أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سعد محمد رحيم - شتائم ملوّنة






المزيد.....

شتائم ملوّنة


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 2207 - 2008 / 3 / 1 - 03:30
المحور: المجتمع المدني
    


ما أضخم قاموس شتائمنا، وكم هو غريب وغني ومتنوع؟.
لا أدري إن كانت هناك دراسات جادة قام بها أحد من علماء النفس أو الاجتماع أو الأنثربولوجيا عن مفردات وعبارات وأشكال وألوان ومناسبات قول الشتائم عندنا، والبحث في مغزى كل منها ودوافعها الخفية اللاشعورية ودلالاتها المختلفة.. شتائمنا تتراوح بين ما يُقال تعبيراً عن التودد والتحبب والإعجاب وبين ما يُقال تعبيراً عن الحقد والكراهية، وأيضاً عن الغضب أو اليأس.. ترانا نشتم الجميع وكل شيء. نشتم من نحبه، ونشتم من نكرهه. نشتم من نعجب به ونشتم من نستهزئ به. نشتم كل حالة وكل أحد بدءاً من أنفسنا وليس انتهاء بالحكومات والسلطات المختلفة.
لا أعرف شيئاً كثيراً عن قواميس شتائم الأمم البعيدة، لكنني أحسب أن قاموس شتائم اليابانيين والصينيين، في سبيل المثال، هي في غاية الفقر بالقياس إلى قواميس شتائم أمم أخرى. وتنعدم الشتائم أو تكاد عند القبائل البدائية، وهذا يعني أن الشتائم والسباب والتنابز بالألقاب ترتبط، بشكل ما، أحياناً وليس دائماً، بمستويات تحضر وتمدن أرقى.
إن أكبر المعامل لتفريخ الشتائم هي الأسواق والشوارع. وأظن أن من يعاني الفراغ يستهويه عالم الشتائم أكثر ممن لديهم أشغالهم. والتجمعات البشرية التي تفتقر إلى قواعد التهذيب تكون أقدر على توسيع قواميس شتائمها، وهذا ما نجده عند سكان الأحياء العشوائية التي تُقام على هوامش المدن، وكذلك في الكراجات والأسواق الشعبية، والشوارع الخلفية. وغالباً ما يتفاجأ الآباء بمفردات شتيمة يطلقها أطفالهم، قد لا يعرفون معناها، تعلموها في أثناء لعبهم مع أقرانهم في الزقاق أو المدرسة.
اليوم، تغدو مدرجات الملاعب مسارح للشتائم، بعضها ذات طابع عنصري مثل تلك التي تُطلق على اللاعبين السود من أمثال إيتو الكاميروني وديارا المالي في أسبانيا. غير أن بعض المختصين يقللون من شأن هذا النوع ويربطونه بسياقه، حيث الغضب والانفعال يصلان أوجهما في أثناء المباريات ليعود الشتّامون، بعد انتهاء المباريات إلى رشدهم وينسوا ما تفوهوا به. غير أن آخرين يعدّون هذه الملاعب مرايا للمجتمعات، تطفح عليها ما تضمر تلك المجتمعات في وعيها ولاوعيها من أفكار ومشاعر ورغبات وتصورات عن الآخرين.
أما أسوأ أنواع الشتائم فهي تلك التي يتبادلها المثقفون، إذ يستطيعون استثمار ملكاتهم التخيلية والإبداعية في ابتكار واستحضار وصناعة شتائم عجيبة وغريبة. وذات مرة اصطحبت صديقاً إلى مكان لالتقاء الأدباء والمثقفين، ووجدته مستغرباً وحين سألته عن الأمر قال إنه لم يكن يتصور أن من بين المثقفين والأدباء من هم قليلو تهذيب إلى هذه الدرجة!!.
هناك قضية أمام المحاكم الفرنسية رفعتها الزوجة السابقة للرئيس الفرنسي ساركوزي (سيسيليا ) لمنع كتاب يتناول حياتها وتقول فيها عن زوجها السابق أنه ( زير نساء ) وتعد هذه العبارة شتيمة. لكننا سنضحك طويلاً حين نرجع إلى مقالات بعض مثقفينا ونضع تلك العبارة/ الشتيمة ( زير نساء ) أمام ما يحفل به قاموسهم من شتائم بذيئة وسباب مقذعة واتهامات اعتباطية لا أول لها ولا آخر.
في كل يوم تطرق مسامعنا كميات هائلة من الشتائم من خلال الفضائيات، فحوارات كثيرة بين أناس نتوسم فيهم الأخلاق العالية تتحول إلى حلبة لتبادل الاتهامات التي هي في حقيقة الأمر شتائم مركّبة، وخطيرة، وتنطوي، في زمن مثل زمننا وفي جو مسموم مثل أجوائنا، على دعوة إلى القتل والانتقام. والأكثر إيلاماً حين تكون ثمة فضاءات سياسية تطبخ فيها القرارات والخطط المقررة لمصائر ملايين البشر مناسبات لانفجارات السباب والشتائم.
كنت أسمع عن شخص مسن يهتم بالسياسة ولا يترك جهاز المذياع الخاص به أبداً يستمع إلى نشرات الأخبار ( هذا قبل انتشار صحون الفضائيات ) ولم يكن يحب التلفزيون.. فكرت التقرب منه علني أجد عنده ما يفيدني من معلومات وخبرات لكني فوجئت أنه لم يتعلم من هيامه بالسياسة سوى كيل الشتائم الغريبة لهذه الجهة أو تلك.. تسأله عن حزب أو جماعة أو دولة كبيرة أو صغيرة فيغمرك بسيل ملون وواسع ومضحك من الشتائم.







الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,320,967,606
- مشكلاتنا ومشكلاتهم
- إيان مكيوان في -أمستردام-
- قصة قصيرة: ضاحية التيه
- هناك مع الوردة حلم زنزانة
- السرد وميثاق التخييل
- ماركس الناقد
- غوايات القراءة: -أن تحسب حصاد السنين بعدد الكتب التي قرأت-
- بحثاً عن ماركس
- رعد عبد القادر ومؤيد سامي: في ذكرى رحيلهما المبكر
- استعادة ماركس
- أسئلة عام جديد
- كاواباتا في ( العاصمة القديمة )
- أحلامنا المؤجلة
- قيم السرد بين كالفينو وإيكو
- حروب المياه
- ( العمى ) لساراماغو
- حفلة التيس؛ فضح البلاغة الرثة للديكتاتورية
- على قلق..
- تباشير فكر النهضة في العراق: 8 نحو الراديكالية
- تباشير فكر النهضة في العراق: 7 بطاطو، والطبقة الوسطى العراقي ...


المزيد.....




- مقتل واعتقال 24 إرهابيا بعمليتين منفصلتين شمالي وغربي العراق ...
- تفاصيل جديدة صادمة حول اعتقال رجلي استخبارات إماراتيين في تر ...
- احتدام المعارك في طرابلس تدفع الأمم المتحدة لنقل اللاجئين من ...
- فرنسا: مئات المدافعين عن البيئة يتظاهرون بحي الأعمال -لاديفا ...
- الجزائر: الشرطة تجدد قمع المظاهرات
- حقيقة اعتقال رجلي استخبارات إماراتيين في تركيا على صلة بـ-مق ...
- اعتقال مخبرين -يعملان للإمارات- في تركيا
- الأمم المتحدة تصدر بيانا بشأن تصريحات مسربة عن مبعوثها في لي ...
- الجزائريون يتظاهرون ويطالبون برحيل جميع رموز حقبة بوتفليقة
- الأمم المتحدة تبدأ إجلاء لاجئين من ليبيا إلى النيجر بسبب الم ...


المزيد.....

- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سعد محمد رحيم - شتائم ملوّنة