أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - جاسم الحلوائي - قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي- (34)















المزيد.....


قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي- (34)


جاسم الحلوائي

الحوار المتمدن-العدد: 2242 - 2008 / 4 / 5 - 12:24
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


قراءة نقدية في كتاب
عزيز سباهي
"عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"
(34)
جاسم الحلوائي
الظروف التي أحاطت بإعلان الجبهة عام 1973

120

في مقابل حملة الحزب الشيوعي العراقي الإعلامية ضد الإرهاب، شن حزب البعث حملة دعائية في صحفه ولقاءاته مع الأحزاب الشيوعية في الدول الاشتراكية والعربية. وقد ركز حزب البعث في حملته على تفسير مبدأ التكافؤ في الجبهة الذي يطالب به الحزب الشيوعي، على إنها مطالبة باقتسام السلطة مع البعثيين، في حين رفض الحزب الشيوعي المساهمة معهم في "الثورة" عندما جازفوا وأقدموا عليها. ويمكن القول بأن حزب البعث حقق نجاحا ملحوظاً في هذا الشأن وذلك بتحييد الأحزاب الشيوعية تقريباً ، في الدول الاشتركية وفي بعض الدول العربية، خلال الحملة الإرهابية. ومما ساعد البعثيين على تحقيق ذلك هو اهتمام هذه الأحزاب، وخاصة الحزب الشيوعي السوفييتي، بإزالة العراقيل التي تقف أمام تحقيق الجبهة الوطنية في العراق. ويشير سباهي في هذا الصدد الى برقية الحزب المذكور الى المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي العراقي والتي جاء فيها مايلي: " إن الحزب الشيوعي العراقي يبذل جميع جهوده من أجل إقامة الجبهة الوطنية لجميع القوى التقدمية والمعادية للاستعمار في العراق. وهذه الجيهة هي القادرة على المحافظة والتطوير للمكاسب الديمقراطية للشعب العراقي"(1) ، وكان السوفييت حريصين جداً على بقاء العراق في الجبهة التي تناصرهم في ظروف الحرب الباردة.

كانت المهمة الأولى أمام الحزب آنذاك هي إعادة بناء تنظيمات الحزب المحطمة، وكانت تلك المهمة صعبة بدون قدر من الانفراج في الوضع السياسي وفي العلاقة بين الحزب الشيوعي وحزب البعث الحاكم. وكان سكرتير الحزب يفكر بمبادرة ما في هذا الاتجاه وذلك في بيروت، التي توقف فيها وهو في طريقه من موسكو الى الوطن وذلك في صيف 1971. وربما ناقش سكرتير الحزب هذا الموضوع، كما يفترض هذا عبد الرزاق الصافي الآن، مع الرفاق السوفييت قبل مجيئه ، او لربما اقترحوا عليه ذلك. وبعد التشاور مع الرفاق الموجودين في بيروت آنذاك، وهم كل من عبد الرزاق الصافي وعامر عبد الله والدكتور رحيم عجينة وربما الدكتور صفاء الحافظ، اتفقوا على أن يدلي الرفيق عزيز محمد بحديث لجريدة "الأخبار" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني. يقول الصافي: " وكان جوهر الفكرة المتعلقة بالموضوع ، اي الجبهة ، هو الرد على ادعاء البعث الحاكم من اننا نطالب ، بإسم التكافؤ ، بتقاسم الوزارات والمناصب الهامة في الدولة مع البعث. وفي شرحنا لمفهوم التكافؤ ورد في الحديث المنشور إننا نعني بالتكافؤ مساهمة جميع الاطراف في صياغة اهداف الجبهة ومواقفها على قدم المساواة في ما بينها ، وضمان استقلال كل طرف من أطرافها سياسياً وفكرياً وتنظيمياً" وقد نشر الحديث في جريدة الأخبار فعلاً، وأعادت نشره جريدة الحزب السرية "طريق الشعب" في بغداد".

ويواصل الصافي قوله: "رجع الرفيق عزيز محمد إلى العراق سراً ، كما رجع الرفاق الآخرون . وجرت داخل العراق لقاءات مع البعث تعهد فيها ممثلوه بوقف الملاحقات ضد الشيوعيين. وجرى لقاء بين الرفيق عزيز محمد وصدام حسين في تشرين الاول 1971. وفي هذا اللقاء كرر صدام تعهدهم بوقف الملاحقات ضد الشيوعيين ، وأعرب عن رغبة حزبه بالتعاون مع الحزب الشيوعي .وأخبر الرفيق عزيز محمد بأنه سبق ان امر بإطلاق سراح كل المعتقلين الشيوعيين ، الذين كان قد اُفرج عنهم قبل اللقاء" (2).

بعد أن يستعرض سباهي رواية الصافي ونتائج المبادرة، فإنه يوجه انتقادات معينة للمبادرة، تعوزها الدقة والملموسية، حيث يقول: "يتبين من هذا العرض، إنه حتى عودة سكرتير الحزب من موسكو في أواخر صيف عام 1971 لم يكن الوضع السياسي قد تغير على النحو الذي يسمح لقيادة الحزب أن تحيد عن التزامها بما جاء في قرارات المؤتمر الثاني للحزب بشأن التحالف مع البعث. وأن الصورة التي جاء بها الخروج عن الالتزام بقرار المؤتمر لا تعكس تقيداً بأحكام النظام الداخلي. فلم يصدر القرار عن اجتماع اللجنة المركزية، دع عنك اجتماع كامل لها. ولم يخضع الى مشاورات واسعة".

لم يذكر لنا سباهي ماهي هذه القرارات التي حادت عنها قيادة الحزب؟ وأي حكم من أحكام النظام الداخلي لم تلتزم بها القيادة؟. اما التغير في الوضع السياسي فسنتطرق اليه بعد قليل. ويواصل سباهي فيقول "ويتضح كذلك، أن استئناف الدعوة الى الجبهة جاء من الحزب الشيوعي العراقي، وبتحفيز من الحزب الشيوعي السوفييتي، وأن قيادة الحزب الشيوعي العراقي استجابت دون تردد، مع أن أصداء ما دار في المؤتمر الثاني بشأن التعامل مع حزب البعث لازالت عالقة في الأذهان. فهي إذن عودة الى طروحات فترة الستينات حول التطور اللارأسمالي، وما جرته على الحزب من متاعب فكرية وسياسية وتنظيمية"

لا أعرف ما هو دليل سباهي على استجابة الحزب الشيوعي الى تحفيز السوفييت بدون تردد. لا أعرف إن كانت أصداء المؤتمر عالقة أم غير عالقة في أذهان الذين قاموا بالمبادرة، ولكن ما أعرفه هو أن أصداء المنظمات المحطمة ومنظمة بغداد المسحوقة سحقاً، كان صداها أقوى من أي صدى آخر لدى المبادرين؟ وهي لاعلاقة لها بالتطور اللارأسمالي، الذي لم تجر العودة إليه إلا بعد أربع سنوات تقريباً من هذا التاريخ، وذلك خلال التحضير للمؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي العراقي الذي عقد في عام 1976. ولم تطرح قضية التطور اللارأسمالي في أدبيات الحزب، ولم تناقش في أية هيئة حزبية مناقشة جدية قبل ذلك إطلاقاً.

ويفهم من انتقاد سباهي هو أن استئناف الدعوة الى الجبهة من قبل الحزب الشيوعي العراقي، دون تغير في الوضع السياسي، كان أمراً مخالفاً لقرارات المؤتمر. ولكن المؤتمر لم يمنع قيادة الحزب من اتخاذ مواقف تخص أمور جبهة مع الحزب الحاكم، كما جرى في المبادرة، ولا من الحوار معه، كما تم بعد المبادرة، فقد "أكد (المؤتمر) على استمرار الحزب في الحوار مع حزب البعث تنفيذاً لسياسته تجاه الجبهة الوطنية الموحدة"(3) . ولم يشترط لذلك تغييراً في الوضع السياسي. ولكن الحزب امتنع عن الحوار مع البعث حول الجبهة، من دون وقف الحملة الإرهابية وإطلاق سراح جميع المعتقلين. وقد رفض د. رحيم عجينة لهذا السبب الدخول في حوار حول الجبهة مع مرتضى الحديثي عضو القيادة القطرية، وذلك في آب عام 1971، أي بعد تصريح الرفيق عزيزمحمد. وفيما يلي ملخص الحوار بينهما فيما يتعلق الأمر بموضوعنا:

الحديثي: "يجب ان نلتقي ونواصل حوارنا، فأنا واثق أننا سنصل الى اتفاق لاسيما واننا الان ندخل معركة مع شركات النفط المتعنتة. ويجب على القوى الوطنية أن توّحد نشاطها في هذه المعركة الوطنية الكبرى.

عجينة: "أعدت عليه تفاصيل الحملة الإرهابية... وأبلغته بعدم إمكان استئنافنا للحوار في مثل هذه الطروف".

الحديثي: "إن الحملة ستتوقف فوراً وقد اتخذت القيادة قراراً بذلك، كما سيطلق سراح جميع المعتقلين"(4) .

وعندما التقى الرفيق عزيز محمد بصدام حسين في تشرين الأول من نفس العام كانت الحملة الإرهابية متوقفة، ولم يبق من قضية إطلاق سراح المعتقلين سوى ذيولها. ومع ذلك فإن حواراً حول الجبهة لم يبدأ إلا بعد ثلاثة أشهر من طرح حزب البعث مشروع "ميثاق العمل الوطني"، وتقرر تشكيل الوفد المفاوض في اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في شباط 1972.

121

درست قيادة الحزب الشيوعي مشروع "ميثاق العمل الوطني" الذي طرحه حزب البعث في 15 تشرين الثاني 1971، وأصدرت بياناً باسم المكتب السياسي في 27 من نفس الشهر، اعتبر المشروع اساساً صالحاً للحوار مع حزب البعث من أجل إقامة الجبهة، وكان في أساس تقييم الحزب الإيجابي، وباختصار شديد: إنه مشروع معاد للامبريالية، ويؤكد على التعاون مع الدول الاشتراكية، ويؤكد على الحل السلمي الديمقراطي للمسألة الكردية، ويرسم برنامجاً تقدمياً للتحولات الاقتصادية- الاجتماعية. كما أنه يؤكد على أهمية العمل المشترك بين فصائل الحركة الثورية لمواجهة الأخطار التي تحدق بالعراق والعالم العربي.

ولم يكتف بيان الحزب بذكر ما هو إيجابي في المشروع، وإنما أشار الى سلبياته ونواقصه أيضاً حيث ورد فيه: "إن حزبنا يهمه جداً أن يرى خاتمة نهائية وحاسمة لكل مظاهر الاضطهاد ضد أي قوة وطنية أخرى. ودعا الحزب في بيانه الى إطلاق الحريات الديمقراطية كافة لجماهير الشعب، وتحريرها من كل قيد لاحق، والنص على حرية الأحزاب، وإقامة المؤسسات الدستورية، ووضع الدستور الديمقراطي الدائم، وإنهاء فترة الانتقال في وقت محدد، والتعامل مع الأحزاب السياسية الوطنية على أساس الاحترام المتبادل بينها كأحزاب سياسية مستقلة ايديولوجياً وسياسياً وتنظيمياً" (5).

في اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في شباط 1972. تقرر تشكيل الوفد المفاوض، برئاسة الرفيق عزيز محمد وباقتراح من الفقيد زكي خيري، الذي امتدح إمكانياته التفاوضية. انطلق الحوار بين الحزب الشيوعي وبين حزب البعث في نفس الشهر. وقدم البعث، كما يشير سباهي "مشروعه في ذات الوقت الى الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) الذي لم يبد أرتياحاً للمشروع، وأبدى تحفظه حول وجود مجلس قيادة الثورة والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها. وكان (حدك) يقع آنذاك تحت ضغط القوى الأجنبية التي لم تكن تحبذ التحالف الوطني في العراق (6).

ونظراً لسعة الخلافات بين الحزبين الشيوعي وحزب البعث حول سلسلة من الأمور الأساسية مثل السلطة والحكومة الائتلافية ودور الجبهة فيها والديمقراطية وطبيعة المرحلة ...الخ، هذا فضلاً عن دوافع البعث الخاصة لاستثمار العلاقة مع الحزب الشيوعي لتحقيق هيمنته وتعزيز مواقعه على مختلف الأصعدة داخلياً وعربياً وعالمياً، كل هذه الأسباب لعبت دورها في تلكؤ الحوار وعدم انتظامه. وعلى الرغم من كل ذلك، فقد وفرت تلك الأجواء فرصة للمباشرة بإعادة بناء تنظيمات الحزب الشيوعي الذي سبق وان سحقت وهدمت في الحملة الإرهابية التي تحدثنا عنها.

في 9 نيسان 1972 عُقدت معاهدة الصداقة والتعاون بين الحكومة العراقية والاتحاد السوفييتي. وعلى إثرها مباشرة طلب حزب البعث تعزيز التعاون مع الحزب الشيوعي ورفعه الى مستوى جديد عن طريق المشاركة بوزيرين شيوعيين. وقد درست اللجنة المركزية العرض وقررت اتخاذ موقف إيجابي منه، آخذة بنظر الاعتبار، كما جاء في بيان المكتب السياسي: "توقف الملاحقات الموجهة ضد الحزب، والآثار الايجابية للتعاون الذي جرى بين الحزبين في عدد من المنظمات النقابية والمهنية، والانفراج النسبي في العلاقات بين العراق من جهة وبين مصر وسوريا من جهة أخرى ... وتعزيز الصلات بالمعسكر الاشتراكي، والتعاون في إنتاج النفط وطنياً في الرميلة بمساعدة الاتحاد السوفييتي". ونبّه المكتب السياسي في بيانه إلى: "أن الحركة الوطنية والثورية لا تزال تواجه مهمات ينبغي تحقيقها، في رأسها: إقامة أوضاع ديمقراطية تستتند إلى مؤسسات دستورية، وتنفيذ ما تبقى من بنود بيان 11 آذار، وايجاد الحلول لمشاكل الجماهير المعيشية الملحة وتحرير الثروات النفطية..."(7) وقد شفع الحزب استجابته للاشترك بالحكومة بطلب تشكيل مجلس الوزراء، ووعد البعث بتحقيق ذلك وقام به بصورة شكلية (8).

في الأول من حزيران 1972 أقدم حكم البعث في العراق على تأميم شركة نفط العراق، التي كانت تنّقب وتستخرج وتصّدر النفط في البلاد. ووجد التأميم تعاطفاً واسعاً من الرأي العام العربي والرأي العام الديمقراطي العالمي. وقد انغمر الحزب الشيوعي العراقي في هذه المعركة بحماس، مؤيداً قرار التأميم. وجرت الموافقة على السماح للحزب الشيوعي بإصدار جريدة أسبوعية ثقافية عامة كردية عربية "الفكر الجديد". وقد صدر العدد الأول من الجريدة بالفعل في 18 حزيران 1972، وحوّلها الحزب في خضم المعركة الجارية ضد الاحتكارات النفطية إلى جريدة سياسية للإعراب عن وجهة نظره. وبالرغم من امتعاض وزارة الإعلام واعتراضها على النشر السياسي، واصلت الجريدة خطها (9).

ونشطت الكوادر الشيوعية العاملة في المنظمات الديمقراطية العالمية، كما يشير سباهي، كمجلس السلم العالمي، ومنظمة تضامن الشعوب الافروـ آسيوية، والمنظمات الديمقراطية العالمية الأخرى، لتعبئة الرأي العام الديمقراطي العالمي الى جانب الشعب العراقي في نضاله ضد احتكارات النفط، ونجحت في عقد مؤتمر عالمي للتضامن مع الشعب العراقي في بغداد في آب 1972، وندوة عالمية، في بغداد أيضاً حول موضوع: النفط كسلاح في المعركة، في خريف ذلك العام. وقد شارك في الفعاليتين عدد كبير من الاقتصاديين والصحفيين ورجال الثقافة من مختلف البلدان الاوربية والامريكية والعربية وغيرها. لقد رفع هذا النشاط الواسع الذي بذله الحزب الشيوعي العراقي في دعم معركة التأميم، هيبة الحزب في العراق، وفي العالم العربي والعالم. كما رفعت معركة التأميم، ومن بينها النشاطات الي أشرنا اليها، من سمعة حزب البعث الحاكم أيضاً ونظامه في أعين الرأي العام الديمقراطي العربي والعالمي. وزاد من رصيده السياسي في داخل البلاد أيضاً، واستخدم هذا الرصيد في ضغطه على الحزب الشيوعي، ودفعه للقبول بشروطه للتحالف (10).

122

تواصل الحوار بين حزب البعث والحزب الشيوعي طوال الأشهر التي أعقبت تأميم النفط. وفي مجرى هذا الحوار لم يطرح حزب البعث في بادئ الأمر موضوع قيادته للجبهة التي يراد تأليفها، غير أن التوصل إلى إقامة الجبهة الوطنية في سوريا على أساس الإقرار بقيادة حزب البعث العربي الاشتركي الحاكم لها، ومنع الأحزاب التي تشارك في الجبهة من النشاط في الجيش وبين الطلبة، دفع حزب البعث الحاكم في العراق إلى أن يطرح الشيء ذاته كشرط لقيام الجبهة الوطنية. لقد رفض الحزب الشيوعي هذه الصيغة وتحولت القضية إلى عقدة تعيق إعلان الجبهة، بعد أن تم الاتفاق على أغلب بنود الميثاق. وفي إطار هذه العقدة انصبت الضغوط على الحزب الشيوعي العراقي، وكان بعضها صريحاً ومباشراً. فقد كان خالد بكداش، أمين عام الحزب الشيوعي السوري، يلح على الشيوعيين العراقيين بعقد الجبهة والاهتداء بما جرى في سوريا، بعد أن اعلنت الجبهة الوطنية هناك. وكان يضع الأمر بهذه الصيغة المباشرة والصريحة باللهجة السورية (كما يشير عبد الرزاق الصافي في رسالة إلى سباهي)، ويقول ما معناه: "نرجوكم... اعملوا جبهة مع البعث! لخاطرنا أعملوا جبهة مع البعث، لخاطر سوريا اعملوا جبهة مع البعث". وكان الحزب الشيوعي السوري يومها، قد دخل مع حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب قومية أخرى في جبهة واحدة بالصيغة التي مر ذكرها. وتوالت على الحزب الشيوعي السوري عند إعلان الجبهة برقيات التهنئة من قادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي البلغاري وغيرهما مهنئة بإعلانها (11).

ويذكر سباهي بأنه "في داخل الحزب الشيوعي العراقي ذاته، ارتفعت (بعد عقد الجبهة في سوريا وقبل عقدها في العراق، أي في نهاية عام 1972) من جديد، أصوات تدعو الى التطور اللارأسمالي، سواء جاءت كأصداء لما كان يتردد في بعض أوساط الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وبعض الأحزاب الشيوعية المسايرة له، وكانت تؤلف غالبية الحركة الشيوعية العالمية، أم جاءت كإحياء لذات الأفكار التي برزت في الحزب في منتصف الستينات" (12).

في واقع الأمر لم ترتفع مثل هذه الأصوات داخل الحزب آنذاك. وكما ذكرت قبل قليل بأن قضية التطور اللارأسمالي لم تطرح في أدبيات الحزب وصحافته، ولم تناقش جدياً في أية هيئة حزبية قبل منتصف السبعينات وخلال التحضير للمؤتمر الثالث (1976). فقد كان كاتب هذه السطور في اللجنة المكلفة بوضع برنامج الحزب الجديد، التي ناقشت الموضوع في النصف الثاني من عام 1975. وكان أيضاً عضواً في اللجنة الثلاثية التي شكلت من قبل المكتب السياسي، وكان معه كل من الدكتورة نزيهة الدليمي والدكتور مهدي الحافظ، لدعم الموضوعة بالكتابة عنها في صحافة الحزب، بعد عودة الوفد من موسكو، ونشر أول مقال حول طريق التطور اللارأسمالي في صحيفة "طريق الشعب" في اوائل 1976.

ويواصل سباهي فيقول:" وجاءت التحولات الثورية التي شهدتها بعض البلدان مثل كوبا واليمن الديمقراطية وأنغولا، وما كانت تشهده ايضاً بعض المنظمات الفلسطينية والحركات القومية العربية من تحولات، نقول... جاءت كل هذه لتعطي تأثيراتها في هذا الشان، وأنعشت الآمال لدى كثيرين (داخل الحزب الشيوعي) في تحوّل هذ الفصيل الثوري أو ذاك،هذا القائد أوذاك، الى مواقع الاشتراكية العلمية. وكان حزب البعث في العراق، يزايد يومها بالشعارات اليسارية ويتقرب الى الاتحاد السوفيتي لحاجته إلى السلاح المتطور. وعلى نفس الشاكلة كان يتقرب من الشيوعيين في الداخل، تطميناً لاستقرار وضعه. ولم يكن غريباً أن تسمع من يحدثك عن إمكانية تحوّل صدام حسين إلى كاسترو ثان. ولاقت المفاهيم التي تبالغ في أهمية الإصلاحات الآقتصاديةـ الاجتماعية على حساب الديمقراطية السياسية رواجاً في أوساط الحزب" (13).

لم يكن تأثير تلك التحولات، التي يشير اليها سباهي، على الكثيرين داخل الحزب في الفترة التي يتحدث عنها سباهي آنذاك (نهاية عام1972)، إنما برز تأثيرها في فترة لاحقة. وإن ما سمعه وأشار اليه سباهي لم يجر توثيقه، ولا أستبعد وجوده على نطاق ضيق، ربما في أوساط بعض الصحفيين.

نعود الى الحوار بين حزب البعث والحزب الشبوعي و"عُقدة القيادة" التي سبق وأن أشرنا اليها. ظل الأمر بين الحزبين بين أخذ ورد طوال الأشهر الأولى من عام 1973. وأخيراً وتحت الإلحاح المتواصل، تم الاتفاق على الصيغة التالية: "إن إقرار ميثاق العمل الوطني بصيغته اليوم يعتبر الإعلان الرسمي لقيام جبهة الأحزاب والمنظمات والقوى والعناصر الوطنية والقومية التقدمية التي تجسد القيادة المشتركة لنضال الشعب العراقي من أجل تحقيق أهداف الميثاق ويحتل حزب البعث العربي الاشتراكي موقعاً متميزاً في قيادتها وفي هيئاتها ويقود السلطة السياسية في الدولة، كما يقود مؤسساتها الدستورية وتقوم العلاقات بين أحزاب الجبهة الوطنية والقومية التقدمية على أساس الاحترام المتبادل لاستقلال كل حزب، ايديولوجياً وسياسياً وتنطيمياً" (14) .

وقد اصطدم الحزبان لدى بحث قواعد العمل في الجبهة بمسألة حساسة وهي كيفية اتخاذ القرارات في قيادة الجبهة، بالأكثرية أم بالإجماع. وتم الاتفاق على مبدأ الإجماع، اعتماداً على التعهد الذي قطعه صدام حسين على نفسه باسم حزب البعث. وقد مارس حزب البعث بعدئذ نشر قرارات باسم الجبهة دون أن يكون ممثلو الحزب قد وافقوا عليها. وفي هذه الحالة كانت جريدة "طريق الشعب" تنشرها بتوقيع وكالة الأنباء العراقية (واع) إشارة إلى أنها صدرت بدون موافقة الشيوعيين في الجهة التي أصدرتها (15) .

عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اجتماعاً طارئاً في 6 نيسان 1973 لتحديد الموقف من مسألة الجبهة وما اتفق عليه في المداولات بشأنها مع حزب البعث، وكان النقاش حامياً. وتأرجحت كفتا المؤيدين والمعارضين، وانتهى الاجتماع لصالح المؤيدين بفارق صوت واحد فقط (*). وفي تموز من نفس العام أعلنت الجبهة.

لقد تكونت للجبهة لجنة عليا والى جانب ذلك تكونت لجان في المحافظات. ولم تنجح محاولات الحزب الشيوعي، لتحويل الجبهة إلى مؤسسة جماهيرية، ومد نشاطها الى المؤسسات والمصانع والتجمعات الجماهيرية، وجعلها أداة للرقابة الجماهيرية على سياسة السلطة. وفي واقع الحال، فإن الحزب الحاكم قد سعى لتحويلها ، كما سنرى لاحقاً، إلى مجرد واجهة دعائية وأداة يحركها كما يشاء، وبات بعد فترة يسعى إلى التحرر تدريجياً من شيء اسمه الجبهة ومن علاقته بالحزب الشيوعي العراقي. إن أحد أوجه القصور في سياسة الحزب الشيوعي من هذه المسألة الخطيرة، هو ان الجبهة تحولت لاحقاً الى الحلقة المركزية في نضال الحزب لدفع عجلة التقدم في البلاد وليس الديمقراطية، كما سيأتي بيانه لاحقاً (16).
(1) عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 114، هامش رقم 142.
(2) عبد الزاق الصافي. بحث معد للنشر، ونفس المعلومات واردة في رسالة موجهة من الصافي الى سباهي. راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 113. ويورد الصافي هنا رواية جديرة بالتسجيل وهي:"عندما جرى اللقاء بين الرفيق عزيز محمد وصدام حسين في تشرين الاول (اكتوبر) ، لاحظ فيه الاخير ان الشيب اشتعل في رأس الاول فتساءل عن سبب ذلك قائلاً: "بس لا إحنه السبب"(آمل ان لانكون نحن السبب). فأجاب الرفيق عزيز محمد "منو غيركم؟" (مَن غيركم؟). وأخبر صدام الرفيق عزيز محمد بأنه سبق ان امر بإطلاق سراح كل المعتقلين الشيوعيين، الذين كان قد اُفرج عنهم قبل اللقاء . وعندها طالبه الرفيق عزيز بخمسة من كوادر الحزب ممن كانوا لا يزالون قيد الاعتقال، وكان من بينهم الشهيد كاظم الجاسم فطلب صدام استبقاءهم بعض الوقت . ويبدو أن ذلك كان لغرض "ترميمهم" بعد التعذيب الوحشي الذي لاقوه على ايدي جلاوزة الامن ، فأجابه الرفيق عزيز طالباً ترك مهمة "ترميمهم" لنا. واُطلق سراحهم بالفعل - على ما أتذكر- وقد استـُشهد الرفيق كاظم الجاسم بعد ذلك بأيام متأثراً بما لاقاه من تعذيب بربري في اثناء اعتقاله" .
(3) زكي وسعاد خيري. مصدر سابق، ص 532. راجع كذلك تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1958 ـ 1979. ص 20.
(4) د. رحيم عجينة. مصدر سابق، ص 110 وما يليها. خط التشديد غير موجود في الأصل.
(5) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 114 وما يليها. راجع كذلك التقييم، مصدر سابق، ص 26 ـ 29.
(6) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 151
(7) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 116 وما يليها والهامش رقم 144
(8) راجع تقييم تجربة حزبنا النضالية، مصدر سابق، ص31.
(9) راجع تقييم تجربة حزبنا النضالية، مصدر سابق، ص31. راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 116 وما يليها
(10) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 118.
(11) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 119 وما يلبها وص 123 ، هامش رقم 153.
(12) عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 122.
(13) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 123 والهامش 152.
(14) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 124.
(15) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 124.
(*) ذكرت الرفيقة سعاد خيري إسمي خطأ ضمن الذين حضروا الاجتماع المذكور، وذلك في ص 58 من كتاب "صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم" فقد كنت أدرس في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو آنذاك، فقد سافرت إلى موسكو في آب 1972 وعدت إلى العراق في كانون الثاني 1974. (جاسم)
(16) راجع عزيز سباهي. مصدر سابق، ص 124 وما يليها.


يتبع








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,887,552
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراق ...
- قراءة نقدية في كتابعزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ا ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي ...
- قراءة في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراق ...


المزيد.....




- إيران تعلن الاستيلاء على سفينة بريطانية في الخليج ومسؤول أمر ...
- شركة ناقلة النفط البريطانية المحتجزة لدى طهران: السفينة في ط ...
- إيران وأمريكا.. صراع الطائرات المسيرة
- الحرس الثوري يقول إنه احتجز ناقلة نفط بريطانية
- الأعراس النوبية: تراث يأبى الاندثار رغم الهجرة وطغيان وسائل ...
- تطبيق إنستغرام يزيل -الإعجابات-...فما القصة؟
- الثانوية العامة: لماذا لن يتمكن طلاب متفوقون في مصر من تحقيق ...
- إيران -تحتجز- ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني في مضيق هرمز
- الحرس الثوري يقول إنه احتجز ناقلة نفط بريطانية
- مقتل 4 جنود وإصابة آخرين في هجوم مسلح لتنظيم القاعدة في ابين ...


المزيد.....

- الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة ... / فارس كمال نظمي
- التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية / محمد علي مقلد
- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم
- في نقد الحاجة الى ماركس / دكتور سالم حميش
- الحزب الشيوعي الفرنسي و قضية الجزائر / الياس مرقص
- سارتر و الماركسية / جورج طرابيشي
- الماركسية السوفياتية و القضايا العربية / الياس مرقص


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - جاسم الحلوائي - قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي- (34)