أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد الناصري - لعنة الهامش - عن خراب مدينة الناصرية















المزيد.....

لعنة الهامش - عن خراب مدينة الناصرية


أحمد الناصري

الحوار المتمدن-العدد: 2300 - 2008 / 6 / 2 - 08:51
المحور: الادب والفن
    



الولادة والوجود والعيش في مدينة هامشية ومهشمة، مثل مدينة الناصرية، أو أي مدينة هامشية في العالم، هو مشكلة وجودية كاملة وقائمة بحد ذاتها، وإشكالية متكاملة الأبعاد والوجوه، باعتبارها مكان لعيش وتواجد الناس كل حياتهم، يحققون أو( لا يحققون) فيها وجودهم ورغباتهم وأفكارهم وطموحاتهم وسعادتهم، لكن من دون شروط المدينة القديمة أو الحديثة، ومن دون خدمات بسيطة، وليست خدمات أساسية أو راقية، لأكثر من مليون إنسان، بسبب نظرة الدولة والسلطة والعاصمة للناصرية ولعدد من ( المدن) التي تشبه الناصرية في خصائصها ( العمرانية أو التعميرية)، والعلاقة المشوهة والغامضة مع المركز، وبقاءها على الهامش إلى الآن، وبسبب السياسات الرعناء والحروب والحصار والفساد والتخلف، وهنا تتجسد مفارقة الوجود والحياة الصعبة. ويبدو أن الوضع يتفاقم بسرعة جنونية. بل إن مناسبة الكتابة هذه هو تحطم واندثار كل شيء في الناصرية، حسب الأخبار المتواترة والمؤكدة، ممن يعيش فيها أو ممن يزورها ويتركها هارباً نحو مكانه الجديد.
سألني صديق من الناصرية، ونحن نركب أحدث ترام في مدينة لاهاي الهولندية الجميلة، وهو مثلي يعشق الناصرية ومولع بها، ومن جماعة ( بن الولاية) وبن المدينة. لماذا نحب الناصرية؟؟ وهل فيها شيء مادي ملموس ( عمران) قابل للحب؟؟ أم انه وهم خاص خلقناه نحن ثم صدقناه؟؟ فقلت له، لقد فكرت بالموضوع كثيراً ودائماً، ورأيي أننا لم نخطأ ولم نتوهم، فلقد أحببنا المكان الأول على بساطته وفقره وبدائيته، نتيجة لنزعة طبيعية حول العلاقة به، وأحببنا الناس والأصدقاء والأقارب، أحببنا النهر والبساتين، وكنا نراقب ونرى كل شيء بعين واعية مع طموحات ورغبات نقية وأمل جامح لتغيير هذا الواقع المزري في يوم ما، كنا نعيش على ذلك الأمل، كما إننا نعرف أسباب الخراب والدمار والتخلف الذي تعيشه المدينة، ثم إن الجانب الاجتماعي والثقافي والسياسي، هو الذي أنقذنا من ضيق المكان وفقره، ووجود علاقات اجتماعية حميمة، ومجموعات صداقية جميلة، كانت تستطيع التحليق الوهمي أو الحقيقي في أجواء وردية باذخة، وهي تتطلع إلى مستقبل آت. وقد ساعدنا العمل الطلابي والحزبي والواجبات الحزبية رغم شكليتها، إلى جانب المهمات الحزبية البسيطة بالنسبة لي على الأقل، والاجتماعات واللقاءات الحزبية، والاهتمام بالكتب والمجلات واللقاءات الثقافية اليومية بين الأصدقاء، ووجود بعض النشاطات الثقافية المتباعدة، ووجود مقاهي شبه ثقافية، إلى جانب السهر في بيوت الأصدقاء والتجوال الطويل في ليالي الصيف على ضفاف نهر الفرات، وعلى جسر المدينة البهي، كما أننا نحب تمرد المدينة، ونعشق تفاصيل كثيرة فيها. وثمة أسرار وعلاقة وجودية وكونية غامضة مع المكان الأول، تظل كامنة في أعماقنا.
المدن في العالم الثالث، لا علاقة لها بالحاضر أو الحضارة، ولا علاقة لها بالمستقبل إلا من ناحية التدهور والتراجع مع الوقت. ولا تقوم أدارتها على التخطيط والتخصص والمعرفة، بل يمكن أن يديرها في الغالب مسؤول ما، لأسباب حزبية أو طائفية أو سياسية أو عشائرية، أو يفرض عليها أسماء ودلالات ورموز تزيد من تعاستها. وهي ليست كالمدن الحديثة في أوربا، التي تأسست على قواعد تخطيطية علمية واقتصادية واجتماعية وفنية صارمة وواضحة، كما إنها تعبير عن تطور ونمو طبيعيين، ولها دور صناعي ووظيفي ما. المدن في بلداننا هي قرى منتفخة، أو قرى في حالة تحول ناقص نحو مدينة قروية، أو امتدادات عشوائية لمدن جرى إهمالها وتركها تتكون غريزياً، حيث لا توجد علاقة بين وضع مدينة الناصرية الحالي، والمخطط الأصلي الرائع، الذي وضعه المهندس البلجيكي جولس تيلي في عام 1869، بطلب من ناصر الأشقر والذي سميت الناصرية على أسمه.
من هامش مدينة الناصرية الضيق والمهمل، إلى شريط أو حيز على هامش التخوم الجغرافية والطبيعية تماماً، هامش على الشريط الحدودي العراقي - الإيراني، يدخل قليلاً في الأراضي الإيرانية، بعد أن نغادر مدينة حلبجة المنكوبة وقرية عنب، ونعبر سلسلة جبال هورمان، ونتقابل مع قمة جبل ( بفر ميري ) وما يفصلها عنا من موانع طبيعية ووادي سحيق، يشق قعره الأخير نهر ( سيروان ) الذي ينبع من الأراضي الإيرانية ويدخل الأراضي العراقية من ذلك الهامش أو الحيز الجغرافي الضيق. والوادي مليء بكل أنواع أشجار الفواكه والعنب والجوز وعيون الماء ومراعي الماعز الجبلي المشاكس والحيوانات البرية. هناك كنا نعيش على الهامش، في مكان خالي من البشر، أسمه هيرتا، أقمنا حياتنا الجديدة المفروضة علينا، وقد انحشرنا في ذلك الهامش الضيق والإجباري. كنا في عزلة تامة وعجيبة عن أبسط شروط الحياة الطبيعية، حيث لا خدمات ولا شيء، سوى الماء والحجر والشجر الذي يتحول إلى مصدر الطاقة الوحيد. آنذاك كنت أفكر بطرق التكيف مع الأوضاع الجديدة، وأتساءل حول قدرة الإنسان على التكيف؟؟ وفائدة التكيف والعيش على الهامش البعيد؟؟ وهل هناك صلة بالمستقبل؟؟ وهل يوصل الى مكان طبيعي؟؟
الحياة في الناصرية قادتني إلى صداقة خاصة مع صديق نادر أسمه سمير هامش، هل سمعتهم بهكذا اسم ؟؟ وهل تكرر في مكان آخر؟؟ وهو أسم عجيب وغريب وصادم في الوهلة الأولى، وبلا معنى حقيقي يرتبط بسمير أو بأبيه هامش. في المعاجم الهامش ( هَامِشٌ - ج: هَوَامِشُ. [هـ م ش]. (فا. من هَمَشَ). 1."عَلَى هَامِشِ الدَّفْتَرِ" : عَلَى حَاشِيَتِهِ. 2."يَعِيشُ عَلَى هَامِشِ الْمُجْتَمَعِ" : خَارِجَ سِيَاقِ الْمُجْتَمَعِ. 3. "تَرَكَهُ عَلَى الْهَامِشِ" : عَلَى الْجَانِبِ. 4. "عَلَى هَامِشِ الْحَدَثِ" : بِمُنَاسَبَة. 5."عَلَى هَامِشِ الْأَخْبَارِ" : تَعْلِيقاً عَلَى مَا وَرَدَ فِيهَا )، و(هَامَشَ يُهَامِشُ مُهَامَشَةً :- ـه في الشيء: عاجله فيه؛ هامش الملاكم خصمه بضربة أخيرة ). وسمير هامش من النوع الأول، وليس من النوع الثاني، الذي يعني : هامش يهامش مهامشة. فهو لم يهامش أحد، فقد قتل سمير في واحدة من الحروب الضروس العبثية التي دارت على أرضنا الوطنية وفي التخوم، وهي ليست حربه في جميع الأحوال، وهو لم يعبر هامشه الوجودي ومصيره قط.
وها أنا أعيش في هامش أوربي ضيق، لا يقبل أن يتوسع، ولا أريده أن يتوسع، تطادرني وتلاحقني الناصرية فيه، أنى يممت وأدرت وجهي. بينما الوطن يتهمش ويتهشم، لكن في طريقه يهشم ويهمش الناصرية، ويجعلها حطام ورماد وسخام مر.
هل لا زلنا نعيش لعنة الهامش؟؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,447,585
- ماكليلان والعجز في الاقتصاد الأمريكي والأمراض النفسية لجنود ...
- المعاهدة الأمريكية - العراقية وقضايا الوطن المصيرية
- شيء عن الثقافة العراقية
- الصديق اليساري الوطني الدكتور عبد العالي الحراك
- المأزق التاريخي
- اليسار الآن
- السياب الشاعر الكبير وليس السياسي
- نحو تصعيد وتشديد النضال السياسي والحقوقي والإعلامي والدعائي ...
- التاريخ ومقدمات الخراب، حول علاقة الحاضر بالماضي .. منطقتنا ...
- مرثية ( بكائية ) لضحايا فاجعة المستنصرية
- الخطة الأمريكية الأخيرة وفاجعة المستنصرية
- أمنيات شخصية ساذجة لكنها مستحيلة على أبواب السنة الجديدة
- عودة الى موضوع حركة الانصار
- الحوار المتمدن .. رؤية مختلفة
- محاولة لتحديد حجم وأهمية تقرير لجنة بيكر، وفق نظرة وطنية
- التداعي والتراجعات والاحتمالات
- التداعي
- التحركات الأمريكية الأخيرة، هل هي تحركات اللحظة الأخيرة ؟؟
- ماذا سأفعل لك ياغزة ؟؟
- العراق على مفترق الطرق وبداية التحول النوعي


المزيد.....




- مجلس الحكومة يتدارس قانون تنظيمي متعلق بالتعيين في المناصب ا ...
- منفوخات الأدباء فوق فيسبوك البلاء – علي السوداني
- أعلنت -جائزة الشيخ زايد للكتاب-: أسماء الفائزين في دورتها ال ...
- بوتفليقة يرفض التنحي ويؤكد أنه باق
- عبق المدائن العتيقة.. رحلات في فضاءات الشرق وذاكرته
- المخرج المغربي محسن البصري: رغم الصعوبات السياسية في إيران إ ...
- فرقة -بيريوزكا- الروسية للرقص الشعبي تحتفل بالذكرى الـ 70 لت ...
- كازاخستانية تفوز بـ -أفضل ممثلة- في مهرجان هونغ كونغ السينما ...
- -حاصر حصارك- إضاءة على ظلّ محمود درويش
- -دفتر سنة نوبل-... ذكريات ساراماغو في كتاب


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد الناصري - لعنة الهامش - عن خراب مدينة الناصرية