أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غريب عسقلاني - ضفاف اليوح - 3 -















المزيد.....


ضفاف اليوح - 3 -


غريب عسقلاني
الحوار المتمدن-العدد: 2239 - 2008 / 4 / 2 - 10:53
المحور: الادب والفن
    


- 3 -


شمس الى غزة تعود
وقف الهواء خشوعاً.. رقص الهواء.. صوتها واضح النبرات لا تشوبه بحة أو حشرجة.
- إنني قررت.. انتظرني.
شمس تعبر الى غزة وأنا أودعت قلبي عند حدود رفح ينتظر، وأنا والهاتف النقال على مدار الوقت أرصدها منذ غادرت عتبتها هناك، كل المحطات رأيتها فيها قادمة ومغادرة، مثل ناقة استبدلت شحم السنام بأحمال العذاب، رأسها سهم على طرف رقبتها الطويلة، عينها عين زرقاء اليمامة، شمس تعرف مسار الريح.. تسبق الريح اشتياقاً صوتها يتردد مثل خرير الماء.
"إنني الآن أجتاز القنال، أنظر في بقايا بارليف، وما تبقى من آثار الانحدار، أنتشي بحكايات العبور قبل العبور إلى الوطن، إني أنتصر".
الهواء يدركني، يحملني القلق، شمس عالقة بين المعبرين، محشورة في الحافلة مع الناس مثل سردين معلب، بعض هواء يسكن فيهم قد يقيهم من جنون الاختناق.. ربما يكفي لمسافات المرور..شمس تملأ رئتيها بالهواء.. تهبط من حافلة الهم، تعلن أوراقها..تقول هذه أنا..
- من يصدق أنه لابد من تصريح مرور للعبور الى البيتِ.. إليكَ.
لا بأس فالوقت احتلال، لكنهم وعلى أي حال خرجوا من بعض الوطن، والهواء يخبرني إن شمس عند حاجز "أبو هولي"، سائق السيارة يشرح مالا تعرفه شمس من قوانين المرور عند المفارز والحواجز وحدود الطرقات:
- لا تقلق عليها..نحن ننتظر الاشارة للمرور.
شمس في غزة.. من يصدق!
رقصت الفرحة على وجه سكرتيرتي، يأخذها الفضول إلى إمرأة تطل كل يوم كلمات في الحاسوب، السكرتيرة تشاغبني تنتزع مني بعض فيض:
- شمس لا شك إمرأة جميلة؟
- كيف عرفتِ؟
- من رسائلها المضيئة.
كيف نسيت ان رفيقتي في المكتب من يرسل ويستقبل ما بيننا من فيض. هي شاهد تقف على ضفاف التجربة:
- لا شك هي في عيني جميلة؟
النهار يمضي الى النهايات.. الشمس تهبط نحو أديم البحر، ترسل ضفائرها بلون البرتقال.. رجف الهاتف:
- أنا الآن أحاذي البحر.. هل نلتقي؟
- اذهبي إلى داركِ، اهجعي الليلة في حضن من تنتظرك.
- متى أراكَ؟
- في الصباح بعد أن تقرع أجراس المدارس تعلن بدء الحصة الأولى. تجديني عند باب الدار أنتظر..

***

مهما امتدت الزيارة تصبح ذكرى خاطفة، فدعينا نتفقد الدنيا خارج جدران الصالونات، ومجاملات الضيافة، ونذرع الأمكنة نمسح الطرقات، تدخلي الاختبار بين ما تبقي على الأرض، ومازال يسكن في الذاكرة, حيث تقبع التفاصيل لا يناوشها الغياب، ولا تأخذها ألاعيب الزمن.. وها نحن يا امرأة تطاردنا المطارح، لا الحواري بقيت على بكارتها، ولا صانع الفخار ظل في مجلسه، قدمه تلعب على دواسة الدولاب، لم يعد في حارة الفواخير من يكوّر بطن الأباريق ولا من يجوّف الأصص والجرار، لا بيارات على الجانبين تعشق خرير الماء في القنوات تعبر بين صفوف الشجر.. زُرعت الأرض بالأسمنت ارتفعت عمائر شاهقة..غزة أخرى ما تشاهدين، لكن الاشارات مازالت باقية.. هنا كانت الأشياء.. هنا صارت الملاعب تدل على مطارحكِ القديمة، هي لعبة الجرح مدماة طازجة، عندما يرقد من عرّفكِ على المطارح في المقبرة، رحل أبوك مع الراحلين.. ها أنت تسألين والدنيا بواكير صباح:
- أين تأخذني يا غريب؟
- لك كل المطارح.. تخيّري.
- أخاف أن أضل مقصدي وقد تغير وجه المدينة.
- المدينة مازالت تسكن فيك يا امرأة.. تذكري..

***

فوق الربوة أخذتنا زرقة البحر إلى منارة عسقلان، ورأينا كيف تقف النوارس على جلد الماء تتزود بعض راحة، تأخذها ضفيرة الشمس إلى نهايات النهار وإلى مهاجعها هناك.. قلت:
- لو أعبر ريشة في ذيل نورسه.
لكنها الطائرة الزنانة، أطلقت الأزيز، فرقت سرب الطيور.. بعضها من صدمة الذعر هوى.. لاذت شمس بصدري:
- قتلوا الطيور.
- لا بأس يا شمس, طبيعة الأشياء أن يفقد السرب بعض الضحايا.
على الربوة قبل النكسة نصب الهجانة حراس الشواطئ الخيام، يعتلون الهجن العالية، تبدأ رحلتهم بعد غياب الشمس حتى مطلع الفجر يتسامرون حول النار، يطلقون مواويل الغربة والبعاد عن الأحبة والنساء العاشقات المنتظرات.. ذهب الهجانة ذرتهم ريح النكسة بعيداً.. زرع اليهود في ذات المكان حاجزاً ونقطة تفتيش وعربات وجنود، زرعوا حقل الماء زوارق ترشق الموت.. رحل اليهود. تركوا آثار الحواجز والمواصد والدشم، وحكايات مريرة عن ليالي الاحتلال.. شمس تسألني عن تل انقاض قريب:
- هذا مقر قيادة البحرية، قصفته طائرات إف16 في لحظة جنون، في عرفهم أن لا شواطئ ولا مياه للعرب.
قالت شمس وقد عبأت صدرها من نسيم البحر:
- هيا الى تل الزنابق..
أخذت تعدو نحو أرض لا تبعد كثيراً، وصلت عند أنقاض بيت أمها الذي هدمته جرافات الاحتلال، خرجت من بين الأنقاض دالية أورقت تحمل عناقيد من حصرم في غير الميعاد، ذكرتني بحديث أبي عن الأشجار عندما تحلم تثمر في المواعيد ثماراً لا تنضج لاختلاف قوانين المواسم..عنب مازال حصرم في ذروة الصيف..أخذتني الدهشة قلت أنظري، كان عنقود صغير يسكن فم زنبقة تفتحت في الفجر مثل بسمة على ثغر صبية.. استحضرت شمس أمها تتعرى في باحة الدار تحت ضوء القمر يأخذها الهيام، فيأخذها أبوها في عباءته يمضي بها إلى البحر يطفئ فيها الاشتعال.. فيما شمس تقف عند الشاطئ يسري تحت قدميها دبيب المويجات الراجعة.. يأخذها رجل وامرأة يزعنفان في الماء ورجع مواويل السودانية فوق جمالهم يأتي من بعيد.. حدثت نفسي هل عاد الزمان بشمس الى المكان الذي كان، وغدا أشلاء حكايات مازالت ترقد في المكان..
وأنا وشمس على الشاطئ حافيان، نتزود بالحكايات، والليل عباءة سوداء تخبئ سر الموجودات.. قالت:
- أين وصلنا؟
- إننا الآن عند أقدام مخيم الشاطئ..

***
"انسحبت شاشة التلفاز، تاركة مساحتها للعتمة، يسقط جهاز التحكم من يدها على حافة الأريكة يعلو الهمس على الصمت.. ابن أخيها يسألها:
- إنصتي..هل تسمعين يا عمتي..انها الزنانة.
واجلة نظراتها، تعيد حواسها، تحاول ادراك الحالة طنين يقترب ويبتعد، تسأل مصحوبة بالدهشة:
- ما هي الزنانة يا حبيبي.
الطفل يسند رأسه على ظهر السرير، تلمع عيناه على أطراف ضوء خاطف، يطلق تنهيدة غلّ، يلف ساعديه على صدره.
- هي تصورنا الآن، تطير دون طيار. ترسم خارطة المدينة.
صوت الزنانة يعلو، هل يتصورها الصغير مثل طيارة الورق يشد خيطها، أم أن الحكايات تشابكت خيوطها..
رنين الهاتف يذوب في صوت الأزيز نطقا معاً:
- الزنانة تقترب.
صوت الهواء تشوش مات. دب الانفجار رج جدران الدار.. يا ترى أين وقع الانفجار..

***

الشمس مشرقة في الضحى، والبحر بساط من وداعة، والبخار على مرمى البصر يغلف قارب يتهادى، وأنا وشمس نقطع الأسفلت على طريق المزرعة.. شمس تشير إلى القارب:
- في القارب امرأة ثوبها أبيض، تغترف الوجد من إبط بحار خبير..
أضحك من خيالات امرأة:
- ما ترين ربما هي صديقتنا مع ربانها القبطان..آه من خيالات النساء.
انحرفنا شرقاً إلى المزرعة، كانت البوابة موصدة والناطور بعيد، تسللنا من بين الأسلاك.. أخذتنا قناة الماء الى حضن زيتونتنا العجوز..كان حصان الجار يتمطى في الطين، قد تقرح جلده لكثرة ما جر العربة، ولكثرة ما أوسعه صاحبه من سياط ومطارق.. رقد المسكين يتفيأ ظل الشجرة وقد جفت في مآقيه الدموع، خيل لي أن الزيتونة ترحب:
- أهلاً بشمس يا بنت الأصول.
أخذتُ شمس إلى صدري، وجلسنا على فرع ارتكز على الأرض، خبأتنا الشجرة. سألت شمس:
- قطعة الصابون من زيت الشجرة..؟
- هي أم الخير تعطينا كل موسم زيت وزيتون وصابون، وبعض حطب..
دارت شمس حول الشجرة، حدقت في عين الحصان، نهض على قوائمه.. ربما خجل من التمطي في حضرة امرأة.. أخذت رقبته إلى إبطها وشوشته:
- كم أنت حزين..
حدثتها بما حدثني الناطور عن الجار الغليظ، كيف يربطه طول النهار بالعربة، ويجر ما ثقل من الأحمال.. همست شمس في أذن الحصان:
- هون عليك لا يعرف الأصيل سوى الأصيل..
شب الحصان على قائمتيه، كابر على جراحه، أرسل صهيلاً مازال يحيرني هل كان نواحاً أم تهاليل فرح..؟
عند السياج حيث السروات مشرعة نحو السماء، يرقد عند أقدامها الصبار وتينة تأوي الأرانب البرية، ومراقد بيض الشنار.. عند التينة وقفنا وأكلنا ثماراً عسلية قالت:
- أحلى ما ذقت من تين.
- هذه التينة زرعها أبي أوهبها سبيلاً للعابرين.
على رأس أطول السروات، وقف نسر صفق بجناحيه، يعلن عن وجوده، طار وهبط عند حوض في المزرعة.. هرولت شمس الى حيث هبط، كانت أزاهير الشوك الليلكية تودع ما تبقى عليها من قطرات ندى.. تفوح رائحتها في المكان.. لملتُ من الأرض باقة قدمتها لها، شمس أخذتها على صدرها:
- باقة ورد ليلكية.. آه ما أجملها من هدية.
هرول الناطور إلينا.. في ضيافته شربنا الشاي أنضجه على نار الحطب قال:
- يا سيدتي قدومك بشرى خير.
وأشار الى النسر الذي عاد الى قمة السروة يمسح الفضاء.
- عندما يسكن هذا الطائر قمة السرو لا يأتي المزرعة بوم ولا يسكنها غراب..
***
"كان الأمس له ولها، يحملها غصن الزيتونة والحكاية والطيور والوجع، وحصان يتفيأ في ظل شجرة جفت مياه مراعيه، وغابت عنه أعواد الدريس؟؟ رق قلبها له، ودت لو تمسد شعر رقبته، تسدل عينيه الحزينتين تمسح خديها بوجهه، تعطيه الحياة بدون غيمة تحجب عنه ضوء الشمس، وهي التي تختزن الدمع في بحر عينيها..هل تمضي عنه..الجفاف يبس أوصالها.
-لرجل يراقبها يهمس:
- حمل زيتونتنا يغيب عن أغصانه سنة بعد سنة.
مضيا يلتمسان الفروع وأحمالها، يتحسسان ثمار الزيتونه مرسومة ملامحها على القطوف..هو يخاف الوصول بها على قلب الشجرة. كيف تنحني للأرض، تغور فيها، تنجذر في أعماقها..هو الحضور في مقام الزيتونة..
من أي زمن يبدأ عمر زيتونة الكرم العتيقة؟!
- اجلسي يا شمس.
خافت من ثقلها على الفرع الذي انغرس في الأرض تسمع خفقات قلبه..الشجرة تناديها، تعالي فلي مع الحكاية حكاية. تجلس إلى جانبه، شاردة منه..عصفوران على سهوم..تدور بعينيها على حصير مفرود على الأرض، تود لو تفترشه، تجوس في التراب، تفركه بين أصابعها..تعقد راحتها تحت رأسها وسادة، تطلق تنهيدة صدرها مع الريح.
***

عريشة في منتجع يطل على البحر، ونحن في ضيافة جمعية الأسرى التي تقوم على إدارة المنتجع. الوقت ما قبل الغروب.. تأخذنا حالة توديع النهار، الشمس قرص من برتقال تجلس على فراش الماء في طرف الأفق، تفرد ضفيرتها الشقراء، تعكس جلد الماء مرايا لامعة:
همست شمس:
- أنظر كيف تموت الشمس في نهاية كل يوم..
- إنما هي تغلق أبوابها تفرد ستائرها على الشبابيك قبل الذهاب الى النوم، الشمس عروس كل مساء.
- هل هو التهويم أم تفسير الغياب.
وضع النادل بيننا كوبين من شراب لم نطلبه.. قال:
- أهلاً وسهلاً. هي تحية من الرجل الجالس هناك.
أومأ الرجل مبتسماً.. طرت اليه..عدت به إلى شمس.
- هل سمعت عن مانديلا فلسطين..إنه هذا الرجل.
حدقت شمس في الرجل..آدمي، كبشة من لحم وعظم..قلت:
- إذن حدثنا عن نفحة يا سيدي العميد..
ضحك الرجل قال:
- نفحة لا تأتي في معية إمرأة جميلة، ونسيم البحر في حضن المساء..
اندفعت شمس، تحبس ما صار لهاث:
- إنني أسأل عن سجين. هل تعرف يوسف صابر المنسي.
زمّ الرجل عينيه على ألم بعيد، صوته أصبح حشرجة قال:
- يوسف المنسي مات على صدري.. دخل الإضراب عن الطعام، رغم قرحة مزمنة نهشت معدته.. صام معنا عشرة أيام، فمه صار صنبور دم انفجرت معدته.. يوسف يا سيدتي صائم أفطرعلى شلال دم.
حدق مانديلا في شمس طويلاً، قبل رأسها عند مفرق شعرها.. سقطت من عينيه دمعة مختزنة.
- هي أنت..إني يا سيدتي أعتذر
شمس تأخذها الدهشة يأخذها عذاب الرجل قلت:
- ماذا تقصد يا صديق؟
- يوسف رحل مثل طيف، لم يترك خلفه غير ملابس السجن وصورة جاءه بها يوماً الصليب الأحمر.. صورة لفتاتين على أعتاب الصبا..كتب على ظهرها هذه صورة دعد وشمس انسحب الرجل..وتركنا صامتين تحت عريشة تطل على البحر

***
"من رأى شمس على مقامات البوح، تفترش كلمات الغريب تحاذي الوجع فيها..كيف تحمل خدها على كفها. كفها تحمل ثقل رأسها.. الكلمات من حولها تتناثر. تبحث عن ما ضاع منها.. كيف أتت شمس إلى هنا..هل جاءت محمولة على قرص الشمس مع شروق جديد لعلها تجد للحكاية بقية؟ هل أينعت زهراتها وتفتحت؟ هل ترقد في يدها عصفورة تطلقها تقتفي أثر الشمس؟
دوماً هي على سفر ورحيل تجفف دمع الفراق، ليس لها من شيء في هذا الكون.. تنسلخ، تنتحي عن الموجودات لا ترى نفسها إلا معه.
القهوة فقدت مذاقها. جفت في قاع فنجانيهما. دخان لفافته، لا تنسحب على أنفاسها. ولا عادت أعواد ثقابه تنير وجهها. تطلق لهبها تجفف دموع فراق لم تغادر مقلتيها..
المنفضة طافحة بالأعقاب، وقد تسرب فيها الموت بطيئا،ً كيف اغتال الأعواد اشتعال خاطف..جعله الى تفحم إلى رماد.
شمس تسأله عن بحة صوتها.. ما جرى لها..يخاف أن تدميها الإجابات..تخرج العين من بطن الخد تذرف نزفاً من سواد، فيما عين الشمس تذرف اللؤلؤ، هدية تفترش صدر البحر.. تلقي بالزغاريد لمن يلوحون لها..والرجل غريب يحملها والشمس على الحكايات والأساطير القديمة. شمس بلورة القلب وشوق الانتظار، وجناح في بياض الثلج.. صوتها تغريدة بلا نزف عائدة صوب الشمال مع الحكاية.
شمس العذاب يسكنها.. سر حاله.
****

شمس تأتي فجأة.. تذهب فجأة..
تزفر من عينيها الألم، لحمها يرتج ينبض في وجهها مثل قتيل في النفس الأخير، قالت إن الزيارة مهما طالت تصبح مثل طيف، تصبح ذكرى تقبع عند محطة في دفتر الأيام.. أخبرتني أن ابنتها شوق الصبية تطلبها.. شمس تتنهد:
- شوق يعذبها الاغتراب عن أخويها.
- كيف يا شمس يغترب الواحد عن أخيه..
- هم مثل أبوهم يأخذون الوقت متعة، ينهلون الصيف والمدينة هناك في الموسم بضاعتها الحياة.. والصبية مرجومة مثلي تبحث عن الأشواق.
صمتت شمس أوجعها الكلام.. وأوجعني الولوج إلى بوابة تدمي روحها..
صعدت شمس على الصمت، ضحكت وكنا نجلس نواجه البحر ومراكب الصيادين فالليلة ليلتنا الأخيرة.. في الليلة القادمة لا نملك الرجعة إلى هذا المكان لا شاي، لا قهوة.. كل ما نملك أن نتذكر ما كان بيننا من أحاديث وحكايات.. ستعود إلى هناك كما قالت، تعيش غريبة لا يضيء حياتها غير طفلتها التي في غفلة عنها صارت صبية التحقت بالجامعة.. قالت:
- يعرض الصيادون في الغد ما اصطادوه في السوق، وأنا صيدي في حقيبتي بعض حكايات وجراحات طازجة.
- لِمَ كل هذا العذاب.. عودي إلى هنا..
- أولادي هناك.
- لِمَ لا يعودون معك..
- سيكونوا غرباء..لم يسكنهم همي، أبوهم غرَّبهم عني.. ربما كان على حق..
- معظم الناس هناك تؤرقهم حالتنا.
- أنت قلت معظم الناس، وبعض الناس يستمتعون ويستثمرون على ضفاف العذاب.
- إنما الأصل هو الالتزام.
- وأنا ما يقتلني على امتداد الرحلة الالتزام.
قربت وجهها من وجهي، حدقت فيّ طويلاً.. بقت الحصوة التي مضغتها طويلاً دون جدوى:
- أنت أدركت الحقيقة، إنني أسكن معه تحت سقف واحد غريبة مع غريب.
رحت أرقب وجهها والبحر يردد صدى موال صياد أخذته حورية البحر إلى فضاءات الحلم، ربما ضربته بزعنفة صدرها، لحق بها في الماء يطلب شهوات التواصل، لكنه صدري يعذبه رجع العذاب في وجه إمرأة تأتي غريبة..وغداً قبل طلوع الشمس تغادر الطرقات وحيدة وغريبة..
فإلى أي المحطات تأخذكِ الطرقات وعلى أي فراش تريحين جسدكِ, وعلى أي الوسائد تفيض دموعكِ.. أي سر مازال فيكِ.. وأنت مازلت إمرأة طاقتها البهاء..عودي يا شمس إلى دفاترك، لا تكسري الأقلام, بوحي ليس لنا غير الهواء نشهقه الليلة ما استطعنا، نجدله في الغد حبلاً يحمل صوتينا عبر الهواتف.
نهضت..قبلتُ عينيها.. قرأتني:
- أمي تنتظرني وحقيبتي.
كدت أسألها عن دعد.. شئ لوي قلبي.
أحجمت عن السؤال..
***
"شمس تعلن عن رحيلها
تدق قدميها العتبات مودعه.. تتقاذفها نوبات الشهيق والزفير نذير انفجار.. تتلهف على المغيب..تلفظها خيوط الأزمنة المتسربلة، الصمت يحتض حضورها معه، والغياب ينطق بمقامات الرحيل:
- الليلة أحزم حقيبتي.
السواد يزحف على وجهه. خلته يزعق يقاتل عدواً تارة، يهمس تارة أخرى. يقول: لّمتنيَ خيوطكِ عند حافة المغيب.. أين أوراقكِ التي تعبرين بها الحواجز أمزقها، الغي تواريخها.. أمسح عنها ختم الخروج..
يكبر الصمت، تتكسر أضواء أعمدة النور على زجاج سيارته، وقد افترشه الغبش.. يمضي بها إلى ربوة تركب البحر حفظت رمالها أقدامهما..
السكون شجي يوجع الروح، تنبسط الأرض لهما، تنشر عيونهما نحو السماء..وليل حزيران غيوم تزاحمت. انزاحت عن نجمة تتلألأ.. تشير..
- النجمة تلاحقنا والنوة قادمة..
سكنتها البرودة، أوقفتها عن الكلام.. ساعده يلفها يضمها إلى صدره، تسمع دقات قلبه، يرقد أوصالها حرارة دفء.. تفيض بالحنين.. قال:
- القمر مازال هلالاً، يلاحق نجمته.. هل تسكن النجمة حضن القمر.
هجعت على صدره، همست:
- وتضيئ عتمته.. يكتمل بدراً.
غاب القمر تلك الليلة عن دارها. لم يبق لها غير حسرة الرحيل..القمر لا يودعها.. لا يرسم لحظات رحيلها..

***

في غبش العتمة قبل الفجر، تمضي بها العربة..الشبابيك مشرعة على بحر غزة.. مدت يدها تفيض على الهواء أجهشت، تناثرت دمعاتها مع عتمة الفراق، فيما السائق مشغول يتحدث عن حاجز "أبو هولي" وكيف يأخذ رأس الدور، ليضمن الوصول الى المعبر في رفح.

***
"غرفة مشعة يدخل فيها كل المسافرين المغادرين..
رجل مضبب يراقب تحركاتهم عن بعد.. يتابع بالاشارات، يصدر أوامر واجبة التنفيذ..
ارفعي يديك.. دوري حول نفسك.. أعيدي حركة الالتفاف.. باعدي ما بين ساقيك.. الأزيز يتخبط فيها..
تقذفها جدران الغرفة المعدنية الباردة، كم امتص جسدها من الاشعاع الأسود.
صوت الرجل المضبب ينفث:
- تفضلي يا سيدتي."





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,864,904
- رواية ضفاف البوح - 2 -
- رواية ضفاف البوح - 1 -
- سبع قصص قصيرة جدا
- صور تشغل العقل قبل العين
- الشربيني المهندس يدرج الصور
- مكان السيرة وسيرة المكان
- رسائل الزاجل الأسير إلى زكي العيلة
- سمندل فؤاد الحلو
- رسائل الزاجل الأسير إلى سهيلة بورزق
- هواجس ما بعد الليلة الأخيرة
- مساحات على لوح اسود
- العري عند الحقائق الأولى
- المخيم والعزف على وجع قديم
- الواقعي والمتخيل في قصص القاص الفلسطيني عمر حمش
- البحث عن أزمنة بيضاء - 11 -
- البحث عن أزمنة بيضاء -10 -
- البحث عن أزمنة بيضاء - 9 -
- البحث عن أزمنة بيضاء - 8 -
- البحث عن أزمنة لبضاء -7 -
- البحث عن أزمنة بيضاء - 6 -


المزيد.....




- بعد التهجم على الفنان راغب علامة... حملات تضامن واسعة داعمة ...
- لورانس أبو حمدان فنان يستخلص من صرخات المعذبين عمارة سجونهم ...
- -الجمعية العراقية- و-الأدباء- يحتفيان بالروائي عبد الكريم ال ...
- فيلم رسوم متحركة قصير يجذب انتباه السعوديين (فيديو)
- عاجل.. ماكرون: احتجاجات باريس وضعت فرنسا في أزمة
- العثماني يتباحث بمراكش مع رئيس الحكومة الإسباني
- أبو الهول يتقاعد.. فيلم إباحي أمام الحارس الصامت
- الموت يغيب فنانا كوميديا مصريا شهيرا
- ذبول النرجسة
- كلمة لابد منها: حامي ليس فوق القانون أيها السادة !!!


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غريب عسقلاني - ضفاف اليوح - 3 -