أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - الشاعر التونسي عبد الوهاب الملوح في حوار مع حكمت الحاج: الجيل الشعري التونسي يبشر بأكثر من شابي جديد!















المزيد.....

الشاعر التونسي عبد الوهاب الملوح في حوار مع حكمت الحاج: الجيل الشعري التونسي يبشر بأكثر من شابي جديد!


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 2299 - 2008 / 6 / 1 - 12:03
المحور: الادب والفن
    



أصدر الشاعر عبد الوهاب الملوح، وهو من مواليد مدينة قفصة في الجنوب التونسي، كتابا شعريا جديدا يحمل عنوان أنا هكذا دائما عن دار الإتحاف للنشر، بعد عملين شعريين سابقين هما رقاع العزلة الأخيرة والواقف لوحده . كما كان الشاعر قد أصدر من قبل أيضا ثلاثة أعمال مسرحية هي: غرائب و نوّ عشية وكلام الريح. ولهذه المناسبة، التقيناه بتونس العاصمة للحديث عن كتابه الجديد وبعض من اشكاليات الاكتتاب الشعري في العقود الأخيرة ضمن الفضاء الأدبي التونسي الحديث، فكان هذا الحوار:


ما ضرورة الشعر؟ وكيف يحقق وجوده في خضم السجال حول مسير الشعر العربي نحو النثر الشعري وقصيدة النثر التي يبدو انها قد انتزعت الاعتراف؟

المسألة في نظري تتجاوز مجرّد قول الشعر أو الاستفاضة في الجدال حول اشكال هذا القول والتفنّن في استعراض المهارات التقنية والقدرات البلهوانية في التلاعب باللغة. الأمر أعمق من هذا بكثير والتركيز عليه هذا الجانب فيه هو توجّه مغلوط ومخادع بل هو خائن لروح الشعر وخائن للانسان عموما، إذ لا بدّ من النظر إلي الشعر كشكل من أشكال الوجود ولعلّه، الوجود في أرقي تجليّاته، وهو اللّغة التي تتمثل هذا الوجود لتنخرط معه في حركة جدلية هدفها الأسمي اعادة صياغة ما يحدث... ألم يقل هايدغر أنّ اللغة هي مأوي الوجود... والمفكّرون والشّعراء حرّاس هذا المأوي؟ وألم يؤكّد ذلك أيضا الشّاعر أو كتافيو باز حين قال: يكتشف لنا الشّعراء ذواتنا ويدعوننا الي أن نكون نحن ؟ ولذلك أري أن التوقّف كثيرا عند نقطة هامشية من نوع قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر مسألة مغلوطة من أصلها ولا تفيد في شيء لأن الأمر متعلّق بمفهوم الشعر. ثمّ إنّ المتأمّل في التاريخ الشعري العربي لا يلحظ هذا التهافت حول هذه المسألة فماذا يمكن أن نقول عن الرسائل الشعرية في العصر الاندلسي وماذا يمكن أن نقول عن الأراجيز وقد وعي أكبر الشعراء العرب هذه المسألة منذ القدم فقال: أنا أكبر من العروض. وبالتالي لا يهمّ الوعاء بقدر ما يهمّ المحتوي الذي أتجرّأ واسمّيه الرؤيا. فالشّعر في الحقيقة رؤيا كونية وهو ليس مجرّد انفعال عابر ولحظة تجلّ منفلتة، بقدر ما هو طريقة عيش وشكل وجود ولهذا يتحدّث شاعر ألمانيا الأكبر هولدرلين عن الاقامة في الأرض شعريا.

أليس التوقف عند ما تسميه بـ مفهوم الشعر هو مسألة تجريدية وهامشية أيضا؟

لنلاحظ ما قاله أحد أهم النقاد العرب القدامي فيما يخصّ الشعر. يقول ابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة: الشعر يقوم بعد النية من اربعة أشياء وهي: اللفظ والوزن والمعني والقافية ، ويعنيني من هذا التعريف كلمة بعد النية بهذه العبارة توقّف ابن رشيق عن ان يكون كلاسيكيا في تعامله مع الشعر فلأوّل مرّة يتفطّن ناقد عربي لهذه المسألة: النية وفي هذه الكلمة ما تحتمله من تأويلات ولكنها تؤكّد علي شيء واحد وهو أن الذي يعتزم قول الشعر لابدّ أن يكون قد نوي ذلك ولا أتصوّر ابن رشيق يعني بكلمة النية الاستعداد الجسدي واعداد القرطاس والقلم والفكرة ولكنه قد يعني أهم من ذلك بكثير، الرؤيا. فالشاعر لا يتهيّأ لقول الشعر لأنه يعيشه وأظنّه يري العالم بالضبط كما يراه جلوسته مرافق الملك لير في مسرحية شكسبير بنفس العنوان فحين سأل الملك لير جلوسته الأعمي بقوله أتري كيف يسير هذا العالم..؟ فأجاب جلوسته بقوله: إني أراه بإحساسي ولعل ابن رشيق يقصد هذا، بعبارة بعد النية فقد لا يكفي اللفظ والوزن والمعني والقافية اذا لم تتوفّر النية (الرؤيا) الإقامة علي الأرض شعريا / رؤية العالم بالإحساس. وانطلاقا من هذا التوجّه يبدو السّؤال المتكرّر والعقيم لماذا الشعر؟ سؤالا متهافتا وفارغا وبلا معني. فالذي يعي الوجود ويحيا علي ايقاع ما يحدث ويدرك حركة التاريخ يعرف أن الشعر قدّر الإنسان ولا أعني بالشّعر هنا مجرّد عملية كتابة قصيدة أو اجتراح جنس من الكتابة بقدر ما اتحدّث عن روح يسكن الانسان ويجعله يري الاشياء من حوله بحساسية زائدة ويفكّر فيما يحدث بطريقة معتادة. فالشّعر ضروري وأمر بديهي وعلينا أن لا نخون هذا الروح الذي يتلبّسنا من أجل أن يبقي الانسان انسانا. فما حدث اليوم من متغيّرات علي جميع المستويات، ثم هذا المدّ الجارف الذي ينزع نحو التطهير العرقي والابادة ذات التوجهات الشوفينية والمساعي العنصرية ذات النوايا النازية الحديثة والانظمة الداعية إلي تفوّق جنس علي جنس آخر وتفوّق دين علي دين آخر.. كلّ هذا من شأن الشعر أن يقاومه ويصدّه وذلك بالدعوة إلي الانسان مهما كان.. الدعوة إلي تمجيد الانسان الحرّ الصادق.. الانسان الطاهر من كلّ النوايا الخبيثة.. لهذا ينهض الشعر مقاوما كلّ أساليب القهر والطغيان وبالطبع لا أتحدّث هنا عن الشعر الملتزم لأن هذه المقولة.. مقولة الشعر الملتزم مقولة خاطئة وخادعة فالشّعر من أصله ملتزم وهو بطبيعته معني بقضايا الانسان الكبري ، الحرية، العدالة، الصدق، الحب، الفضيلة الانسانية... هل ثمّة شعر يمكن أن يقول غير هذه القضايا.. ومن يتأمل المدوّنة الشعرية الانسانية يلمح هذا التوجّه عند الشّعراء الكبار منذ هوميروس والحلاّج إلي محمود درويش اليوم مرورا بالشنفري والمتنبي وبودلير واليوت وغيرهم، ولعلّي أجازف فأقول أن سقراط أوّل شاعر أحبه التاريخ رغم أنه لم يترك لنا أثرا مكتوبا.

كيف تري الي المؤسسة النقدية وخاصة تلك المعنية بالشعر أساسا، في تونس والعالم العربي؟ هل لديك موقف محدد يمليه عليك وضعك كشاعر؟

لا بدّ أن نحدّد أوّلا ما المقصود بالنقد وعن أي مؤسسة نقدية سنتحدّث. فالمعروف اليوم أن هناك أكثر من جهة وأكثر من فئة تمارس النّقد. فهناك الجامعيون الذين يقومون من حين لآخر بمعالجة بعض الأعمال الأدبية وهناك الصحفيون الذين يتعمدون النصوص الأدبية بالمراجعة والتقديم وهناك ايضا أهل الأدب الذين يقومون بقراءة أعمال بعضهم البعض ثمّ هناك القرّاء العاديون الذين يتنافذون مع النصوص التي تقع بين ايديهم احيانا ... ولهذا اختلط الحابل بالنابل والغثّ بالسّمين هذا بالاضافة لما لكلّ جهة أو فئة من اغراض ونوايا هي الدوافع الاساسية لنقد النصوص الادبية. وأمّا ما يتعلّق بالنقد الذي يمارسه اساتذة الجامعة التونسية فهو قليل وقليل جدّا بالنظر لما تزخر به السّاحة الأدبية التونسية من أعمال ابداعية تستدعي التوقّف عندها وتحليلها ومعالجتها ودراستها غير أن هذا لا يعني ان ليس هناك من الجامعيين التونسيين من غامر واندفع لمتابعة النصوص الادبية شعرا أو نثرا، ودراستها. وهنا لا يفوتني أن أنوّه بمجهودات الاساتذة: محمد القاضي ومحمد الصالح بن عمر وعثمان بن طالب ومحمود طرشونة الذين انكبّوا علي دراسة الأدب التونسي الحديث ما بعد الثمانينات وهذه مغامرة لابدّ من الاشادة بها غير أن هناك ايضا من الأساتذة الجامعيين من سقطوا في المزايدات والاخوانيات لبيع اسمائهم للنصوص الأدبية ذات المستويات المتدنّية غير أن الفعل النقدي للجامعة التونسية في الساحة الأدبية ليس هذا فحسب فهناك من أساتذة هذه المؤسسة من ذاع صيته علي المستوي العربي في المجال الشعري وأصبحت دراساتهم مراجع للكثير من النقاد من مثل توفيق بكار وعبد السلام المسدّي وحمادي صمود وحسين الواد وتوفيق الزيدي ورجاء بن سلامة ومحمد لطفي اليوسفي ومبروك المناعي. وياحبّذا لو أن هؤلاء أدرجوا الأدب التونسي الحديث بعد الثمانينات ضمن اهتماماتهم فالأكيد أنهم سيصلون إلي نتائج مهمّة ومازلنا إلي اليوم ننتظر مساهمات بيت الحكمة في هذا المضمار فالأكيد أن تبنّي هذه المؤسسة لمعالجة النصوص الأدبية التونسية الحديثة سيكون مشروعا ثقافيا مهمّا له نتائج ايجابية وطيّبة في المستقبل القريب. وأما النقد الصّحفي فيبدو أكثر التصاقا بالسّاحة الأدبية التونسية فهناك من الصحفيين من نذر نفسه لخدمة الأدب التونسي بشكل وبآخر ويُحسب له بصدق ما قام به من أعمال للتعريف بآخر الاصدارات وتعمّدها بالنقد والدراسة من مثل: محمد بن رجب ومحمد المي وناجي العباسي غير أن هذه المحاولات بقيت ضامرة وخافتة وليس لها أي صدي عميق.

وماذا عن الفئة الثالثة من النقاد بحسب رأيك؟

أما الفئة الثالثة فلعلّها هي الأهم وهي التي تعمل في السّاحة علي طريقة ارستوفان في مسرحيته الشهيرة الضفادع : نقد أهل الأدب للأدب ـ لعلّه يأس الكتاب التونسيين من النقد المؤسساتي ـ فالأديب التونسي يكتب عن التونسي ورغم ما قد يسود هذه الكتابة احيانا من اجرائية أو انطباعية تدخل في ما يسمّي بأدب الأخوانيات غير أن هناك محاولات مضيئة ومبشّرة تُرفد السّاحة الأدبية بألوان من الكتابات والتوجهات التي من شأنها أن تصحّح المسارات أو تعمّق الرؤي ولعلّ احساس الكاتب التونسي بالمسؤولية وتوقه الدائم إلي التجلّي والبحث عن الأجود والأفضل ورؤيته الخاصة لمفهوم الكتابة هي الدوافع الرئيسية التي جعلته ينخرط في المسألة النقدية ويُدلي برأيه يما يصدر من كتب أو أعمال أدبية ولابدّ من شكر خاص أسوقه في هذا المقام إلي سليم دولة الذي ما فتئ يحاول جاهدا متابعة ما يُنشر سواء بالقراءة أو الدّعم آملا أن يجمّع ما كتبه في شأن الأدب التونسي الحديث في كتاب حتّي تكتمل الرؤيا وكذلك الشاعرة نجاة العدواني التي تعمل بصبر وبجدّ من أجل التعريف بالأدب التونسي ضمن تناولاتها النقدية الأسبوعية بإحدي الصحف التونسية وهناك الكثير ممن يواضبون علي متابعة ما يصدر فيكتبون عنه بصدق وجدّ من مثل الأزهر النفطي ومحمد الهادي بوقرة وغيرهم.

عاشت الساحة الادبية التونسية لغطا كبيرا حول ما سمي بـ جيل التسعينات. كيف تري الي تلك المسألة وأين كنت من ذلك اللغط؟

الكتّاب فئة من الناس تعيش علي هامش المؤسسة. خارج التاريخ والجغرافيا ولذلك فإن كلّ تصنيف يسعي إلي تحقيبهم زمنيا أو تحديدهم مكانيا هو تصنيف لا أساس له من الصحّة. فالكاتب الجيد والجادّ هو أكبر من التاريخ وأكبر من المكان. إنّ كاتبا من مثل بورخس له جنسية عالمية وهو نفس الشأن بالنسبة لطاغور أو دستويفسكي أو كازانتزاكي أو ابراهيم الكوني، ولهذا فمسألة التسعينات هي مسألة مغلوطة، الا اذا كان من أطلقها أراد تحديد الشعراء الذين برزوا في التسعينات، وحتي هذا الدافع لابدّ من التعامل معه باحتراز.. لا أعتقد انني شاعر تسعيني.. ولا أعتقد أنني شاعر ثمانيني.. فالسّاحة الشعرية اليوم امتلأت بالاصدارات وبالأصوات المختلفة. ففي غياب مرصد نقدي صارم وفي غياب رقابة أدبية حازمة وفي غياب دور نشر مسؤولة كثرت المجموعات الشعرية بل ان هناك مجموعة شعرية تصدر بمعدل كلّ ثلاثة ايام. فالنشر علي النفقة الخاصّة فتح الأبواب مشرعة أمام كلّ من هبّ ومن دبّ لنشر انتاجه مهما كان مستواه وعمّت الكتب الشعرية السّوق وهذا أمر مفرح جدّا لكن ماذا لو أن الدولة قامت بتنظيم عمليات النشر وذلك بدعم دور النشر الجيّدة حتّي يتسنّي لها اعتماد لجان قراءة لغربلة النصوص وبالتالي لنشر الجيّد منها فقط؟

تكتب وتنشر في غير جنس أدبي، شعرا، مسرحا، نقدا، وأخيرا ربما رواية.. كيف تتعامل مع توزعك علي مجمل تلك الأجناس الأدبية؟ وأين تكون موجودا بكثافة؟

لا أعتقد أن فكرة الأجناس الأدبية قد تفيد الكتابة أو تخدم الكاتب، بل هي عائق كبير امام حريّة الكاتب الذي ينشد الانطلاق والتجلّي. فكل كاتب يبحث عن خلاصه في الكتابة واذا ما تمّ تقنين هذه الكتابة وتنظيمها بشكل صارم فالكاتب سيجد نفسه محاصرا وملزما بالخضوع لجميع الشروط الواجب تنفيذها من أجل انجاز عمله/ نصّه وعليه بالتالي ان يلتزم في جنس الرواية بماهو شرط للنص الروائي وينحني امام كلّ الاشتراطات الشعرية إذا فكر بكتابة قصيدة ويطبق جميع التقنيات اللازمة إذا أراد كتابة نص مسرحي الخ.. وبالتالي أين هو الابداع؟ الإبداع بماهو الاتيان بشيء علي غير ما تعارف عليه الناس. تبدو الاجناس الأدبية محاولة لترويض من يتعشق اللغة ويراهن عليها. والكاتب الكبير هو ذلك الذي يستطيع أن يبدع في عشقه للغة ويتفنّن كذلك وقد يجيء هذا الابداع أو هذا التفنّن في كلّ السّرد أو الحوار أو الغنائية ويحدث أن يأتي الكاتب بكل هذا في نصّ واحد مثلما فعل شكسبير، كازانتزاكي، بورخس، سليم بركات، فاضل العزّاوي، سعدي يوسف، الطيّب صالح، موريس بلانشو، سيوران، النفري، المسعدي، طه حسين، بدرشاكر السياب، جويس، بروست، نيتشه، هنمغواي ألخ... إن مسألة الأجناس الأدبية مسألة مغلوطة أيضا، فالكتابة واحدة ولا جنس لها، إنّ علاقتها بالكلمة وهي شرطها الأوحد ولذلك فالروائي الجيّد هو من يستطيع اضافة إلي تمكّنه من السرد أن يضمّن نصّه شعرية عالية وحوارا متماسكا متوازنا وعميقا. والشاعر الجيّد ايضا هو من يستطيع اضافة إلي قدرته علي ايجاد الصور الشعرية العالية أن يفتح نصّه لكل الضمائر لتتلاقح وفق بؤر درامية عميقة من شأنها أن تعمّق الرؤيا. والمسرحي الجيد هو ذلك الذي بامكانه خلق ذري درامية عالية في إهاب شعري ساحر لذلك كما سبق وأن قلت فإن الكتابة واحدة وإن المسألة مرتبطة بالرؤيا وعلي الكاتب ان يصوغ رؤاه كما يشاء فماذا يمكن أن نقول عن نصّ حديقة الحواس لعبدو اذن أو نص الكركدن الاخير لفاضل العزّاوي أو نص يوليسيس لجيمس جويس أو نص الأرض الخراب لأليوت... إلخ... ولعلّ طموحي الوحيد هو كتابة نص من هذا القبيل لذلك انا أكتب المسرح والشعر والرواية ـ مخطوط ـ والنّقد لأنه لا حدود عندي للكتابة وكل الأجناس تصبّ في خانة واحدة ألا وهي عشق الكلمة.

بوصفك شاعرا وراصدا للحياة الثقافية في بلدك، صف لي مستقبل الكتابة الشعرية العربية الجديدة في تونس اليوم ومآلها؟

أعتقد أن الشعر التونسي اليوم يعيش لحظة حاسمة في تاريخه. واستطيع ان أقول أنها لحظة الخروج من عقدة أبي القاسم الشابي شاعر تونس الأوّل، والشجرة التي غطّت الغابة، رغم الشعراء الكبار الذين انتجتهم تونس بعده امثال سعيد أبي بكر والطيّب الرياحي ومنوّر صمادح واحمد اللغماني. لقد عاشت السّاحة الشعرية التونسية منذ الستينات تفاعلات عديدة افرزت عدّة تجارب منها حركة الطليعة وما تمخضّ عنها من جماعة (في غير العمودي والحرّ). ثمّ ظهرت جماعة الشعراء الملتزمين أو الشعر المؤدلج والذي جاء انعكاسا لحالة من الفساد السياسي كانت تعيشها تونس أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات ورغم ظهور عدّة اصوات شعرية في هذه المرحلة لكنها في أغلبها كانت ذات توجهات سياسية غير منشغلة أساسا بتطوير النص الشعري من الداخل وهو ما أدّي إلي اعتبار الشعر وظيفة وسيلة ومطيّة دون الاهتمام به كنصّ أدبي أوّلا وكان أن برزت خلال الثمانينات توجهات في الكتابة يمكن رصد ملامحها في العودة إلي الذاتية في شيء من الغنائية والاشتغال علي اللغة ولقد كان لهذه التوجهات صداها في الساحة الشعرية والأدبية عموما مما أوجد جدلا حول مصداقية هذه التوجّهات وقدرتها علي الاستمرار وتطوير نصّها وامكاناتها في مقاومة العراقيل التي تواجهها في مغامرتها الابداعية. لقد تميّز جيل اواسط الثمانينات بالمغامرة في الكتابة الشعرية ولئن لم تظهر حركة متكاملة ذات هدف واحد ومضمون واحد واتجاه واحد فلقد تميّز شعراء هذه المرحلة بانشغالهم الاساسي علي النصّ وبتعشقهم للغة والانفتاح علي التجارب الخارجية: العربية والفرنسية والانكليزية وباختلاف نوعية كتاباتهم إذ هناك من يوغل في التجريبية وهناك من ذهب شوطا بعيدا في الغنائية وهناك من يطعّم نصّه بالسردية والدرامية وهناك من يهتمّ اساسا بالصورة الشعرية كلّ هذا يأتي أحيانا من شعر التفعيلة أو النثر. وعلي كلّ حال يمكن اعتبار هذه المرحلة من الشعر التونسي مرحلة ثرية وغنية بالتجارب وحتما ستفرز اكثر من شابي جديد. فتجارب الشعراء: حافظ محفوظ وعبد القادر بن سعيد والهادي الدبابي وشمس الدين العوني وفاطمة عكاشة وتوفيق الشابي ومجدي بن عيسي ومحمد الهادي الجزيري وسامي نصر ورضا الجلالي تجارب مهمّة من واجب النقد أن يهتمّ بها الاهتمام الكبير لدراستها ومتابعتها. وطبعا هذه الأسماء لن تحجب الأسماء الاخري التي ظهرت خلال السبعينات وخرجت من خندق السياسة لتعانق الأفق الرحب للشعر واصداراتها الحديثة تؤكّد ذلك من مثل: آدم فتحي والمولدي فروج وأولاد احمد ونجاة العدواني والمنصف الوهابي ومحمّد الغزّي ويوسف رزوقة.

ملاحظة/ التقاه حكمت الحاج بتونس ونشر اللقاء في 2002/05/09 بصحيفة القدس العربي الصادرة في لندن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,963,765
- الأصوات
- لو..شعر : رديارد كبلنغ
- سدة الهندية
- مَنْ لا يَحْضُرُهُ الفَقيهُ
- جِنْ
- صندوك الرمل مسرحية بالمحكية العراقية من فصل واحد
- -جنون- جليلة بكار وفاضل الجعايبي: رؤية جديدة للانسان والشعر ...
- تَحْفرُ الخيولُ قبرَ الفجرِ
- جسر على نهر دجلة أو قراءةٌ في تسنن حسن العلوي (2-2)
- جسر على نهر دجلة أو قراءةٌ في تَسَنُّن حسن العلوي (1-2)
- جنون في كتاب بعد أن كانت مسرحا
- موطني موطني نشيد بين شاعرين
- المرأة والحداثة والتفكيك والجندر في العالم العربي في حوار مع ...
- حتى نارك جنة.. الوطن بين رضا الخياط وشكري بوزيان
- الكلامُ المُسْتَعَادُ
- فن الشعر في ملحمة گلگامش
- Marcella
- ذكرى أبي القاسم
- مفاهيم سبتمبرية جديدة حول الإرهاب والحروب الإستباقية وحقوق ا ...
- د. الطيب البكوش: إن مساعدة الشعب العراقي أعسر تحت الاحتلال، ...


المزيد.....




- عضو شورى سابق بالسعودية ينشر -حديثا صحيحا يُثبت سماع الصحابة ...
- إدارة ترمب تلغي حصص اللغة الإنكليزية والمساعدات القانونية لل ...
- فيلم -لجوء-.. صورة من معاناة السوريين في أميركا
- بالفيديو.. اللاتفي بريديس يهزم البولندي غلوفاتسكي بالفنية ال ...
- -ولد عيشة فقندهار- يجر إنذارا من الهاكا للأولى والثانية وميد ...
- الباميون ينقلون صراعهم الداخلي الى المحاكم
- دراسة: الموسيقى تخفف آلام مرضى السرطان وأعراض أخرى
- فيوري ينهي نزاله أمام شفارتس بالضربة الفنية القاضية (فيديو) ...
- العثماني أمام نساء حزبه: جهات عاد قطَّر بها سقف السياسية تست ...
- بوريطة: المغرب مستعد لفتح صفحة جديدة من التعاون مع السلفادور ...


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - الشاعر التونسي عبد الوهاب الملوح في حوار مع حكمت الحاج: الجيل الشعري التونسي يبشر بأكثر من شابي جديد!