أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاكر النابلسي - سيراً على خُطى -بلاد الشمس- إلى التقدم















المزيد.....

سيراً على خُطى -بلاد الشمس- إلى التقدم


شاكر النابلسي

الحوار المتمدن-العدد: 2224 - 2008 / 3 / 18 - 10:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


-1-
■ يحاول بعض الليبراليين، وهم ليبراليون رومانسيون حالمون بالدرجة الأولى، وذوو نظرة ثقافية طفولية، أن يقرأوا التاريخ ويفهموه من خلال إنكار الماضي، ومحاولة تجاهل التراث أو نفيه، فيأتي فهمهم للتاريخ وللحاضر وللمستقبل فهماً ناقصاً وخاطئاً في معظم الأحيان. فالسحُب التي تظهر في السماء هذا اليوم، ما هي إلا امتداد لحالة الطقس البارحة وقبل البارحة. والتاريخ عبارة عن كائن حي، له آباء وأجداد، كما له أولاد اليوم وأحفاد المستقبل. وآباء وأجداد التاريخ هو التراث، وأولاده هم نحن بما نحمل من جينات وراثية تراثية.
-2-
كل تراث لشعب من الشعوب يمتلأ بالغث والسمين، بالعقل والنقل، بالثابت والمتحول، بالمقدس والمدنّس، بالحق والشعوذة، بالإتباع والابتداع، بالخرافات والحقائق. فلا يوجد تراث في تاريخ البشرية كلها غث أو كله سمين، كله عقل أو كله نقل.. الخ. والصعوبة الكبرى التي واجهت الباحثين في الشرق والغرب هي عملية الفرز لهذه الثنائيات، وتنخيل الحَبِّ من الزوان. وهو ما يُطلق عليه إعادة قراءة التراث، أو تجديد التراث، أو توليد الحاضر من الماضي.. الخ. بل إن هناك صعوبة أكبر من تلك، وهي كيف نستطيع أن نستفيد من ماضينا ببناء حاضرنا ومستقبلنا. وكيف لنا أن نجعل من حاضرنا ومستقبلنا ابناً شرعياً لماضينا، وليس ابن سِفاح.
فلكي نفهم الحياة علينا بالرجوع إلى الماضي، ولكي نعيش الحياة علينا بالاتجاه نحو المستقبل، كما قال أحد الفلاسفة.
وأهمية التراث المُنتقى والمُنخّل والمفروز في حياة الشعوب، أنه يحفظ لها هويتها، ويجعلها تعمل بجد وإخلاص للمحافظة على هذه الهوية. فالهوية بالنسبة لأية شعب من الشعوب هي الملح الحافظ لها من الانحلال والتعفّن والذوبان.
-3-
يعاني كثير من المثقفين العرب من إشكالية "عبء التراث"، ويرون أن سرَّ تخلّف العرب يكمُن في تراثهم، وليس في جنسهم أو جيناتهم. بل إن هناك من المفكرين العقلانيين العرب من يعتبر أن لُبَّ الإشكالية العربية وقلبها، نابع من أن موجات الفكر العربي المعاصر منذ القرن التاسع عشر حتى الآن، لم تنتج لنا التراث العقلاني المفروز الصالح للحاضر والمستقبل، لكي يتمَّ البناء عليه. إذن، فالمشكلة ليست بالتراث، ولكن في فرز هذا التراث، بل أكثر من هذا، إنها كيفية الاتفاق على مقاييس الفرز، وماذا يؤخذ من التراث وماذا يُترك منه. وهو ما سوف يمكننا من إدراك عصر تنوير عربي على شاكلة عصر التنوير الغربي (ديكارت أول من استعمل مصطلح "التنوير" في القرن السابع عشر) الذي أدى إلى الثورة الصناعية الغربية، كما أدى إلى وضع أوروبا على طريق الحداثة، بل إيصالها إلى مرحلة "ما بعد الحداثة". ولكن عصر تنويرنا – فيما لو تحقق - لن يكون بنتائجه مطابقاً لعصر التنوير الغربي لاختلاف المكان، والزمان، والإنسان، والقيم الثقافية والاجتماعية. فأوروبا لم تحقق عصر التنوير إلا بعد شرط أساسي وقاسٍ، وهو تجديد الإيمان، وتنظيف النصوص الدينية من الهوامش الشعبوية (الشعوذة والخرافات والسحر والعادات والطقوس والتقاليد المتوارثة، التي شكَّلت ما يُطلق عليه "التديّن الشعبي"). وهذا ما قامت به بعض الاتجاهات الدينية السلفية في العالم العربي، في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، التي سعت إلى فرز الإسلام النقي، عن الإسلام الشعبوي، الذي كان منتشراً - وما زال - في الريف والأطراف العربية.
-4-
عندما دخلت أوروبا عصر التنوير، وأخذت من العرب التراث اليوناني المترجم والمحفوظ في "بيت الحكمة" منذ عهد الحليفة المأمون، لإضاءة حاضرها بنور ماضينا، لم تكن غايتها نسخ تجربة الماضي العربية في ذلك العصر بنسخة أوروبية، وإنما كان الهدف الأساسي هو استعارة أنوار ماضينا لإضاءة حاضرها. فالحاضر لا يُضاء إلا بالماضي. كما أن الأرض لا تضاء كل يوم إلا بضوء شمس الأمس. وضوء الماضي لن يعيق من إبقاء الماضي دروساً مستفادة، وجعل المستقبل ابتكاراً وإبداعاً. وبهذا لن يكون هناك تضارب بين الماضي والمستقبل، ولن يكون الماضي تركة ثقيلة على ظهورنا ننوء بها، وتعيقنا نحو الانطلاق إلى المستقبل، فيما لو التزم كل زمن بحدوده، وكانت العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل علاقة تعاون مثمرة، وليست علاقة تسلّط وسيطرة وإلغاء للآخر، وتناطح أيديولوجي.
-5-
عندما غزا نابليون مصر فيما عُرف بـ "الحملة الفرنسية" عام 1798، أصيب العالم العربي والعالم الإسلامي على صوت مدافع نابليون بصدمة الحضارة الغربية، وبجرح نرجسي عميق، عندما طرحت على نفسها سؤالاً كبيراً وقاسياً، ما زال يتردد حتى هذه اللحظة، رغم الإجابات التاريخية الكثيرة عنه:
- لماذا نحن متأخرون إلى هذا الحد، ولماذا الغرب متقدم إلى هذا الحد؟
ولكن الإجابة العملية على هذا السؤال لم تتم حتى الآن. أو لم نعمل على أرض الواقع للإجابة عليها، وتدارُك ما نحن فيه من تخلف. في حين أن اليابان (بلاد الشمس) التي أصابها ما أصابنا في القرن الثامن عشر، واستيقظت فجأة على مدافع الغرب كما استيقظنا نحن، استطاعت أن تجيب على السؤال الكبير بالتطبيق العملي. فكما ضربنا نابليون بمدافعه عام 1798 ، ضربت أربع السفن أمريكية بمدافعها ميناء "أوراوا " الياباني عام 1853، فأيقظت اليابانيين من سباتهم العميق، وعزلتهم التاريخية. وكانت تلك الصدمة بداية تشكيل اليابان الحديثة، التي كانت نتيجة خروج اليابان من عزلتها، وابتعاث طلبتها إلى الغرب.
إذن، لماذا تقدمت اليابان وتخلفنا نحن؟
سؤال كبير وله إجابات كثيرة ومختلفة. ولكن الإجابة الواقعية والصريحة هي أن اليابانيين في علاقتهم بالآخر لم يخلطوا بين التقدم العلمي والتكنولوجي وبين القيم الأخلاقية (وخاصة ما يتعلق بالمرأة وشجونها). في حين أن اعتبرنا أن القيم الأخلاقية الغربية جزء لا يتجزأ من التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي الغربي. وخلطنا بين تقدم الغرب المادي وقيمه الأخلاقية. وأن قبولنا للتقدم الغربي، يعني قبولنا لقيمه على مختلف المستويات. وكانت مقاومتنا الثقافية للغرب على شاكلة مقاومتنا السياسية الآن (إما كُله وإلا فلا). في حين أن اليابان ومعظم دول وشعوب شرق آسيا، قاوموا الثقافة الغربية بازدواجية ذكية: تنجيد التراث وليس تجديده بآخر. وهو ما عبر عنه "لي كوان يو" المستبد العادل، وباني سنغافوره الحديثة وحاكمها (1965-1990) و"الكاهن الأكبر للقيم الآسيوية" بضرورة تنجيد تراث كونفوشيوس وتحديثه، وليس استبداله بالقيم الغربية السائدة.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,421,546,681
- لماذا كسّرنا الأقلام وقطعنا الألسنة؟
- بؤس الحقيقة في العالم العربي
- ما حال العالم اليوم لو لم يظهر الإسلام؟!
- كوسوفو وفلسطين: تشابه الواقع واختلاف المصير
- قراءة لتقرير البنك الدولي الأخير حول التعليم العربي - لماذا ...
- قراءة سياسية نقدية لتقرير -فينوغراد-
- هل يعيش العرب الآن مرحلة -ما بعد الأصولية-؟
- الجنس والموت في انتحار الإرهابيين
- رئيس أسود في البيت الأبيض
- هل سيحارب عرب 1948 في جيش إسرائيل؟!
- هل ستجتاح ثورات الجوع العالم العربي في 2008 ؟
- حماس.. إلى أين ومتى؟
- العرب لا يملكون صكَّ مُلكيّة هذا الكوكب
- هل كانت بوتو ضحية الغباء الأمريكي؟
- هل سنشرب نفطنا في عام 2020؟
- السوق الخليجية المشتركة : وحدة الجيوب قبل القصور
- بدأت عودة الروح للعراق
- حاضنات الإرهاب الدافئة
- أنتم وأنا بوليس
- الحداد لا يليق ببغداد


المزيد.....




- المغرب.. الزفزافي يهنئ الجزائريين
- روسيا ترد على إجراءات واشنطن ضد دبلوماسييها
- دونيتسك الأوكرانية تحيي الذكرى الخامسة لإسقاط الطائرة المالي ...
- عنف -الدولة العربية-.. -باقٍ ويتمدد-
- بالفيديو... أهداف مباراة تونس ونيجيريا في كأس أمم أفريقيا (1 ...
- تركيا تعلق على قرار واشنطن بشأن مقاتلات أف-35: تسبب في جرح ل ...
- الجيش الليبي يعلن صد هجوم مسلح جنوب طرابلس ويؤكد سقوط قتلي ف ...
- أغلبية أعضاء مجلس النواب الأمريكي يصوتون على قرار لمساءلة تر ...
- علماء روس يبتكرون دواء فريدا!
- الخارجية التركية: قرار واشنطن بشأن برنامج F-35 سيسبب جرحا لا ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاكر النابلسي - سيراً على خُطى -بلاد الشمس- إلى التقدم