أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالحسين الساعدي - قطار الموت ( من أولى المقابر الجماعية )






















المزيد.....

قطار الموت ( من أولى المقابر الجماعية )



عبدالحسين الساعدي
الحوار المتمدن-العدد: 2244 - 2008 / 4 / 7 - 10:29
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم تكن ردة الثامن من شباط عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين إلا واحدة من أسوأ المراحل الكارثية التي مر بها العراق ، فما برحت تلقي بظلالها السود على هذه البلاد حتى سقوط آخر صنم من أصنام الأستبداد والجريمة ، وذلك عام ألفين وثلاثة ، حيث قبرت والى الأبد في مزبلة التاريخ غير مأسوف عليها ، بعد إن أذاقت الشعب الويلات والثبور من خلال القتل تقطيعاً أو إذابة في أحواض الأسيد وفي التشريد والتهجير والأغتصاب والنفي وسياسة الجنوسايد ، وكل فعل شائن يندى له جبين الأنسانية .
دشن الأنقلابيون عهدهم الجديد بسلسلة من المجازر الدموية التي أمتدت لتطال الخيرين من أبناء هذا البلد حتى شملت مجازرهم الوطنيين والتقدميين الشرفاء من العرب والكورد والتركمان وبقية الطيف العراقي ، وكل من كان يرى في شخصية الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم رمزاً وطنياً ، ومخلصاً للبلاد من البؤس والشقاء والظلم والتعسف .
لقد تفتقت عقلية الموت والدمار والسادية للأشرار من أمثال عبدالغني الراوي وأحمد حسن البكر وعمار علوش ورشيد مصلح التكريتي وطاهر يحيى وسعدون شاكر وغيرهم ، على أبشع صور الموت والتعذيب والتنكيل بكل من يقع بين أيديهم ، لا سيما بعد فشل الأنتفاضة الجريئة للشهيد حسن سريع بمعسكر الرشيد في الثالث من تموز عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين ، فقد جن الأنقلابيون فصبوا جام غضبهم على الضباط والوطنيين في سجن رقم واحد بمعسكر الرشيد فقرروا التخلص منهم من خلال شحنهم ومن ثم دفنهم في قبر جماعي حديدي ، حيث لم يسبقهم أحد من قبل في عملهم المخزي هذا .
لقد أراد مدبرو هذه الجريمة من عربات القطار أن تكون قبراً جماعياً لأكثر من خمسمائة سجين ، بعد إن رفضت أكثر من فكرة للتخلص منهم أولها قصف السجن ، وثانيها إعدامهم في بغداد ، وثالثها إخراج القطار عن السكة ، وأخيراً قصف القطار من الجو ، بيد إن عقلية الإجرام أرتأت أن تغلق الأبواب عليهم بعد فرش أرضية العربات بالرمل ومن ثم وضع الزفت عليه وإحكام غلق الأبواب وسد جميع الفتحات وإجبار سائق القطار على السير ببطء لكي تطول فترة الوصول الى مدينة السماوة حيث سيتم نقلهم إن بقوا على قيد الحياة الى سجن نقرة السلمان الصحراوي ، وقد كانوا يراهنون على عدم وصولهم أحياء الى محطة السماوة .

شاع خبر قطار الموت هذا بسرعة البرق ، فعلمت جماهير المدن التي كان القطار يمر بها ، وكانت تستقبله برش الماء عليه لتخفيف سخونة حديد العربات الذي أخذ يكوي أجساد الكتل البشرية المحشورة بداخله ، كل ذلك جعل سائق القطار يشك في مجمل الوضع ، فهو لم يكن يعلم أصلاً ما بداخل هذه العربات ولا بطبيعة المهمة المكلف بها ، و قد تبددت شكوكه عند وصوله الى محطة المحاويل حيث أخبر بإن القطار مشحون بمجاميع بشرية هم من خيرة أبناء الشعب العراقي ، فما كان من هذا الرجل الغيور ذي التاريخ الوطني المشرف ، إلا أن يتخذ قراره الجريء المتمثل في تخليص هؤلاء الرجال من موت محقق .
صمد نزلاء القطار أمام خطر الموت الزاحف عليهم ، وأخذ بعضهم في شد عزيمة الآخر المقبل على الموت أو الأنهيار من جراء نفاد الهواء في عربات القطار الحديدية ، ومن شدة العطش وفقدان السوائل من أجسادهم في يوم تموزي قائض ، وراحوا يستعينون بإنشاد الأغاني الثورية الحماسية التي تمنيهم بغدٍ سعيد وتدعوهم للصمود البطولي .

لقد كان للموقف الأسطوري لسائق القطار دور كبيرفي أختصار الوقت للوصول الى محطة السماوة ، حيث تسابقت الجماهير والأهالي في الحضور لأستقبال أبناء شعبهم البررة الذين أوشكوا على الموت وهم في القبر الجماعي السائر فوق قضبان سكك الحديد ، وما إن توقفت دواليب القطار عن الحركة حتى سارع الناس المحتشدون على رصيف المحطة الى فتح الأبواب ، فإذا بمنظر مهول هو عبارة عن أشباح بشرية أوشكت على الهلاك وهي تترجل من العربات مترنحة وقد أصابها الإعياء والهزال والعطش وضيق التنفس طالبة الهواء والماء .
بعد إن أقدم أبناء مدينة السماوة النجباء على تقديم الماء والطعام وجميع خدمات الأسعافات الأولية الممكنة ، قاموا بتجهيز السيارات الكبيرة المحملة بالأطعمة والمياه لغرض نقل السجناء الى سجن نقرة السلمان ، وبينما كانت السيارات المحملة بالضباط والوطنيين الأحرار تغذ السير بأتجاه الصحراء عادت الحناجر تصدح بالأغاني التي تمجد الشعب وتلعن الأنقلابيين البرابرة وتبشر بغدٍ سعيد ، ونهاية مخزية لفرسان المقابر الجماعية ومهندسيها ، ولعنة تطاردهم على مدى التاريخ .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,515,319,343
- مقاومة عكد الأكراد 1963
- حبل سري في يوم مطير (*)
- معركة الدفاع عام 1963
- أنتفاضة أذار شعبان 1991
- محاولة أغتيال عدي صدام حسين ... وأسطورة الجدار الأمني الموهو ...
- نحو جبهة وطنية عريضة
- ملحمة الطف قراءة من وجهة نظر أخرى
- سميرة مزعل إمرأة من هذا الزمان *
- معارك الأهوار ( معركة أبو الروس) الحلقة الخامسة
- الشهيد البروفسور صفاء الحافظ ( 1 )
- معارك الأهوار ( معركة أم الغزلان ) الحلقة الرابعة
- معارك الأهوار ( معركة الحَمَّارَة ) الحلقة الثالثة
- معارك الأهوار ( معركة الزورة ) الحلقة الثانية
- معارك الأهوار ( معارك هور الغموكة ) الحلقة الأولى
- مقاومة مدينة الكاظمية عام 1963
- سجن الكوت وداعاً والى الأبد
- - سيدة الأعصر - مهداة الى مهناز (1)
- المتحف
- إنتفاضة الحي 1956 .... ذاكرة تتجدد
- المجد لذكرى أنتفاضة تشرين الثاني عام 1952


المزيد.....


- سقوط صدام حسين: الملفات السرية 12 / رياض الصيداوي
- علم تخوم الإقليم / محسن ظافرغريب
- أكيتو البابلي الكلداني لماذا لا يكون عيداً رسمياً للدولة الع ... / حبيب تومي
- المنطار كائن في المكان ... هل غادر المكان / مازن حمدونه
- ملوك الموصل ونينوى في صفحات التاريخ / ديار الهرمزي
- الدكتور محمد الهاشمي 1910- 1996 والتأريخ لحركة الفكر العربي ... / ابراهيم خليل العلاف
- العودة الى الذات في فكر الشيخ اليعقوبي / علي ضرغام
- شعوب شمال أفريقية والشرق الأوسط . / عساسي عبدالحميد
- آثارنا القبطية في أيدي اللصوص / عماد سمير أرمانيوس
- ( لا يا سوريا الأسد ! ) / كفاح محمود كريم


المزيد.....

- الجيش الإسرائيلي: فقدان جندي في الهجوم على غزة (رويترز)
- العراق: مليون عاطل عن العمل بسبب داعش.. و بطريرك يعتبر التنظ ...
- الروبل يواصل ارتفاعه أمام الدولار واليورو لليوم الثاني على ا ...
- الكويت تسقط الجنسية عن مالك قناة تلفزيونية
- ليختنشتاين تنتج سيارة كهربائية تعتمد إنجازات النانو
- كيري يتعهد بـ47 مليون دولار للمدنيين في غزة ويطالب حماس بوقف ...
- إقالة مدير مترو الأنفاق بموسكو إثر حادث أوقع أكثر من 20 قتيل ...
- ضوضاء الشارع ترفع ضغط الدم
- العثور على جثة مالك السفينة الكورية الجنوبية الغارقة في أبري ...
- حرب غزة: الجيش الإسرائيلي يعترف بفقد جندي


المزيد.....

- أصول الاقتصاد السياسى / محمد عادل زكى
- البروتستنتية من الوجهة النظر الكاثوليكية / صبري المقدسي
- صفحات من التاريخ السياسي/ مظاهرة شباط/ فبراير 1928 / كاظم الموسوي
- نقد قانون القيمة عند ماركس / محمد عادل زكى
- كتب هزت العالم، سيرة رأس المال لكارل ماركس / فرانسيس وين ترجمة ثائر ديب
- عصر التطرفات / إريك هوبزباوم
- عصر رأس المال / اريك هوبزباوم
- عصر الثورة / اريك هوبزباوم
- عصر الامبراطورية / اريك هوبزباوم
- الحرب العالمية الثانية و مصائر شعوب اسيا و افريقيا / ديمتري يفيموف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالحسين الساعدي - قطار الموت ( من أولى المقابر الجماعية )