أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - دياري صالح مجيد - في رثاء اصدقائي الشهداء















المزيد.....

في رثاء اصدقائي الشهداء


دياري صالح مجيد

الحوار المتمدن-العدد: 2215 - 2008 / 3 / 9 - 09:05
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


من منا لا يعرف قصص الألم في بلاد الألم الطويل في بلاد الجلاوزة من كل لون وطيف؟ من منا لم ينكوي بنيران القتل الغادر الذي تهددنا به رشاشات القتلة المتربصين بنا في كل مكان؟ ومن منا لم يفقد عزيزا عليه في هذه الفوضى التي وصفها إستراتيجيو الإدارة الأمريكية بأنها الفوضى الخلاقة وهي فعلا كذلك طالما أن القتلة لا ينفذون إلا ما تريده سيدتهم الأولى ( أمريكا ) فهم أدواتها والياتها لتنفيذ ما تضعه من مخططات دامية للشعوب المغلوبة على أمرها ومنها شعبنا المذهول بحدة الصدمات التي يواجهها في كل ساعة من ساعات حياته العصيبة في ظل هذه الدوامة التي تسيرها أمريكا عبر مرتزقتها القتلة بالطريقة التي تريدها . ومن منا لا يعرف ماذا يجري من تصفية حسابات على ارض العراق ليدفع ثمنها المواطن العراقي البريء؟.
سأروي على مسامعكم انطباعاتي عن واحدة من هذه المآسي المتكررة أبدا في عراق اليوم والتي مر العديد من العراقيين بها وعلى مختلف الأزمنة وكأن قدرنا في هذه البلاد هو التقتيل على أيدي هؤلاء القتلة دون رادع قانوني أو واعز أخلاقي.
فجأة أمطرت السماء أخبارا محزنة جاءت متزامنة مع عصف الصرخات التي انشقت لها الجبال وسقطت من عذاباتها ولهيبها حتى أوراق الأشجار. وما كان مني ومن عائلتي حين سمعنا ذلك إلا الانطلاق إلى البيت الذي لم يفصلنا عنه جغرافيا سوى عدد من الطابوق ليس إلا وإذا بالخبر ينزل كالمطرقة على رؤؤسنا لقد استشهد ((نزار)) ذلك الفتى الطيب الهادئ الذي ترتسم في محياه صورة المسلم المتسامح الذي لا يعرف معنى للطائفية في قاموس حياته.
لقد اغتيل دون سبب أو جريرة وحلت المأساة كأنها كابوس بلا لون بلا معنى لكنه كابوس دام ومؤلم لكل من عرف هذا الشاب النظيف .
وجاءت الجنازة وتم الوداع الأخير دون أن يكون للوداع حرارة الوداع المعهودة فهو من ذلك النوع الذي لا يتبادله الأحياء بينهم فلا نعرف لليوم إذا ما كان الأموات يحسون بحرارة الأسى التي كانت تلهب صدورنا في تلك اللحظة ؟.
وجلسنا نعزي ونستقبل المعزين لكنني حتى يومي هذا لا استطيع أن اذكر هذه المأساة دون أن اشعر بالحزن وهو يحفر في قلبي وروحي وأتساءل مع ذاتي في كل حين ما الذي جناه طفليه البريئين اللذين لا يتجاوز عمرهما الثلاث سنوات لكي يفجعا بهذه الصورة؟ وما الذي فعله بقية أهله وأصدقائه حتى يذوقوا مرارة كهذه ؟ وما الذي فعله العراقيون لكي يعطوا في كل يوم كوكبة من الشهداء الأبرياء في قضية مجهولة الأبعاد والهوية كما هو حال القتلة؟؟ .
مع كل ذلك الألم لا اشعر حتى هذه اللحظة إلا وكأنني أعيش في حلم مفزع متمنيا أنني سأستيقظ من حلمي هذا لأذهب واسأل عن صحة صديقي إذ لازال هذا الوهم يتملكني وكأنه حقيقة فهل ما حصل هو مجرد حلم أم إن الحياة بأسرها بكل ما فيها من محطات العذاب والبطش والتنكيل التي نحياها في كل يوم مئات المرات هي مجرد حلم مرعب تتخلله بعض فواصل الراحة المؤقتة ثم يباغتنا الألم على حين غرة وكأننا خراف نسمن بالآلام والأحزان حتى تقطفنا أيادي القتلة الذين لا وظيفة لهم اليوم سوى قتل المبدعين والطيبين من أبناء هذا البلد. إن هذه الحالة المليئة بالشقاء تذكرني بالمقولة التالية للمبدع الرائع ميخائيل نعيمة (( إن راحة الإنسان عبارة عن فترة انتقال من تعب إلى تعب وشبعه هدنة بين جوع وجوع وفرحه فترة انتقال من حزن إلى حزن وصفوه هدنة بين كدر وكدر وطمأنينته همزة وصل بين قلق وقلق))...
قدر ساخر ذلك الذي يسلط هؤلاء الأشرار على أخيارنا الذين عرفوا المعنى القدسي للحياة رغم كل ما فيها من الم وذلك حين اختاروا كل ما من شانه العمل على عكس الصورة التي لخصها ميخائيل نعيمة عن الحياة مختارين بذلك الطريق إلى الموت بكل شجاعة وكأنهم يقولون لنا إن الحياة مجرد محطة في عالم غير منتهي ربما لاتدركه حواسنا بقدر ما تدركه في قليل من الأحيان مخيلتنا الإنسانية التي تمتلاء بعناصر الإبداع التي تقودنا إلى العبور فوق جسور هذه الحياة النائية إلى عوالم أكثر سحرا واقل شقاء, الم يصف الفيلسوف الألماني نيتشه هذا النموذج المضاد بالعظمة حين قال (( من يحوم فوق أعالي الجبال يستهزأ بجميع ماسي الحياة ويستهزأ بمسارحها بل بالحياة نفسها)) إذا ما كانت محض اندثار وموت بطيء, لذا نرى أولئك المبدعين من كل ميادين الحياة قد سعوا ولا زالوا يسعون إلى الارتقاء فوق الآلام. لكن هل يفهم القتلة ما في عيون قتلاهم وهل يدركون هذه المعاني السامية؟. ربما أبيات للمبدعة نازك الملائكة تجيب عن بعض من ذلك.........

يا رفات الأموات في الأرض ماذا رسم الموت فوق هذي العيون؟
أي رعب وحســــــــــــرة وشكاة أي معنى من الرجـــــاء الحزين؟
كل عينين فيهما صـــــــــور تبكي وتــــــــرثي للـــــعالم المغــرور
كل عينين تســــــــخران من العيش وتستـــــــهزئان بــالمقــــــــــدور
كل عينين تنــــــظران إلى الافقـــــ بــــــــعيدا عن كل مــا في الحـياة
آه يـــــــارب لو فــــــــــهم الأحياء مـــــــــــــــاذا في أعين الأمــوات

أما عن الأطفال وموقعهم في هذه التراجيديا فان نظرة خاطفة إلى عيونهم البريئة والى الأحزان التي بدأت تخط ملامحها مبكرة على وجوهم النضرة , ستكشف لك عن مدى الفوضوية التي تلف عالم اليوم في هذا العراق الذي تعشش فيه اكف القتلة . نظرة سريعة تكشف لك بصوت هادئ جميل رغم كل ما فيه من حزن, عن عتاب ممزوج ببكاء وبصرخات أليمة محبوسة في زوايا الروح الطفولية المعذبة قائلة بأي ذنب و لأي أمر نعذب في طفولتنا ؟ ولأي سبب تلاحقنا الآلام منذ مجيئا إلى الحياة حتى خروجنا منها مجبرين على أيدي القتلة والمجرمين بأي ذنب؟. وما من مجيب لصرخاتهم التي يصل صداها إلى السماء محمولة على أجنحة الطيور البيضاء إلى الأعالي فوق السحب فوق الجبال لتتساقط مرة أخرى ممزوجة بقطرات الحزن السماوي على ما حل بأطفالنا من ماسي عظام, فلماذا كل هذا؟ هل من مجيب؟.
لقد تساءلت مع نفسي في غمرة هذه اللحظة الدامية عن حال القتلة ماذا يفعلون الآن هل يأكلون أم يتحدثون ببطولة وبرجولة منقطعة النظير لأنهم قتلوا اليوم رجلا آخر يضاف إلى قائمة الجيدين من أبناء هذا البلد , هل يتمازحون الآن بينهم وهم يتصورون صرخات(( أم نزار)) هل يطربون الآن لسماع نشيج أخوته وأصدقائه أم إنهم الآن نائمون قريري الأعين بما صنعته أيديهم النجسة القذرة؟.
إنها لسخرية كبيرة تلك التي تعاملنا بها الحياة في هذه البقعة من بقاع الكرة الأرضية فهل هي بقعة ملعونة نزل عليها سخط الله؟ أم إن أناسها ملعونون وموعودون بآفة الحرب والدمار والتقتيل؟ أم إن أخيار هذه الأمة أصبحوا نهبا لكل فاسد لعين؟.
عندما أفتش في دفاتر الذكريات التي تملاء صفحتاها العتيقة رأسي المذهول بالأحزان, لا أجد سوى إجابات متناقضة عن كل ما يجول بخاطري من أسئلة, إلا إنني بعد أن عرفت أن ((نزار)) كان قد أوصى بعدم الصراخ عليه إذا ما قتل ( وكأنه هنا يردد من حيث لا يدري كلمات الصوفي العظيم جلال الدين الرومي حين قال (( في يوم وفاتي عندما يسيرون بنعشي لا تظن أني متألم لفراق هذا العالم لا تبك من اجلي ولا تقل وا أسفاه فوقوعك في مخيض الشيطان مدعاة للأسف, وعندما ترى نعشي لا تصرخ: الفراق فوصالي هو في هذا الزمان ولقائي, وحين أودع القبر لا تقل الوداع الوداع, فالقبر هو حجاب عن مجمع الجنان)) ) , أدركت حينها وبيقين عال أن الإنسان بمعناه الحقيقي الصادق هو رمز الخير الذي لم يزل في صراع مرير مع الشر بكل إشكاله والذي لم يزل حتى يومنا هذا ذو سطوة وقوة ونفوذ ويسعى بقدر جهده بكل وسائله إلى اقتطاف ثمار الخير حتى لا تنموا شجرته وتكبر أغصانه, لم يزل يصارع الخير فينا ويسرق منا أحبتنا , ولم يزل يجند شرار قومنا ليقطعوا رؤؤسنا, لكن المعركة لم تنتهي بعد والحياة ستستمر فالشر مهما كان قويا ومؤلما في ضرباته فانه لن يتمكن من أن يقلع الخير من جذوره أبدا.... أبدا. وهل يوجد في هذا المقام أجمل من كلمات المبدع جبران خليل جبران حين قال للأشرار(( انتم كثر وانأ وحدي فقولوا عني ما شئتم وافعلوا بي ما أردتم , فالذئاب تفترس النعاج في ظلمة الليل, ولكن آثار دمائها تبقى على حصباء الوادي حتى يجيء الفجر وتطلع الشمس)).
في الوقت الذي أحاول البحث فيه عن كلمات رثاء لصديقي الراحل ولكل من رحلوا عن عالمنا هذا ظلما وعدوانا, فلم أجد من بين الآلاف الكلمات الحزينة التي اكتسبناها من بيئة الحزن المثلى, ما ألوذ به عن حزني واعبر به عن صدمتي وخيبتي حيال الموت الرهيب الذي ينتظر كل منا وكأننا نقف في طابور كل ينتظر متى سيأتي دوره وكل يخدع نفسه بأن دوره لم يأتي بعد.... إلا أن الحقيقة أن دورنا قادم لا محالة إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه ففي كل يوم من أيامنا المغبرة سيكون هنالك ((نزار)) جديد نفقده من عالم الأخيار وفي كل يوم ستتعالى صرخات أمهاتنا وأطفالنا وفي كل يوم سنردد قول الراحلة نازك الملائكة
لكل جديدة لذة غير أنني وجدت جديد الموت غير لذيذ
لقد حاولت في هذه السطور رثاء صديق لي اعرفه جيدا وآخرون كثر لم اعرفهم أبدا في حياتي, أصدقاء لم أرهم أبدا ولم اعرف أسمائهم لم اعرف عنهم سوى أنهم جزء من عالم الخير الذي انتمي إليه بكل جوارحي, فهل وصلتكم كلماتي هذه أيها الأشرار ؟ وهل حركت فيكم شيئا من الإحساس؟ ألا تفكرون للحظة بنبذ العنف ورمي سلاحكم والكف عن قتل الأبرياء ؟ وهل جادت كلماتي أخيرا في رثاء ((نزار)) وبقية رفاقه الشهداء؟.
بعد كل هذا لا أجد غير كلمة واحدة اجمع فيها كل ما لم أتمكن من إيصاله بكلماتي السابقة, ليرحمكم الله وليطوق قبوركم بأكاليل من الزهور الحمراء كحمرة الدم الطاهر الذي نزفتموه على تراب هذا البلد , لتعطوا معنا جديدا للحياة , انه الخير المطلق الذي لا تعرف له حدود., ليرحمكم الله جميعا .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,799,948





- القوى الأمنية بلبنان تفتح معظم الطرق المغلقة.. وبدء توافد ال ...
- رسالة مفتوحة: حياة ربيع الأبلق في خطر
- هدوء حذر في لبنان بعد ليلة من الكر والفر بين المتظاهرين والأ ...
- إضراب وطني يومي 23 و24 أكتوبر الجاري بقطاع التعليم
- تصاعد المواجهات في لبنان.. قتيلان وعشرات الجرحى في اشتباكات ...
- القوى الأمنية اللبنانية تفرق المتظاهرين في وسط بيروت
- التحالف الشعبي الاشتراكي يؤكد علي برنامجه للخروج من الأزمة
- مساندة للمتظاهرين في لبنان...نادين الراسي تشعل الإطارات في ا ...
- غورباتشوف: الولايات المتحدة رائدة في تدمير المعاهدات الدولية ...
- أبو زينب اللامي.. من هو المتهم بقتل المتظاهرين في العراق؟


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - دياري صالح مجيد - في رثاء اصدقائي الشهداء