أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - بين زيارتين رئاسيتين: بوتين يحقق نقلة نوعية كبرى في الجيوبوليتيكا العالمية















المزيد.....


بين زيارتين رئاسيتين: بوتين يحقق نقلة نوعية كبرى في الجيوبوليتيكا العالمية


جورج حداد
الحوار المتمدن-العدد: 2190 - 2008 / 2 / 13 - 10:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في اواسط شهر كانون الثاني المنصرم تمت زيارتان رئاسيتان استقطبتا الاضواء العالمية: زيارة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش الى اسرائيل و"الاراضي الفلسطينية" ومصر وبلدان الخليج "العربية جدا!!!"؛ وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى بلغاريا الصغيرة. وكان الشيء المشترك الوحيد بين الزيارتين هو ان الرئيسين هما في الاشهر الاخيرة من عهديهما. وقد تبدت الفوارق الكبرى بين "الدمقراطية" الاميركية و"اللادمقراطية" الروسية، في ان الرئيس بوش ترك خلفه كرنفال صراع الديوك (بالاذن من انوثة السيدة هيلاري كلينتون، التي لا تقل بأية حال عن انوثة مونيكا لوينسكي) لاختيار مرشحي الحزبين الجمهوري والدمقراطي لانتخابات الرئاسة المقبلة؛ في حين ان بوتين اصطحب معه المرشح الاوفر حظا لـ"خلافته" وهو دميتري ميدفيدييف، نائب الرئيس الاول لرئيس الوزراء الروسي (ومع ان الاخير وصل في طائرة مستقلة، بعد بوتين بساعتين، فهذا لا يقلل من شأنه في بورصة الكرملين).
وقد حققت زيارة بوش فشلا ونجاحا هما:
1 ـ حرض بوش ما استطاع التحريض مضيفيه "العرب" ضد ايران. ولكنه فشل في ان يـَعد حلفاءه في المنطقة بأن اميركا ستشن (بالنيابة عنهم) حربا على ايران، شبيهة بالحرب على افغانستان والعراق، وذلك لاسباب تتعلق بنوع من "انفلونزا الصقور" اصيب به نائب الرئيس الاعظم "ديك تشيني" الذي تخلف عن الزيارة، وفاته ان يشارك مع رئيسه في رقصة العرضة الخليجية وفي مشاهدة بعض سباقات الهجن والخيل والحمير ادامها الله نعمة تالدة على الامة العربية الخالدة. ومع ان فخامته حصد بعض عقود بيع الاسلحة بعشرات مليارات الدولارات، الا انه فشل ايضا في اقناع قادة دول الخليج المهفهفين المرفهين في ان يشنوا هم (نيابة عن اميركا) الحرب على ايران. ويعزى هذا الفشل لسببين، الاول بسيط جدا هو ان اميركا، التي جاءت سابقا بـ"البعث" الى السلطة في العراق، لا تستطيع اعادة صدام حسين و"بعثه" الى الحياة. والثاني اكثر بساطة هو انه لا يوجد بين جميع حكام الخليج من يتمتع بالصلافة والغباء اللذين كان يتمتع بهما نظام صدام حسين، كما لا يوجد "بعث" في بلدان الخليج يمكن ان يسد "الفراغ" الذي تركه "بعث صدام".
2 ـ اما في اسرائيل و"الاراضي الفلسطينية"، فقد نجح بوش ايما نجاح:
اولا ـ في إقناع اولمرت بنجاعة تطبيق شعار "افضل فلسطيني هو الفلسطيني الميت"، المأخوذ عن التجربة التاريخية "الحضارية" و"الدمقراطية" و"الانسانية" للولايات المتحدة الاميركية، التي قام بنيانها فوق جماجم الهنود الحمر، عملا بشعار "افضل هندي احمر هو الهندي الاحمر الميت".
وثانيا ـ في اقناع "السلطة الوطنية الفلسطينية"، المكللة بغار اوسلو، برئاسة الرئيس الافخم محمود عباس، وساعده الايمن محمد دحلان، اطال الله عمرهما، في ان تتحول ـ اي السلطة الوطنية (جدا!!!) ـ الى جمعية خيرية لدفن الموتى ونواطير للمقبرة الجماعية التي تحفرها اميركا واسرائيل للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.
ونترك غزة في غياهب الظلام، ونترك الجيش الاسرائيلي مشغول في تطبيق نصائح بوش، بقصف الفلسطينيين "على العمياني"، فكيفما اصاب واينما اصاب يصيب "ارهابيا" فلسطينيا، على الاقل كرمى لعيون انصار اميركا الجدد: البارزاني والطالباني وفخري كريم وصلاح بدرالدين وكريم مروة والياس عطالله وجعجع وجنبلاط والحريري وشركاهم في العراق ولبنان وغيرهما، الذين اصبح كل همهم وشغلهم الشاغل الدفاع عن "القيم الحضارية والدمقراطية الاميركية" ومحاربة كل شكل من اشكال المقاومة للامبريالية والصهيونية، وهو ما يسمونه "ارهابا" و"ظلامية" وحتى "قدحا وذما" بمعالي الرئيس الافخم جلال طالباني؛ ونأتي للنظر فيما حققته زيارة بوتين الى بلغاريا:
دامت الزيارة الرسمية يومين فقط، وقع خلالهما المسؤولون الروس والبلغار الاتفاقات التالية:
1 ـ اتفاق لبناء محطة ذرية لتوليد الطاقة الكهربائية في منطقة تسمى "بيليني"؛ وهو ما ستبلغ تكاليفه 3،8 مليار يورو، سيقوم الروس بتغطيتها بموجب اتفاقات لاحقة.
2 ـ اتفاق نقل سكك حديد وبحري للركاب عبر البحر الاسود؛ الامر الذي سيسهل ويشجع السياحة بين البلدين وعبرهما.
3 ـ اتفاق لمد خط انابيب للنفط في الاراضي البلغارية (المسمى: بورغاس ـ الكسندروبوليس)، الذي سينقل النفط من وعبر روسيا الى البحر الابيض المتوسط في اليونان، بدون المرور في تركيا.
4 ـ اتفاق لمد انبوب غاز، وهو ما يسمى "السيل الجنوبي"، لنقل الغاز الى اوروبا الغربية، والذي سيمر عبر الاراضي البلغارية، ومنها الى صربيا، فإيطاليا واوروبا الغربية. وينص هذا الاتفاق على ان تكون حصص ملكية الانابيب المارة في بلغاريا 50/50% لكل من روسيا وبلغاريا، كما سيتم تسجيل الشركة مالكة الانابيب في بلغاريا، وبالتالي فإن الضرائب المترتبة على الشركة ستدفع لبلغاريا، هذا عدا رسوم الترانزيت. ويقول الاختصاصيون ان ارباح بلغاريا من نقل الغاز عبر اراضيها لن تقل عن 300 مليون دولار سنويا. ووعد الطرف الروسي بأن يتم تأمين الحاجة المتنامية لبلغاريا من الغاز من خلال انبوب "السيل الجنوبي". وينص الاتفاق على ان يتم ضخ 31 مليار متر مكعب سنويا لمدة 30 سنة قابلة للتجديد 5 سنوات اخرى.
اما في صربيا فإن شركة "غازبروم" الروسية، التي تتولى المشروع، ستدفع 400 مليون يورو الى "شركة النفط الصربية" مقابل 51% من اسهمها، كما ستوظف في صربيا 500 مليون يورو اخرى، وتربط شبكة توزيع الغار الصربية بخط "السيل الجنوبي" الذي سيمر الى اوروبا الغربية عبر صربيا.
5 ـ اتفاق تعاون سياحي شامل.
6 ـ اتفاق تعاون ثقافي ، تعليمي وعلمي.
7 ـ اتفاق اقامة مهرجان للثقافة الروسية في بلغاريا سنة 2008.
8 ـ اتفاق نقل بقايا الوقود الذري المشغول في مختبرات الجامعة البلغارية، الى روسيا.
9 ـ واخيرا، فإن احد اعضاء الوفد الروسي كان رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف. وقد التقى الاخير برئيس بلدية صوفيا السابق ستيفان صوفيانسكي، ورئيس بلدية صوفيا الحالي بويكو بوريسوف، ووعد بأن تقوم بلدية موسكو بمساعدة بلدية صوفيا في بناء المترو (قطار الانفاق) في صوفيا، تحت الارض وفوق الارض.
والجدير ذكره ايضا ان التبادل التجاري بين البلدين قد تضاعف في الفترة الاخيرة وبلغ 3،4 مليار دولار. ولكن الميزان التجاري لا يزال يشوبه خلل كبير، لصالح روسيا، لان الصادرات البلغارية الى روسيا قد انخفضت كثيرا، بعد "التحول الدمقراطي" في 1989، الذي كانت اولى نتائجه "المثمرة" تخريب ونهب مختلف قطاعات الصناعة البلغارية، وقد ازداد وضع الانتاج البلغاري صعوبة خصوصا بعد ارتفاع اسعار النفط والطاقة الكهربائية (وبالتالي ارتفاع اسعار السلع البلغارية وضعف قدرتها التنافسية) بعد اجبار بلغاريا من قبل الاتحاد الاوروبي على ايقاف العمل في المحطة الذرية القديمة لتوليد الطاقة الكهربائية المسماة "كوزلودوي"، ذات الطراز الروسي القديم الشبيه بمحطة تشرنوبيل التي انفجرت وسببت كارثة بيئية سنة 1985. وقد صرح رئيس الوزراء سيرغيي ستانيشيف بأن الدولة البلغارية يمكن ان تخصخص (تبيع لشركات خاصة، الارجح ان تكون روسية) محطة "كوزلودوي"، بحيث تتولى الشركة الخاصة التفاهم مع الاتحاد الاوروبي على اعادة تأهيل المحطة بحسب المواصفات والتكنولوجيا الحديثة المقبولة اوروبيا، لاعادة تشغيلها.
لا شك ان اهم هذه الاتفاقات هي الاتفاقات المتعلقة بالطاقة (النفط والغاز والطاقة الذرية)، التي هي عصب الاقتصاد البلغاري والاوروبي والعالمي، والتي تكتسب اهمية متزايدة، بسبب تزايد الطلب العالمي، من جهة، ونضوب الموارد الاميركية، ومحدودية القدرة على زيادة الانتاج، والاضطرابات الامنية والحروب، من جهة ثانية، مما يجعل اسعار النفط تتزايد بسرعة هائلة تفوق بأشواط سرعة نمو الانتاج العالمي والتضخم وزيادة التوظيفات، مجتمعة.
وبحسب تقديرات بعض المطلعين على بواطن الامور، فإنه كان من الصعب جدا، بل المستحيل، لبلغاريا ان تجرؤ على توقيع مثل هذه الاتفاقات، ومن ثم اتخاذ مثل هذه الخطوة التعاونية الحاسمة مع روسيا، لو لم تكن ـ اي بلغاريا ـ قد انتسبت مسبقا الى "الحلف الاطلسي" المعادي لروسيا، والى الاتحاد الاوروبي، الذي لا يزال الى حد كبير يعاني من النفوذ الاميركي. فمثل هذه النقلة كانت بالتأكيد ستغلق امام بلغاريا باب الدخول الى الحلف الاطلسي والاتحاد الاوروبي. ولكن الآن "سبق السيف العزل". والحلف الاطلسي والاتحاد الاوروبي لم يعد بامكانهما "فصل" بلغاريا، ولكنه سيصعب عليهما بعد الان "بلعها"، اي "بلع" دورها كـ"حصان طروادة" حقيقي لروسيا داخل الحلف والاتحاد.
وقرار جعل شركة نقل الغاز "السيل الجنوبي" شركة مسجلة في بلغاريا التي ستمتلك 50% من اسهمها، له (عدا الفوائد الاقتصادية لبلغاريا غير ذات الاهمية في الحسابات الدولية) اهمية سياسية (سيادية) كبرى، حيث سيعود لبلغاريا ولو نظريا، مثلما لروسيا تماما، حق التحكم بالانبوب، من حيث التشغيل والتوقيف والتقنين الخ. وهذا يضع بلغاريا الصغيرة في موقع سياسي تقريري تجاه اوروبا الغربية كلها، ويتيح لها "التكتكة" السياسية (والاقتصادية، والستراتيجية) مع روسيا، حسبما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا لكل من البلدين. واذا اجرينا مقارنة مع التدخل الغربي ـ الصهيوني السابق في الشؤون الداخلية الروسية (خصوصا عبر قضية الشيشان)، وفي الشؤون الداخلية ليوغوسلافيا، ثم لصربيا، اللتين جرى تمزيقهما وتدميرهما لصالح المخططات الاطلسية وعصابات المافيا الاميركية ـ الالبانية المشتركة، فإنه سيصعب بعد الان فعل الشيء نفسه في بلغاريا، لانه ـ في حالة اي تهديد للامن الوطني لبلغاريا ـ فإن حلف الاطلسي كله وخصوصا القواعد والجيوش الاميركية، واوروبا الغربية كلها، سيدفعان ثمنا غاليا جدا، ان في امنهما العسكري او في امنهما الطاقوي خاصة والاقتصادي عامة. كما ان مكانة بلغاريا في الاتحاد الاوروبي ستصبح اكبر وزنا، لان اوروبا الغربية ستصبح بحاجة اكثر الى بلغاريا، مثل واكثر من حاجة بلغاريا اليها.
لقد علقت جريدة "كومسومولسكايا برافدا" تقول: "ان بوتين خطف بلغاريا من اميركا". وربما لهذا السبب، استدعت واشنطن سفيرها في موسكو للعودة بسرعة، كما سرت اشاعات تناقلتها وسائل الاعلام، منها التلفزيون الروسي "فيستي" تقول بأنه ربما يتم ترشيح السفير الاميركي في صوفيا، جون بايرلي، ليصبح هو سفير واشنطن في موسكو، ربما في محاولة لربط الخيوط من اجل "فهم" حقيقة ما جرى. وتقول اذاعة "داريك راديو" البلغارية غير الحكومية ان تعيين بايرلي في موسكو هو منطقي، لانه مختص بشؤون بلدان المنظومة السوفياتية السابقة، وسبق له ان عمل مرتين في موسكو، وفي المرة الثانية كان هو الرجل الثاني في السفارة. وقبل مجيئه الى صوفيا كان يعمل بصفة مستشار لوزير الخارجية الاميركية في شؤون بلدان المنظومة السوفياتية السابقة. ولكن ادارة جورج بوش لم تستفق حتى الان من اثار الصفعة التي وجهها اليها بوتين في صوفيا.
وقد صرح زعيم المعارضة الابرز، رئيس الوزراء السابق ايفان كوستوف "ان بلغاريا اصبحت بوتينية اكثر من روسيا"؛ وان "بلغاريا يجب ان تكون اوروبية".
ولكن رئيس الجمهورية البلغارية غيورغي برفانوف رد على مثل هذه الاطروحات وحيدة الجانب بالقول: "ان التخيير التعجيزي "اما مع اوروبا، واما مع روسيا" هو تخيير مزيف وغير موجود... لقد برهنا ان هذا وذاك هو ممكن. وان توقيع الاتفاقات الطاقية الكبرى اعاد بلادنا مجددا الى المباراة. وان بلغاريا ستصبح مجددا عاملا ستراتيجيا في صنع، الدفاع عن، وتطبيق السياسة الطاقية الاوروبية".
وطبعا ان الامساك بالحلقة المركزية للطاقة تجر وراءها كل سلسلة السياسة الاوروبية والعالمية. واول الغيث، كما يقال، ما جاء على لسان الرئيسين بوتين وبرفانوف في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقداه بعد توقيع الاتفاقات الاخيرة. ففي سؤال عن قضية "كوسوفو" التي تخطط اميركا لفصلها عن صربيا (مثلما تخطط لتمزيق العراق وغيره من البلدان العربية، تحت شعارات "الفوضى البناءة" و"الشرق الاوسط الجديد" و"الدمقراطية" وحقوق الانسان" و"الليبيرالية" التي تبخر لها جريدة "المدى" العراقية لصاحبها (طبعا: صاحبها!!) فخري كريم)؛ اجاب برفانوف "ان ما يهمنا كثيرا هو التوصل الى موقف موحد في اطار الاتحاد الاوروبي، وان لا تكون مشكلة "كوسوفو" خط تقسيم جديد بين البلدان الاعضاء". واجاب بوتين: "ان الاعلان الوحيد الجانب لاستقلال كوسوفو هو قرار غير قانوني وغير طبيعي. وروسيا لن تؤيد مثل هذا القرار". وطبعا ان عملية فصل "كوسوفو" عن صربيا لن تسير بعد الان بالسهولة التي كان يتوخاها جورج دبليو بوش.
وقد علقت الجريدة الالكترونية الروسية "برافدا" على توقيع اتفاقية خط نقل الغاز المسمى "السيل الجنوبي" تقول "ان بوتين وجه ضربة ثلاثية الى القوى المعادية لروسيا". اذ انه، بالاضافة الى استمالة بلغاريا، استبعد تركيا واوكرانيا ـ المواليتين للغرب ـ عن ان يكون لهما دور في هذه العملية الكبرى.
وباختصار شديد يمكن القول، مثلا، ان بلغاريا الصغيرة قد قدمت درسا تاريخيا لجميع الدول العربية مجتمعة، في كيفية استخدام ولو الموقع الجغرافي لوحده في اللعبة الجيوبوليتيكة العالمية. اما الدول العربية، التي تملك النفط والغاز والوف مليارات دولارات الودائع في البنوك الاميركية والاوروبية، والامتداد الجغرافي على مدى القارات والبحار والمحيطات، ومئات ملايين البشر، واطفال الحجارة في فلسطين، وابطال المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، والعلاقة الحضارية الانسانية الروحية مع الشعوب الاسلامية، فإنها ـ هذه الدول "العربية!!!"، بانظمتها الرجعية والتقدمية، الوطنية والثورية والعميلة، سواء بسواء ـ لا تستطيع ان تمون على جورج بوش حتى ان يوقف، على الاقل، قتل الاطفال والمدنيين الفلسطينيين ومنع الغذاء والدواء والكهرباء عن غزة.
واذا تجاوزنا الاطار البلغاري المحدود، ونظرنا الى الاتفاقات الاخيرة التي انجزها بوتين في بلغاريا، من المنظار الروسي الاكبر والاوسع، فيمكننا ببساطة ان نرى ما يلي:
1 ـ ان روسيا قد دخلت بقوة في ميدان سوق الطاقة (نفط، غاز، طاقة ذرية)، مستندة الى امكانياتها الذاتية، تحالفاتها، موقعها الجغرافي الممتد من حدود الصين الى داخل اوروبا، وطبعا قدراتها المالية والاقتصادية والعسكرية التي تجعل لكلمتها "وزنها" و"وقعها" الخاص.
2 ـ واذا ربطنا هذه الاتفاقات، بقيام روسيا، عشية زيارة بوتين الى بلغاريا، بتزويد ايران بالوقود النووي، ضاربة عرض الحائط بكل الاعتراضات المغرضة وغير المبررة لاميركا، فإنها ـ اي روسيا ـ ضمنت الى درجة شبه مؤكدة ان تشكل مع ايران جبهة موحدة في نطاق سوق الطاقة (بكل اشكالها)، وهذا يعني ان روسيا ستستطيع من الان فصاعدا ان "تمون" اكثر من اي وقت مضى، على ايران، في عملية بيع ونقل الطاقة: كم، وبكم، وماذا، ومتى، واين، والى من؟ بصرف النظر عن الجوانب الايديولوجية والدينية الخ. والشيء ذاته ينطبق على الدول "السوفياتية" السابقة، ذات الاحتياطات الطاقية (النفط والغاز وربما اليورانيوم).
3 ـ ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن روسيا وايران والجمهوريات الاسلامية "السوفياتية السابقة"، اذا وحدت مصالحها الاقتصادية، فإنها قادرة عسكريا ليس فقط على الدفاع بجدية عن نفسها، بل وعلى تهديد وتدمير اي قوة اخرى في العالم، وبالاخص الحلف الاطلسي وعلى رأسه اميركا وحليفتها الستراتيجية في المنطقة، اي اسرائيل. بل ان اسرائيل ستصبح "عقب اخيل" (نقطة ضعف) للستراتيجية الاميركية، كونها ستصبح "رهينة" في قبضة حلف روسي ـ ايراني ـ اسلامي يمكنه اذا دعت الضرورة ان يسحقها كحشرة صغيرة في اي لحظة.
4 ـ اذا كانت اوروبا الغربية لم تعد تخشى "الشيوعية!!!" بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبالتالي لم تعد بحاجة للمظلة العسكرية الاميركية، فإنه اذا رفعت روسيا المظلة الطاقوية التي تفرضها اميركا حتى الان على اوروبا الغربية، واصبح تزويد اوروبا بالطاقة (النفط والغاز) شأنا "اوروبيا داخليا" اي شأنا اوروبيا شرقيا ـ اوروبيا غربيا، اي شأنا روسيا خاصة ـ اوروبيا عامة، فإن السياسة الاوروبية برمتها ستصبح قادرة اكثر من اي وقت مضى ان تنحى منحى اكثر استقلالية عن اميركا والصهيونية العالمية، وهو ما ينسجم تماما الانسجام مع المصالح الوطنية لجميع البلدان الاوروبية التي وضعتها اميركا تحت وصايتها الاقتصادية ـ السياسية ـ العسكرية بواسطة "مشروع مارشال" و"حلف الناتو" بعد الحرب العالمية الثانية وفي ظروف الحرب الباردة.
5 ـ ان تركيا، من جهة، وباكستان، من جهة ثانية، والدول العربية النفطية "المحافظة" (ومعها الان العراق وليبيا)، من جهة ثالثة، التي سبق لها جميعا وحاربت روسيا في افغانستان (باسم محاربة الشيوعية!!!) وفي الشيشان (بالشيوعية وبدون الشيوعية!!!)، فإنها ستبدأ تفكر بشكل اكثر عقلانية، ستراتيجيا، سياسيا واقتصاديا، وخصوصا فيما يتعلق باقتصاديات الطاقة، لان كل القدرة الروسية في ميدان الطاقة البديلة ولا سيما الذرة قد بدأ وضعها في الميدان بقوة منذ الان. وروسيا، كما هي قادرة على الدخول كلاعب قوي في سوق الطاقة التقليدية (النفط والغاز، وحتى الفحم الحجري)، فهي قادرة على الدخول بشكل اقوى في عملية الطاقة البديلة، الذرية خصوصا. وهو ما سيؤثر في المستقبل المنظور على سوق النفط والغاز. وقد ادركت ايران في الوقت المناسب هذا الواقع المتحرك، وبدأت منذ الان في "اللعب" مع روسيا على هذا الصعيد؛ قبل اي من الدول العربية النفطية. ولا يعود ذلك الى ان القيادة الايرانية هي "اكثر ذكاء" واكثر مواكبة للتطورات العلمية والاقتصادية، بل لكونها ـ اي ايران ـ اكثر "تحررا" من النفوذ الاميركي، وبالتالي "اكثر استقلالية وعقلانية" في التفكير والتقرير.
6 ـ لقد استطاعت الصين ان تحارب اميركا والعالم الغربي وان تدك اسوارهما التجارية بالمدفعية الهائلة التي تدك اعتى الاسوار كما يقول كارل ماركس، وهي مدفعية "السلعة الرخيصة"، المعتمدة على اليد العاملة الرخيصة بشكل نسبي ومطلق. وقد امكن للاقتصاد الصيني ان يحقق ذلك لسببين: اولا ـ بفضل الحسنات الكبرى للاقتصاد المركزي الموجه (حتى لا نقول "الاشتراكي"!!؛ لندع جانبا الاكاذيب الديماغوجية الستالينية ـ الخروشوفية!!) الذي وفرته السلطة الثورية للحزب الشيوعي الصيني. وثانيا ـ ان الصين "قبل الشيوعية!!!" كانت بلدا شديد التخلف يموت فيه الناس من الجوع بالملايين وعشرات الملايين كل سنة. وفي مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني سنة 1959 (لا اذكر للاسف رقم المؤتمر)، اي بعد 10 سنوات من استلام الحزب الشيوعي الصيني للسلطة، تفاخر المؤتمر بأنه حقق انجازا وطنيا عظيما، وهو طبعا كذلك، في انه لم يعد احد يموت من الجوع في الصين، وبأن افقر صيني اصبح يحصل على الاقل على وجبة طعام واحدة في اليوم. وحينما هتف احد خطباء المؤتمر ان الحزب استطاع توفير وجبة غذاء على الاقل في اليوم لكل صيني، ضجت قاعة المؤتمر بالتصفيق. وقد نجح الحزب الشيوعي الصيني في الربط بين الريف والمدينة، بحيث اصبحت الزراعة شكلا من اشكال الصناعة من حيث ارتباطها بالتخطيط المركزي، وبلترة اليد العاملة في المدينة والريف على السواء. ان هذا "التاريخ" المجاعي للشعب الصيني + الطبيعة الاستبدادية، الانتهازية والديماغوجية، للبيروقراطية الصينية الحالية (التي نجحت ايما نجاح في تغطية ابشع اتجاهاتها الرأسمالية بأجمل الاقنعة "الثورية!" و"الاشتراكية!") قد حولتا المواطن الصيني المخدوع الى ضحية لمركـّب الارهاب "البروليتاري!" والتضليل البرجوازي، وبالنتيجة الى عامل مطواع و"قنوع" يشكر ربه انه لا يزال حيا، ولم يرم في الشارع ليموت جوعا او بطلقة رخيصة في قفا رأسه اذا فتح فمه بأي اعتراض. و"البروليتاريا" الصينية اليوم تعد مئات ملايين البشر. والمواطن الصيني العامل يكتفي بالحد الادنى المعيشي الذي يقرره له التخطيط المركزي ويرضى بما "يقسم" له، حتى ولو كان وجبة واحدة في اليوم. بحيث ان اجرة العامل الصيني، في الحساب الاقتصادي البحت، هي ادنى اجرة عمالية في العالم، مقارنة بالانتاج الضخم للصين. وبنتيجة هذه "الاشتراكية الكاريكاتورية" فإن البروليتاريا الصينية اليوم ليست "طبقة لذاتها" تقرر مصيرها بنفسها، بل "طبقة في ذاتها"، منزوعة الارادة الحرة ومستعبدة، تديرها بيروقراطية "اشتراكية!" مزيفة ورأسمالية حقيقية، انتهازية فاسدة، وذات تطلعات رأسمالية ـ احتكارية وامبريالية تابعة (لاميركا تحديدا). اي انها ـ اي البروليتاريا الصينية ـ في المرحلة التاريخية الراهنة، تمثل كتلة سديمية من البشر، عديمة التطلع الانساني، تكتفي بالحد الادنى المعيشي المقرر لها، فتأكل وتعمل وتتناسل وتنام، دون ان يكون لها رأيها الحر لا في مصيرها الذاتي، ولا في مصير وطنها، ولا في مصير العالم. وهذا هو "سر" قوة السلعة الصينية (اي:رخصها، كنتيجة لـ"رخص" اليد العاملة الصينية).
وبعد الانفتاح الصيني على اميركا، فإن الاحتكارات الاميركية الكبرى قد انتبهت الى تركيبة النظام الصيني "الاشتراكي!!!" المزيف، واستغلت رغبة هذا النظام في الحصول على التوظيفات الرأسمالية الاجنبية، كي تصب الرساميل الاميركية واليهودية بشكل هائل في الصين. واذا ظلت الامور "الصينية" سائرة على ما هي عليه اليوم، فإن اكبر خطر اقتصادي ـ اجتماعي، سياسي وعسكري، اصبح يتهدد المجتمع الانساني برمته في المستقبل المنظور، هو امكانية تحويل الصين الى شبه مستعمرة للاحتكارات الرأسمالية الاميركية ـ الصهيونية (تحت ستار "التعاون" او "التحالف" الاميركي ـ الصيني) والجمع بين الرأسمال الاحتكاري الاميركي ـ الصهيوني و"البروليتاريا" (= اليد العاملة الرخيصة والجيوش الارخص) الصينية. ولكن "الفجوة" الستراتيجية (اقتصاديا ـ سياسيا ـ عسكريا) الرئيسية التي تعاني منها الصين هي حاجتها الى الطاقة من الاسواق الخارجية. والعملاق الصيني، بدون مصادر للطاقة خاصة به، هو ليس فقط عملاق يقف على رجلين من خزف، بل هو كله عملاق من خزف. وتحرك روسيا على الجبهة العالمية للطاقة، وامكانية تحولها الى "اللاعب" الاول عالميا على هذه الجبهة، هو الضمان الاول لـ"تشجيع" القيادة الانتهازية الصينية لان تفكر عشر مرات قبل الارتماء التام في احضان اميركا، ولأن تدرك ان المصلحة القومية للصين (ومن ثم احتمالات بقاء تلك القيادة ذاتها، اذا استجابت لتلك المصلحة) هي في التعاون معها، اي مع روسيا وحلفائها، ولن تكون ابدا في احتمالات الانجراف في المخططات الاميركية التي لم ولا تدخل بلدا او منطقة الا وخربتهما.
XXX
ويقول بعض المطلعين على الشؤون الروسية، ان هذه النقلة النوعية التي حققتها روسيا في بلغاريا، على الجبهة الطاقية باتجاه اوروبا الغربية، من المرجح ان يتبعها نقلات مشابهة اخرى، بالتعاون مع ايران، باتجاه البلدان العربية والاسلامية والافريقية؛ وبالتعاون مع فينزويلا، باتجاه اميركا اللاتينية وكندا، لمحاصرة اميركا طاقيا ودفعها للتخلي تدريجيا عن سياسة الهيمنة التي تمارسها حاليا على جميع دول العالم، باستثناء روسيا "البوتينية".
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
* كاتب لبناني مستقل






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- من كاتون الكبير الى بوش الصغير: -قرطاجة يجب ان تدمر!-
- -3 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الث ...
- 2 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثو ...
- 1 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثور ...
- عقدة كيانية سايكس بيكوية، حلها في الميدان لا في البرلمان
- حوار الطرشان ... حقا طرشان!!!؛
- العداء الاستعماري الغربي للشرق العربي، و-الوعد الشيطاني-؛
- الشهيد ياسر عرفات... ضحية وهم -السلام- مع اسرائيل
- وأي رئيس جمهورية يريد حزب الله؟!
- وثيقة شيوعية بلغارية تفضح التواطؤ الستاليني الصهيوني
- العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي
- حرب تموز 2006، والخطة -السلمية- الاميركية لاحتواء حزب الله
- الفتنة ليست طريق الخلاص لسوريا
- اغتيال الشيخ رفيق الحريري وصراع الكتل المالية الدولية للسيطر ...
- نحو جبهة أممية موحدة
- نحو بناء التنظيم الشيوعي الثوري العربي الموحد
- احمدي نجاد ليس معتوها، بل -العرب- متخاذلون!
- 1 العلاقة التناحرية الروسية الصهيونية،والمصير الملتبس لاسر ...
- اذا خضعت حماس، هل سيخضع حزب الله؟!
- الخطر الاعظم: هل يستطيع الشيطان الاكبر إخضاع لبنان الصغير ال ...


المزيد.....




- صور جديدة للملكة إليزابيث والأمير فيليب بالذكرى الـ 70 لزواج ...
- الرئيس اللبناني لأمين عام الجامعة العربية: لا يمكن قبول إيحا ...
- ألواح طينية لتحديد مواقع المدن المفقودة!
- وزير الخارجية القطري: من مصلحتنا أن تبقى مصر آمنة ومستقرة
- 5 قدرات عسكرية تعول عليها إيران في أية مواجهة محتملة
- تجاوزات مالية ضخمة في قطاع الحرس الوطني السعودي
- مباحثات المصالحة الفلسطينية
- كبير مستشاري أردوغان: الناتو لم يعد الخيار الوحيد بالنسبة لن ...
- زلزال جديد بقوة 5.3 درجة يهز منطقة حدودية بين العراق وإيران ...
- كلمة الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله بشأن التطو ...


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - بين زيارتين رئاسيتين: بوتين يحقق نقلة نوعية كبرى في الجيوبوليتيكا العالمية