أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رامي أبو شهاب - مواقع الظل قراءة في اعترافات قناع للروائي الياباني يوكيو ميشيما















المزيد.....

مواقع الظل قراءة في اعترافات قناع للروائي الياباني يوكيو ميشيما


رامي أبو شهاب
الحوار المتمدن-العدد: 2258 - 2008 / 4 / 21 - 07:20
المحور: الادب والفن
    


غالبا ما ينظر للأدب الياباني المعاصر من خلال روائييها يسوناري واكاباتا و يوكيو ميشيما، وكلاهما مدرستان سارتا بنمط تعاقبي انتهتا في نقطة واحدة، فميشيما تلميذ واكاباتا، وجامعهما أنهما انتحرا بطريقة فلسفية بعد أن أنهيا مشروعها الأدبي والفكري. فالحياة – بالنسبة لهما - لم يعد بمقدورها أن تكون قادرة على إثراء ما يعتقدان أنه بات مكتملا، فقررا أن يستبقيا مساحة شاغلة، يمارسان فيها فراغهما من الحياة، وفراغ الحياة منهما، فوضعا مقولة أخيرة، لأقوال كثيرة بعد أن انتهيا.
يوكيو ميشيما:( 1925 ـ 1970) صاحب الرباعية الشهيرة " بحر الخصوبة " التي جلبت له الشهرة،التي لم يكن بمقدورها أن تحد من هاجس ما يؤمن به من أفكار، ساهمت بدفعه إلى الانتحار على طريقة " الهاراركيري " متبعا نسق أستاذه واكاباتا . وتحصل هذا بعد محاولة عصيان فاشلة، قادها هو ومجموعة من رفاقه ضد مشروع الخضوع الياباني لحالة التغريب الناتجة عن الهيمنة الأميركية، ولا سيما النص الدستوري الذي نزع من اليابان حقها بالتسلح..... لم يؤثر ميشيما أن تسقط الإمبراطورية اليابانية بهذا العار، فصاح (عاش الإمبراطوري) وجلس كمحارب عتيق واضعا الحربة في بطنه ليغرزها في الجسد احتجاجا على ما كان آلت إليه اليابان العظيمة؛ وجاء هذا الانتحار – فعليا- على مستويين: الواقع والتخييل الأدبي، وقد جسد المستوى الثاني أعماله الروائية التي أزعجت بحساسيتها الغرب،الذي بدا متحسسا من أعمال ميشيما، باعتبارها محرضا إلى العودة إلى نزعة القوة التي أُجبرت اليابان على أن تتنازل عنها مكرهة ولا سيما بعد أن دُكت بقنبلتين ذريتين خلفتا آثارا لا تمحى من ذاكرة اليابانيين،الذين اختزنوا وتلمسوا جراحهم بصمت حزين، وبمصاحبة إحساس مؤلم بالعار، تقبله البعض، ولكن آخرون لم يتقبلوه، ومنهم يوكيو ميشيما .
ميشيما كان واقعا في ظلال ما آلت إليه اليابان، وكان يبدو حزينا على الماضي الغابر، حيث كان (الساموراي) شكلا مؤثرا للقوة، ولنزعة تمجيد الذات، فهال ميشيما ما فقدته تلك الأمة العظيمة من الكرامة، فعمل على أن ينذر نفسه لأفكاره، فمارسها نظريا وعمليا، فكان الانتحار نتيجة ذات صدى، و زائرا للذاكرة القديمة والمعاصرة والقادمة، وسؤالا مفعلا دوما لماذا انتحر يوكيو ميشيما ؟
ميشيما في إحدى رواياته وهي هنا ( اعترافات قناع ) يصنع قراءة للذات بمحاذاة التاريخ،و لا اعتقد أنه يلجا لمعالجة الإنسان على خلفية تاريخية، كما يصطنع الكثير من الروائيين،إنما على العكس، حيث يصطنع التاريخ على خلفية الذات، وربما تكون الذات مذابة في التاريخ، وربما- أيضا- تكون هي التاريخ بحد ذاتها، هكذا نقرأ في سطور رواية (اعترافات قناع)، إحدى أكثر الروايات إثارة للجدل، لا لاشيء، إلا لأنها وقعت على بِنى فكرية جريئة، اضطلعت بها شخصية (الطفل) الذي يفتح عينيه على ضوء الشمس، ويحدثنا عن أثر ذلك، وهو يعي لحظة ولادته وهنا إصرار على الوعي، فضوء الشمس اختزال حقيقي لمجمل العمل، فرؤية الشمس هي الحقيقة، وهي القوة، وهي الرغبة في الحياة، فلا مكان للإخفاء أو التظاهر، ولا مبرر أن نتكئ على مواقع الظل، فضوء الشمس معادل للحياة، والتي تعني بأحد مظاهرها القوة، فلا يمكن أن تنتج الحياة بلا قوة، وفي المشهد المؤثر للحظة سرد الولادة و تنص على رؤية ضوء الشمس من قبل الطفل الذي يبدو أنه ولد مساء ولكنه يصر على رؤية الشمس و أشعتها بدلالة فلسفية رمزية عميقة الابتعاد في القراءة الكلية للنص، ولكي تتضح معالم هذا الأثر العميق علينا أن نعمل على تبسيط المعادلة، فكي تعيش لا بد أن تكون قويا، هذه فلسفة ميشيما بكل بساطة وعفوية تلقائية، وقد صاغها في هذا العمل، الذي يمس اليابان في حالة حرب،وكل ذلك عبر فتى نتتبع في النص السردي تطوره حيث ولد ضعيفا و مريضا،"...فلم أكن أستطيع إلا أن أعتقد أنني أذكر مولدي،وربما كان أساس ذكرياتي شيئا سمعته من شخص كان حاضراً في ذلك الوقت،وربما كان أساس ذلك مجرد تخيلات متعددة تخصني ومهما كان ذلك،فقد كان هناك شيء واحد كنت واثقا أني رأيته بوضوح بعيني هاتين،كانت تلك حافة الحوض الذي حصلت على أول حمام ....وعندما نظرت من الداخل،كان شعاع من الضوء يرسل بقعة على حافته / ص 8"
وإذا كانت أغلب المؤشرات والدراسات تنص على أن هذا الطفل هو ميشيما، و أن هذه الرواية تندرج تحت بند رواية الاعترافات و السيرة، فإن ذلك هو المستوى القشري والظاهر من مجمل العمل، فميشيما كان يقصد إلى أبعد من ذلك، حيث حمل الرواية بعدا آخر، أراد من خلاله أن يضع اليابان في حالة تماه مع هذا الفرد- الطفل – الفتى – ميشيما - الذي ينساق وراء شهواته، وهنا الشهوة ضلت طريقها، نحو الانحراف الشاذ، نحو القوة والأجساد الذكورية، التي كانت منشغلة بها شخصية الفتى الذي بدأ أولا يتلذذ برائحة عرق الجنود وهم يمرون بالقرب من باب منزله، ومن ثم يعشق لاحقا جسد فتى قويا في المدرسة، كل هذه المشاعر المشبوهة، بقيت حبيسة أعماق هذا الفتى، الذي كان غير قادر على أن يقرر إن كان أسيرا لهذا التوجه الشاذ، أم أنه شخص سوي، فحاول أن يتقرب إلى إحدى الفتيات، ولكن العلاقة لم تكتمل، لأن هذه الفتاة لم تجسد ذاك الاكتمال الذي كان يتوق له، فهي كائن ضعيف وهو يتوق إلى النقيض من الضعف،أي القوة، فلا تجسيد لهذا إلا حالة الذكورة، فيبقى هذا الشاب أسير نزعته الشاذة بتمجيد الجسد الذكوري لأنه أيقونة القوة، كما في هذا المقطع التالي:" رائحة عرق الجنود،تلك الرائحة كنسمة بحرية،كالهواء الذي يتحول بالاحتراق إلى ذهب فوق السواحل / ص 16"
إن القراءة الأولية لهذه الرواية، ستنساق وراء فعل حالة الجرأة لهذه الاعترافات، ومقدرة الكاتب على قراءة واقع المثليين، وتعاطيهم مع ما ينازعهم من أهواء، ولكن هذه القراءة مبتسرة وسطحية، فميشما كان منشغلا بمواقعة القوة، وهذه القوة لا يمكن أن تتجسد إلا عبر حالة رمزية، لذلك اختار القوة... تلك القوة التي دعا لها للخروج من ظلال العار، فبطل الرواية الفتى الشاحب والمريض، وهنا هو تجسيد للضعف، وبدائرة قابلة للتوسع ضعف اليابان، ومن ثم الأمم المستضعفة، والمنساقة للهيمنة الغربية، سوف تكون أسيرة لنسق عشق الذات الأنثوية السوية، وهي علاقة مشروعة بين ذكر وأنثى، وكلاهما قطبان لمعادلة القوة والضعف، فالذكورة تجسد القوة، والأنثى تجسد الضعف، لذلك كان على ميشيما تمرير الرسالة بحرفية الأديب، نحو عكس الانشغال القطبي، لتكون المعادلة الذكر الضعيف في حالة عشق للذكر القوي، وضمن مجموعة من القراءات السيمائية، فإن محصلة العمل الأدبي، هي العمل على خلخة بنيان ثنائية القوة – الضعف، لتصبح المعادلة الضعف – القوة، فلو سقط البطل في عشق الفتاة، فإن ذلك يعني نتيجة ومعادلة غير مرغوبة، تتحقق بمقولة الضعف – الضعف، مما يعني المزيد من العار والهزيمة.
إن المتتبع لحالات الوصف التي ينشئها ميشيما، سيرى من خلالها ذلك التمجيد لحالة البطولة والقيم الإسبارطية للفحولة، والإعلاء من قيم البطولة، وهي كتل كلامية شديدة التأثير لاستثارة مكامن الشهوة نحو القوة بنزعة نيتشوية، وخاصة إذا ما وضعت ضمن سياقاتها الصحيحة، لا ضمن مقولة الاعترافات السيرية التي أعتقد أنها مستوى سطحي لهذا العمل الثري جداً في المقولات الفكرية، لخلق وبناء مفهوم الأمم التي تبحث عن توجهاتها وللتأكيد على هذا النهج في القراءة، فإن السرد الخاص بقصة صورة "سان سيباستيان " من العهد الروماني واستشهاده في سبيل المسيحية لدليل على ذلك، فهذا البطل الأسطوري الذي أعدم بالسهام، وظن أنه مات يعود إلى الحياة بعد أن يطبب من قبل امرأة أرملة وجدت جسده ما زال دافئا بعد أن تم التخلص من جثته، وهذا تأكيد لا شك فيه على الدعوة إلى العودة إلى القيم الأسطورية لمفاهيم القوة.
إن تلك الرغبة الشاذة في اشتهاء حالة الذكورة، لا تتأتى من منطلق جنسي كما ينص على ذلك بطل الرواية، فهو في حالة رمادية لا يستطيع أن يحدد حقيقتها، ولا أن يقطع بكونه شاذا جنسيا، إن التوق نحو الخلود نحو الاستمرار ونحو الحياة، هو الدافع الحقيقية لانبهاره بالتركيب الفيزيائي لجسد الذكر، إنه سعي حثيث نحو ما يمثله هذا الجسد من خلود ونزوع نحو البقائية والاستمرارية وربما رغبة في التمثل بنموذج القوي الفاتن الشكل النموذجي للمحارب كما كان في صورة معشوقه الفتى " أومي " : " وهكذا اعترفت أخيرا أني لا يمكن أبداً أن أصير " أومي" وبعد المزيد من إعمال الفكر، اعترفت لنفسي أيضا أن الرغبة في أن أكون مثل أومي كانت في الحقيقة عشقا له / ص 92" .
الرواية في مجملها هي اليابان واقعة بين مسارين، إما أن تختار أن تسقط من حساباتها تاريخها وماضيها العريق- القائم على القوة- أو أن تنحل في وتتلاشى في بوتقة الآخر، لتتحول إلى كائن مختلط هجين، ومن هنا كان إيثار ميشيما لقيم (الساموراي)، وهي تجسيد لحالة القوة والحرب، في مقابل مسار الانقياد للقوة المتمثلة بالشكل الغربي، وبين المسارين، وضع ميشيما إشاراته التي جسدتها أعماله الأدبية ـ وتوجتها عملية انتحار أسطورية.
وإن كانت اعترافات قناع في نظر البعض نقد للفاشية اليابانية، أو قراءة في انهيار اليابان كما في شخصية بطل الرواية، والذي بدوره نموذج يضل السبيل نحو منطقية الأشياء، فإن هذا الانحراف هو مسعى باعتباره الشيء الغامض والأثير الذي تسعى له أفكار ميشيما وكما وضع هو نفسه في مقدمة الرواية مستعينا بنص للكاتب الروسي "دوستويفسكي" يمجد فيه الجمال، ذاك الجمال المخجل والغامض والغريب، والذي لن يحدث ولن يحصل، لأن لا أحد قادر على أن يسبر غوره ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,101,964,089
- الوجه
- تانغو غزة
- غياب كل الأسماء - قراءة في رحلة دون جوزيه -
- الذباب والمدينة
- أمر بالدم
- الانتاج والاستهلاك المعرفي
- وطن طارئ للغريب
- نعبر كلانا في الظلال
- أمنية
- استعارات في العشق
- أربعون عاما
- في حضرتك ِأرتجلُ الغزل
- المزود الرسمي لإحصاءات التاريخ
- نفحتني سمرة لحمها
- امرأة أخيرة للموت
- رؤيا تعبر النساء
- قطرة ماء في النهر الفارغ
- لك شكل الإغواء
- جدار1
- دم جديد


المزيد.....




- بشار الأسد يخطئ مجددا بحق العروبة.. هكذا تحدث عن تاريخ اللغة ...
- رسائل المنفى.. الهجرة واللجوء بين الأدبين الفلسطيني والسوري ...
- -مطاردة الساحرات- لم تُنقذ نيكسون.. فلماذا يستعين بها ترامب؟ ...
- -السفينة العمياء- رواية جديدة تدعو للسلم العالمي ووقف الحروب ...
- بنعيسى والسفيرة بنصالح العلوي يناقشون أهمية الثقافة في الفضا ...
- على طريقة أفلام هوليوود... جامعة أوروبية تنقذ طالبها العربي ...
- فيدرين وقادة سياسيون يحللون تأثير قرارات ترامب على النظام ال ...
- لقاء يرصد حاجة إفريقيا لتمويل المناخ
- في الملتقى الإذاعي والتلفزيوني.. ظفار المفرجي وطلال هادي عن ...
- -مطاردة الساحرات- لم تُنقذ نيكسون.. فلماذا يستعين بها ترامب؟ ...


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رامي أبو شهاب - مواقع الظل قراءة في اعترافات قناع للروائي الياباني يوكيو ميشيما