أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود جديد - التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 2/2















المزيد.....


التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 2/2


محمود جديد

الحوار المتمدن-العدد: 2252 - 2008 / 4 / 15 - 08:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


معركة البصرة ،نتائجها وانعكاساتها – ملاحظات وآراء
-- قال السيد مقتدى الصدر في مقابلة له مع جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 17/5/2004 ما يلي : " نحن نعمل بعدّة تكتيكات تبعاً لظروف المرحلة الراهنة، ومن الممكن أن تستمرّ مرحلة من المراحل فترة زمنية قصيرة ، وقد تمتدّ فيشتبه الأمر على البعض فيظنّها طرحاً نهائيّاً غير قابل للتبدّل .نعمل بعون الله وفق ظروف مختلفة تتطلب تغيير بعض توجيهاتنا من دون الخروج على أهدافنا الرئيسيّة .."
لقد حاولت تدقيق واختبار هذه المقولة خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة ،فوجدت أنّها تعبّر تعبيراً دقيقاً عن التكتيك المعتمد لدى قيادة التيار الصدري ، غير أنّ البعض لم يستوعبه ، ممّا جعله يتخذ أحكاماً قاسية ، وأحياناً ظالمة ضد هذا التيار ، ويشارك دون أن يدري في حملة التشويه المخططة من قبل خصومه ومنافسيه العراقيين ، وقوات الاحتلال التي كانت دائماً تقيّم التيار الصدري وتحاسبه بناءً على أهدافه الرئيسية ، لإدراكهم أنّه يشكّل عقبة كأداء في طريق مخططاتها يُحسَب له ألف حساب ، وخاصة في المنعطفات الحاسمة ،أو المحتملة داخل العراق وفي جواره الإقليمي ...وعندما حاول هذا التيّار تصحيح بعض مساره اتضحت الصورة أكثر فأكثر لخصومه وأعدائه ، ووضٍعَت المخططات لضربه وتصفيته في الوقت الذي بدا مناسباً لهم ، ومن هنا كانت معركة البصرة التي استهدفت إعادة تأديب ،وتحجيم ،وتفتيت " جيش المهدي" ، واحتواء وتدجين التيّار الصدري ، على غرار ماجرى في معركة النجف2004 ، ولكنّ المالكي أرادها بقوات عراقية قدر الإمكان لحسابات شخصية وسياسية ...وحسب تقديري ، أنّ الحكومة العراقية فوجئت بخروج مقتدى الصدر من العراق ،والإعلان عن قراره بالإقامة في /قم/ بهدف استكمال الدراسة ، وقد قرأت هذا الخروج قراءات أخرى ، وربّما كانت أحد الأسباب التي جعلت المالكي يسرع في شنّ(صولته) على البصرة بهدف الإمساك بزمام المبادرة ،ومباغتة "جيش المهدي" قبل أن تنتقل المبادرة إلى مقتدى الصدر وتياره ...وعلى كلّ حال ، فإنّ الدافع الرئيسي الثابت والملموس لاستهداف هذا الجيش في البصرة هو محاولة ترتيب أوضاع الجنوب لانتخابات محليّة مريحة في تشرين الأول المقبل/ أكتوبر/ ، يتقاسم نتائجها حزبا الدعوة ، والمجلس الأعلى ، وهذا لايمكن أن يتمّ دون استبعاد التيار الصدري عن دائرة المنافسة هناك ، أو إضعافه وتحجيمه قبل خوضها ، فالمالكي ،والحكيم يدركان جيّداً مدى شعبيّة الصدرين في الجنوب وبغداد ، ويعلمان علم اليقين أن التيار الصدري سيحصل على حصة الأسد فيها إذا تمّت بشكل ديمقراطي ،وبظروف طبيعية ، وستمهّد له لفوز كاسح في الانتخابات البرلمانية التي من المقرّر إجراؤها في العام القادم ...ولذلك فإنّ تقليم أظافر التيار الصدري من خلال ذراعه العسكري " جيش المهدي" ضرورة ملحّة للتحالف القائم بين حزبي الدعوة ،والمجلس الأعلى بشكل خاص ، ولحلفائهما في الحكومة / الحزبين الكرديين ، وجبهة التوافق / بشكل عام ،وقد جاء قرار مجلس الأمن الوطني مؤخّراً تجسيداً لهذا الواقع والتوجّه الذي يتقاطع مع المخطط الأمريكي في استهداف "جيش المهدي " باعتباره أحد الخصوم الذي تحسب القوات الأمريكية له حساباً خاصّاً عند رسم استراتيجيتها داخل العراق ،وخارجه الإقليمي ... ومن جهة أخرى ، فإنّ توجيه ضربة موجعة "لجيش المهدي" يمكن توظيفها داخل الولايات المتحدّة الأمريكية أيضاً ،باعتبارها إنجازاً يمكن استثماره في المعركة الانتخابية في تشرين الثاني /نوفمبر/ القادم ، وخاصة في ظل سعار الإدارة الأمريكية الواضح في هذه الأيام من أجل تحقيق أيّ مكسب جديد في إحدى الساحات الرئيسية الثلاث : العراق ، فلسطين ، لبنان ، وبأيّ شكل من الأشكال ، وبأسرع ما يمكن ....،فإذا تمكّنت الحكومة الأمريكية من عقد أتفاقية أمنية طويلة الأجل مع الحكومة العراقية ،أو الحصول على عقود نفطية مجزية ستكون ورقة رابحة قابلة للتوظيف والاستغلال على نطاق واسع لإعادة الحزب الجمهوري للمرّة الثالثة إلى سدّة الرئاسة الأمريكية ، وبما أنّ التيار الصدري أحد الأطراف العراقية الهامة المعارضة لأيّ إنجاز من هذا القبيل إذاً لابدّ من ضربه وتطويعه ،أو تحييده على الأقل كخطوة مساعدة للسير الجدّي والسريع باتجاه عقد مثل ذلك الاتفاق ،أو تلك الصفقة ، ولذلك صفّق الرئيس الأمريكي (لصولة ) المالكي ،وهنّأه عليها ، وشجّعه على الاستمرار بها ...أمّا بالنسبة للمالكي فإنّ شراهته للحكم والسيطرة ، ومواصفاته الشخصية التي تجعل منه مشروع ديكتاتور خطير ، والضغوط المتلاحقة التي يتعرّض لها من قبل المسؤولين الأمريكيين ، وخاصة أثناء زيارة /تشيني / الأخيرة إلى بغداد في الشهر الماضي ، أراد أن يثبت كفاءته للأمريكان حتى لايسحبوا دعمهم له ... ويضاف إلى هذا كلّه، انكشافه سياسيّاً داخل "الإئتلاف الشيعي" بعد توتر العلاقة مع التيار الصدري الذي ساهم في إيصاله لرئاسة الحكومة ، ممّا رجّح الكفة داخل ذلك الإئتلاف لصالح عادل عبد المهدي المرشح الدائم للمجلس الأعلى صاحب الكتلة الأكبر لتولي هذا المنصب ، وقد تكون فرصته التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة هي الأخيرة في حياته السياسية ... هذا وقد أضاف المحلّل السياسي الهندي / بهادرا كومار في صحيفة آسيا تايمزالتي تصدر في هونكونغ سبباً آخر لايعرف المرء مدى صحته ، حيث قال :" إنّ جيش المهدي استطاع بهزيمته لقوات الأمن العراقية أن يطيح بصفقة نفطية أطرافها : ديك تشيني ، عبد العزيز الحكيم ، ونوري المالكي ،كانت هذه الصفقة تهدف إلى إقصاء الصدر من جنوب العراق تمهيداً لاقتسام الغنيمة ."
ومهما كانت الدوافع والأسباب وراء معركة البصرة فإنّ المالكي أراد على ما يبدو أن يثبت "صولته ورجولته " في ( الساحة الشيعية) أوّلاً ليستكمل شهادة حسن السلوك من الإدارة الأمريكية ،وليعطي لنفسه صفة ( الحاكم الوطني ) الذي لايفرّق بين سنّي وشيعي ، وبعد ذلك يستأنف هجومه لضرب المقاومة في محافظة نينوى (الموصل) بعد أن كان كل ّشيء معدّاً لذلك قبل معركة البصرة، وقد تمّ الإعلان عنها بوسائل الإعلام المختلفة ...
معركة البصرة : شكّلت معركة البصرة امتداداً للمعارك المتلاحقة ضدّ التيار الصدري من قبل الحكومةالعراقية وقوات الاحتلال ، ونظراً للدور الهام الذي لعبه جيش المهدي في إجبار القوات البريطانية على الخروج من مدينة البصرة ،استطاع أن يعزّز دوره هناك بالتعاون مع حزب الفضيلة ممّا حجّم دور تحالف حزبي الدعوة والمجلس الأعلى ، وبما أنّ البصرة تتمتع بموقع استراتيجي هام ( موقعاً واقتصاداً ) أراد المالكي أن يثبت "رجولته" في الحكم والسياسة وإدارة المعارك ، وينجح في اختبار عملي لفرض هيبة الدولة هناك للأسباب التي أشرت إليها سابقاً ، لذلك تنطّح لقيادة " صولة فرسانه" بنفسه ،ليدمغ نتائج "تحريرها" ببصمته المالكية ، حاشداً في سبيل ذلك 30 ألف جندي عراقي جمعها من بغداد ،وكربلاء ،وبابل ، ومن ضمنها فوج طوارئ كربلاء الذي يهيمن عليه ضباط من حزب الدعوة ، ومحدّداً مهمتها بملاحقة المجرمين ،والخارجين عن القانون ، بينما الهدف الحقيقي هو تصفية الحساب مع "جيش المهدي" فيها ،وطرده منها بالقوة ، وقد حرص المالكي وحلفاؤه على تجاهل لفظة جيش المهدي ،واستبدلوا بدلاً عنها عبارة :" المجرمون والخارجون عن القانون " ، ولا أظنّ أنّهم يستهدفون الجوانب السلبية في جيش المهدي قدر استهدافهم الجوانب الإيجابية المقاومة ، والتي هي بيت القصيد هنا،والتي تشكّل ذعراً حقيقيّاً لقوات الاحتلال من تصاعد وتوسّع المقاومة في الجنوب ،واستكمال لوحة المقاومة الشعبية العراقية على امتداد الساحة العراقية ، وعندها سيكون النصر والتحرير ، واستعادة أمجاد ثورة العشرين ، وفي الوقت نفسه حاول أنصار المالكي ،وقيادات المجلس الأعلى نفي استهدافهم التيار الصدري ، محاولين جاهدين التفريق والتمييز بينه وبين "جيش المهدي" بهدف تمويه وتضليل الجماهير العراقية عن هدفهم الخبيث الذي يتمحور حول استئصال شأفة المقاومة من الجنوب ليهنأ لهم إقامة فدرالية آل الحكيم ،وشركائهم من المالكيين في المراحل المقبلة ، ويبسطوا سطوتهم المشبوهة في الجنوب دون منغصات ، وخاصة قبيل الانتخابات المحلية في شهر تشرين الأول/ أكتوبر/ المقبل ،والانتخابات البرلمانية العام المقبل ...
- نقل المالكي مقر قيادته إلى القصور الرئاسية في البصرة نفسها ، وابتدأ بالتهديد والوعيد ، وتوجيه الإنذارات ، وحاشداً القوى والوسائط التي تترجم ذلك إلى وقائع ضدّ " جيش المهدي " ، أو كما يسميهم بالخارجين عن القانون والمجرمين ، وكان متفائلاً جدّاً بأنّ ثلاثة أيّام كافية لسحقهم ، وحدّد شروط السلامة بتسليم السلاح ، وتوقيع على تعهّد بعدم العودة إلى حمله ثانية ،وبالرغم من الأعداد الكبيرة من الجنود والمعدّات التي حشدها ، والدعم الجويّ الأمريكي والبريطاني ضدّ أولئك المقاتلين ،فإنّ سير المعارك ونتائجها خيّبت آمال المالكي وداعميه ،إذ تكبّدت قوّاته خسائر كبيرة ، والتحق بعضها "بجيش المهدي " مع عتاده ، وفرّ قسم آخر لينجوَ بجلده ، وفيما يلي بعض الشواهد والبراهين على هذا التوصيف ومن أطراف لايمكن اتهامها بالانحياز لصالح التيار الصدري :
- أرسل مراسل جريدة الحياة في الناصرية /عبد الواحد طعمة / بتاريخ 2/4/2008 ، وفيما يلي بعض ما جاء فيها من تأكيد لجنود وضباط عراقيين فرّوا من القتال في البصرة بأنّ عدم التكافؤ ، وسوء إدارة المعركة وراء استسلام المئات من العراقيين مع تسليم أسلحتهم ومعدّاتهم "لجيش المهدي" ، فالجندي عقيل حمدان من الفرقة14 أفاد :" إنّ قادة الألوية والأفواج دفعونا إلى محرقة في " حيّ الحسين" ، فالقتال لم يكن متكافئاً بين قواتنا التي لم تكن متدرّبة على حرب الشوارع ..في حين وجدنا مقاتلين كالأشباح يجوبون شوارع وأزقة البصرة ، وكان الرصاص ينهمر علينا من كلّ الجهات ...وفي بعض الشوارع هاجمتنا النساء والصبية بالحجارة ،فلم نجد بدّاً من الاستسلام لهذا الهيجان الشعبي ، وأطلقنا "جيش المهدي " بعدما صادر أسلحتنا وعرباتنا ." وهاهو ملازم من نفس الفرقة سمّى نفسه :أبو الوليد يعتبر" ماجرىفي البصرة انتحاراً للجيش والشرطة إذ أقحمت الحكومة الآلاف من قواتها في معركة من دون تخطيط سابق ،ومن دون الاعتماد على الاستخبارات ...وإنّ الإحباط أصاب جنودنا ،ودفعهم إلى الالتحاق "بجيش المهدي" بدل محاربته ." أمّا النقيب :فلاح (هكذا أراد اسمه) وهو من قوات المغاوير في الداخلية استسلم مع سريته إلى مكتب " الشهيد الصدر " في حيّ الجمعيات جنوب البصرة في اليوم الثالث من المعركة ،وقد قال :" تيقنت من حتميّة الهزيمة ، وكنت أرى صورة هزيمتنا في الكويت ماثلة أمامي ،كلّ الدلائل كانت تشير إلى هذه النتيجة ...وفي المقابل اكتشفنا ضعف القيادات العسكرية في إدارة المعركة واتخاذ القرارات اللازمة ...الخ"وروى نقيب آخر :" أنّه نصح جنوده بعدم القتال في اليوم الثاني للهجوم على البصرة ،أثر تكليفه مع ضباط آخرين اقتحام شارع تمّوز ...وبعدما وجدت في طلعة استطلاعية وبمبادرة شخصية منّي أنّ "جيش المهدي" سبقنا إلى السيطرة على الأبنية المرتفعة في كل المدينة ، ونشر فيها القنّاصة ،وصواريخ مضادّة للدروع ،ومدافع رشاشة عند مداخل المدينة المهمة وغير المهمة ."
أمّا من جهة "جيش المهدي " لقد أفاد الشيخ أبو حسن الدراجي المعاون العسكري لقائد هذا الجيش في البصرة :" إنّ أعداد الضباط والجنود الذين انسحبوا من المعركة تجاوز ال / 600/ خلال الأيام الثلاثة الأولى ،وسلّموا أسلحتهم وعرباتهم التي تجاوزت السبعين من نوع "همر" استخدمناها في القتال ضدّ القوات الحكومية ."
- أجمعت الصحف الأمريكية التي واكبت الحدث على أنّ هجوم البصرة قد فشل ، وكان الخاسر الأكبر نوري المالكي وحكومته ،" والرابح الرئيسي هو مقتدى الصدر وجيشه ...
- وفي مقابلة أجراها السفير الأمريكي في بغداد مع صحيفة نيويورك تايمزأشار إلى " أنّ " جيش المهدي " حاصر المالكي في القصور الرئاسية في البصرة ،الذي كاد أن يفتك به ،وبمستشاريه لولا تدخّل القوات الأمريكية والبريطانية بعد أن طلب المالكي النجدة منها ... واعتبر " أنّ قوات الحكومة جيشاً وشرطة تعرّضت لنكسة ميدانية تمّ تداركها بطلعات جويّة قامت خلالها الطائرات الأمريكية والبريطانية بقصف مواقع "جيش المهدي " وإيقاع أفدح الخسائر فيه ،وتقليص اندفاعه إلى أقصى حدود ممكنة بعيداً من قوات المالكي التي تعرّضت للشتات والتمزّق " ...وقال السفير الأمريكي :" إنّه سبق أن حثّ المالكي على استخدام أقوى أسلحته ،وهو ( المال) وكان على رئيس الوزراء أن يدفع لعشائر المحافظة من أجل تمويل مجالس صحوة " ..
- ونقلت الصحيفة نفسها عن مسؤولين وضباط أمريكيين " أنّ المالكي بالغ كثيراً في تقدير امكانيات قواته ،واستخفّ بالمقابل بقدرة الميلشيات ، ممّا ورّط الرئيس بوش بتصريحات سايرت تلك المبالغة " ... ووفقاً لقائد عسكري بريطاني ذكرت الصحيفة "أنّ المالكي طلب الاستعانة بالقوات البريطانية بعد يومين من المعارك ..."
المالكي يتجرّع علقم صولته بالتقسيط :
لقد أصبح ثابتاً أنّ ملامح فشل صولة المالكي بدت منذ اليوم الأول ، واستغاثته بالقوات الأمريكية والبريطانية ابتدأت في اليوم الثاني ، وفي اليوم الثالث اتضحت صورة الفشل ، وتأكّدت ، حيث تكبّد (فرسانه )خسائر كبيرة ، وعجزت قواته عن الحسم مع ( الخارجين عن القانون والمجرمين ) ، وأخذت بالتفكك ،والفرار،ونتيجة لذلك ،ابتدأت تصريحات المالكي بالتراجع والتمهيد لتجرّع هذا الفشل ، فمدّد إنذاره للمقاتلين إلى عشرة أيام ، معترفاً أنّ قواته لم تكن جاهزة لخوض هذه المعركة ، ومدّعيّاً أنّ معركة "تحرير البصرة " لم تبدأ بعد ،وعندما استهدفته قذيفة هاون ،وأزهقت روح أحد مستشاريه ، وكادت أن تودي بحياته هو خرج عن طوره ،وذهب به الغضب والفشل والخوف إلى تذكّر أنّه يقاتل "جيش المهدي " ووصفه بأنّه أسوأ من "القاعدة" ...وكان أمله بأنّ الدعم الأمريكي والبريطاني سينقذه من شرّ أعماله ،ولكن صمود المقاتلين ، وفشل رتل الدبابات الانكليزية( 30 دبابة) من الوصول نتيجة المقاومة الشرسة التي تعرّض لها من قبل "جيش المهدي" أحبط ذلك الأمل ، وجعله يدرك أنّ المنقذ هو مقتدى الصدر نفسه(الخصم والحكم)فأرسل وفداً رباعيّاُ من حزب الدعوة والمجلس الأعلى إلى قم ، وبمساعدة إيرانية استطاعوا التوصل إلى حل مقبول من الطرفين ...وهكذا وبالرغم من حجم واتساع دائرة استهداف التيار الصدري ، فإنّ مقتدى الصدر بقي طرفاً محوريأ في تهدئة أو تفجير الصراع ..
مضمون الحلّ : تمّ إخراج الحل على شكل دعوة موجّهة من مقتدى الصدر تضمّنت :" إلغاء المظاهر المسلّحة ، والبراءة ممّن يحمل السلاح ،ويستهدف الأجهزة والمؤسسات الحكومية ،ومكاتب الأحزاب ، والتعاون مع الأجهزة الحكومية في تحقيق الأمن وإدانة مرتكبي الجرائم وفقاً للقانون ، ومطالبة الحكومة بوقف المداهمات والاعتقالات العشوائية غير القانونية ، والسماح بعودة المهجرين بسبب سوء الوضع الأمني ، ومراعاة حقوق الإنسان من جميع الإجراءات الأمنية ، والعمل على إنجاز المشاريع العمرانية والخدمية في جميع المحافظات ، وتطبيق قانون العفو العام بحق أبناء التيار الصري ." والمقصود هنا ،ليس إصدار عفو عام عن التيار الصدري ، وإنّما تطبيق قانون عفو سابق،فوفقاً لتصريحات النائبة الصدرية / غفران الساعدي /" إنّ الحكومة لم تطلق سراح أيّ شخص ينتمي إلى التيار الصدري منذ 2003 وحتى اليوم ومن ضمنهم قياديون في التيار أمثال :الشيخ إبراهيم الدراجي ،وعلي التعماني وحسن سالم بحجة المحافظة على سلامة وأمن القوات متعددة الجنسيات" ...وهؤلاء ليسوا من الخارجين عن القانون ، وإنّما من الذين خرج القانون عنهم.
وبالرغم من بقاء هذه التعليمات والمطالب ضمن الإطار الضيّق لمعركة البصرة ،إلاّ أنّها لاقت ترحيباً من أوساط واسعة من أبناء الشعب العراقي ، وقد اعتبرها المالكي خطوة على الطريق الصحيح ، ولكنّه أراد استثمار شقها الأول ،وبقي يصرّ على ضرورة تسليم أسلحة المقاتلين ، والتوقيع على تعهّد بعدم العودة إلى حمله ثانية ، بينما رفض الصدر تسليم السلاح لحكومة غير قادرة على إخراج الاحتلال ، وأصرّ على بقائه ما دام الاحتلال موجوداً ، ولكن المالكي تراجع عن موقفه مكتفياً بشرط إخفاء المظاهرالمسلحة ، وقبل باقي المطالب بالتدريج ،وعلى مضض ، ولا أحسبه سيكون صادقاً في تنفيذ أيّ التزام يصدر عنه ،لأنّ مَن غدر بحليف أساسي له ، وتجمعه معه جذور فكرية صدرية لايمكن أن يكون موضع ثقة في وقت من الأوقات مستقبلاً ، وخاصة بعض الدم الذي أساله في البصرة ،وبعد أن كشف أوراقه أمام العالم كلّه ، وما عجز عن الحصول عليه بالجملة ،سيحاول الحصول عليه مجزّأً ، ولكن في المرات القادمة ستكون ( صولاته) بتعاون وتنسيق أكثر مع القوات الأمريكية وبحسابات دقيقة ،ودون المغامرة (بهيبته ) كرئيس وزراء في ساحات القتال، لأنّه تلقّن درساُ لن ينساه ....
نتائج وانعكاسات ، ملاحظات وآراء:
- أثبتت معركة البصرة أنّ أداء "جيش المهدي" كان بمستوى أفضل ممّا توقعه الكثيرون ،وخرج التيار الصدري أكثر توحّدا وتلاحماً ، ولذلك سيبقى الرقم الأهمّ في الجنوب وبغداد ومن الصعب تجاوزه وتهميشه ، ومن هنا سيبقى في دائرة الاستهداف المركزية للقوات الأمريكية ،وحلفائها وأتباعها ،وعملائها ، وسيتضاعف حجم التآمر عليه ،وبأشكال متعدّدة ...
- كشفت المعارك هشاشة تنظيم وتدريب الجيش العراقي ، والأسس التي بُنٍيَ عليها ، ممّا سيتخذه أتباع وعملاء أمريكا ذريعة للمطالبة ببقاء القوات الأمريكية في العراق ، وإيجاد المبرّر للحكومة العراقية نفسها عدم القيام بواجبها للمطالبة بخروج قوّات الاحتلال في نهاية هذا العام وفقاً للحق الذي أعطاها إيّاه قرار مجلس الأمن الذي (نظّم )تواجد القوات المحتلّة في العراق ...
- لقد تركت معركة البصرة ونتائجها بصماتها على تقرير /بترايوس- كروكر/ اللذين تقدّما به مؤخّراً إلى الكونغرس ، وكان عاملاً في تأجيل إعادة النظر بتخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق ..
- إنّ نصيحة السفير الأمريكي في العراق لرئيس الحكومة العراقية باستخدام المال كسلاح ماض في الجنوب عن طريق شراء شيوخ العشائر بالمال لخلق مجالس صحوة هناك، على غرار ماحدث في مناطق أخرى يعطي الدليل الأكيد على التوجّه الأمريكي الثابت لخلق المزيد من بؤر التوتر في صفوف الشعب العراقي ، فبعد أن عمّقوا الطائفية في العراق بين الشيعة والسنّة انتقلوا إلى تمزيق الطوائف نفسها ، كلّ هذا يستهدف تبديد واستنزاف طاقات الشباب العراقي ،وإبعادها عن وجهتها الصحيحة التي هي مقاومة الاحتلال ...
- إنّ تفجّر الصراع على المكشوف بين المالكي والتيار الصدري دون القدرة على الحسم لأي طرف سيجعل المجلس الأعلى المستفيد الأول ، كما سيضعف موقف المالكي تجاه ضغوط الأمريكيين ،ويصبح أكثر تبعية لهم ،واستجابة لإملاءاتهم ...
- إنّ تفاعل أهالي الموصل وتكريت والفلوجة والرمادي والسامراء للتبرع بالدم لأهلهم في الجنوب وبغداد ، وثناء هيئة علماء المسلمين على هذه الخطوة ، والمطالبة بالمزيد من الدعم الإنساني لهم ،ستخلق الظروف المناسبة للتفاعل والتفاهم من جديد بين التيار الصدري ،وهيئة علماء المسلمين ، والمدن العراقية المقاومة الأخرى في الشمال والوسط ، وكسر الجليد الذي تشكّل في العامين السابقين ...وهذه حلقة مهمة لتمتين الوحدة الوطنية ،وتعزيز جبهة المقاومة في العراق ، ومقدّمة لابدّ منها لإقامة جبهة وطنية ديمقراطية مقاومة عريضة قادرة على طرد المحتل من أرض العراق ،وإقامة دولته الحرّة المستقلّة...
- من المفروض أن لا تتدخّل المرجعيات الدينية غير العراقية في شؤون العراق اليومية ،وأن تتفرّغ لشؤونها الدينية والفقهية، وأن لاتسمح لأحد في استخدامها غطاءً لستر عوراته السياسية ، وأن لاتقبل لأيّ طرف أن يستخدم مكانتها الدينية في بورصة الحياة السياسية العراقية للتغطية على مشاريعه غير الوطنية ...
- الوقف الفوري للحملات المتبادلة بين التيار الصدري ، والقوى القومية واليسارية وغيرها ، وأخصّ هنا بالذكر إلى العلاقة العدائية بين التيار والبعث التي لايستفيد منها سوى الاحتلال ،وأعداء الوطن والأمة ...
- إنّ التيار الصدري ضرورة وطنية مقاومة لاغنى عنها في ظروف العراق الراهنة، ومن واجب كل القوى الوطنية الشريفة بمختلف اتجاهاتها وانتماءاتها أن تحاول فتح أقنية اتصال معه ،وتشجّعه لتنمية جوانبه الإيجابية المقاومة ، وكشف جوانبه السلبية دون تجريح ،أو تشفي وتشهير لمساعدته في التخلّص منها ، لأنّ المحافظة على هذا التيّار وتطويره تصبّ في صالح قضايا العراق ،وأمته العربية ...
آفاق وشروط تحوّل التيّار الصدري إلى صيرورة جديدة :
عندما انطلق "حزب الله " في لبنان في بداية الثمانينات من القرن الماضي اتسمت آراؤه بكثير من أوجه الانغلاق والتعصب ، ولكن ما لبث أن تطوّر بشكل مذهل ، وأصبح تفتحه السياسي ، ومقاومته البطلة نبراساً يُهتدَى به داخل لبنان وخارجه ، وسبب ذلك أنّ النهج المقاوم الصحيح يصهر أدواته ، وينقيّها ، ويعيد إنتاجها ... ولذلك فإنّ خيار مقاومة المحتلّ من قبل التيّار الصدري ، والسير الجدّي على هذا الطريق ،سيساعده على تطوير نفسه وفي كلّ مرّة يحقق إنجازا مقاوماً ملموساً سيزيده صلابة،ويخلّصه من شوائبه ...وإضافة لذلك فإنّ المطلوب ،والمرتجى من هذا التيّار هو مايلي :
- اعتماد نهج التفاعل والتواصل بين التيار الصدري والقوى الوطنية الشريفة ، وخاصة المقاومة منها ، والاستفادة من التجارب المقاومة في البلدان العربية والإسلامية ،وغيرها ..
- الابتعاد عن التطرف والتعصّب والانغلاق الديني والطائفي والمذهبي ، وتمثّل أفكار المدرسة الصدرية بشكل عميق ، وتطويرهاً وفقاً لمتطلبات الواقع العراقي الراهن ...
- تحديد وتوضيح أفكاره وآرائه السياسية ، وإيصالها للآخرين ، والتفاعل معهم حولها ..
- المحافظة على استقلالية هذا التيار ، وتحمّل أيّة ضغوط بهذا الاتجاه ، وهذا لايعني قطع الصلات مع أيّ طرف تتطلب مصلحة العراق ،واستمرار مقاومته التعاون معه ..
- الاهتمام الزائد بالجوانب التنظيمية لمؤسساته وأدواته ، وإيجاد شكل من أشكال الرقابة الذاتية منعاً للاختراق والتشويه ..
وفي حال توفّر هذه الشروط سيصبح التيار الصدري أكثر قوّة وتأثيراُ ،و محوراً أساسيّاً من محاور النضال الوطني العام صالحاً ومهيّئاً للاستقطاب الواسع على امتداد الساحة العراقية ، وقادراً على التجذّر في الرحاب الوطني الواسع ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,479,962
- التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 1/2
- - إعلان دمشق بين مطرقة النظام وسندان أزمته الداخلية - 3/3
- - إعلان دمشق بين مطرقة النظام وسندان أزمته الداخلية - 1/3
- - إعلان دمشق بين مطرقة النظام وسندان أزمته الداخلية - 2/3
- من صفرو الى بومال دادس...لا لتجريم النضال الاجتماعي ! ولا لإ ...
- واجب ُنصرة صفرو المناضلة المحكمة تقرر السراح المؤقت ل 42 معت ...
- لقاء أنابولس ملهاة استعراضية جديدة لكسب الوقت لمزيد من الاست ...
- تنامي حركة مقاومة الغلاء: تظاهر أكثر من 2000 مواطن بمدينة صف ...
- على ضوء خطاب الولاية الثانية في سورية ، وما ورد بخصوص الإصلا ...
- من تاريخ قمع النقابة العمالية بالفصل 288 من القانون الجنائي


المزيد.....




- المسيحيون المغاربة يطالبون بضمان حقوقهم بمناسبة زيارة البابا ...
- بعد أيام من مذبحة المسجدين في نيوزيلندا.. فتى أسترالي آخر يه ...
- -أحب المسيح-.. حملة إسلامية تجوب أوكرانيا
- بريطانيا.. سلسلة اعتداءات على مراكز إسلامية في برمنغهام
- وزيرة الهجرة المصرية تصل نيوزيلندا للقاء أسر ضحايا مجزرة الم ...
- ليندا أرمسترونغ.. اعتنقت الإسلام حديثا وفاضت روحها بمذبحة ال ...
- زنزانة عالية التأمين... هنا يوجد مرتكب -مذبحة المسجد- (فيديو ...
- كامبرا تايمز: كم هي رائعة الطريقة التي يؤدي بها المسلمون شعا ...
- شرطة نيوزيلندا تعيد فتح المسجدين اللذين شهدا مجزرة المصلين
- الآلاف يحتشدون لحضور جنازة إمام شهير قُتل بمذبحة المسجدين


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود جديد - التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 2/2