أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - جورج حداد - الكيانية اللبنانية ...الى أين؟!















المزيد.....



الكيانية اللبنانية ...الى أين؟!


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 2256 - 2008 / 4 / 19 - 06:32
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


تلقيت من احد الرفاق القدماء وهو الاستاذ علي زين الدين التعليق التالي على مقالتي "هل يكون لبنان الضحية الثانية بعد فلسطين؟!":
"لم تكن قيامة لبنان بالشكل الذي تمت به في عشرينيات القرن الماضي هي الالتباس الوحيد في هوية هذا البلد الذي جُمِـع من عدة خرق لصقت عمدا وقهرا, فمنذ اعلان المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير في مطلع عشرينيات القرن الماضي والالتباسات تحيط بهذا المسخ المسمى لبنان ولم تكن احداث ال1975 الا النتاج الطبيعي والاكثر تعبيرا عن تصادم تلك الالتباسات التي (جبرت على كسر) وطنا تناثر في ذلك العام. لم يكن الالتباس مقصورا على طبيعة النظام والدولة بل على مكوناتها السياسية والاجتماعي ككل من اقصى اليسار الى اقصى اليمين.
في العام 1975 اندلعت الحرب الاهلية واخذت الاحداث مأخذها الذي صارت عليه. وفي غضم ذلك قدمت قراءات متعددة للذي حصل كل من موقعه حتى في الجانب الواحد. وبراي انه يجب اعادة قراءة ما حدث بلغة اخرى غير لغة التمترس خلف مواقف ومواقع اثبتت عقمها. فبعد كل ماآلت اليه الامور على الصعيد الوطني العام المتصل بالتركبية السياسية الحالية يحق لنا طرح اسئلة من عيار ونوع انه الى اي مدى كانت قيادات وسياسات تلك المرحلة صائبة؟
"واذا ما كانت الحركة الوطنية هي على ما عليه اليوم من بؤس هل هذا وليد الصدفة الان ام انها كانت دائما بائسة؟
بالتالي هل كان عرفات يمثل القضية الفلسطينية؟ هل كان كمال جنبلاط يمثل القضية الوطنية اللبنانية؟ ما كانت طروحاته والى اين كان يريد ان يصل؟ واذا ما اراد هل كان سيوصله سلوكه السياسي وجعله خلف ابو عمار الى مكان ما؟ هل يمكن عزل ما حصل في لبنان آنذاك عما كان يراد للمنطقة ان تكون عليه وبالتالي يصبح التصدي لبعض ظاهرات تبدو وطنية هو العمل الوطني بحد ذاته؟ و .. و... كثيرة يجب اعادة قراءتها مجددا اذا كنا لانريد ان نكتفي بلعن الآخرين الشريرين فقط."
وفيما يلي ردي على هذا التعليق:
في رده المكثف على مقالتي، يطرح الرفيق علي زين الدين، وله كل الحق، عناوين نقاط ومسائل عامة تتعلق بأسس الكيان اللبناني والحراك السياسي لمكوناته وآفاق هذا الحراك.
مقالتي كانت اكثر تواضعا، وكانت تتمحور حول نقطة اساسية هي: ان المواجهة المصيرية مع اسرائيل، بالتلازم مع الصراع الداخلي ضد "الطابور الخامس" الموالي لاميركا واسرائيل، قد اوصلت الكيان اللبناني الى حدود الازمة الوجودية: هل يبقى لبنان ام لا؟ ـ وكانت فكرتي الاساسية هي ان المؤامرة الامبريالية ـ الصهيونية ـ الطابورخامسية يمكن، اذا نجحت، ان تقضي على لبنان ـ الدولة، ولكنها لا يمكن ان تقضي على لبنان ـ الشعب، لبنان المقاومة. وانه، بمقدار ما ان اسرائيل تشكل خطرا وجوديا على لبنان ـ الدولة، فإن لبنان المقاومة هو الذي يشكل خطرا وجوديا على اسرائيل. وان المواجهة المصيرية بين اسرائيل ولبنان المقاومة تشكل إحراجا "وجوديا" لجميع الانظمة العربية القائمة، التي هي امتداد لوجود اسرائيل.
وارى من الضروري تناول بعض القضايا التي طرحها الرفيق علي زين الدين، على خلفية الفكرة الاساسية لمقالتي:
لا شك ان كيان الدولة اللبنانية (كأي كيان سايكس ـ بيكوي عربي اخر) لا يملك مقومات الوطن، بمعنى الدولة ـ الامة. فعشية اعلان الجنرال غورو لـ"دولة لبنان الكبير"، كان هناك ثلاث صيغ مطروحة للبنان:
1ـ لبنان الصغير، اي ان تعلن متصرفية جبل لبنان السابقة (المسيحية ـ الدرزية) كدولة جديدة. وفي هذه الحالة تضم ما يسمى "الاقضية الاربعة": بيروت، الجنوب، البقاع والشمال، الى سوريا ـ الدولة.
2 ـ اللالبنان، اي ضم كل لبنان الحالي الى سوريا الدولة، وتحويل المناطق اللبنانية الى "محافظات" داخل الدولة السورية.
3 ـ "لبنان الكبير"، في صيغته الحالية، اي ضم الاقضية الاربعة الى متصرفية جبل لبنان السابقة، لتكون هذه الاقضية مدى حيويا، اقتصاديا بالاساس، لجبل لبنان المسيحي (+الدرزي). وان يتم الانتقال من التوازن المسيحي ـ الدرزي في الجبل (لبنان الصغير)، الى التوازن المسيحي ـ الاسلامي في "لبنان الكبير"، مع اعطاء ارجحية مسيحية في الحالتين.
وكانت مرحلة الانتداب بمثابة فترة "تأهيل" و"تطويع" و"تدريب" لمختلف مكونات الدولة الجديدة لقبول هذا الواقع. ومن بين الطوائف الاسلامية، فإن دروز الجبل (اي باستثناء دروز حاصبيا وراشيا) كانوا الاقرب لقبول هذا الواقع، لانه اعطاهم، الى جانب المسيحيين، مدى حيويا اوسع، اقتصاديا وسياسيا الخ. اما دروز حاصبيا وراشيا فكانوا اكثر ميلا الى "الخيار السوري" بفعل ارتباطهم الاقرب بدروز حوران؛ ومن هنا كانت مشاركة دروز حاصبيا وراشيا بالثورة السورية الكبرى سنة 1925 ـ 1927 بقيادة سلطان باشا الاطرش اوسع بما لا يقاس من مشاركة دروز الجبل، اذا اعتبرنا ان دروز الجبل شاركوا. اما مسلمو الاقضية الاربعة الآخرون فكانوا على الاغلب مع "الخيار السوري". ولكن العوامل اللاحقة مثل: بناء اجهزة الدولة المشتركة، وبدايات نشوء "سوق لبنانية"، وخصوصا النضال المشترك من اجل التحرر من الانتداب، ـ هذه العوامل تضافرت للتقريب بين المكونات البرجوازية والاقطاعية السياسية والمرجعيات الطائفية والتيارات الشعبية في "الدولة الجديدة"، مما تمخض عما يسمى "الميثاق الوطني" غير المكتوب في 1943، الذي "ينص" على: تخلي المسيحيين عن الحماية الفرنسية؛ تخلي المسلمين عن "الخيار السوري"؛ "لبنان لن يكون مقرا ولا ممرا للاستعمار"؛ لبنان وطن "ازلي" ذو "وجه" عربي؛ المحاصصة الطائفية؛ الدمقراطية "التوافقية" (اساسا: الطائفية).
هذه هي باختصار "قصة" نشوء الكيان اللبناني الحالي، الذي هو دولة مصطنعة بارادة القوى الامبريالية، فرضت على "شعبها" كأمر واقع.
ان كل بلد عربي سايكس ـ بيكوي له ايضا "قصته".
وطبعا ينبغي الاجابة عن السؤال التالي: لماذا فرضت الدول الاستعمارية التقسيم على العرب؟
ـ لقد "تحالف" العرب مع الدول الحليفة في الحرب العالمية الاولى، ضد الامبراطورية العثمانية السابقة؛ فلماذا تعاملت الدول الامبريالية مع حلفائها العرب (والاكراد) بهذه الطريقة، وعملت على تمزيق كيانهم القومي في سلسلة من الدول المصطنعة المتمحورة عائليا ـ عشائريا ـ محليا ـ طائفيا ومذهبيا، والتي يحمل كل منها من المواد المتفجرة ما يكفي لتمزيقه من الداخل واضعافه وسحقه من الخارج من قبل القوى الامبريالية والصهيونية؟
جواب منطقي اعتقد انه الاقرب الى الواقع: لقد خرج الغرب الرأسمالي الصاعد، والمتحول الى استعمار، ـ خرج من العصور الوسطى بهزائم ونكسات اهمها:
أ ـ تدمير مملكة الخزر اليهودية على بحر قزوين، على يد الدولة الروسية الجديدة حينذاك؛ وبداية صعود الدولة الروسية وطموحها للحلول محل بيزنطية.
ب ـ انشقاق الكنيسة المسيحية الى شرقية (روس، يونان، بلغار وصرب، ارمن، عرب، الخ) وغربية؛
ج ـ وقوف المسيحيين الشرقيين "على الحياد" او "ضد" الحملات الصليبية؛
د ـ هزيمة الصليبيين في الشرق العربي الاسلامي وفي القسطنطينية التي كان الصليبيون قد استولوا عليها واقاموا فيها مملكة "لاتينية" في 1204 استمرت اكثر من ستين سنة؛
وبالرغم من ظهور البروتستانتية والحروب الاوروبية الغربية على اساس ديني او دولوي، فإن اخشى ما اخذت تخشاه الدول الاستعمارية الغربية الصاعدة، هو: أ ـ احتمال توحيد المناطق العربية (والكردية) في دولة واحدة؛
ب ـ والاخطر من ذلك هو: احتمال قيام تحالف عربي (كردي) مع المسيحيين الشرقيين: الروس واليونانيين والارمن والبلغار والصرب الخ؛
ولذلك كان ظهور الامبراطورية العثمانية بمثابة "هدية من السماء" للكنيسة والاقطاع والبرجوازية الصاعدة في اوروبا الغربية، وطبعا للمتمولين اليهود الخزر والعبرانيين. وقد تنفست الدول الاستعمارية الغربية الصعداء حينما اجتاح العثمانيون شبه جزيرة البلقان والقسطنطينية "المسيحيتين الشرقيتين"، وتنفست الصعداء اكثر حينما اجتاحوا البلاد العربية (والكردية). وبعد ان اجبر العثمانيون على التزام "حدودهم" على ابواب فينا، "فهموا" تماما ان عليهم توجيه سيوفهم ورماحهم نحو "الشرق" وليس نحو "الغرب"، فاتجهوا بكل قوتهم لينطحوا الجلمود الروسي. ومنحوا "الامتيازات الاجنبية" لكل طالبيها. وهكذا تحولت الامبراطورية العثمانية الى اداة للغرب الاستعماري، والى "صليبية غربية" بادوات واعلام اسلامية.
وطوال مرحلة وجود الامبراطورية العثمانية كانت الدول الاستعمارية تخشى ليس بقاءها، بل تخشى من "خطر" زوال تلك الامبراطورية الغاشمة، وقيام دولة عربية (وكردية) على انقاضها. وحينما وصلت قوات ابرهيم باشا المصري الى الاناضول، نزلت الاساطيل الاستعمارية فورا للدفاع عن وجودها ومنع سقوطها.
وحينما أزفت ساعة النهاية بالنسبة للامبراطورية العثمانية ولم يعد بالامكان الدفاع عنها، تركز هم الدول الاستعمارية الغربية على: تجنب قيام اي بديل، يمكن ان يشكل في المدى القريب والبعيد خطرا على المصالح الاستعمارية في الشرق. ولكي يتم ابعاد شعوب الشرق عن التلاقي مع روسيا (خصوصا بعد قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية) قدمت الدول الاستعمارية شتى الوعود الكاذبة للعرب والاكراد والارمن واليونانيين. ولكنها بعد ان استتب لها الامر نسبيا ضربت عرض الحائط بكل وعودها السابقة، ومنعت قيام دولة ارمنية، ودولة كردية، ودولة عربية موحدة في المشرق العربي، ومنعت اليونانيين من استعادة حقوقهم في اراضيهم التاريخية او ضم المناطق ذات الاكثرية اليونانية في "تركيا" الى دولة اليونان. وهذا بصرف النظر عن ان تكون اي من الدول، البديلة لتركيا، صديقة للدول الغربية. وبالعكس، فان الدول الاستعمارية الغربية فضلت ان تعطي الاراضي الارمنية والاراضي اليونانية الى تركيا (التي حاربت ضد الدول الحليفة)، على ان تعطيها لاصحابها الارمن واليونانيين الذين حاربوا معها. اما المناطق العربية، بيت القصيد، فقد تم "معالجة مشكلتها" بوسيلتين:
أ ـ الاستعمار المباشر، تحت اسم الانتداب والحماية و"معاهدات الصداقة".
ب ـ التجزئة كيفما كان ذلك ممكنا.
وهكذا صار لنا "وطن" اسمه "لبنان"، ومنظمة اقليمية اسمها "جامعة الدول العربية" مهمتها الاساسية المرسومة من قبل الغرب الاستعماري، هو احتواء وتنفيس واحباط تطور الدول العربية نحو الاتحاد الحقيقي ايا كان شكله.
وبطبيعة الحال كانت "لؤلؤة" التقسيم الاستعماري للشرق العربي: اسرائيل. وكان يدخل في صلب كيان كل دولة عربية، حتى تستمر بالوجود بشكل "طبيعي"، ان تعترف باسرائيل وتعمل على جر شعبها بالتدريج للتخلي عن "اوهامه": "القومية" و"الوطنية" و"الاسلامية" و"المسيحية" و"التحررية"، والقبول بوجود اسرائيل، باعتبار ذلك قمة الحضارة والتقدم والانسانية وحقوق الانسان والامم والدمقراطية (!!!).
وفي السابق، وبالرغم من الحكم التركي الغاشم، كان من "حسن حظ" الرقعة الجغرافية التي اسمها لبنان، بسكانها، انها وجدت تاريخيا الى جانب فلسطين التاريخية؛ فلو تركنا جدلا الجانب السياسي جانبا، فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني كان الجوار اللبناني ـ الفلسطيني مصدر خير وتفاعل بنـّاء وسعادة لسكان هذه المنطقة كلها؛ يكفي ان نذكر، على المستوى الديني والروحاني، نظرة التقديس لدى جميع "اللبنانيين" للقدس وبيت لحم والناصرة الخ، والافتخار بأن السيد المسيح زار "قانا الجليل" وقام فيها باعجوبة تحويل الماء الى خمر؛ وان نذكر نظرة التقديس الى شجرة الارز الذي يسمى الى اليوم "ارز الرب". وكانت فلسطين المدى الحيوي الاقرب للبنانيين، وبالعكس. وقد انعكست العلاقات التاريخية اللبنانية ـ الفلسطينية بشيء من البحبوحة على اللبنانيين عامة والجنوبيين خاصة.
ولكن هذه " النعمة" للبنان واللبنانيين انقلبت الى "نقمة" بقيام اسرائيل. فاذا كانت "الارض" احدى مقومات الامة، اي امة كانت، فإن "الجوار" (حتى لا نقول "الامتداد"، ويزعلوا علينا بيت بيار الجميل واولاده واحفاده) الارضي مع فلسطين المحتلة (التي صار اسمها: اسرائيل) قد انعكس وبالا، وأي وبال، على الدولة الفتية: لبنان وشعبها الصغير. ويكفي ان نذكر بعض اشكال هذا الوبال:
أ ـ بحكم الجوار الجغرافي والعلاقات العائلية والشخصية السابقة، تدفق الى لبنان، بعد نكبة 1948 ـ 1949، حوالى ربع مليون مهجر من فلسطين، او ما يسمى "اللاجئون الفلسطينيون". وكانت الدولة اللبنانية مضطرة للقبول بهم، ليس بدافع اكاذيب "الاخاء القومي" التي يتاجر بها النظام اللبناني ساعة يشاء ويرميها جانبا ساعة يشاء، بل بحكم "مسؤولية" الدولة اللبنانية لكونها (او هكذا "شاؤوا" لها ان تكون) "عضوا مؤسسا" في "هيئة الامم المتحدة" التي شرّعت وجود اسرائيل قبل ان تولد، و"عضوا مؤسسا" في جامعة الدول العربية التي كانت تعترف بالحكومة العربية لعموم فلسطين، السابقة على قيام اسرائيل، واخيرا لا آخر بحكم كونها ـ اي الدولة اللبنانية ـ "شريكا" في مسرحية حرب 48 ـ 1949، التي كان هدفها المعلن وغير المعلن: تشريع قيام اسرائيل والاعتراف العربي المباشر وغير المباشر بها، وتهجير وتشريد من يمكن تشريده من الفلسطينيين. والطبقة البرجوازية والاقطاعية اللبنانية كانت على علم مسبق بما سيجري في فلسطين، ولذلك عمدت الى بيع املاكها في فلسطين، لليهود، قبل حرب 48. وكان "اللاجئون الفلسطينيون" ينقسمون الى قسمين:
الاول ـ قسم ضئيل جدا من المتمولين الذين استطاعوا تهريب اموالهم او جزء منها، وهؤلاء منحوا فورا الجنسية اللبنانية.
والثاني ـ الجمهور الاكبر من الفلاحين الفقراء والمتوسطي الحال والحرفيين والبرجوازيين الصغار والمتوسطين والمتعلمين والعمال الفلسطينيين، الذين خرجوا من بيوتهم بالكاد بثيابهم.
وفي البداية نظر الى هؤلاء "اللاجئين" بأنهم "نعمة من السماء" للبرجوازية اللبنانية، الجشعة والمنحطة، ككل برجوازية. ففي تلك الفترة بالذات، اي غداة الحرب العالمية الثانية كانت الحركة النقابية في لبنان، بقيادة الشيوعيين، تمر في مرحلة تماسك وصعود، وقامت الاضرابات والمظاهرات المطالبة باقرار مبدأ الثماني ساعات عمل في اليوم، وباصدار قانون عمل. ويذكر الصحافي الشيوعي القديم فريد فرح في مذكراته استشهاد المناضلة النقابية وردة بطرس التي سقطت برصاص الدرك اللبناني في 27 حزيران 1946، ويوجه التحية الى العشرات من زميلاتها وزملائها الذين تعرضوا للرصاص وللضرب والسجن ومنهم: لور ديب، عفيفة ثابت، جميلة شهوان، ماري خطار، جوزفين أشقر، نجلاء دكاش، روز داموري، ماري بلطجي، سكينة حسني، رفيقة مجاعص، هيكوي دمرجيان، جميلة إسحق، سعدى ناصيف حبيقة، بهيجة نهرا؛ ابراهيم زين، مرعي حسن صالح، يوسف شهوان، نجم صوايا، بطرس هاني، الياس مهنا صليبا، نجم حبيقة، شفيق زين، يونان سمعان، جوزف حلو، طلال حلبي، سبع صوايا، ماري جعجع، كرم عيد، ماري ماريني.
وبالرغم من كل اشكال القمع التي تعرض لها العمال اللبنانيون، فإن شوكتهم لم تنكسر واضطرت الدولة اللبنانية لاصدار اول قانون عمل لبناني سنة 1946. (8 ساعات عمل، حد ادنى للاجور، اجر اضافي اكبر لساعات العمل الاضافي، عطلة اعياد وعطلة سنوية مدفوعة الاجر، عطلة وتعويض صرف من العمل الخ)، وبذلك صار للعامل اللبناني "حقوق" (والعياذ بالله!)، ولم يعد وضعه، مع كل "لبنانيته"، في يد ارباب العمل "اللبنانيين"، كما كان في السابق، كوضع حمار مسكين في يد مكاري "ما بيعرف الله!". وبعبارات اخرى: صار العامل اللبناني "شيوعيا هداما" و"مزعجا" ("بيرفع رأسه" امام "اسياده")، و"مكلفا" يهدد الانتاج الوطني بالافلاس. ولكن لم تمض سنتان ـ ثلاث حتى استجاب "يهوه" للصلوات الحارة للرأسماليين والملاكين العقاريين واصحاب المزارع الكبار، اللبنانيين، وحلت كارثة فلسطين، وتدفق "اللاجئون الفلسطينيون" الى لبنان. وخلال البحث عن مصيرهم، كان هناك رأي بأن يتم تجميعهم في اقرب مواقع على الحدود مع فلسطين المحتلة، كي لا يعكروا "رواق" العرق "اللبناني" و"مراق" ادونيس وعشتروت. ورأي آخر، اكثر "ذكاء فينيقيا" يقول بتوزيعهم على مختلف المناطق اللبنانية، للاستفادة بالتساوي من خدماتهم للاقتصاد ..."الوطني". وهكذا تم توزيع "اللاجئين الفلسطينيين" من الرشيدية الى بعلبك الى نهر البارد، وحشروا في ما يسمى "مخيمات" كالنفايات البشرية من الزنوج في حي هارلم بنيويورك. ونشرت مخافر الدرك في المخيمات، بحجة "حفظ الامن". والجيل المخضرم مثلي الذي عايش تلك الفترة يعلم ان اجهزة الامن اللبنانية كان يتم فيها، بالاغلب، تجميع اسوأ واحط العناصر التي لا تتوانى عن ممارسة القمع ضد اهاليهم بالذات. واذا كانت الاجهزة البوليسية هي اسوأ اجهزة الدولة في العالم، فإن الاجهزة البوليسية اللبنانية كانت على الارجح اسوأ الاجهزة البوليسية في العالم. وكانت الوظيفة الحقيقية لتلك المخافر تحطيم انسانية "اللاجئين الفلسطينيين" وتحويلهم الى مخلوقات مسحوقة، ترضى بأي عمل، بدون اي حقوق واي متطلبات عمالية واي كرامة انسانية، من اجل ان يمكن استخدامهم كيد عاملة رخيصة في المعامل والمزارع وورش البناء، بدلا من اليد العاملة اللبنانية "المكلفة". ومع ان اصغر تلميذ ابتدائي يعرف ان القدس وبيت لحم والناصرة توجد في فلسطين، وان السيد المسيح وتلامذته فلسطينيون، فقد مارست الطبقة البرجوازية والاقطاعية السياسية والاحزاب الانعزالية وخصوصا حزب الكتائب العميل، اسفل سياسة عنصرية تجاه الفلسطينيين، الذين كانوا يعيّرون بأنهم "فلسطينيين!"، حتى المسيحيين منهم (حينما هاجمت عصابات الكتائب مخيم الضبية (المسيحي) في اثناء حرب السنتين، كان يوجد فيه كاهن رعية طاعن في السفن ومحبوب من ابناء المنطقة، وحينما وصل زعران بشير الجميل الى مدخل المخيم خرج اليهم الكاهن ليستفسر ماذا يريدون، فلم يحترم الاوباش لا سنه ولا لباسه الكهنوتي فاهانوه وشتموه كفلسطيني واردوه قتيلا على الفور وقاموا بمهاجمة المخيم و"تنظيفه"). ولكن بمقدار ما كان "اللاجئون الفلسطينيون" نعمة على البرجوازية اللبنانية، اصبحوا مع الوقت "مشكلة" للكيان اللبناني، في الحسابات الطائفية والسياسية الخ. وكانت هذه "المشكلة" احد اهم اسباب تفجير الحرب اللبنانية، وهي الان احد اهم اسباب استعصاء حل "المشكلة" الكيانية اللبنانية بدون حل قضية عودة اللاجئين او حل مشكلة وجود اسرائيل!
ب ـ الى جانب "مشكلة" اللاجئين الفلسطينيين نشأت في لبنان، بقيام اسرائيل "مشكلة" اقتصادية كبرى يجري التعتيم عليها كي لا يصار الى استفزاز البرجوازية الفلسطينية ... الحليفة سياسيا للكيان اللبناني. وهذه "المشكلة" هي "مشكلة" تدفق جزء من الرساميل التي استطاع عدد من الرأسماليين الفلسطينيين نقلها الى لبنان بعد النكبة. فعلى المستوى السياسي السطحي لم يكن يوجد اي مشكلة مع اولئك الرأسماليين، بل تم على الفور منحهم الجنسية اللبنانية (استنادا الى قاعدة تداخل واختلاط العائلات في لبنان وسوريا وفلسطين)، ولم يحمل اولئك الرأسماليون الفلسطينيون يوما بطاقة هوية "لاجئ فلسطيني". ولكن المشكلة كانت ...طبقية ـ اقتصادية! فالبرجوازية اللبنانية كانت حريصة على "استضافة" اللاجئين الفلسطينيين وسحق انسانيتهم لاستخدامهم كيد عاملة رخيصة ...ارخص من اليد العاملة اللبنانية، فزرعت بيدها في قلب "الكيان" العزيز "برميل بارود" من الحقد الانساني المشروع. وهذه الطبقة الغبية المتذاكية ذاتها استقبلت بسرور الرساميل الفلسطينية والرأسماليين الفلسطينيين في لبنان، بقصد الاستفادة منها ومنهم، على طريقة الاستفادة من اي رساميل عربية هاربة او "ضيفة" اخرى. ويقول الباحث الرصين صقر ابو فخر في احد مقالاته القيمة: "بسقوط فلسطين سنة 1948، حمل اللاجئون معهم الى لبنان دفعة واحدة نحو 150 مليون جنيه استرليني، اي ما يعادل 15 مليار دولار بأسعار هذه الأيام". ولكن البرجوازية اللبنانية فوجئت بأن العناصر الرأسمالية الفلسطينية هي أكفأ منها سوقيا وأكثر كفاءة في تجنيد علاقات عربية ودولية واسعة ...على الطريقة اليهودية، التي تحاول البرجوازية اللبنانية ان تكون "تلميذا شاطرا" فيها، ولكنها لم تنجح الى الان. وكان احد اللبنانيين، وهو النائب والوزير السابق المرحوم اميل البستاني يعمل في السابق في فلسطين حيث اسس في حيفا سنة 1937 مع زميله في الجامعة كامل عبدالرحمن شركة مقاولات باسم "كات". ومع اضطراب الاوضاع في فلسطين قبل النكبة عاد اميل البستاني الى لبنان. وقد استغل علاقاته الفلسطينية السابقة لتنشيط شركة "كات" في لبنان في الخمسينات، بحيث اصبحت من كبريات شركات المقاولات في لبنان والبلاد العربية. كما برز العديد من رجال الاعمال الفلسطينيين كفريج وبوتاجي وخوري. ولكن اهمهم كان يوسف خليل بيدس الذي اسس بنك انترا، الذي تحول الى امبراطورية مالية حقيقية ذات حجم دولي، حيث امتد نشاطها الى فرنسا وايطاليا وبريطانيا واميركا. مما اثار حفيظة الكتل المالية اليهودية العالمية. وبالرغم من ان النشاط المالي والاقتصادي الفلسطيني، وكذلك التحويلات المالية للفلسطينيين في الخارج الى اقربائهم في لبنان والتي كانت تقدر بمئات ملايين الدولارات سنويا، قد انعشت الاقتصاد اللبناني في الخمسينات والستينات؛ الا ان البرجوازية اللبنانية، انطلاقا من مصالحها الضيقة، وارتباطاتها السياسية الموالية للدول الغربية الموالية للصهيونية ولاسرائيل، دخلت في صراع مع القطاع المالي الفلسطيني. وفي 1963 سقطت طائرة الملياردير (النائب والوزير السابق) المرحوم اميل البستاني فوق البحر ولم يعثر على جثته ابدا. وفي 1966 تم تنفيذ مؤامرة دولية، شاركت فيها المراجع اللبنانية على اعلى المستويات، لاعلان افلاس بنك انترا (وهو ما لم يتحقق، ولا يزال بنك انترا يعمل الى الان بشكل محجم) واجبار يوسف بيدس على مغادرة لبنان (ويقال انه تلقى تهديدات بالقتل)، ومطاردته في الخارج حيث قبض عليه في البرازيل بطلب من السلطات اللبنانية وتوفي في السجن سنة 1969، يقال بسكتة قلبية ويقال ايضا انه مات مسموما، ودفن بشكل شبه سري في سويسرا. وقد رافق ازمة بنك انترا افلاس عدة بنوك اخرى. ومنذ تلك الفترة ـ نهاية الستينات من القرن الماضي ـ دفن نهائيا وهم تحويل لبنان الى مركز مالي دولي او كما كان يسمى "سويسرا الشرق" (حينذاك لم يكن الدور المالي لهونغ كونغ قد برز تماما بعد، حتى يتشبهوا بها).
ج ـ بقيام اسرائيل، انقطعت ارزاق ابناء الجنوب المحاذي لفلسطين، بانقطاع الدورة الحياتية الطبيعية بينهم وبين فلسطين؛ وفي الوقت نفسه كانت شركة الريجي اشبه شيء بـ"دولة فوق الدولة"، وبسبب كون الجنوب "منطقة عسكرية"، او لاي سبب آخر، كان يحق لعناصر الامن الخاص بالريجي ان يطلقوا النار على المزارعين الجوعانين. وكانت الريجي، بالاتفاق مع الدولة، توزع رخص زراعة التبغ على البكوات والزعماء من كل المناطق فيعطونها للازلام والمحاسيب الذين "يؤجرونها" لمزارعي التبغ المساكين. حتى المرحوم رشيد كرامي كان يحصل على رخص زراعة مئات الدونمات في الجنوب، فيوزعها على القبضايات من ازلامه بدلا من ان يدفع لهم من حسابه. اي ان الجنوب ـ الضحية، كان "بقرة حلوبا" للاقطاع، وللريجي وللدولة ولكل الطبقة السياسية القذرة التي كانت ولا تزال تحكم لبنان.
وانصب على بيروت ـ درة الشرق، التي كان يتغنى بها ميشال شيحا رحمه الله، سيل من الفقراء من ابناء الجنوب، الذين كانوا يعملون بأي عمل شريف يمكن ان يحصلوا عليه، فقط من اجل تأمين لقمة خبز يابسة. وبلغ من "وقاحة" هؤلاء "الطارئين" الى بيروت انهم "احتكروا" كل ما يسمى "العمل الاسود"، وخصوصا العتالة والتنظيفات البلدية.
فكيف تعاملت "دولة الجنرال غورو" عموما، والبرجوازية الكوسموبوليتية اللبنانية خصوصا، مع هؤلاء "اللبنانيين"؟
ـ هل يوجد في كل ملفات الدولة اللبنانية ما يشير الى اي اهتمام لهذه الدولة بمنطقة الجنوب وسكانها، باعتبارها منطقة منكوبة بكل معنى الكلمة؟
كلا، بل بالعكس اخذت الدولة تتعامل مع الجنوب كمنطقة محتلة، حتى تكسر رأس الجنوبيين وتمنع اي تحرك اعتراضي. والجيل المخضرم يتذكر تماما انه كلما قام اي تنظيم يساري او قومي، بتوزيع منشور في اي قرية، او حتى اذا قام اي فتى متحمس بكتابة كلمة "تسقط الريجي" او "يسقط الاستعمار" او "تسقط اسرائيل" على اي حائط، كانت الاجهزة القمعية تأتي بالكميونات وتوقفها في ساحة البلدة المعينة، وتعتقل من تطاله ايديهم من الشباب بدون اي تهمة محددة سوى انه "شاب صار له شوارب"، وتسوقهم الى المخافر حيث ينهالون عليهم بالضرب والاهانات، فقط وفقط لتحطيم عنفوانهم. وبطبيعة الحال انه لم يكن يوجد اي رعاية خاصة لموجة النازحين الجنوبيين الى بيروت، سوى انهم كانت لهم فرصة اكبر من فرصة اللاجئين الفلسطينيين للعمل في "العمل الاسود". وقد عوملوا كمواطنين من درجة عاشرة، كالزنوج في افريقيا الجنوبية. وكان حزب "لبناني جدا جدا!" مثل حزب الكتائب "يثقف" عناصره بـ"ثقافة" عنصرية منحطة ضد الشيعة، ليس فقط بالمعنى الطائفي بل وبالمعنى العنصري حرفيا. وأذكر شخصيا ان بعض الكتائبيين في حي كرم الزيتون بالاشرفية حيث كنت اسكن، كانوا "يحاججوننا" بأن "الشيعة لهم رائحة!". كما اذكر انه في 1954، لم يكن يوجد جامع في حي النبعة الناشئ حديثا، واخذ شيخ من آل فرحات المبادرة لبناء جامع. ولكن يبدو ان بناء "جامع؟!" و"شيعي؟!" في شرقي نهر بيروت كان يخالف "الصيغة اللبنانية" التي كان احد "ابواتها" كميل نمر شمعون رئيسا للجمهورية حينذاك. فما كان من حزب الطاشناق اليميني، بتحريض من السلطة الشمعونية، الا ان قام بافتعال معركة بين الارمن الطاشناق وبين الشيعة سكان الحي لمنعهم من بناء الجامع وسقط عدة قتلى من الطرفين حينذاك، وجاء الدرك واوقفوا بناء الجامع بحجة الحفاظ على الامن (!!!)؛ ويومها حشد الحزب الشيوعي عشرات الشباب من المسيحيين الارمن والعرب الذين وقفوا بوجه الطاشناق والدرك وتناوبوا على عملية حماية الاستمرار في بناء الجامع عدة ايام وليال. ولكن يبدو ان عدوى "ثقافة" "القرف" من الشيعة قد انتقلت ايضا الى بعض "مثقـِّفي" الحزب الشيوعي ايضا (وليس بدون فائدة ان اذكر انني سنة 1963 ـ 1964 كنت اعمل اداريا في جريدة "النداء"، فاحتجنا يوما موزعا اضافيا للجريدة، وكان المرحوم الرفيق صوايا صوايا مسؤولا حزبيا عن الجريدة، فلما اخبرته بتعيين الموزع ولست اذكر اسمه، ولكنه كان واضحا من الاسم انه شيعي، بادرني الرفيق صوايا فورا بامتعاض: "يا رفيق، أكلونا الشيعة!". ولم استفسر منه، ولا ادري الى اليوم، كيف "اكلونا الشيعة!"، ولكن للحال "بجّت" بيني وبينه، وكانت هذه العبارة القذرة هي الشرارة الصغيرة التي انطلق منها انشقاق 1964 ـ 1965 في الحزب، وكنت طبعا اول المطرودين من الحزب حينذاك ...والحمد لله!).
وبنتيجة الزحف الشيعي ـ الجنوبي الى بيروت، عشعش قلب عاصمة بلد الاشعاع والنور بأحياء "الفقر الاسود"، كما احاط بها احاطة كاملة زنار "الفقر الاسود"، من برج البراجنة الى الشياح وصبرا وشاتيلا في "الغربية"، الى النبعة وتل الزعتر في "الشرقية"، مرورا بحاجين وشرشبوك والكرنتينا ووادي كرم الزيتون والنبعة وبرج حمود. وتداخل "الحي اللبناني" بـ"المخيم الفلسطيني"، وجمع الفقر: الارمني والكردي والسرياني والشيعي والفلسطيني في بوتقة بشرية واحدة؛ وما كان "يميزهم" ان الارمني كان لديه ناد اجتماعي يمكن ان يساعده بعلبة دواء او يساعد اهله في دفنه اذا كانوا معدمين تماما، والفلسطيني كانت لديه "الاونروا" التي تقدم له "كمشة طحين" بدلا عن فلسطين، اما الشيعي "اللبناني" فكان له رب العالمين.
طبعا ان الفرنسيين والانكليز، ومن بعدهم الاميركان والصهيونية كانوا ينظرون الى اللبنانيين، كما الى كل العرب، كقطعان من الماشية وأقل وليس اكثر. ولكن جماعة "الصيغة اللبنانية"، من ميشال شيحا الى جواد بولس الى سعيد عقل الى شارل مالك الى طيب الذكر اتيان صقر "ابو ارز"، الى ـ خصوصا ـ بيت بيار الجميل ومدرسة الخيانة الوطنية التي أنشأوها وسموها "حزب الكتائب اللبنانية"، فكانوا يحاولون عبثا اعطاء محتوى "قومي لبناني" ـ تاريخي للمربع الجغرافي الفارغ الذي خططته اتفاقية سايكس ـ بيكو، وكانوا يحاولون عبثا ان يفصلوا هذا المربع عن محيطه الجغرافي والدمغرافي القريب والبعيد. ولكن الواقع، الواقع العنيد كما يقول الانكليز، قذف الى قلب لبنان، والى قلب العاصمة اللبنانية ذاتها: ربع مليون ارمني، واكثر منهم من عرب واكراد لواء الاسكندرون ومحيطه (بفضل "التمدن الاوروبي" الذي ادخلته عصابات "تركيا الفتاة" والاتاتوركيون الى تركيا)، وعشرات الالوف من السريان والكلدان والاشوريين من سوريا والعراق، بفضل الانكليز والشوفينيين العرب والعشائرية الكردية، وربع مليون "لاجئ فلسطيني" بفضل وعد بلفور وقرار تقسيم فلسطين الذي وافق عليه الخائن الاكبر للشيوعية يوسف فيساريونوفيتش ستالين (قاتل لينين) وعميله الصغير خالد بكداش (قاتل فرج الله الحلو) وعكاكيزه؛ واخيرا لا آخر تكفل قطع الصلات الطبيعية للجنوب اللبناني والاقطاع والرأسمالية والاحتكار الاجنبي (الريجي) وجلاوزة الدرك والمكتب الثاني بقذف مليون شيعي، جلهم من الفقراء المعدمين، الى قلب بيروت ومحيطها.
وقد نشأ عن ذلك كله اتجاهان متعارضان في الكيان اللبناني "الطري العود":
الاول ـ اتجاه شوفيني "لبناني ـ مسيحي بالاغلب" (سمي فيما بعد "انعزاليا") وسلطوي استبدادي وقمعي، من اجل ضبط هذا الخليط البشري وعصره وقصقصته على قياس "لبنان الكبير" الصغير.
والثاني ـ اتجاه وطني ـ قومي ـ اسلامي ـ يساري ـ اشتراكي ـ شيوعي ـ اممي؛ يتجاوز الكيانية اللبنانية (ومضمونها الطائفي المسيحي) ليس فقط في الطرح النظري والسياسي والحزبي، بل في التركيبة الانسانية ذاتها: المسيحية ـ الاسلامية، اللبنانية ـ الفلسطينية ـ السوريةـ العراقية ـ الكردية ـ الارمنية.
وقد اطبق هذان الاتجاهان المتعارضان والمتناقضان على الكيان اللبناني المهلهل، كفكي الكماشة.
وكان من المحتم، على كل المستويات: الاقتصادية ـ الاجتماعية، الثقافية، الطائفية، السياسية ـ الامنية والعسكرية، ان يصطدم هذان الاتجاهان اصطداما مصيريا. وقد استنجد الاتجاه الاول بـ"اشقائه" العربان، وبـ"جيرانه"، من الدكتاتورية السورية الى الرجعية السعودية، ومن اسرائيل الى ليبيا القذافي، لسحق الاتجاه الثاني: فقتل انطون سعادة، وقتل فرج الله الحلو، وقتل كمال جنبلاط، وغيب موسى الصدر، واحتل الجنوب، ثم احتلت بيروت، وجاءت نيوجرسي والقوات "متعددة الجنسية"، وسحقت الحركة الوطنية ومزقت، وطردت المقاومة الفلسطينية، ونظمت حرب المخيمات، وحرب طرابلس (التوحيد وعرفات)، وقتل مثقفو الحزب الشيوعي، وغيب دور جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة الشيوعيين؛
ولكن بالرغم من كل ذلك فإن الاتجاه الوطني التحرري، بعمقه الشعبي ـ التاريخي، لم يكن بالامكان القضاء عليه، كما لم يكن بالامكان حرفه و"جعجعته" كما انحرف و"تجعجع" الزعيم الوطني المأسوف عليه وليد جنبلاط، او تزييفه وإلباسه "القميص الحريري" الذي لبسه "نائب الشعب" (اي شعب!) الانتهازي غير المأسوف عليه الياس عطاالله.
اما الازمة "الدستورية" و"الرئاسية" و"الوزارية" و"البرلمانية" في لبنان، فما هي الا الطفح، والشكل الخارجي للازمة الوجودية الاساسية "للكيان اللبناني" المصطنع، كأي "كيان عربي!!" سايكس ـ بيكوي آخر. ويمكن تلخيص هذه الازمة الوجودية بما يلي:
ـ ان لبنان، اي جماهير الشعب اللبناني العربي، لم يعد من الممكن ان يـُحكم كما في السابق من قبل "اصدقاء اسرائيل" وعملاء الرأسمال الاحتكاري والاقطاع السياسي والرجعية والدكتاتورية العربية والاستعمار والامبريالية.
ـ وان المقاومة الوطنية الاسلامية وغير الاسلامية، والقوى الوطنية الدمقراطية، في لبنان، غير قادرة ـ بقواها الخاصة، ولوحدها ـ ان تقضي على اسرائيل وعلى الرجعية والدكتاتوريات العربية التقليدية والمودرن.
وفيما بين هاتين الاستحالتين، فإن "الازمة اللبنانية" بكل اشكالها، جنبا الى جنب "القضية الفلسطينية"، بما في ذلك المصادمات الكبرى مع اسرائيل، ستستمر الى ان يخلق الله امرا كان مفعولا.
اما اي حل سطحي "دستوري" و"طائفي" و"عشائري"، على غرار "اتفاق الطائف"، او انتخاب "رئيس توافقي" او "حكومة وحدة تجليط وطنية"، فلن يكون اكثر من جرعة مخدر يضر ولا ينفع، لأنه لم يعد "يأخذ مفعوله" في جسم الكيان اللبناني المشرف على الموت.
واذا كان الاتجاه الثاني، المقاوم، العروبي، الوطني والدمقراطي، في لبنان، يلبس الان "عمامة شيعية"، كما كان يوما يلبس "كوفية ياسر عرفات"، فهذا ايضا ليس سوى تعبير عن ازمة الكيانية اللبنانية، بما فيها "قطرية" الحركة الوطنية اللبنانية. وهذا ما يستحق وقفة خاصة.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
*كاتب لبناني مستقل





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,522,111,725
- هل يكون لبنان الضحية الثانية بعد فلسطين؟!!
- جورج حبش: مأساة الامة العربية والعالم المعاصر في مأساة رجل
- بين زيارتين رئاسيتين: بوتين يحقق نقلة نوعية كبرى في الجيوبول ...
- من كاتون الكبير الى بوش الصغير: -قرطاجة يجب ان تدمر!-
- -3 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الث ...
- 2 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثو ...
- 1 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثور ...
- عقدة كيانية سايكس بيكوية، حلها في الميدان لا في البرلمان
- حوار الطرشان ... حقا طرشان!!!؛
- العداء الاستعماري الغربي للشرق العربي، و-الوعد الشيطاني-؛
- الشهيد ياسر عرفات... ضحية وهم -السلام- مع اسرائيل
- وأي رئيس جمهورية يريد حزب الله؟!
- وثيقة شيوعية بلغارية تفضح التواطؤ الستاليني الصهيوني
- العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي
- حرب تموز 2006، والخطة -السلمية- الاميركية لاحتواء حزب الله
- الفتنة ليست طريق الخلاص لسوريا
- اغتيال الشيخ رفيق الحريري وصراع الكتل المالية الدولية للسيطر ...
- نحو جبهة أممية موحدة
- نحو بناء التنظيم الشيوعي الثوري العربي الموحد
- احمدي نجاد ليس معتوها، بل -العرب- متخاذلون!


المزيد.....




- الكشف عن تجربة سريرية -غير مرخصة- أجرت على عشرات المرضى داخل ...
- شاهد: تأجيل محاكمة الرئيس السوداني المخلوع إلى السبت المقبل ...
- شاهد: تأجيل محاكمة الرئيس السوداني المخلوع إلى السبت المقبل ...
- -13 سببا-.. لماذا أخفقت دراما المراهقين الأشهر في موسمها الث ...
- حماية أميركية لمنشآت السعودية والإمارات.. دفاع عن الحلفاء أم ...
- الداخلية العراقية: الإطاحة بأكبر مورد للمخدرات والمؤثرات الع ...
- السودان... تشكيل لجنة للتحقيق في الانتهاكات خلال الاحتجاجات ...
- بعدما أثار الفيديو غضب كل من شاهده... السعودية تتحرك تجاه وا ...
- وزيرة الصحة الفلسطينية: قطع إسرائيل للكهرباء يهدد حياة المرض ...
- الداخلية المصرية تكشف تفاصيل تصفية قيادي في -حسم- شرق القاهر ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - جورج حداد - الكيانية اللبنانية ...الى أين؟!