أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - معتز حيسو - التحولات الاقتصادية والطبقية في سوريا






















المزيد.....

التحولات الاقتصادية والطبقية في سوريا



معتز حيسو
الحوار المتمدن-العدد: 2237 - 2008 / 3 / 31 - 11:32
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


أولاً : لمحة تاريخية .
ثانياً : الواقع الاقتصادي الراهن .
ثالثاً : التحولات الاقتصادية وأثرها على البنى الاجتماعية .
رابعاً : انعكاس التحولات الاقتصادية على الممارسة السياسية .
خامساً : دور سلطة الدولة في ظل الميول الاقتصادية الجديدة .
سادساً : تجليات الاقتصاد الرأسمالي المعولم في التحولات الاقتصادية السورية .

============================================
أولاً : لمحة تاريخية :
إذا عدنا في التطور التاريخي للاقتصاد السوري إلى بدايات ثورة آذار من عام / 1963 م / فإننا نلاحظ بأن سياسة التأميم التي تم تطبيقها على المعامل الخاصة ، والتي ترافقت مع تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ، تدلل على شكل الاقتصاد الذي كان سائداً في سوريا قبل الثورة ، والذي يمكن تحديده على مستويين : أولاً : شكل زراعي تحكّم في سيرورته وتجلياته شكل إقطاعي قديم ومتخلف ، يعود بجذوره التاريخية إلى أشكال الاستبداد الشرقي ( الأسيوي ) ذو السمة الاستبدادية المتخلفة ، والذي يعتمد في كثير من الأحيان أشكال الحيازة الفردية . وقد ساهم هذا الشكل من الإقطاع في تأسيس وتدعيم نظم سياسية شرقية استبدادية ، في سياق من العلاقات الاجتماعية القائمة على العبودية والتبعية المدعومة بسلطة دينية بطريركية تعكس وتكرس المفاهيم الدينية المطلقة ، على مجمل تفاصيل المستويات الاجتماعية .
ثانياً : الاقتصاد الصناعي الإنتاجي والتجاري الخاص الذي كان يمثل أشكالاً أولية لبداية تشكّل علاقات إنتاج برجوازية تتجلى من خلال أعيان المدن وملاك الأراضي وأصحاب الاقطاعات المدعّمين بالوجاهة العائلية ، العشائرية .... ممثلةً بالتعايش بين شكلين أساسيين من العلاقات الاقتصادية ( الإقطاعية المشرقية ، البرجوازية الناشئة) بمعنى أن التطور البرجوازي لم يقم على أرضية القطع المعرفي والسياسي والاقتصادي مع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الموروثة .
إن سياسة التأميم التي قامت بها ثورة آذار ، مثلت في مستواها الاقتصادي الظاهري تعبيراً سياسياً للتحول إلى النظام الاشتراكي . لكنها موضوعياّ قضت على الأشكال الجنينية للتطور الاقتصادي البرجوازي الليبرالي بمستويات نسبية في سياق تحولها لإقامة وتكريس سلطة رأسمالية الدولة على المستويين الاقتصادي والسياسي تحت شعار التحويل الاشتراكي ، في لحظة افتقد فيها الاقتصاد السوري لأدنى مقومات العلاقات الاقتصادية الرأسمالية الصناعية التي تعتبر المدخل لإقامة العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الاشتراكية ، بكونها النظام البديل الذي ينشأ على أنقاض النظام الرأسمالي ( المتطور ) نتيجة جملة من التناقضات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العالمية والمحلية ، ويأتي في مقدمتها تفاقم التناقض بين شكل الاقتصاد الاجتماعي،وشكل الملكية الفردية / الخاصة / .
إن سياق التطور الاقتصادي القائم على (القطع ) الإرادوي مع العلاقات الاقتصادية البرجوازية الجنينية ، والذي كان يمثل تجلياً لانعكاس آثار التجربة السوفيتية ، والامتداد الأفقي للتجربة الاشتراكية المحققة على المستوى الدولي ،كان بمثابة قسر للسياق الموضوعي للتطور الاقتصادي والاجتماعي التاريخي ، وهذا لا يعني بالمطلق الركون عقائدياً بالشكل الجامد إلى التقسيم الكلاسيكي الذي تم اعتماده من قبل الأحزاب الشيوعية الرسمية لمراحل التطور التاريخي ، بقدر ما هو للدلالة على التفكير الإرادوي لفئات سياسية حملت مشروعاً سياسياً ذو أبعاد اجتماعية استلمت السلطة في لحظة تاريخية مفصلية على المستوى الدولي ، وهذا لا يعني إغفال الجوانب الإيجابية التي حققتها رأسمالية الدولة في بداية تسلمها السلطة السياسية ،والتي استمرت حتى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين شكلت على أساسها حاضناً اجتماعياً ، ورافعة اجتماعية أمّنت من خلالها استمرار تجدد سيطرتها الطبقية جراء سيطرتها الاقتصادية على القطاعات الأساسية والمفصلية ( القطاعات الصناعية ، الصناعات الاستخراجية ، القطاعات الخدمية .... ) ساهمت من خلالها بتحويل النقابات المطلبيه المنفصلة عن سلطة الدولة ، إلى نقابات سياسية تعبر موضوعياً عن سياسة الدولة الاقتصادية والسياسية ، وكان هذا التحول في آليات العمل النقابي تعبيراً عن التزام سلطة الدولة بمصالح المزارعين والفئات العمالية بمختلف تجلياتها ومستوياتها،التي يتشارك معها في تنظيم و إدارة وتسيير شؤونها الاتحاد العام لنقابات العمال واتحاد الفلاحين … .
وكانت مؤسسة الدولة إضافة إلى كونها تمثل العمال والفلاحين ، كانت تقود المشاريع التنموية على أساس الخطط الخمسية ،التي تُحدّد من خلالها آليات التطور الاقتصادي والاجتماعي عموماً ، من خلال مشاركة أسمية وشكلية (لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ) التي هيمن عليها حزب البعث العربي الاشتراكي بكونه قائداً للدولة والمجتمع.
وقد نشأ في سياق هذه السيرورة التنموية فئات اقتصادية استفادت من مناصبها الإدارية و السياسية والعسكرية .. لتجميع أموال وثروات طائلة عبر أساليب وطرق مختلفة ، لتساهم لاحقاً في تغيير آليات التطور الاقتصادي العام ، من خلال تحديدها شكلاً جديداً لآليات الأداء الاقتصادي والسياسي الذي سينعكس موضوعياً على البنية الاجتماعية عموماً .
وقد استمرت السلطة السياسية المسيطرة في التعبير الفعلي عن المصالح الاجتماعية ، حتى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين ، لكن ومع بدايات تشكل الأزمة الاقتصادية التي ترافقت مع حصار اقتصادي عام على سوريا ، بدأت بعض ملامح آليات العمل الاقتصادي الميكروي والماكروي تتغير وتتبدل من خلال توسيع هامش مشاركة القطاع الخاص ، والانسحاب التدريجي لمؤسسات الدولة من دورها الاجتماعي ، و كان إصدار القانون الاستثماري رقم ( 10 ) في أوائل التسعينيات من القرن الماضي بداية التحول الذي أسس إلى تراجع الدولة عن تمثيل مصالح الفئات الشعبية ، لتتحول سلطة الدولة في المرحلة التي نشهد تجلياتها وانعكاساتها المادية الملموسة إلى نقيض لمصالح هذه الفئات. ومع بداية الألفية الثالثة تعززت الميول الليبرالية على المستوى الاقتصادي حصراً في أشكال ومستويات تحكمها المصالح الفردية والخاصة المتناقضة في أشكال ميولها الاقتصادية مع مصالح أوسع الفئات الاجتماعية .
وكان من تجليات الميول الاقتصادية الجديدة : التحول الاقتصادي إلى سياسة السوق الحرة ــ تحرير الأسعار ــ التحرير النقدي ــ إطلاق حرية المشاركة في النمو الاقتصادي للقطاع الخاص ــ تراجع دور الدولة الخدمي والتنموي ــ تنامي وتعمق ظواهر التضخم ــ إطلاق حرية تأسيس المصارف الخاصة ــ ارتفاع معدلات الفقر والبطالة ــ تنامي ظواهر الفساد على كافة المستويات ــ غياب وتغييب النقابات عن أداء دورها في التعبير عن المصالح الفعلية للفئات الاجتماعية التي تعاني من تناقضات التحول الاقتصادي بأشكاله ومستوياته الجديدة ، ويرتبط تهميش دور العمل النقابي في التعبير عن مصالح الفئات الشعبية الفقيرة والمهمشة مع غياب فاعلية الأحزاب الجبهويه ، و استمرار الضغط والتضييق على القوى السياسية المعارضة ، والجمعيات والمنظمات الحقوقية والمدنية لتنعكس آثار استمرار هذه الضغوط سلبياً على أدائها في المستوى السياسي والاجتماعي ــ غياب الدور الرقابي لمؤسسات الدولة المختصة على حركة السوق وتجلياته اليومية ، وأسس هذا الغياب إضافة لأسباب أخرى إلى تجاوزات خطيرة أدت إلى تزايد في حدة انتهاك مصالح فئات اجتماعية واسعة ــ تحول شكل الاقتصاد إلى أشكال خدمية وتجارية وصناعة سلعية بسيطة بعيداً عن السمة الإنتاجية التي تميز الاقتصاد الرأسمالي ــ توسع وتعمق ظاهرة التبادل التجاري ــ انفتاح السوق المحلي على الأسواق العالمية ــ تزايد توظيف الأموال في التجارة العقارية ــ توظيف الأموال في القطاعات ذات دوران النقدي السريع والتي تحقق معدلات ربح مرتفعة ــ تنامي ظواهر الاستهلاك الترفي والمظهري ــ فساد وإفساد القطاع العام لإنهاء دوره الاجتماعي والتنموي والذي كان يمكن أن يمثل دوراً ريادياً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في ظل اقتصاد رأسمالية الدولة الموجه .
ومن الواضح بأن من نتائج تحكم بعض رجال المال والسياسة في تحديد سياق نمو الاقتصاد السوري إضافة إلى ما ذكرناه : تلاشي الطبقة الوسطى و دورها التنموي في المجتمع السوري ، نتيجةً لتزايد حدة التفاوت الاجتماعي الذي قسم المجتمع السوري إلى : فئة الأثرياء الجدد التي تمتلك الثروة المادية وتعمل على فرض سيطرتها على مؤسسات الدولة ، من أجل زيادة التمركز النقدي وتحديد الميول السياسية والاقتصادية العامة . ــ الفئات الاجتماعية الفقيرة والمسحوقة التي يرتفع عددها يومياً .
===============================================
ثانياً : الواقع الاقتصادي الراهن .
===============================================
بات من الواضح بأن الاقتصاد السوري يشهد تحولات واضحة وعميقة في آليات عمله ، ومن الواضح أيضاً بأن هذه التحولات تعبّر بوضوح عن مصالح بعض من أثروا مستفيدين من مناصبهم السياسة في المراحل السابقة .
إن ما يمكن تحديده في سياق التحولات الطارئة على سيرورة التطور الاقتصادي ، هو التحول إلى اقتصاد السوق الحر المتناقض بشكل فعلي مع مصالح فئات وشرائح اجتماعية واسعة .
والتحول الجديد في شكل الاقتصاد السوري يتكرس على أنقاض الاقتصاد الموجه ، والمحدد برأسمالية الدولة التي كانت تَََََََعِدُ بمشاريع تنموية عامة وشاملة .
لكن جراء فشل وانهيار أشكال رأسمالية الدولة الاقتصادية في معظم البلدان ذات المشاريع الاشتراكية المحققة عن إنجاز مشروعها التنموي المستقل عن سياق التطور الرأسمالي العالمي ، و ارتكاسها لاحقاً إلى تعميق علاقات الإنتاج الرأسمالي وتبنيها العمل بنظام اقتصاد السوق الحر ، يوضح كما يبدو بأن السياق الموضوعي للتطور الاقتصادي العالمي لا يمكن القفز عنه أو حرق مراحله إرادوياً .
ويبدو أيضا بأن المجتمعات الطرفية تعيد إنتاج تخلفها وتبعيتها وهامشيتها في ظل نخب سياسية واقتصادية مسيطرة تعمل على تكريس وزياد حدة التبعية للبلدان الرأسمالية المركزية في سياق من النمط الرأسمالي المتفاوت التطور والمشوه.
إن ما يمكن أن يميز التحولات أو التغيرات الطارئة على الاقتصاد السوري على مدار أكثر من عقدين من الزمن ، والتي تتكشف تجلياتها في المرحلة الراهنة عبر تنوع وتعدد الأزمات الاقتصادية المرشحة للتفاقم في السنوات القليلة المقبلة ، هو اعتماد الميل الاقتصادي الليبرالي الذي يفتقد إلى مستواه السياسي ، والمعبّر عنه من خلال سلطة شمولية تعمل على إحكام سيطرتها على البنى الاجتماعية ومنعها من إيجاد أشكال مدنية وسياسية مستقلة تعبّر فيها ومن خلالها عن ذاتها وعن مصالحها.
إن الليبرالية بأشكالها وميولها ومستوياتها الراهنة تعبّر عن مصالح فئات سياسية واقتصادية محددة تتناقض بشكل واضح مع مصالح أوسع الفئات الاجتماعية في سوريا ، وليس هذا وحسب ، بل تتناقض مصالح هذه الفئات مع استمرار دور الدولة في توجيه التطور الاقتصادي ، لكن وكما بات واضحاً بأن هذه الفئات وتلبية لمصالحها ، تريد الإبقاء على دور سلطة الدولة محصوراً في تأمين مصالحها ، وحماية استمرارها ((تحويل سلطة الدولة إلى شرطي لحمايتها )) .
إن أصحاب الرساميل والمستثمرين الذين يمثلون ويعبِّّرون عن الميول الليبرالية الراهنة ، يتحاشون توظيف أموالهم في استثمارات تنموية صناعية أو زراعية طويلة الأجل ،وهذا يحمل دلالة واضحة بأن الدولة ما زالت تحمل مسؤولية تطوير وبناء البنية التحتية و المشاريع التنموي التي تحتاج إلى توظيف رساميل ضخمة ، بينما يميل المستثمرين إلى : المضاربة في أسواق المال ، توظيف أموالهم في التبادل التجاري و الاستثمارات ذات الربح السريع ، مع بقاء إمكانية تهريب أموالهم للخارج ، استنزاف البنك المركزي أحياناً بقروض صناعية اسمية ، استغلال أموال الدولة العامة في مشاريعها الخاصة ، الاستثمار في الصناعات الخفيفة والصناعات التجميعية والتحويلية وصناعات اللمسة الأخيرة ذات الدوران السريع لرأس المال والتي تحقق معدلات ربح مرتفعة ،وبنفس الوقت لا تحتاج إلى رأس مال ثابت كبير وعمالة زائدة . أي أن المستثمرين لا يساهمون في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بقدر ما يساهمون في زيادة حدة التناقضات الاجتماعية .
إن تزايد حدة الميول الليبرالية و التخلي عن الدور الاجتماعي للقطاع العام ( الذي تم ويتم إفساده ) ، يستوجب التأكيد على أهمية دور الدولة الاجتماعي والتنموي في تحديد سياق التطور الاقتصادي وآليات مشاركة القطاع الخاص من خلال تحديد مجالات توظيف الرساميل ومدة الاستثمار ونسبة مشاركة الدولة والجدوى الاجتماعية من هذه المشاريع ...... وكما نعلم بأن الدول الرأسمالية الكبرى مازالت تسيطر على المشاريع الاقتصادية الأساسية ، ولم تتخلى عن دورها الاجتماعي بذريعة اقتصاد السوق ، أي أنها ما زالت تحافظ على آليات ضبط التطور الاقتصادي العام . ولم تتخلى عن دعم بعض القطاعات الأساسية في الدولة سواء الزراعية منها أو الصناعية وتحديداً التعليم والضمان الصحي ، محافظة بذلك على ضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي نسبياً .
إن ما أوردناه بالنسبة للدول الرأسمالية المركزية يتناقض مع الواقع الاقتصادي المحلي الراهن وآفاق تطوره المستقبلي . ويتجلى هذا التناقض بكون الفئات المتحكمة بسياق النمو الاقتصادي تميل إلى مضاعفة رساميلها من خلال النهب المباشر وغير المباشر ، أكثر من عملها على تحقيق الربح من خلال تطوير العملية الإنتاجية ،( مع العلم بأن العملية الإنتاجية بحد ذاتها تعتمد مبدأ استغلال القوى العاملة الحية بأشكال مختلفة ومستويات نسبية ) .
ويمكن أن يتجلى هذا من خلال استنزاف موارد الدولة العامة من قبل بعض المتنفذين ،وتوظيفها في المضاربة والتجارة وبعض الصناعات القذرة و المشبوهة ... في ظل مناخ عام سمته الفساد وتغييب سلطة القانون ، و ينعكس هذا موضوعياً على آليات اشتغال المستثمرين التي تتصف بالتهرب الضريبي الذي تجاوز الـ 200 مليار ليرة سورية وفق التقديرات الرسمية ، مما يستدعي من الجهات المختصة العمل على إعداد نظام ضريبي يحقق استقرار الاستثمارات الوطنية والأجنبية ، وبنفس الوقت لا يحرم ميزانية الدولة من العوائد الضريبية التي يجب أن يتحمل الجزء الأكبر منها القطاع الخاص بكونه ووفقاً للتقديرات الرسمية يشارك في العملية الاقتصادية بنسبة : 65 % في الصناعة عدا الصناعة الاستخراجية، و 75% في النشاط التجاري ، و70% من الناتج الإجمالي . أي أن معدلات التحصيل الضريبي يجب أن تكون معبِّّرة عن حجم المشاركة الإنتاجية بينما نرى بأن معدل الضريبة الاسمية على الاستثمارات الخاصة يتراوح بين 20 % ــ 28% . في وقت تعتمد فيه ميزانية الدولة بشكل أساسي بنسبة تقارب الـ : 52 % من كتلتها النقدية على الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي يتم تحصيلها من أصحاب الدخل المحدود و الفئات الاجتماعية الأخرى .
ويجب التأكيد بأن ما يشهده الاقتصاد السوري من تدهور عام ، يعود إلى انفتاحه على الخارج بشكل أساسي ، وإلى تخلف وتخلع قطاعاته الإنتاجية التابعة للخارج ، وإلى انعدام تراكم رأس المال في القطاع الإنتاجي ، وعدم اكتمال دورة العملية الإنتاجية التي تقوم على أساس التبادل والتكامل بين القطاعات الإنتاجية ، مما يؤدي إلى غياب تحول الإنتاج الأولي ( السلعي ) إلى إنتاج صناعي موسع ، مما ساهم في فشل المشاريع التنموية ، وتعمق التخلف الاقتصادي ، وتمركز الثروات الوطنية بأيدي فئات محددة ، مما أدى إلى زيادة حدة التفاوت والتناقض الاجتماعي ،ليصل من هم دون خط الفقر إلى 30% ومعدل الاستقطاب الاجتماعي إلى أكثر من 80% .
إضافة إلى ذلك فإن الاقتصاد السوري يعاني من زيادة معدلات التضخم التي يقدرها بعض الخبراء الاقتصاديين بأنها تتراوح بين : 12,8% و 15% متجلياً في ارتفاع الأسعار المتواصل، و انخفاض القدرة الشرائية للعملة الوطنية ، بينما تؤكد الجهات الرسمية بأن معدل التضخم تراجع إلى 6,8% .
بالمقابل وبالمقارنة مع معدل النمو السكاني الذي يتراوح بين : 2,8 % و 3% . فإن معدلات النمو التي تتراوح بين 6,2% و 7% يجب أن تتجاوز ثلاثة أضعاف النمو السكاني ليتم مكافحة ظاهرة البطالة ، في وقت يتجاوز فيه عدد الداخلين إلى سوق العمل سنوياً ( 250,000 ) بينما فرص العمل المحققة سنوياً لا تتجاوز (56000 ألف فرصة عمل )، وكما هو واضح من خلال سيرورة النمو الاقتصادي ، فإن الآليات التي يقودها المستثمرين ، والمترافقة مع تراجع الدولة عن دورها التاريخي في قيادة المشروع التنموي ، ستؤدي إلى تفاقم الأزمة الراهنة.
=================================
ثالثاً : التحولات الاقتصادية وأثرها على البنى الاجتماعية .
============================
ينعكس أثر التحولات الاقتصادية على البنى الاجتماعية بكافة تفاصيلها ومستوياتها ، بحيث يتأثر بالمتغيرات الاقتصادية الجديدة كافة الفئات الاجتماعية.
ويمكن تحديد هذه الآثار على البنية الاجتماعية العامة بكونها قسمت المجتمع السوري إلى طبقتين رئيسيتين : طبقة عاملة مستغََلّة بكافة المستويات والمقاييس والمعايير ، وطبقة مستغِلّة ، وفي هذا السياق تزداد حدة التفاوتات والتناقضات الاجتماعية والطبقية بشكل واضح ، بحيث يتم في ظل الانتقال إلى نظام السوق الحر غير المنضبط بقوانين اقتصادية محددة وواضحة تلاشي الطبقة الوسطى ، ويتجلى هذا التحول من خلال زيادة تمركز الثروة ضمن فئة اجتماعية ( سياسية ، اقتصادية ) محدّدة ، وتحويل أوسع الفئات الاجتماعية إلى فئات فقيرة لا تملك الحد الأدنى لإعادة إنتاج طاقاتها الإنتاجية في سياق تعمق التناقض بين شكل الملكية وأشكال توزيع الثروة الوطنية وأشكال الإنتاج .
إن تراجع الدولة عن دورها الاجتماعي في سياق الانتقال إلى أشكال من الليبرالية الاقتصادية الجزئية والمشوهة ، التي يتحكم في تكريسها واقعياً فئات محددة ،يضع المواطن أمام تناقض واضح بين مؤسسات رسمية تراجعت عن أداء دورها الاجتماعي ،وبين المستثمرين الذين يشتغلون على تنمية ثرواتهم على أساس النهب واستغلال العمال و التهرب من التزاماتهم القانونية أمام الجهات السياسية والقضائية والنقابية ( التهرب الضريبي ، عدم الالتزام بتوفير شروط العمل المناسبة ، التهرب من دفع الأجور عن أيام الأعياد والعطل الرسمية ، تشغيل العمال أكثر من ثمان ساعات ، عدم الالتزام بتأمين الضمان الصحي للعمال ، إرغام العمال على توقيع عقود الذل والإذعان ... ) .
ومن الواضح بأن انعكاس الآثار السلبية لهذه التحولات لا ينحصر على العاملين في قطاعات الدولة التي تبقى أوضاعهم المادية أفضل من العاملين في القطاعات الخاصة نسبياً. وإذا كان العمال يخضعون إلى تزايد حدة الاستغلال وتحديداً في القطاعات الخاصة ، فإن العاملين في القطاع الزراعي ومربّي المواشي يعانون من ارتفاع أسعار المواد الزراعية والمواد العلفية ومن تراجع دعم الدولة( مما يساهم في تراجع الزراعة وتناقص عدد المواشي .. ) ، ومن تردي المناخ الطبيعي وقلة الأمطار ، وتزايد حدة التناقض بين الكلفة الإنتاجية وعدد ساعات العمل وبين أسعار السلع الزراعية ، ويترابط في سياق هذا التناقض ارتفاع أسعار المواد الأولية وأسعار المحرقات والنقل واليد العاملة ، وجميعها تساهم في انخفاض الريع الإنتاجي للمزارعين وارتفاع الأسعار، مما يساهم في زيادة توسع وتعمق دائرة الفقر والبطالة على المستوى الاجتماعي.
إن هذا التحول يؤدي إلى إمكانية هجر المزارعين لأراضيهم وانتقالهم إلى المدينة ، مما يضاعف من ازدياد عدد العاطلين عن العمل وتفاقم حدة الأزمات الاجتماعية في المدن الرئيسية ( تزايد الكثافة السكانية ، وتزايد أزمة السكن والنقل ، وتزايد الضغط على القطاعات الخدمية ... ) ،والأهم في هذه المتغيرات هو تحول سوريا إلى دولة مستوردة للمواد الغذائية التي كان يوفرها سابقاً قطاع الزراعة والثروة الحيوانية ، ليضيف هذا التحول إشكالية جديدة وتناقض جديد يتجلى في زيادة حدة التبعية للخارج.
ومن الواضح بأن إنعكاس الأزمة الاقتصادية بتجلياتها الراهنة يتوضح أيضاً من خلال ارتكاس الفرد الذي فقد حماية مؤسسات المجتمع المدني المرتبطة بسلطة الدولة إلى إعادة إحياء دور مؤسسات المجتمع الأهلي ( الجمعيات العائلية ، التكتلات الطائفية و الإثنية ، والعشائرية ... ) التي يزداد اتساعها و تجذّرها في البنى الاجتماعية ، وكان يجد فيها الفرد ملجأً وملاذاً وحماية من التناقضات الاجتماعية المتفاقمة نتيجةً لتغّييب مؤسسات المجتمع المدني عن القيام بدورها الفعلي لأسباب متعددة . وجدير ذكره أن هيئات المجتمع الأهلي حافظت على دورها النسبي في المراحل الماضية ، مما يعني بأن دور مؤسسات المجتمع الأهلي لم يتم تجاوزه في السياق الموضوعي للتطور الاجتماعي .
إضافة لذلك ونتيجةً لتداخل آثار التحولات الاقتصادية الجديدة مع المؤثرات الخارجية وتزايد حدة الضغوط الاقتصادية ، بات من الواضح بأن البنى الاجتماعية عموماً تميل إلى التحلل والتفكك ، ويتوضح هذا من خلال تنامي التحلل الأخلاقي والقيمي الذي يُعبِّّر بأشكال ومستويات متفاوتة عن تجليات الأشكال الاقتصادية الراهنة التي تميل إلى تذرير وتفكيك عرى التماسك الاجتماعي المتزامن مع تزايد الغزو الإعلامي الفضائي الذي يميل إلى تكريس وتعميق الوعي الاستهلاكي السطحي المبتذل القائم على تكريس ثقافة الانحلال والعنف والجنس ،إضافة إلى تعميق ثقافة تسليع الإنسان ، ويأتي هذا التحول في سياق تغييب الثقافة العلمية و المنهجية النقدية ، ويتعزز هذا الميل من خلال تقاطعه مع السياسية الإعلامية المحلية التي تقوم على التعمية والتعتيم وفرض هيمنتها على وسائل الإعلام والاتصال بكافة أشكالها. وأمام تراجع الثقافة العلمانية ودور المؤسسات المدنية عن القيام بوظائفها الأساسية والتي ترافقت مع تنامي ظواهر الثقافة الأصولية بأشكالها المذهبية السلفية المتعصبة التي يُخشى من تحولها مع تنامي التناقضات الاجتماعية إلى حركات عنفية تهدد بمزيد من الكوارث الاجتماعية والإنسانية ، يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الانقسامات الاجتماعية القائمة على التمثيلات الاجتماعية الما قبل وطنية .
ومن الضروري التنويه إلى خطورة تراجع دور المؤسسات العلمية والبحثية والمؤسسات التعليمية عن القيام بالدور المنوط بها في التنمية الاجتماعية والثقافية والإنسانية ، والتي تتجلى من خلال انخفاض ما تخصصه الجهات المختصة لرفع وتطوير وتحسين أداء مراكز البحوث والدراسات ، وإلى غياب المنهجية العلمية والموضوعية ، ويترافق هذا مع تراجع مستوى التحصيل العلمي و المستوى الدراسي بشكل عام ، مترافقاً أيضاً مع تدّعيم التعليم الخاص بأشكاله ومستوياته المتنوعة ، مما يعكس توجهات الجهات المسؤولة في التراجع عن مجانية التعليم المترافقة مع توجهات تنبئ ببداية تحلل المدارس العامة التي يتراجع فيها دور المدرس ومستوى التعليم نتيجة السياسات التعليمية الجديدة .
ونعلم بأن الأزمة الراهنة لا تقف عند ما أوردناه ، بل تتعداها إلى تدعيم الخصخصة على كل المستويات وتراجع دور مؤسسات الدولة المعنية في دعم استقرار المواطن ، ونلحظ هذا جرّاء انخفاض معدلات الضمان الصحي للعاملين بالدولة والذي يكاد ينتفي في بعض القطاعات الخاصة ، ويمكن تعميم تراجع دور الدولة في تأمين وضمان استقرار واستمرار حياة المواطن بأشكال ومستويات نسبية في كافة القطاعات ، وعلى كافة المستويات ، وتحديداً في المستويات الأساسية ( تعليم ، صحة ، وخدمات ، مرافق عامة ... ) مما يضع المواطن المنعزل والضعيف في ظل غياب الجهات المعنية بالدفاع عن مصالحه ، في مواجهة تغوّل وتضخم سياسة السوق الحرة وتحرير الأسعار ، وتحرير النقد ...
===========================================
رابعاً : انعكاس التحولات الاقتصادية على الممارسة السياسية:
======================================
تُعتَبر الممارسة السياسية بمختلف تجلياتها ومستوياتها تكثيفاً للاقتصاد ، وتختلف تجليات الممارسة السياسية في الحقل الاجتماعي بكونها تعبيراً عن مواقف وآليات ممارسة تعبّر عن مواقع ومصالح طبقية محددة . يكون حاملها والمعبِّّر عن ميولها الموضوعية فئات وشرائح وطبقات اجتماعية . وفي هذا السياق فإن أي ميول أو ممارسة سياسية تنفصل في تعبيراتها وتجلياتها في حقل الممارسة النظرية والسياسية المباشرة عن السياق الموضوعي للتطور الاقتصادي ، فإنها تنفصل فعلياً عن جذرها الاجتماعي الموضوعي . وكما نعلم بأن التمثيل السياسي للواقع الطبقي يتحدّد على قاعدة الجذر الطبقي والاجتماعي عموماًً. وفي السياق نفسه يمكننا تحديد أشكال تجليات الممارسة السياسية بمختلف تنويعاتها وتموضعاتها السياسية / الطبقية ، من خلال المنهجية النظرية المعبّرة عن الممارسة السياسية و المصالح الاقتصادية .
ومن هذه الزاوية يمكننا رؤية وتحديد التباينات والتناقضات السياسية في التجليات النظرية والممارسة السياسية لمعظم الحركات و التشكيلات السياسية بناءً على مرتكزاتها ومواقعها الطبقية في البنية الاجتماعية العامة .
ومن الواضح بأن بعض تعبيرات الممارسة السياسية لبعض التمثيلات السياسية في اللحظة الراهنة تتناقض مع المصالح الطبقية الموضوعية ،ولهذه التوجهات أو الميول أسباب متعددة يمكن تحديدها بشكل أولي على قاعدة المحددات النظرية التي تشكّل وتكوّن هذه الميول المعبّرة من خلال فكرها السياسي بشكل أو بآخر بعيداً عن مدى صوابيتها أو دقتها السياسية والنظرية عن الميول العامة للتطور الاقتصادي والسياسي ، وهذا ما يمكننا ملاحظته بدقة بالميول الليبرالية لبعض التمثيلات السياسية التي ما زلت تدعي بأنها تمثل تجليات الفكر اليساري عموماً والماركسي خصوصاً ، والمتباينة مع التجليات الموضوعية للفكر الشيوعي على المستوى العالمي ، ومن الممكن أن تكون هذه الميول قد أقامت القطع المعرفي مع الفكر الماركسي فعلياً لكنها في الممارسة الظاهرية الشكلانية تدعي بأنها ما زلت تعتمد في آليات التحليل النظري والممارسة السياسية الفكر الماركسي ، والسبب في ذلك تناقض أشكال ومضامين ممارساتها السياسية موضوعياً مع مصالح الفئات الطبقية والاجتماعية المضَطهدة التي ما زالت تدعي تمثيلها ، إضافة إلى تناقضها مع واقعها الطبقي الذي يجب أن يكون المحدِّّد لأشكال ممارستها السياسية ، وتترافق هذه الميول مع تضخم الشكلانية السياسية ، التي من الممكن أن يكون أحد أسباب تجلياتها أشكال الممارسة السياسية للفئة السياسية المسيطرة .
إن البحث في آثار وتجليات إنعكاس المتغيرات والميول الاقتصادية على سيرورة وآليات الممارسة السياسية بمختلف أشكالها ومستوياتها ، يفترض التأكيد على الترابط والتشابك الاقتصادي والسياسي العالمي العام الذي يتجلى عبر أشكال ومستويات متباينة تتحدد التبعية الاقتصادية والارتهان السياسي بكونهما أحد أشكاله ومستوياته .
لكن ما نلحظه في سياق المتغيرات الاقتصادية ، هو الانتقال من الاقتصاد الموجه التي تقوده رأسمالية الدولة ، إلى اقتصاد السوق الحر والمفتوح بقيادة بعض رجال المال و من أثروا في مرحلة رأسمالية الدولة . وبالمقارنة مع تجليات الرأسمالية في البلدان الصناعية فإن التمظهرات الليبرالية المحلية بأشكالها الراهنة تقوم على الفساد والنهب والتخلف والتخلع الهيكلي وتهريب الأموال وتبيضها .... و تعتبر هذه الأشكال من التجليات الليبرالية المأزومة والمشوهة من أسوء التجليات الرأسمالية المنعكسة على البنى الاجتماعية وأكثرها تدميراً . وبهذا فإن المتغيرات الاقتصادية المحلية في أشكالها الأخيرة ، تعبيراً واضحاً عن الشكل المتخلف للاقتصاد الرأسمالي التبعي الخاضع لأشكال سياسية إرادوية ،تعتمد في تجديد بنيتها واستمرار سيطرتها على تحجيم وتغييب فاعلية المتضررين من تناقضات التحولات الاقتصادية بأشكالها الراهنة .
إن أصحاب الميول الليبرالية المتساوقة مع المتغيرات العالمية والإقليمية المنعكسة بآثارها على الأوضاع المحلية ،ترتكز في أفقها السياسي على مفهوم ديمقراطي مزيّف ومُضَلل يتجلى من خلال التناقض بين المستويين النظري و السياسي ، ومن الملاحظ بأن الخطاب الديمقراطي الإشكالي للسياسة الأمريكية الداعمة لإزالة أشكال السيطرة الديكتاتورية ، ينعكس على منهجية وآليات الممارسة السياسية بكافة مستوياتها وأشكالها المتأثر بمجمل المتغيرات والميول المحلية والدولية الراهنة
إن الترابط بين ميول السياسة الاقتصادية التي تعمل على تكريس اقتصاد السوق الحر ، وهيمنة الرأسمالية عالمياً ، يتجلى عبر تباين سياسي شكلي بين المشروع الديمقراطي الرأسمالي والآليات السياسية للنظم الشمولية المسيطرة في المنطقة ، مما يؤدي إلى التباس في بعض أشكال الممارسة السياسة للتيارات السياسية المعارضة ، وتحديداً مع تراجع تأثير التشكيلات السياسية اليسارية عموماً والماركسية بشكل خاص وتنامي المد الإسلامي وانحسار الفاعلية المجتمعية لأسباب مختلفة ومتعددة . مما قاد إلى إشكالية ملموسة في المنهجية النظرية للتيارات السياسية والتي على أساسها تلاشت هويتها السياسية / الطبقية ،واضطراب آليات الممارسة السياسية و غياب الحاضن الاجتماعي .
إن الخارطة السياسية للتشكيلات السياسية المحلية تعبّر بشكل واضح عن مجمل التناقضات السياسية والاقتصادية العامة والسائدة . وعلى أساس هذا التناقض يمكننا ملاحظة الاختلاف والتباين في الأداء السياسي المعارض الذي يتوضح أحياناً من خلال تضخيم مستوى التناقض السياسي وتغييب التناقضات الاجتماعية الأساسية ، باعتبار التغيير السياسي المستند إلى مفهوم الاستبدال السياسي مدخلاً أساسياً لتجاوز كافة التناقضات الاجتماعية الراهنة ، وهذا الشكل من الخطاب السياسي يفتقد إلى القاعدة الاجتماعية ، إضافة إلى كونه وجرّاء ابتعاده عن القضايا الأساسية ، واعتماده المنهجية الليبرالية المفتقدة لجذرها الفلسفي والتاريخي كأحد أشكال التحليل والممارسة السياسية الفاقدة لحاملها الاجتماعي تتناقض موضوعياً مع المصالح الاقتصادية والاجتماعية لأوسع الفئات الاجتماعية ، وتعبّر أيضاً عن الميول السياسية والاقتصادية الليبرالية القائمة على تكريس المكونات الاجتماعية الأولية تحت غطاء تحقيق الديمقراطية السياسية الشكلية والإشكالية ، وإن استنادها على آليات تحليل ليبرالية لا تتشكل في سياق تطورها الطبيعي ،وتتناقض مع الميول الموضوعية لتطور اللحظة الراهنة التي يجب أن تكون منسجمة ومعبرة عن مصالح القاع الاجتماعي بمستوياته المختلفة في سياق إدراك وتكريس الميول التنموية الديمقراطية بكافة أشكالها ومستوياتها و أبعادها المعبّرة عن المفاعيل الداخلية والقوى الاجتماعية الحقيقية التي تتناقض مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع المشروع الليبرالي بأشكاله الراهنة .
إن الميول الليبرالية لبعض التيارات السياسية اليسارية وغير اليسارية تعبيراً عن التحولات والتغيرات الاقتصادية في أشكالها وتجلياتها ، وتكمن إشكالية التمثيلات السياسية اليسارية في ميولها الليبرالية بكونها تتشكل في سياق تهديم المنهجية الماركسية على قاعدة تأسيس أشكال سياسية توافقية هلامية غير قادرة موضوعياً وواقعياً على تجاوز التناقض السياسي بين الأطراف التي تدّعي التغيير الوطني الديمقراطي ، ويتكثف هذا التناقض بين هذه التمثيلات وبين مصالح أوسع الفئات الاجتماعية تضرراً من تناقضات المرحلة الراهنة لكون الميول المحددة لهذه التمثيلات لا تتعدى التفكير الأحادي المتناقض مع آليات العمل السياسي المعبّر موضوعياً عن تناقضات الواقع الطبقي والسياسي ، إضافة إلى تغييب العمل على المصالح الحيوية والإستراتيجية للقاع الاجتماعي التي لا يمكن اختصارها في الحريات السياسية رغم أنها من الممكن أن تكون مدخلاً للتغيير الديمقراطي . وبالتالي فإن غياب المنهجية السياسية والاقتصادية المتكاملة عن آليات الممارسة السياسية بأشكالها الراهنة ، يعبّر عن مدى تراجع الأداء السياسي وافتقاده لحوامله الطبقية الفعلية ،ويأتي هذا في سياق تفاقم الإشكاليات الذاتية للتمثيلات السياسية الراهنة التي تُعتبر في بعض مستوياتها انعكاساً موضوعياً لأشكال الممارسة السياسية المسيطرة ،والمعبّرة بذات الوقت عن إرهاصات الميول العامة لسياسيات الرأسمالية المعولمة التي حوّلت منطقة الشرق الأوسط إلى موضوع اشتغال يخدم مصالحها الحيوية والإستراتيجية .
إن إشكالية إنعكاس آثار الميول الاقتصادية الرسمية على آليات وأشكال الممارسة السياسية لا تنحصر في تجليات الميول الليبرالية في ميلها الأحادي لبعض التيارات اليسارية والإسلامية والعشائرية والإثنية ... بل يطال تأثيرها الممارسة السياسية لبعض التشكيلات السياسية التي ما زلت تدعي التمسك بالماركسية على قاعدة إنجاز المشروع الديمقراطي العربي ، وإشكالية هذه الأطراف تكمن في كونها تتعامل غالباً مع المنهجية الماركسية / اللينينية /.. بكونها نصوصاً عقائدية مغلقة وجامدة ، وتنعكس هذه الآليات من الممارسة النظرية في سياقها السياسي على تغييب التطورات العالمية المحدِّدة . إن عدم إدراك المتغيرات الراهنة في سياق تطورها الموضوعي ، يضع الأطراف الماركسية الراهنة بأشكالها المحكومة بالطبقوية العقائدية في سياق المواجهة الرجعية للسياق الموضوعي للتطور المادي للتاريخ ، ويتجلى هذا من خلال أشكال قراءتها السكونية والجامدة لميول التطور الموضوعي ... وما يزيد من إشكالية هذه الأطراف افتقادها لحاملها الطبقي والاجتماعي ، والقفز عن المهام الوطنية إلى القضايا القومية والعربية التي من المفترض أن يتم تجاوزها في سياق التطور الموضوعي لإنجاز المهام الوطنية التي يساهم في انجازها التنسيق البيني . إن ما تعانيه هذه التشكيلات من تناقضات وأزمات وإشكاليات على المستويين الذاتي والموضوعي يضعها في اللحظة الراهنة في موقع العطالة .
أما فيما يخص التشكيلات الشيوعية الرسمية فإن تحالفها الجبهوي يحد من فاعليتها فيما لو أرادت اعتماد منهج التحليل الماركسي المادي للتاريخ ، الذي يفترض تحولها إلى صفوف المعارضة للتعبير المباشر عن مصالح الطبقات المضطهدة التي تعاني من تزايد العسف والظلم جراء التحولات الاقتصادية الأخيرة ، لكن تفضيل قيادات هذه الأحزاب لبعض المكاسب المادية والمناصب السياسية يحددان موقعها السياسي و الطبقي كأحد التشكيلات السياسية الملحقة بالسلطة المسيطرة . ومن الضروري في هذا السياق التنبيه إلى أن خطورة التحولات الاقتصادية وآثارها السلبية تشمل كافة الفئات الاجتماعية ، ويتجلى تأثيرها داخل التشكيلات السياسية وتحديداً (الشيوعية الرسمية) على شكل تناقضات ومواجهات بين قواعد هذه الأحزاب بكونها المتضرر المباشر مما يجري على المستويات الاقتصادية ،وقياداتها السياسية المتمسكةً بمواقعها السياسية ومكاسبها المادية بآليات سياسية براغماتية وانتهازية.
========================================
خامساً : دور سلطة الدولة في ظل الميول الاقتصادية الجديدة:
==============================
يجب التأكيد بداية على أهمية دور سلطة الدولة في ضبط التحولات الاقتصادية المحدِّدة لأشكال التطور الاقتصادي المتوافقة مع الميول العامة ، والمعبِّرة بذات الوقت عن الآليات التي تحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المعبّر عن مصالح الفئات الاجتماعية المتضررة من تناقضات النظام الرأسمالي بأشكاله المتجلية محلياً .
وقد بات واضحاً في السنوات الأخيرة بأن الدولة تتخلى تدريجياً عن دورها الضابط ، ليس فقط في قيادة العملية التنموية ، بل أخذت تقونن عبر مقرراتها الأخيرة تخليها عن دورها الاقتصادي والاجتماعي و الخدمي الضامن لانعكاس عائد النمو الاقتصادي على المستوى الاجتماعي ، ويتجلى هذا من خلال مجموعة من القرارات التي تسهل وتحفّز مشاركة القطاع الخاص لتوسيع وتعميق الاستثمار ، بمعنى أن المتغيرات في السياسات الاقتصادية الأخيرة كانت من أجل توسيع وتعميق دائرة الاستثمار الخاص الذي زاد من حدة الاستقطاب الاجتماعي و معدلات الفقر وشدة الاستغلال . وهذا لا يعني إلغاء دور القطاع الخاص في تطوير المشروع التنموي وزيادة معدلات النمو الاقتصادي ، لكن يجب عدم تخلي الدولة عن قيادة العملية التنموية للمستثمرين أياً كانت جنسيتهم ، لأنهم يعجزون عن تحقيق وإنجاز وقيادة التنمية الاقتصادية التي تحقق التطور الاجتماعي ، ويدلل على هذا امتناع المستثمرين من الاشتغال والاستثمار في القطاعات الاقتصادية ذات الكثافة المالية الكبيرة والتي لا تحقق معدلات ربح مرتفعة ، و لا تحقق دوران نقدي سريع وتحتاج إلى عمالة متطورة .. بينما يلجؤون إلى التبادل التجاري والصناعة التحويلية وصناعة اللمسة الأخيرة والتوظيف العقاري عبر سياسات احتكارية .... ولا يكتفي المستثمرين في الامتناع عن توظيف أموالهم في القطاعات الإنتاجية التي تساهم في دفع وارتقاء التنمية الاجتماعية ، بل يحاولون وعبر مساربهم الخاصة إفشال القطاعات العامة الرابحة للاستيلاء عليها لاحقاً ، إضافة إلى استغلال البنى التحتية العائدة ملكيتها للدولة لزيادة حجم أموالهم وتوسيع استثماراتهم . وقد ساهمت بعض الجهات المسؤولة في تسهيل وجذب الاستثمارات الخاصة عبر مجموعة من المقررات ( تحرير الأسعار ، تحرير النقد ، الإعفاء الضريبي ، تخفيض معدلات ملكية الدولة ، إنشاء المصارف الخاصة ..)، و بات واضحاً كيف انعكست آثار هذه المقررات على الفئات الاجتماعية في زيادة معدلات الفقر والبطالة وارتفاع معدلات التضخم التي تتجلى بارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية .. وقد عجزت السياسات الاقتصادية الأخيرة من اجتذاب الرساميل الأجنبية أو الأموال السورية المودعة في البنوك الخارجية ، لأسباب تتعلق بالأوضاع الإقليمية و السياسية الداخلية التي لم تتمكن الجهات الرسمية حتى اللحظة من صياغة القرارات المحفّزة والمشجعة لعمليات الاستثمار والتوظيف المالي والإنتاجي ، نتيجة لتنامي الفساد وعدم القدرة على ضبط آليات التوظيف عبر قوانين معيارية ، إضافة إلى تنامي المحسوبيات والمحاصصة وتحكّم بعض الجهات في المفاصل الأساسية للاقتصاد والسياسة خدمةً لمصالحهم الخاصة ،إضافة لعدم ربط الميول الاقتصادية الأخيرة بالسياسات العامة وتحديداً توفير المناخات الديمقراطية للممارسة السياسية والمدنية والنقابية المستقلة ... ويرتبط ما ذكرناه مع عدم توفر البنية التحتية المشجعة للاستثمار ، وعدم توفر القوى العاملة المدربة ، مما يستدعي إعادة تأهيلها ، إضافة إلى ضرورة إعادة هيكلة الوسائل والقطاعات الإنتاجية والخدمية التي تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني تحت إشراف وقيادة جهات وطنية متخصصة.
ومن الضروري التنبيه إلى خطورة تنامي ظاهرة اقتصادية تهدد النمو الاقتصادي و الاستقرار الاجتماعي في سياق تتراجع فيه سلطة الدولة والجهات المعنية عن ضبط التحولات والتغيرات في السياسات الاقتصادية الجديدة ، وتتجلى هذه الظاهرة في توظيف المال السياسي الناتج عن استغلال المكانة الاستثنائية لبعض الشخصيات التي تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي ، متجليةً في عمليات غسل الأموال وتوظيفها في عمليات المحاصصة والهيمنة على بعض القطاعات العامة والخاصة ، وأيضاً تتجلى من خلال السيطرة على بعض الاستثمارات والتبادلات التجارية في سياق عمليات غير مشروعة تتجاوز القوانين التي يفترض أن تكون محددة لمجمل العمليات الاقتصادية ، لنرى بوضوح كيف تتم عمليات تطويع القوانين وتوظيفها خدمةً لمصالح شخصية تقوم على استغلال المرافق العامة وقطاعات الدولة ، إضافة إلى مساهمتها في توسيع دائرة الفساد الاجتماعي والإداري .. إن تنامي هذه الظاهر التي تعتمد في اتساعها على البطانة السياسية والعائلية ... و تملّكها لوسائل القوة المادية السياسية والاقتصادية ، تضع الجهات الرسمية بشكل مباشر أمام مسؤولياتها في تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي الذي يتحقق من خلال مواجهة هذه الظواهر المعتمدة بشكل مباشر في تملك أدوات ومفاعيل قوتها المادية على علاقاتها المباشرة بأصحاب القرار الذين يعملون بشكل مباشر وغير مباشر على تحقيق مصالح هذه الفئات ، وفي هذا المستوى يُفترض من الجهات المعنية والمسؤولة عن تحقيق التنمية والاستقرار الاجتماعي مكافحة الفساد و مواجهة هذه الظواهر من خلال ممارسة سلطتها القانونية المعبّرة عن المصالح الاجتماعية . وهذا يفترض التأكيد على دور سلطة الدولة ومؤسساتها المدنية في قيادة النمو الاقتصادي وتفعيله والإشراف عليه وضبط آليات المنافسة في سياق مشاركة القطاع الخاص الداعم للتنمية الاجتماعية والإنسانية تحت سلطة القانون المعبِِّّر عن السلطة الشرعية للدولة التي تتكرس من خلال توسيع دائرة المشاركة السياسية والمدنية في سياق إنجاز المشروع الديمقراطي ، ويجب التنويه بأن أعتى الدول الرأسمالية المركزية حافظت على ضبط النمو الاقتصادي ودعم القطاعات الأساسية التي تتعلق بتحقيق الاستقرار والنمو الاجتماعي والاقتصادي ، وتوفير المناخات الاستثمارية للأموال الوطنية والأجنبية عبر بسط سلطة القانون الوطني الخاص.
=================================================
سادساً : تجليات الاقتصاد الرأسمالي المعولم في التحولات الاقتصادية السورية .
==========================================
لم يعد وارداً في اللحظة الراهنة الكلام عن آليات تطور اقتصادي بمنأى عن الترابط والتشابك والتوسط العالمي ، وهذا يدلل على هيمنة نمط الاقتصاد الرأسمالي العالمي في سياق تجليات أشكاله المختلفة والمتباينة في مستويات التطور، ويؤكد ضرورة الإقرار بالعلاقات الاقتصادية التي تربط الاقتصاد الوطني الخاص بالاقتصاديات العالمية المشكّلة للمستوى العام في سياق جدلي يتحدد فيها شكل الاقتصاد الوطني ودرجة تبعيته بناءً على مستوى تطوره الخاص.
إن ما يؤكد صحة ما أوردناه هو مجمل المتغيرات والتحولات الاقتصادية على المستوى العالمي ، ذلك من جهة تحول اقتصاديات موجهة قادتها الدولة ( رأسمالية الدولة التي تنوب موضوعياً عن سلطة رأس المال الخاص ) في القرن الماضي عبر تأثير الاتحاد السوفيتي على الكثير من الدول ، إلى أشكال مختلفة من الاقتصاد الرأسمالي ، لتندرج موضوعياً في سياق النمط الرأسمالي المعولم بأشكال وسويات متباينة التطور . ومن المؤكد بأن هذه التحولات تعود في أسبابها الموضوعية لجملة من الأسباب العالمية والمحلية .
وحالة الاقتصاد السوري ، وما يطرأ عليه من تحولات لا تشذ عن هذه القاعدة التي باتت شبه عامة . لكن من اللافت بأنه في اللحظة التي تتم فيها هذه التحولات ، لا يزال الخطاب السياسي الرسمي يعيش حالة من التناقض الإشكالي بين التبني الشكلي للاشتراكية المحققة القائمة على ملكية القطاع العام الذي بات أضعف من أن يشكّّل رافعة اقتصادية تنموية ، وبين اقتصاد السوق الحر الذي يسمى إشكالياً اقتصاد سوق اجتماعي ، وبين مجمل التحولات الاقتصادية الموضوعية والملموسة المتجلية في سيطرة القطاع الخاص على تفاصيل ومفاصل الاقتصاد السوري .
وإذا سلمنا بداهة بتأثير المناخ الاقتصادي العالمي على التحولات الأخيرة في الاقتصاد السوري ، فإن من الضروري التأكيد على أن تجليات هذه التحولات لا تعبِِّّر بالمطلق عن أشكال النظام الرأسمالي السائدة في البلدان الرأسمالية المركزية ، ويتعلق هذا بجملة من العوامل ( الشكل السياسي السائد ، والمستوى الاقتصادي الراهن ، والامتداد الجغرافي ، مستوى تطور البنى الاجتماعية ، والثروات الوطنية ).
من الواضح بأنه وبعد مرحلة من سيطرة سلطة الدولة المركزية على مجمل تفاصيل المستويات الاجتماعية ، بدأت تتوضح معالم التحولات الأخيرة للاقتصاد السوري ، ليس فقط نتيجة تراجع المنظومة الاشتراكية وهيمنة النظام الرأسمالي على المستوى الكوني فقط ، بل نتيجة تمركز الثروة لدى فئات وشخصيات محددة استفادت من سلطتها السياسية الاستثنائية في تشكيل بطانة اجتماعية وسياسية تدافع عنها وعن مصالحها في سياق تغييب دور القانون .
إن تملّّك هذه الفئات للثروة والجاه والمكانة العائلية والمناصب السياسية ، أدى موضوعياً في سياق المحافظة على هذه الثروات وزيادة معدلات تراكمها ، إلى المشاركة المباشرة وغير المباشرة عبر توسطات معينة تمتلكها هذه الفئات ، لتكون هذه التحولات الاقتصادية تعبيراً ملموساً عن مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
ومن البداهة بمكان أن تكون القرارات المحدِّدة للسياسات الاقتصادية الأخيرة ، والتعديلات القانونية والضريبية والمصرفية ونسب التملك ، إضافة إلى تسهيلات العمليات الاستثمارية ، تعبيراً عن مصالح هذه الفئات . لنرى في هذا السياق التعايش بين مستويات سياسية واستثمارية وعائلية يحكمها منطق الفساد والمحاصصة ، بعيداً عن منطق القوانين المحددة لحركة رأس المال ، وحرية المنافسة ، والقوانين المحدِّدة لحركة وآليات السوق .
وإذا أدركنا أن أصحاب النفوذ والثروة يتحكمون بالسياق العام للتحولات الاقتصادية بما يتلائم مع مصالحهم الشخصية ، فإنهم وبذات الوقت يمارسون موضوعياً إعاقة فعلية لتوسيع الاستثمار وتعميقه ، ويتم هذا إضافة لما ذكرناه ، من خلال سيادة و تحكم العقلية البيروقراطية و هيمنة بعض الشخصيات المتنفذة على المفاصل الأساسية في الدوائر الرسمية ، مما يساهم في امتناع المستثمرين عن توظيف أموالهم داخل سوريا ، و بقاء الأموال ذات المنشأ الوطني في البنوك الخارجية ، إضافة إلى هروب الأموال والرساميل إلى الخارج، ومن الملاحظ بأن تعمّق و توسّع دائرة الفساد باتت تنمو كظاهرة اجتماعية عامة تهيمن على كافة المفاصل الرئيسية والتفاصيل المعيشية اليومية .
إن ما أوردناه لتوضيح التحولات الاقتصادية الأخيرة يضعنا في موقع يستوجب التأكيد على أن ظاهرة الفساد وغياب القوانين الضابطة للتحولات الليبرالية بأشكالها الأخيرة لا يمكن أن يكون سببها الوحيد هو النمط الرأسمالي المهيمن بأشكاله المختلفة والمتباينة ، والمنعكس موضوعياً بآثاره السلبية والايجابية على واقعنا الاجتماعي بشكل عام ، بقدر ما تعود أسباب الخلل المهدد لاستقرار البنى الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية إلى أسباب بنيوية داخلية تعبِّّر عنها أشكال التحولات الاقتصادية والسياسية الأخيرة .
وإذا أقرّينا منطقياً بأن العام يحدد الخاص وفق أشكال ومستويات وآليات متباينة ومختلفة، فإنه من الموضوعية بمكان الاعتراف بأن من يحدّد أشكال الممارسة السياسية العامة والاقتصادية خاصة، يتحملون مسؤولية نتائج التحولات الاقتصادية الجديدة وما يتم من تجاوزات لكافة المعايير والمبادئ والقوانين الناظمة والمحددة لسياسة السوق التنافسية التي يجب أن تحددها مؤسسات الدولة المعنية.
وبهذا نرى بأن أثر العام المحدد موضوعياً للخاص يتجلى في التحولات الاقتصادية الأخيرة على المستوى الشكلي لسياسية السوق التنافسية ( الحرة ) فقط ، بينما يتحكم في سياق هذه التحولات بشكل فعلي بنية سياسية تقوم على تحقيق المصالح الخاصة لفئات محددة ، وفق أشكال من التفكير والتحليل التجريبي الإرادوي ،في سياق يحاول من يقود هذه الميول ويتحكم بها ، حجب الحقائق الموضوعية والملموسة لنتائج التحولات السياسية والاقتصادية المنعكسة سلبياً و بشكل مباشر على كافة المستويات الاجتماعية بأشكال تهدد التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي ، مما يضعف إمكانيات مواجهة المشاريع الخارجية التي تحتاج إلى تدعيم الوحدة الوطنية .
ولا يسعنا في ختام هذا البحث إلا التأكيد على أهمية وضرورة العمل على ضبط وقوننة التحولات الاقتصادية الأخيرة بما يتلاءم ويعبر عن مصالح المتضررين من تناقضات هذه التحولات ، ويأتي هذا من خلال ربط المستويين السياسي والاقتصادي في سياق انجاز المشروع التنموي الوطني الديمقراطي القائم على تكريس حقوق المواطنة ديمقراطياً ، وإطلاق الحريات السياسية لتفعيل المساهمة الحقيقية والفعلية لكافة الفعاليات المدنية والثقافية والسياسية .
=============================================================







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,559,760,818
- بخصوص توضيحات هيئة الحوار
- إشكالية المرأة في المجتمعات المتخلفة
- الإعلام الرسمي العربي
- من أجل توحيد اليسار العراقي لبناء الدولة الديمقراطية
- العلمانية
- ظاهرة التضخم
- المعارضة السياسية بين الأنا ووهم الممارسة
- الوطنية في سياقها المفاهيمي والسياسي
- الاقتصاد السوري : على هامش مؤتمر اتحاد العمال
- التناقضات النظرية والسياسية في أشكال الدولة الفلسطينية
- إشكالية الوعي الشبابي
- الأزمة في تجلياتها السياسية والاقتصادية/ تعقيب على نتائج الل ...
- جدلية العلاقة بين الداخل والخارج
- ناشطو مناهضة العولمة في سوريا :واقع وآفاق
- ما العمل
- الجزء الأخير : نقض النقد : متابعة الحوار مع : السيد فؤاد الن ...
- الجزء الثالث : نقض النقد : متابعة الحوار مع : السيد فؤاد الن ...
- الجزء الثاني :نقض النقد : متابعة الحوار مع السيد : فؤاد النم ...
- الجزء الأول :نقض النقد : متابعة الحوار مع السيد فؤاد النمري
- حول نداء اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين


المزيد.....


- الاقتصاد السياسي لسيطرة الاستبداد و الميليشيات و للبديل الشع ... / مازن كم الماز
- إعلان دمشق إلى أين؟ / غسان المفلح
- نظام قمع وشعب أعزل، تعديه يصل حد الجريمة .. يقتل أبناء الوطن / ربحان رمضان
- رفاهية الابتهاج.... وضريبة القتل / سعيد لحدو
- انهيار المعارضة السورية / مازن شريف
- الفوضي أم الاستبداد ، قدر المنطقة ؟ / عصام عبدالله
- الأشكالية اللبنانية ... ما بين السياسة ... ونقيضها / هيبت بافي حلبجة
- لماذا لا تجرى انتخابات لمنظمة التحرير الفلسطينية؟! / عماد صلاح الدين
- الرسالة الأولى إلى بشَار الأسد ...؟ / جريس الهامس
- بين استقلال فلسطين واستقلال إسرائيل / سلمان مصالحة


المزيد.....

- 18 سيارة إسعاف وست مروحيات للتعامل مع انقلاب حافلة
- بالفيديو .. كيف يربي داعش الأطفال على الولاء والموت واستخدام ...
- حل لغز الصخور المتحركة بوادي الموت
- آثار المعارك في الفلوجة بين الجيش العراقي ومقاتلي داعش
- خلفان: بيان مؤتمر وزراء خارجية الخليج نسخة غير معدلة عن البي ...
- شاهد بالفيديو .. سيارة بنزيما البوغاتي الفارهة
- إنقاذ 20 منجميا كانوا عالقين على عمق 800 متر تحت الأرض في ني ...
- قمة الاتحاد الأوروبي تنطلق في بروكسيل بحضور قوي للأزمة الأوك ...
- فرقة روك مؤلفة من انفصاليين أوكرانيين تشتهر على موقع يوتيوب ...
- عملية عسكرية موسعة للجيش العراقي لفك الحصار عن بلدة آمرلي


المزيد.....

- الإسلام، الإسلاميون، والعنف/ نظرات في شأن العلاقة بين دين ال ... / ياسين الحاج صالح
- حوار موسع في شؤون الثقافة والثورة، والإسلام السياسي والطائفي ... / ياسين الحاج صالح
- حيث لا وقت نبدده فى المماحكات.. لنضع النقاط على الحروف .. عن ... / بشير صقر
- مملكة الاستبداد المقنن في سورية / جريس الهامس
- مساهمة أخرى فى الحوار حول أسباب عزلة اليسار المصرى وانقسامه / بشير صقر
- رسالة للحوار المتمدن والأستاذ إبراهيم فتحى .. حول اسباب انعا ... / بشير صقر
- تسمونهم مقاتلين أفغان / إدريس ولد القابلة
- مشروع التقرير السياسي المقدم إلى المؤتمر الوطني العام السادس ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- في الجذور الاجتماعية والثقافية للفاشية السورية / ياسين الحاج صالح
- نحو جامعة متقدمة وديمقراطية: المسألة الجامعية وقضية الطلاب ف ... / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - معتز حيسو - التحولات الاقتصادية والطبقية في سوريا