارك(15)(16).
لذلك فتحليلنا لن يكتمل ما لم نحدد هذه المفاهيم وما يرتبط بها. لقد قسم الاقتصاديون القدامى اقتصاد وطن ما إلى ثلاث قطاعات. القطاع الأول هو قطاع الفلاحة والمواد الأولية والصيد البحري. والقطاع الثاني هو القطاع الصناعي والقطاع الثالث هو قطاع الخدمات. القطاعين الأول والثاني ينتجان سلع ومواد يتم عرضها في السوق. أما القطاع الثالث فهو ينتج خدمات للقطاعين من أجل تسهيل مهامهما وخدمات مباشرة للمواطن. لكن الملاحظ في الاقتصادات الحالية هو تضخم القطاع الثالث على حساب القطاعين 1و2. وقبل التطرق إلى ما تعنيه هذه المسألة سنرى مسألة أخرى لا تقل عنها أهمية وهي مرتبطة بها. تتوزع الإنتاجية في العالم كما يلي(g):
نسبة اليد العاملة المساهمة في الناتج الداخلي
الخام
الفلاحة 42% 4%
الصناعة 21% 32%
الخدمات 37% 64%
أي أن 42 يوم عمل فلاحي تنتج 4 قيمة مضافة و21 يوم عمل صناعي تنتج 32 قيمة مضافة. وهذا سيعطينا المعادلة التالية:
مع الإشارة ليوم العمل الفلاحي ب a وليوم العمل الصناعي ب i وليوم العمل الخدماتي ب s سنجد:
42a--------->4
21i---------->32
سنحصل إذن على:
21i/42a=32/4====>i=16a
وكذا: 37s/42a=64/4====>s=18a
ومعنى هذا أن عاملا صناعيا ينتج من فائض القيمة قدر ما ينتج 16 عاملا فلاحيا !
أو بتعبير آخر أن الإنتاجية في العمل الصناعي تساوي 16 ضعف مثيلتها في العمل الفلاحي(17).
لكن كيف ينتج العامل الصناعي ضعف ما ينتج العامل الفلاحي 16 مرة؟ سيبدو هذا مبررا للبعض قائلين: "إن ذلك نتيجة طبيعية لكون العمل الصناعي ممكنن بنسبة أكبر مقارنة مع العمل الفلاحي." صحيح أن الصناعة تأخذ مواد أولية وتضيف لها قيمة بعملية التصنيع. فالخشب يصبح كرسيا والحديد سيارة... وإذا أرددنا، قصدا، أن نساير هذا التحليل/التضليل سوف نقول أن الفلاح لا ينتج سوى مواد أولية ليس فيها أي "فاض قيمة" لأنها "أولية".. لكن، ألا يأخذ الفلاح مواد أولية كالبذور والأسمدة ثم يدخلها إلى "معمل ضخم جدا"، هو (الأرض + الشمس + الهواء +الماء)، مدة ليست قصيرة بالمقارنة مع الدورة الصناعية لكثير من المواد المصنعة؟ وهل يأخذ العامل الصناعي، جزاء على "مردوديته"، أجرا يساوي ضعف أجر العامل الفلاحي 16 مرة؟ إن المسألة هي مسألة "سياسة توزيع دخل" لا دخل للمردودية فيها. إنه منطق خلقته وكرسته الطبقة البرجوازية المرتبطة بالصناعة حتى أصبح واقعا لا يثير أدنى تساؤل. والفرق الكبير الذي ينتج عن الفرق في "المردودية" بين القطاعين والفرق في الأجور إنما تستولي عليه الطبقة البرجوازية. ولن يتأتى علاج هذا الواقع إلا بسياسة جديدة لتوزيع الدخل وبقرارات سياسية وليس بحسابات نظرية. سياسة تحد وتقلص من نصيب رجال الأعمال الصناعيين والوسطاء في الدخل القومي الذي ينتجه العمال الفلاحيون والصناعيون معا.
لنرجع الآن إلى مسألة تضخم القطاع الثالث. ولنأخذ كمثل المغرب. توزع اليد العاملة على القطاعات كما يلي(j):
نسبة اليد العاملة المساهمة في الناتج الداخلي
الخام
الفلاحة 40% 19.3%
الصناعة 15% 35.5%
الخدمات 45% 45.2%
لنرجع إلى الملاحظة الأولى ألا وهي تضخم القطاع الثالث. نلاحظ هنا أن 45% من اليد العاملة بالمغرب تعمل في القطاع الثالث. هذا القطاع الذي يشمل مجالات عدة منها التجارة والإدارة والصحة والتعليم والسياحة والنقل وجميع الخدمات. لكن مقارنة مع النسبة العالمية (37%) يظهر لنا أن هناك تضخم فعلا في هذا القطاع. والسبب هنا يرجع إلى كون هذا القطاع هو "ملاذ" البطالة المقنعة. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا القطاع يشمل الوسطاء التجاريين، الزائدين على الحاجة غالبا، والذين يستحوذون على قسط كبير من الدخل الوطني نتيجة الاحتكار وتلاعبات أخرى.
III)) كيفية حساب التضخم:
إذا كان التضخم يعني انخفاض قيمة النقد الناتج عن كل الأسباب التي ذكرنا وغيرها. والتي تؤدي إلى وجود كمية كبيرة من النقد في السوق مقارنة مع كتلة البضائع والخدمات. فإن حسابه سيكون مرتبطا بحساب هتين الكتلتين. لنبدأ بمسألة مبسطة، والتي هي خلاصة حسابات عدة. إن قيمة 100 فرنك فرنسي لسنة 1980هي 247 فرنك لسنة 2007(k). معنى هذا أن ما كنا نشتريه سنة 1980 ب100 فرنك صرنا نشتريه سنة 2007 ب247 فرنك. فما هي النسبة التي فقد النقد من قيمته خلال 27 سنة؟
247ف كانت تشتري، سنة1980، A كمية بضائع.
100ف كانت تشتري، سنة1980، a كمية بضائع.
إذنa=Ax100/247
نسبة القيمة التي فقد النقد خلال 27 سنة هي:
((A-a)/A)*100=59.51%
لكن الصعوبة تبقى في كيف نحصل على هذه المعطيات؟
لقد اقترح الاقتصادي Laspeyrs(18) الصيغة التالية(19):
PL=(∑P1ixQ0i)/(∑P0ixQ0i)
مع اعتبار:
Q0i هي الكمية المباعة من البضاعة، أو الخدمة، i في الزمن T0.
P0i هو ثمن البضاعة، أو الخدمة، i في الزمن T0.
P1i هو ثمن البضاعة، أو الخدمة، i في الزمن T1.
(Q1i هي الكمية المباعة من البضاعة، أو الخدمة، i في الزمن T1.)
و PLهو ما يسمى le déflateur du PIB والذي يعني ما يلي: إذا كانت كمية معينة من بضائع معينة تساوي في الزمن T0 القيمة a ،مثلا 100، وفي الزمن T1 القيمة A، مثلا160، فإن pl=A/a=1.6. معناه أن الأسعار، بالنسبة لهذه البضائع، تضاعفت 1.6 مرة. وما دام Laspeyrs قد اعتبر مجموع البضائع المباعة في زمن معين ومتابعتها إلى زمن آخر. معنى هذا أن صيغته ستعطينا التطور الحقيقي لقيمة النقد من زمن لآخر. وستكون هذه الصيغة أصلح، وأعتقد أن Laspeyrs لم يغفل ذلك لكن مصلح le déflateur du PIB يعني عدم أخذ ذلك بالحسبان، إذا نحن أدخلنا فيها جميع البضائع الرائجة في سوق وطن ما سواء كانت هذه البضائع، أو الخدمات، منتجة داخليا أم مستوردة. وإذا أخذنا المثال الفرنسي السابق، مع افتراض أنهم اعتمدوا تقنية Laspeyrs لحساب التضخم، سنجد بأنه مابين الزمنين 1980 و2007 فإن: A/a=274/100=2.47 ،بالملايين أو ملايين الملايين، أي أن الأسعار، عامة، تضاعفت 2.47 مرة.
من المفاهيم المرتبطة بالتضخم مفهوم مؤشر كلفة العيش، ICV (20)، ومؤشر الأسعار عند الاستهلاك، IPC. هذا المفهوم الذي يتغير في المكان والزمان. لنأخذ فرنسا كمثل:

يقترح المعهد الفرنسي للإحصاء ما يسميه ب"السلة المتوسطة"(l). لكن ماذا تعني المتوسطة؟ كان المعهد، إلى حدود 1992 يعتمد كقاعدة بحث سلة عائلة مدينية رب العائلة فيها موظف أو عامل. لكن بعد هذا التاريخ توسعت القاعدة إلى جميع العائلات من كل الفئات الاجتماعية وكل المناطق. لنشر أولا إلى ما تعنيه مسألة عائلة مدينية. إن عائلة ريفية، ومهما كان مستوى تطور البلد المعني، هذه العائلة تعيش بنسبة ما غير معتمدة على السوق والنقد. أما عائلة عامل أو موظف يقطن المدينة فإنها لا تستهلك إلا ما تقتنيه من السوق ولا تدفع إلا من داخل أجرها. وهكذا فإن هذه العينة هي المرتبطة بالنقد 100%. أما السلة المتوسطة لما بعد 1992 فهي تعني كل العائلات على التراب الفرنسي. فماذا يعني التحول من الاعتماد على قاعدة فئة محدودة إلى الاعتماد على قاعدة كل المواطنين؟ إن اعتماد سلة متوسطة لكل المواطنين، وطريقة المعهد الفرنسي INSSE تدل على أنه يهتم بكل البضائع والسلع الرائجة بغض النظر عن كونها منتجة داخليا أم لا، يعني أننا فعلا نتتبع القيمة المطلقة للنقد. لكن تتبع سلة تخص فئة معينة يعني أننا نتتبع القيمة الخاصة للنقد، فلكل فئة "نقدها"، أي قيمة النقد بالنسبة لفئة معينة من المواطنين. كيف؟ لنكون سلتان. سلة لفئة ضعيفة الدخل وسلة لفئة متوسطة الدخل. نعلم أن المواد الغذائية تشكل نسبة مهمة من السلة الأولى. وأن أسعار هذه المواد في ارتفاع مستمر. أما بالنسبة لسلة عائلة مرتفعة الدخل فإن المواد الغذائية لا تشكل منها سوى نسبة ضئيلة كما أنها تشمل منتجات تكنولوجية تنخفض أسعارها يوما عن يوم. كما أنها تشمل منتجات "خدماتية"، كالتأمينات وغيرها لا ترتفع أسعارها بنفس السرعة التي ترتفع بها أسعار المواد الغذائية. إذن فسرعة ارتفاع سعر سلة فئة ليست هي سرعة ارتفاع سعر سلة فئة أخرى. وتكوين سلة متوسطة لجميع المواطنين له معنى إذا نحن نبحث عن تطور القيمة المطلقة للنقد. ومن هنا نفهم الفرق بين مفهوم مؤشر الأسعار عند الاستهلاك (21)،IPC، ومفهوم مؤشر كلفة العيش،ICV. ذلك أن الأول يمكن أن نربطه بالقيمة المطلقة للنقد أما الثاني، والذي يعني كلفة العيش، فمفهوم أن كلفة العيش، أو بتعبير آخر صعوبة العيش، ليست واحدة بالنسبة لكل المواطنين. ولهذا نرى أن المؤشر IPC الذي يعتمد سلة موحدة لكل المواطنين غير كاف لتحديد حدة التضخم، هذه الظاهرة التي ترتبط بمفهوم كلفة العيش أكثر مما ترتبط بالقيمة المطلقة للنقد. لأن علم الاقتصاد كما سبق وأن أشرنا ليس علم الأرقام فقط. لهذه الأسباب نقترح، قصد معرفة أثر التضخم على حياة المواطنين، تتبع تطور المؤشر IPC وتكوين مؤشرات جزئية، 3أو4 مثلا، من مؤشر كلفة العيش كل يهم فئة. مع العلم أن المؤسسات الرسمية لن تتجرأ يوما وتقول أن كلفة عيش الفئة الفقيرة ارتفعت أكثر مما ارتفعت كلفة عيش الفئة الغنية. والانتقال من سلة ما قبل 1992 إلى سلة ما بعدها لا يفسر سوى بكون المؤسسة الإحصائية الرسمية تريد أن تقلل من حدة صدمة الأرقام بالتخلي عن سلة الفئة المتوسطة التي ترتفع كلفتها بسرعة كبيرة. واعتبار سلة عامة تذوب فيها بعض المواد في أخرى.
كيفية تكوين سلة 1992، بفرنسا. نأخذ عينة من كل فئة اجتماعية ثم نرى مماذا يتكون استهلاكها. لنأخذ مثلا السجائر. هذه النسبة التي تكونها مادة السجائر في سلة هذه الفئة تضرب في النسبة التي تمثلها هذه الفئة في المجتمع، ما يسمى بla pondération (22)،كي نحصل على النسبة التي تمثلها هذه المادة في السلة المتوسطة العامة. وهكذا فإن سلة 1992 تتكون مما يلي(l): 1) مواد غذائية ومشروبات غير كحولية 16% 2) مواد كحولية وسجائر 4% 3) ملابس وأحذية 5% 4) سكن، ماء، غاز، كهرباء ومحروقات أخرى 14% 5) تجهيز المسكن وإصلاحاته العادية 6% 6) صحة 9% 7) مصاريف التنقل 16% 8) اتصالات 3% 9) هوايات وثقافة 9% 10) تربية،0% 11) مقهى، فندقة ومطعم 8% 12) مواد وخدمات أخرى 10%(23). تأخذ أثمان كل هذه المواد والخدمات ثم "تُوَزّن"، la pondération، بالنسبة المذكورة فنحصل على "ثمن السلة"(24). ثم نتتبع ثمن هذه السلة شهرا عن شهر أو سنة بعد سنة. فمثلا إذا كان ثمن هذه السلة، في الشهر 0 ،أي شهر القاعدة، هو 206. وفي الشهر الذي يليه أصبح ثمنها هو 207. فإن معامل التضخم الشهري هو:a1=207/206=1.0048 ونقول أن الأسعار تضاعفت خلال هذه الفترة 1.0048 مرة. أما نسبة الضخم، الشهرية هنا، فتحسب كما يلي: f1=[(207-206)/206]x100=0.48 أي أن الأسعار ارتفعت خلال هذه الفترة بنسبة 0.48%. وللحصول على ثمن سلع في الشهر1،P1، إذا كان ثمنها في الشهر 0 هو P0 نحسب كما يلي: P1=P0x(1+0.0048)..c.à.d..P1=P0xa1. وهكذا تحسب معاملات التضخم ونسبته بعد فترة زمنية معينة. أما حساب النسب والمعاملات السنوية انطلاقا من الشهرية فيتم كما يلي: ليكن معامل التضخم (ونسبته) بالنسبة للشهر 1 هو a1 (f1). وبالنسبة للشهر 2 هو a2 (f2).... وهكذا. بعد إثني عشر شهرا سيكون ثمن البضاعة المعنية هو: P12=a12xP11=a12x(a11xP10)=……=a12xa11xa10x…a2a1xP0
لنعبر عن معامل التضخم السنوي بA سنحصل على: A=a12xa11xa10x…a2xa1
وفي حالة تساوي هذه المعاملات كلها لقيمة واحدة هي a1 سنحصل على:
A=(a1)12
أما حساب نسبة التضخم فيكون كما يلي:
P12=(1+f12)xP11=(1+f12)(1+f11)xP10…..= (1+f12)(1+f11)(1+f10)…(1+f2)(1+f1)xP0
لنرمز إلى نسبة التضخم السنوي بF سنجد ما يلي:
P12=(1+f12)(1+f11)(1+f10)…(1+f2)(1+f1)xP0=(1+F)xP0
إذن: F=(1+f12)(1+f11)(1+f10)…(1+f2)(1+f1)-1
إن نمو الدخل الوطني مسألة لا مفر منها من أجل مواجهة النمو الديمغرافي، زيادة الطلب، وكذا من أجل تحسين شروط عيش المواطن. وهذه هي التنمية. وزيادة البضائع والخدمات المعروضة يقتضي بالضرورة زيادة الكتلة النقدية لتسهيل رواج هذه البضائع. وإذا زادت الكتلة النقدية بنفس زيادة البضائع فلن يؤدي ذلك إلى أي ارتفاع للأسعار. لكن السؤال هو: ألا تفترض ميكانيزمات الاقتصاد فرقا طفيفا بين زيادة البضائع وزيادة الكتلة النقدية؟ وما هي حدود هذا الفرق الذي إذا تجاوزناه سنتخطى المفعول الإيجابي إلى السلبي؟
وسائل الحد من التضخم:
إن ما تذكره النظريات القديمة من أسباب للتضخم ليوضح بجلاء كيف يمكن أن نحد من هذه الظاهرة. لكن يبدو لنا أن مناقشة هذه الوسائل من وجهة النظر تلك لن يكون سوى تكررا لما قلناه. إن ما يظهر بوضوح أن التضخم الحالي ليس نتيجة ندرة أو قلة في العرض أو الإنتاج أو غير ذلك.. هو "الظاهرة التوأم" للتضخم في هذا العصر ألا وهي: زيادة إغناء الأغنياء وتفقير الفقراء باستمرار، سواء على المستوى الوطني أو العالمي. إن كل من يحاول أن يفسر ظاهرة التضخم أو يقترح لها حلولا دون الأخذ بعين الاعتبار الظاهر التوأم إنما يضيع وقته ووقت الآخرين هباء، سواء عن قصد أو غير قصد. إن ظاهرة التضخم والغلاء الحالية بعيدة عن أن تكون بسبب "ميكانيزمات السوق". وإنما هي نتيجة تفعيل لميكانيزمات من شأنها أن تُسيل الدخل العالمي، أو على صعيد كل وطن، في قنوات من شأنها أن تزيد من إغناء الأغنياء وتفقير الفقراء. هذه الميكانيزمات لا يمكن إيقافها بميكانيزمات السوق المجردة كما يحاول أن يوهمنا بعض الاقتصاديين البرجوازيين، ولكن بقرارات سياسية تهدف إعادة توزيع الدخل توزيعا عادلا. .

0) إن إحالتنا القارئ على بعض المراجع، أو المواقع الإلكترونية كمراجع، لا يعني أننا نقترح عليه مراجع نعتبرها الأحسن. بل أننا نرى أن إحالة القارئ إلى أكبر عدد من المراجع وأكثرها تنوعا، هو وحده الكفيل بجعل القارئ يكوِّن رأيه من خلال مقارنة آراء عدة. كما أن محاولة عرض "أفضل المراجع" نعتبرها عملية غير صحيحة وذلك ناتج على أن "علم الاقتصاد" أبعد العلوم عن العلم. فإذا كانت بعض العلوم الاجتماعية تأخذ مسافة من العلوم "الحقة" نظرا لتداخلها، لدرجة ما، مع الفلسفة. فإن المسافة بين الاقتصاد و العلوم الحقة تكبر لتداخله مع السياسة.
1) على غرار وهم بعض المبدعين، كتاب شعراء، بأن عدم تعرضهم لهموم الناس في إبداعهم يجعل منهم "مبدعين من الطراز الأرقى" متعالين بذلك...
2) إن لجوءنا للمصطلحات الفرنسية الهدف منه مساعدة القارئ على الفهم أكثر خاصة وأن ترجمتنا غير دقيقة أحيانا.
3) إن ذوي الاختصاص، المرتبطين بهموم شعوبهم وجميع الشعوب المغلوبة وليس باللوبي الإمبريالي الأمريكي، عليهم أن يوضحوا الأمر لشعوب العالم أجمع.
4) أليس توقيع معاهدة الحد من الأسلحة النووية، هذا الحد الذي يعني حرمان الدول الضعيفة من هذه الأسلحة بحجج مثل إمكانية تهديد السلم العالمي لأنها غير راشدة إلى درجة امتلاك هذا النوع من السلاح والقدرة على ضبط النفس وعدم استعماله وفي المقابل السماح لدول كدول أوربا سبق لها أن استعملت في الحروب العالمية كل ما امتلكت من أسلحة من أجل تدمير عدوها أو كالولايات المتحدة الأمريكية التي سبق لها أن استعملت هذا السلاح الفتاك عينه وهي ليست حتى معنية مباشرة بالحرب آنذاك وإنما مجرد قاطع طريق وجد أناسا يتنازعون عن غنيمة وارتأى أنه من حقه أن يدخل النزاع. أو السماح لدولة عنصرية وقائمة على اغتصاب حق الغير وتشريد شعب، كإسرائيل، دولة لن تعرف معنى القانون الدولي ولو قامت الساعة، بامتلاك هذا السلاح من أجل ترهيب كل من لم يرهب ولم يخضع بعد. أليس هذا دليلا قاطعا على الهيمنة وسببا قويا لأن يصبح كل ذي عقل سليم إرهابيا؟
5) وفعلا يجب النظر في ما إذا كانت دول ما تسعى إلى تخزين البترول مستولية من السوق على أكثر مما تستهلك بكثير.
6) في الوقت الذي أنتجت فيه هذه النظريات كان الاقتصاديون ينظرون إلى الاقتصادات الوطنية كوحدات مستقلة، وكانوا على صواب في ذلك، ولذلك لم يكونوا مهتمين بالأثر العالمي على هذه الوحدات. لذا فإن حاجتنا اليوم إلى إنتاج نظرية جديدة للتضخم ملحة جدا.
7) إن تلبية مطلب الأجراء، الزيادة في لأجور، عن طريق تخفيض الدولة للضريبة عن الدخل وبتراض مع النقابات ليدل على المستوى الذي وصلت إليه النقابات المغربية في مشاركة الحكومة في "الضحك على ذقون الفقراء".

8) لنعط مثالا على سلوكيات هذا القطاع. حادثة مثلها كثير ولا أحد يستطيع الكلام عنه لأن ذوي المصحات هم أبناء الطبقة الميسورة التي تشرِّع القوانين. لجأ أحد المرضى بالسرطان إلى مصحة خصوصية، والحقيقة أن لجوء المواطن إلى القطاع الخاص لا يعني دائما قدرته على الأداء وإنما كذلك فقدان الثقة في القطاع العام الذي أصبح يعيش نوعا من التسيب وإهمال المرضى من طرف أطباء يفرضون على المريض بطرق ملتوية مغادرة المستشفى العمومي للالتحاق بهم في عياداتهم، لكن في النهاية اكتُشف أنه بعد موت المريض بثلاثة أيام والطبيب يطلب من الأسرة إحضار أدوية باهظة الثمن، طبعا ليرجعها إلى الصيدلية كما هي، وكذا لتؤدي الأسرة ثمن الإقامة والتطبيب لأكبر مدة ممكنة.

9) المعنى العام للكلمة فإن آلة الإنتاج تشمل كل البنية التحتية من طرق وموانئ وتعليم وبحث علمي بالإَضافة طبعا إلى المعامل وآليات النقل...
10) أليس انتقال أزمة العقار وتجاوز أثرها حدود الولايات المتحدة أكبر دليل على ارتباط الاقتصاد العالمي باقتصاد هذا البلد. لكننا نعتقد أن التأثير يكون في اتجاه نشر أزمته أكثر منه في الاتجاهات الأخرى.
11) تنتج أمريكا 21%من الناتج العالمي الخام أما حصتها من مصاريف التسلح العالمية فهي 46% (فرق هائل لا يفسره سوى رغبة أمريكا في أن تصبح شرطي العالم، مثل الدرع الصاروخي). إن كون الاقتصاد الأمريكي يعيش الآن ما يسمى بالعجز المزدوج أو العجز "التوأم" (f) والذي يعني في نفس الوقت عجز في الميزان التجاري الخارجي.أي أن الولايات المتحدة تستورد أكثر مما تصدر. أي أنها تأخذ من الشعوب الأخرى أكثر مما تعطيها. والعجز الداخلي الذي يعني بأن الدولة، ومؤسساتها، تصرف في الداخل أكثر مما "تنتج". معناه أن الدولة تنفق على البنية التحتية والبحث العلمي.... والتسلح أكثر مما تجمع من ضرائب من المواطنين. وكونها تصرف على مواطنيها أكثر مما تأخذ منهم يعني أنها تستخرج ذلك من مواطني دول أخرى. وهكذا نرى أن العجز الداخلي والعجز الخارجي مرتبطان ارتباطا وثيقا. لكن بعض الاقتصاديين يرون العكس.
12) إن ما يسهل على الدولة تكديس عدد هائل من الشباب في تلك الأجهزة، وخاصة الشباب ذوي المستويات الدراسية الدنيا الذين يقبلون بأدنى الأجور، في حين يتمتع رؤساءهم بأجور عليا وامتيازات لا تحصى، إن ما يسمح للدولة بهذا هو وجود جيش من العاطلين وانسداد آفاق المستقبل. لكن هذا ليس مصادفة. وإنما هو خطة مدروسة تقتضي إغفال الدولة لخلق مشاريع منتجة وفي نفس الوقت "تحطيم" النظام التعليمي. والمعلوم عند الاقتصاديين أنه لا يوجد وضع اقتصادي يصعب فيه خلق مشاريع اقتصادية منتجة. وخير مثال على ذلك الطرق التي تشبه شبكة الدورة الدموية التي يجب أن تصل كل عضو وكل خلية، والتي نعلم ضعفها في كل الدول السالفة الذكر.

13) إن الذين يطالبون بمحاكمة ومحاسبة حكام العالم الثالث الذين نهبوا هذه الأموال بدل الجري وراء شعار فارغ مثل مطالبة الدول الغنية بإعفاء الدول الفقيرة من ديونها لهم على حق تماما. رغم ما للدول الغنية من مسؤولية في هكذا وضع.

14) تعرف القيمة المضافة، أو فائض القيمة، بأنها القيمة التي أضيفت لسلعة ما في وحدة إنتاجية معينة. فإذا اشترى الرأسمالي المواد الأولية بالثمن a وبعد عملية الإنتاج أو التحويل، يخرج السلعة من مصنعه بالثمن b. فإن القيمة المضافة هي: (b-a) وهذه العملية هي التي تمنعنا من حساب قيمة ما أكثر من مرة.

15) يعتبر الناتج الداخلي الخام من المؤشرات الاقتصادية. لكن للإشارة، فحسب تعريفه، فهو يهمل معطيات اقتصادية مهمة. فهو مثلا يحسب جميع القيمة المضافة المنتجة داخل الوطن. إلا أنه ضمن هذه القيمة الإجمالية هناك ما لا يدخل بشكل كلي في ثروة هذا الوطن. فالشركات الأجنبية العاملة داخل هذا الوطن تنتج قيمة مضافة تدخل في الحساب المذكور لكن قسطا مهما منها يحول إلى الخارج. وهذه المسألة إن كانت غير ذات أهمية تذكر سابقا فإن الوضع اليوم، مع العولمة وحرية تحرك الرساميل، غير ذلك. ومن جهة أخرى فإن مداخيل الرساميل الوطنية المستثمرة بالخارج وكذا تحويلات المهاجرين لا تحتسب هنا. ولهذا يستعمل الاقتصاديون مؤشرا آخر هو الناتج الوطني الخام (PNB). الذي يعرف كما يلي: PNB= PIB + مجموع المداخيل (التحويلات) المستحقة على الخارج - مجموع المداخيل (التحويلات) المستحقة للخارج.

16) يسمى بالخام في تقابل مع ما يمكن أن نسميه "الصافي" نظرا للاعتبارات التالية: لنفترض مثلا أن 90% من اليد العاملة النشيطة تنتج سلعا وخدمات مباشرة. وأن 10% لا تنتج لا سلعا ولا خدمات وإنما تقوم بأعمال من شأنها تسهيل عمل الفئة الأولى من وساطة وغير ذلك. فأجور الفئة الثانية، (10%)، تحتسب في الناتج الداخلي الخام، لكن ما "يستهلكه" المواطنون هو فقط 90% مما يحتسب. و توزيع هذه الكمية المنتجة من السلع والبضائع والخدمات بين كل المواطنين هو ما يسمى ب"تحويل الدخل". إذن فالناتج الداخلي الصافي هو فقط هذه 90% مما يحتسب.
17) لنحدد "عاملا" حسابيا كالتالي: Ri=(PIBi/Ti)
مع PIBi هو مساهمة القطاع i في PIB.
و Ti هو نسبة القطاع i من اليد العاملة. سنجد أن:
على المستوى العالمي:(1و2و3 تعني القطاعات)
R1=4/42=0.095 R2=32/21=1.54 R3=64/37=1.73
R2=16R1 R3=18R1
وعلى المستوى المغربي:
R1=19.3/40=0.48 R2=35.5/15=2.366 R3=45.2/45=1
R2=4.93R1 R3=2.08R1
إن تقارب قيم العوامل Ri، هذا التقارب الذي سيجعلها كلها تساوي 1، هو الوضع الاقتصادي الذي سيأخذ فيه كل قطاع، دون أن نتكلم عن التوزيع داخل القطاع نفسه، حصته من الدخل الوطني دون إفراط ولا تفريط. وكون R3 المغربي يساوي 1. الذي يعني أن هذا القطاع لا يستحوذ إلا على نصيبه دون زيادة أو نقصان يخبئ وراءه كون هذا القطاع، باعتباره ملجأ للبطالة المقنعة، يشمل فئتين: فئة عريضة ذات دخل جد منخفض. وفئة قليلة جدا ذات دخل مرتفع.
18) أنظر كتاب Jean Magnan de Bornier عن الموضوع: Monnaie et inflation
19) أما اقتصادي آخر وهو Paasché فيقترح الصيغة التالية:
Pp=(∑P1ixQ1i)/(∑P0ixQ1i)
فما الفرق بين الصيغتين؟ حسابيا يبدو وكأن ليس هناك فرق. لكن هذا الفرق يتجلى في أنه إذا اعتمدنا Q0i فمعنى ذلك أننا نعتمد الكميات والأنواع المباعة في الزمن T0 ونتبع تطورها. أي أننا نعتمد عادات الناس الاستهلاكية في الزمن T0 ونرى كم سيكلف المواطنَ العيشُ في الزمن T1، حتى ولو لم تتغير عاداته وحاجياته الاستهلاكية ما بين الزمنين T0 و T1. أما إذا نحن اعتمدنا الكميات والأنواع Q1i فمعنى ذلك أننا نعتمد عادات وحاجيات الناس في الزمن T1 لنعرف "تطور!" كلفة العيش مابين الزمنين T0 و T1. وهذه مسألة غير واضحة "بالنسبة لي". زد على ذلك أن الأنواع المستهلكة في الزمن T1قد لا تكون كلها معروفة في الزمن T0.
20) ففي المغرب كان مؤشر كلفة العيش، ICV،هو المعتمد إلى حدود 2007 لكن بعض المنظرين يطالبون بالتحول إلى مؤشر أسعار الاستهلاك، IPC، مدعين أن هذا الأخير يدل على التضخم بصدق أكبر من الأول!!
21) يقصد ب"عند الاستهلاك" أي الثمن الذي يشتري به المستهلك والذي يشمل كل الضرائب وكل الأرباح.
22) نعتذر عن عدم ترجمة هذه الكلمة والتي تعني أخذ كل شيء ب"الوزن الذي يمثل". بالنسبة التي يمثل.
23) يظهر لنا هنا أن طرية المعهد الفرنسي هته تفيد في معرفة "كيفية توزيع الدخل"، أي معرفة كم تستهلك هذه الفئة الاجتماعية أو تلك وما هي الأنواع التي تستهلك. ومعرفة العادات الاستهلاكية لكل فئة اجتماعية. وأنه لمعرفة التضخم، ما دمنا سنحسب ما يستهلكه كل المواطنين، فليس ضروريا أن نحسب ذلك في "المصب" بعد أن يتشتت. وإنما يمكننا حساب كل تلك المواد من المنبع، عند خروجها من المعمل أو الجمارك.
24) في المغرب، إذا أخذنا بعين الاعتبار الخدمات التي كانت تقدمها الدولة بشكل مجاني، مثل التعليم والصحة، ثم كيف بدأت هذه الخدمات تتقلص وتتردى إلى أن صار هناك قطاع خاص مواز، أي أن هذه لخدمات صارت مؤدى عنها، سنجد أن مؤشري التضخم، سواء ICV أو IPC ، قد ارتفعا بشكل مهول. لكن لتغطية ذلك سوف لن تعتمد المؤسسة الرسمية للإحصاء سنوات الثمانينات من القرن الماضي مثلا كمنطلق ولكن فقط سنوات ما بعد 2000. وعلى المهتمين بتنوير الشعوب فعل ذلك.

ملتمس الكاتب: لقد لاحظت، رغم، تواضع معلوماتي، أن بعض المقالات التي تتطرق لموضوع التضخم، في عدد من المواقع الإلكترونية، يتخللها خلط كبير في المفاهيم وأخطاء حسابية ومنهجية. وهذا إذا كان غير ذي ضرر بالنسبة للمتخصص، فإن المبتدئ الذي ليست له معلومات كافية ولا منهج صلب معرض للتيهان. صحيح أن هكذا سلبية، ثمن نؤديه لأن المعلوميات أسدت لنا خدمات شتى، من بينها سهولة وحق نشر/عرض الأفكار، لكن موقعا يطمح أن يكون جيدا أعتقد أن عليه أن ينهج، خاصة في مثل هذا المجال، الخطة التي أقترح عليكم: يجب أن تعرضوا مقالي "التضخم"، الذي سيأتيكم بعد توصلكم بملاحظتي هذه، على مختص كي يقوم بتذييله أو تكميله بملاحظاته التي يمكن أن تكون حتى بمثابة تصحيح، وليس تصحيحه وتغييره. وهكذا سنحتفظ على حق أي كان في عرض آرائه وكذا استفادته من ملاحظات غيره وحق القارئ المبتدئ في حمايته من التغليط.. لأن المسألة هنا ليست مجرد مسألة رأي يهم صاحبه بقدر ما هي مسألة تكوين وبناء معرفة. نتمنى أن نساهم فيها بالشكل الصحيح. ولأنني لاحظت شبه غياب لهذا الموضوع في هذا الموقع فإنني تجرأت وغامرت بكتابة هذه الأسطر.
وتقبلوا تحياتي الرفاقية.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,329,003,336
- الغلاء، رابحون وخاسرون
- بين الدولة والعصابة
- العمل الجمعوي والتنمية
- رؤية الهلال ومسألة علمنة الدين


المزيد.....




- الأردن يحظر استيراد 194 سلعة سورية
- عراقي? ?يحرق? ?نفسه? ?في? ?بغداد? ?والغضبان?: ?نفطنا? ?يشهد? ...
- روسيا.. انطلاق عملية إنتاج أجهزة التواصل بقوة التفكير
- عبد المهدي: نتجه لبناء عراق قوي ولدينا خطط وبرامج لتعزيز الو ...
- نافورة الحظ... من يلق النقود يقع في حب فتاة إيطالية
- بشأن شهر رمضان... الأردن يعلن قرارا اقتصاديا
- شركة كريم تواصل مكافأة كباتنها المتميزين ضمن مهرجان WOW في ا ...
- حفيدة مؤسس -ديزني- تريد توزيع نصف مكافآت المديرين على الموظف ...
- “اقتصادية البرلمان” تؤجل مناقشة مشروع موازنة ديوان عام وزارة ...
- صحيفة: الكهرباء العراقية مستثناة من العقوبات على إيران


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - التضخم