أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عزو محمد عبد القادر ناجي - مفهوم عدم الاستقرار السياسي في الدولة






















المزيد.....

مفهوم عدم الاستقرار السياسي في الدولة



عزو محمد عبد القادر ناجي
الحوار المتمدن-العدد: 2189 - 2008 / 2 / 12 - 10:09
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    



يختلف مفهوم عدم الاستقرار السياسي بين الباحثين والدارسين للأبحاث والدراسات المجتمعية التي منها الدراسات السياسية ، ذلك أنه يكاد لا يوجد مجتمع سياسي يخلو من هذه الظاهر ، كونه مفهوم نسبي ، تزداد حدته في الدول المتخلفة بنسبة أكبر من الدول المتقدمة .
فالبعض يرى أن الإضرابات والمظاهرات ضد السلطة القائمة هي نوع من عدم الاستقرار السياسي، لكن يرى البعض الآخر أنها مجرد تعبير عن حيوية المجتمع بحيث تطفو على السطح التناقضات الموجودة فيه ، ويرى آخرون أن التقلبات الوزارية ( ) الكثيرة وأعمال الشغب وتغيرات النظام نفسه عبر الإطاحة به لا يشكل عدم استقرار باعتبارها شيء من التعبير عن حرية الرأي ، لأن تقلبات الحكومات الوزارية لا يعني تغيير في شخصيات الوزراء ، أما أعمال الشغب فهي مسائل نسبية ، وتغير النظام من شكل لأخر أو سقوطه، لا يعني أنه غير مستقر لأنه قد يبقى نظام ما في الحكم لمدة طويلة ويشرف على الانهيار ،رغم أنه يتداعى بشكل بطئ ، مثل الجمهورية الفرنسية الثالثة التي استمرت لمدة ( 70 ) سنة .
وأهم المفاهيم التي قدمها الباحثين لتعريف عدم الاستقرار السياسي هو مفهوم قدمه حمدي عبد الرحمن حسن ، والذي يرى فيه أن عدم الاستقرار السياسي هو : "عدم قدرة النظام على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح ، وعدم قدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها ، ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة ،وتناقص شرعيته ، وكفاءته من جهة أخرى"، فهذا التعريف يدرك أن وجود التناقض في المجتمع مع استطاعة السلطة القائمة التحكم فيه سيؤدي إلى الاستقرار ، لكن إذا ما فشلت السلطة في التحكم فيه فسيقود ذلك إلي عدم استقرار سياسي وتناقص شرعية النظام ، بحيث يصبح أمر تغييره مقبولاً من قبل بضعه مؤثرات داخل المجتمع ، حتى وإن كانت هذه المؤثرات ليست سوى مؤثرات ناتجة عن إحدى الأقليات الموجودة في المجتمع .
ويورد عبد الرحمن حسن تعريف آخر لذلك المفهوم وهو: ( ) "عدم مقدرة النظام على تعبئة الموارد الكافية لاستيعاب الصراعات في داخل المجتمع ، بدرجة تحول دون وقوع العنف فيه" ، فالعنف حسب هذا التعريف إحدى ظواهر عدم الاستقرار السياسي مهما كانت مظاهرة ، لكن ترى نيفين مسعد ( )خلاف ذلك, فترى أن الاستقرار السياسي لا يقترن بغياب العنف السياسي لأن الالتجاء إليه يعكس إفلاس النظام في وسائل التعبير الأخرى أو قناعة بعدم جدواها ، كما لا يرتبط بغياب التعبير السياسي أو بتدرجه ، وإنما يرتبط بمضمون هذا التغيير واتجاهه ، لأن من التغيير ما يهدف إلى زيادة شرعية النظام وفعاليته حتى وإن اقترن بالعنف السياسي، وإن وجود هذا التغيير يساهم في حفظ النظام من اهتزاز شرعيته، وتدني فعاليته ، وعليه يكون العنف السياسي- الذي يقود إلى عدم الاستقرار السياسي- بجميع مستوياته من عنف رسمي أو شعبي أو غير ذلك ، بدءاً من وسائل قمع المعارضة مروراً بالانقلابات العسكرية ، وانتهاءاً بالعصيان السياسي أو العسكري ، يخضع للدراسات الأمبريقية المعتمدة على عدة مؤشرات ، منها أثر التعددية الثقافية على الاستقرار السياسي ، ومنها أثر الحالة الاقتصادية ، وغيرها من المدخلات والتناقضات في بنية المجتمع ، ومن خلال هذا الرأي ترى نيفين مسعد أن الاستقرار السياسي هو : " ظاهرة تتميز بالمرونة والنسبية وتشير إلى قدرة النظام على توظيف مؤسساته لإجراء ما يلزم من تغيرات لمجاوبة توقعات الجماهير ، واحتواء ما قد ينشأ من صراعات دون استخدام العنف السياسي إلا في أضيق نطاق ، دعماً لشرعيته وفعاليته " .
ويرى عبد الله خليفة ( ) إن أهم مؤشرات الصراع الداخلي في الدولة والتي تساهم في عدم استقراره هي:
1- عدد الاغتيالات السياسية داخل الدولة .
2- عدد الإضرابات العامة .
3- وجود حرب عصابات .
4- عدد الأزمات الحكومية داخل البناء السياسي .
5- عدد عمليات التطهير التي تتم في أجهزة الدولة .
6- عدد أعمال الشغب داخل نظام الدولة .
7- عدد الثورات التي نشبت داخل الدولة
8- عدد المظاهرات المعادية للحكومة .
9- عدد القتلى الذين لقوا مصرعهم في كل صور العنف المحلي .
أما مؤشرات الصراع الخارجي والتي تساهم في عدم استقراره فهي :
1- عدد المظاهرات ضد السياسة الخارجية للدولة .
2- عدد مرات الاحتجاج ضد السياسة الخارجية للدولة .
3- عدد مرات العقوبات السلبية التي فرضت على الدولة .
4- عدد الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها .
5- عدد المرات التي تم فيها استدعاء سفراء الدولة أو طرد السفراء الأجانب منها .
6- عدد المرات التي صدرت فيها تهديدات ضد الدولة .
7- عدد المرات التي ألتجئ فيها للعمل العسكري كنوع من الحل للمعضلات التي تقابل الدولة خارجياً .
8- عدد الحروب التي اشتركت فيها الدولة .
9- عدد المرات التي تم فيها تحريك القوات العسكرية دون أن تصل إلى حد نشوب الحرب .
10- عدد الاتهامات التي وجهت الدولة .
11- عدد القتلى في الصراعات الخارجية .
لكي تظل كل هذه المؤشرات تقود إلى نتيجتين تعدان المؤشرين الأساسيين لحالة عدم الاستقرار السياسي وهما التغيرات الوزارية المتوالية والسريعة والتغيرات في النظام نفسه بسبب الانقلابات العسكرية .
وعدم الاستقرار السياسي ( ) حسب رأي أبن خلدون هو النتيجة لعدم التجانس الثقافي ، فالأوطان التي تكثر قبائلها وعصبياتها لا تتمتع بالاستقرار السياسي نتيجة لاختلاف الآراء والأهواء ، لكن هذا الرأي حسب وجهة نظر الباحث ، لا يمكن اعتماده بشكل مطلق و ذلك لحدوث أمثلة في التاريخ تخالف هذا الرأي فدولة المدينة التي ذكرها أفلاطون تحقق فيها الاستقرار السياسي رغم وجود عصبيات عديدة داخلها بسبب الديمقراطية التي حققت العدالة فيها ، أيضاً دولة الرسول محمد ( ص ) التي حققت العدالة بكل معانيها ،إضافة إلى الدولة التي أسسها النبي داود عليه السلام و من ثم ابنه النبي سليمان عليه السلام ، وأيضاً المملكة المتحدة بعد ثورتها 1664 بفعل ما أنجزته هذه الثورة من تحجيم لدور الملك من خلال البرلمان الذي انتخب من قبل الشعب، و دولة الولايات المتحدة الأمريكية التي تتألف من خليط غير متجانس من الأعراق والأديان ، لكن بفعل ديمقراطيتها النسبية حققت نوع من الاستقرار السياسي مع استمرار استراتيجية الدمج العرقي والديني ضمن الحياة الأمريكية التي هيمنت عليها الحضارة الأوربية والعرق الأوربي الأبيض .
ويرى محمد الغزالي ( ) أن الاستقرار السياسي يتحقق بشرط التزام قادة النظام بالنظام نفسه وبطاعتهم لأوامر الدين من خلال التزامهم بمبادئه ، وإذا لم يتحقق ذلك سيؤدي إلى عدم استقرار سياسي ، لكن ينظر البعض الآخر أن العامل الاقتصادي ( )له الدور الأكبر في عدم الاستقرار السياسي ، فالوحدة الاقتصادية الأوربية على سبيل المثال كان لها الدور الأكبر في إنهاء الصراعات بين دول السوق على المستوى الخارجي، مما انعكس على الوضع الداخلي الذي شهد استقراراً نسبياً فيها بشكل أكبر من ذي قبل ، وهناك اتجاهاً آخر يرى أن التعاون بين نخب مختلف الجماعات الثقافية وتمثيلها بشكل متوازي في عملية صنع القرار، سيؤدي إلى تنافس جماعاتهم بسبب عدم وجود تسويات بين هذه الجماعات، وهذا مما يقود إلى عدم استقرار سياسي ، لكن يستطيع الباحث دحض هذا الرأي من خلال واقع الدول المتقدمة كسويسرا مثلاً كونها تتكون من أربعة مجموعات ثقافية ، ورغم ذلك تحقق في ظل ديمقراطيتها استقرارا سياسيا لا تضاهيها به أي دولة في العالم ، وينطبق الحال على كندا واستراليا أو بريطانيا وإن كانت النسب أقل من سويسرا ، ويعزى ذلك أن ارتفاع الوعي الثقافي في هذه الدول له دورا أساسيا في استقرارها .
وظهر اتجاه يرى ( ) أن تعدد الانتماءات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هو عامل استقرار سياسي ، وليس العكس بصحيح كما يرى ذلك آخرون ، وتفسير ذلك برأيهم أن ذلك يزيد فرص الديمقراطية المقترنة بالاعتدال بالمواقف والسلوكيات ، وهذا الاعتدال يتحقق بنتيجة تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض فتتشتت جهودهم ، وهذا يؤدي إلى ترددهم وفي اتخاذ مواقف أقل تشدداً وستبقى التحالفات بينهم في تغير مستمر، فلا يكون هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون ، لوجود أكثر من محور للتفاعل ، وتبعاً لذلك فإن الأعداء يهادنون بعضهم البعض تحسباً ليوم قد يضطرون فيه إلى التعاون ، فإذا لم يحصل ذلك فان عدم الاستقرار السياسي سيتحقق .
وممارسة القمع ( ) من قبل السلطة الحاكمة سيحدث على المدى البعيد عدم استقرار سياسي ، حسب رأي نيفين عبد المنعم مسعد ، وبرأيها أنه لو تحقق هذا الاستقرار في ظل هذه الممارسات لفترة طويلة نسبياً، فان ذلك لن يستمر على المدى البعيد لأن منع عدم الاستقرار من قبل السلطة الحاكمة بفعل القمع لن يدوم، بسبب أنه لابد للنظام أن يتراخى عن قوة قبضته على أجهزة الإكراه بتأثير ظروف معينة مثل الحرب أو تغير النظام الدولي أو تغيرات البيئة الدولية وما إلى ذلك ، وهذا سيسهل لمعارضي النظام من حرية المشاركة بشكل أكبر لأن النظام كان قد منعها من رد الفعل العنيف في مرحلة سابقة ، وهذا يعد نوع من الحرمان الذي تتزايد معه فرص العنف السياسي في مرحلة لاحقة ، فعدم الاستقرار السياسي هو رد فعل لقمع النظام السياسي في مرحلة سابقة .
والعوامل الخارجية حسب رأي البعض تسبب عدم الاستقرار السياسي فهناك دور للتدخلات الدولية وفقاً للتطورات الدولية ، فعلى سبيل المثال تعمل بعض الدول على تمكين الأقليات في دولة أخرى على تهديد الاستقرار السياسي فيها من خلال إحدى أشكال العنف ، فتناغم التدخلات الخارجية مع التناقضات الداخلية سيحدث عنف يؤدي بدوره إلى عدم استقرار سياسي ، كما أن تغيرات البيئة الدولية ( ) مثل الحرب البادرة والاستقطاب الدولي خلالها ، وسباق التسلح بين الدول ، يساهم في عدم استقرار النظم المعتدلة ، فتأخذ المستويات الاجتماعية والاقتصادية للشعوب بالانهيار بسبب ذلك ، فقد ساهمت الحرب البادرة ، وسباق التسلح بين المعسكرين والمنافسة بينهما للسيطرة على العالم، في عدم استقرار الدول غير التابعة لأي من هذين المعسكرين ، لكن أثبتت تجارب الشرق الأوسط أن فرض السلام بالقوة وعدم التوازن، هو مجرد وهم فنتج عن هذه السياسات اتفاقيات رديئة أو صدامات مستمرة ، لأن هذه الاتفاقيات هي اتفاقيات مؤقتة نتجت عن خلل في التوازن بين الموقعين عليها ، والسلام الحقيقي يتحقق فقط بزوال الأسباب المادية والمعنوية للنزاع وتحقيق الأغراض الناقصة والأمن المتبادل لكل الأطراف ، فعلى سبيل المثال، التطبيع الحقيقي بين الدول العربية وإسرائيل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اتفاقيات حكيمة وكاملة ومبنية على توازن المصالح ، وليس على توازن القوى للأطراف المعنية ، بحيث تكون تلك الاتفاقيات عاقلة وتجعل الدولة تضحي ببعض مصالحها من أجل تحقيق الأمن الإقليمي ، وإذا لم يتحقق ذلك سيستمر عدم الاستقرار السياسي لجميع الأطراف بحيث تتناسب نسبته مع حجم التناقضات الداخلية عند كل طرف ، على اعتبار أن تناغم الصراع الداخلي مع الخارجي سيؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي .
و عدم التوازن ( ) بين القوى الثلاثة التي ترتكز عليها الدولة ، سيحدث خللاً في الدولة نفسها ويجعلها في وضع حرج يتسم بعدم التوازن وعدم المصداقية ، وهذه القوى هــي :

1- القوى العسكرية وتشمل نفقات الدفاع .
2- القوى السياسية وتشمل نفقات الإنفاق على النظام .
3- القوى الاقتصادية ، وتشمل نفقات التنمية ورفع مستوى المعيشة والدخل القومي .
فلو زادت نفقات الدفاع سيتعرض الوضع الاقتصادي لأزمات حقيقية ، وسيؤثر ذلك على مصداقية النظام القائم،أما لو نقصت نفقات الدفاع عن الحد المطلوب فستصبح الدولة عاجزة عن مواجهة التهديدات الخارجية، ولو زاد الإنفاق للإبقاء على النظام سيؤدي ذلك إلى الإفلاس والهزيمة ، فبحسب مفهوم الأمن القومي الذي يعني مجموعة الإجراءات التي تتخذها الدولة في حدود قدراتها للحفاظ على كيانها ومصالحها حاضراً ومستقبلاً مع مراعاة التغيرات الدولية ، بيد أن هذا لا يتحقق بدون التوازن في إنفاق الموارد المتاحة لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية على حد سواء ، إضافة إلى أن عدم تحقق الأمن القومي على المستويين الداخلي والخارجي سيؤدي إلى عدم استقرار سياسي .
ومثالاً على عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط ، يرى شمعون بيرس ( ) أن عدم الاستقرار هذا قد نشأ نتيجة لسبين هما : وجود أصولية دينية، ودعم قيام هيكل إقليمي منظم لمنطقة الشرق الأوسط ، وإن حل هاتين المعضلتين حسب رأيه سيؤدي إلى استقرار سياسي في هذه المنطقة ، لكن يؤخذ على هذا الرأي أن الأصولية الدينية لم تنشأ إلا بسبب فساد أنظمة هذه المجتمعات الشرق أوسطية، إضافة إلى انخفاض المستوى الثقافي والاقتصادي للأفراد ، فتطرح الأصولية الدينية برامجها التي تتعاطف معها وتؤيدها بعض فئات وطبقات المجتمع ، في ظل إفلاس أنظمة هذه الدول عن إيجاد حل لذلك، بسبب ارتباطها بدول المركز الرأسمالي ، و على ذلك فالحل يكمن من خلال دول المركز نفسها بتشجيعها للحركات الديمقراطية وعدم دعمها لهذه الأنظمة ، أما العامل الآخر وهو قيام هيكل إقليمي منظم لمنطقة الشرق الأوسط ، فإن التقسيم الموجود هو من صنع الدول الاستعمارية نفسها بعد الحرب العالمية الأولى، و ذلك من خلال اتفاقياتها السرية مثل سايكس بيكو ، ومؤتمر سان ريمو وغيرهما ، وما يريده النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة ، هو إعادة تشكيل الخارطة بما يتوافق مع الاستراتيجية الإسرائيلية والاستراتيجية الغربية التي ترى تقسيم المنطقة إلى كيانات طائفية وعرقية ، لمنع أية مقاومة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة ، مع استمرار بقاء إسرائيل في المنطقة كأقوى قوة إقليمية فيها .
ويرى محمد بشير الصيد ( ) أن عدم الاستقرار السياسي هو ظاهرة تتميز بها الأنظمة البرلمانية، التي لا يتمكن فيها الناخبون من إيصال أكثرية واضحة تنتمي إلى حزب أو تيار واحد إلى البرلمان ، و هذا يمكن الأحزاب الصغيرة من التحكم في تشكيل الحكومات وفي إسقاطها نتيجة عدم التفاهم في تشكيل الحكومة ، لكن مما يؤخذ على هذا التعريف عدم انطباقه على معظم دول العالم سواء كانت ديمقراطية أم ديكتاتورية ، فعلى سبيل المثال ، إن عدم وجود الاستقرار السياسي في الأنظمة الرئاسية التي تتبعها العديد من دول العالم ، كان أكبر بكثير من الدول ذات النظام السياسي البرلماني ، بسبب عدد الانقلابات فيها ، كما أن الدول التي تتبع نظام الحزب الواحد أو القائد أو المهيمن سواءاً كانت شيوعية أم فاشية أم غير ذلك ، توجد فيها طاقات كامنة كبيرة جداً لإحداث عدم الاستقرار السياسي ، فسقوط المعسكر الشيوعي عام 1989 ، أدى إلى تفككه وتفكك دوله إضافة إلى اندلاع حروب أهلية في معظمها ، ومن الممكن أن تندلع في أية لحظة ، أيضاً كان سقوط نظام البعث في العراق عقب احتلال العراق عام 2003 قد أدى لانقسامات طائفية وعرقية داخلية مما يهدد وحدة كيان الدولة ، وحتى في دول نظام الحزب المهيمن مثل تونس ومصر ، فتوجد فيها تناقضات داخلية ( ) قد تخلف عدم استقرار سياسي على المدى البعيد ، رغم أن طبيعة الشعبين غير قابلتين للعنف بشكل كبير .
وحول عدم الاستقرار السياسي ( ) على مستوى الوطن العربي يرى محمد عابد الجابري ، أن هذه الظاهرة نشأت بسبب عدم مقدرة الحاكم في كل دولة من هذه الدول على المحافظة على الوحدة والانسجام داخل قبيلته من جهة ، وعدم تمكنه من المحافظة على ولاء القبائل الأخرى المتخالفة معه أو الخاضعة له ، من جهة ثانية ، لأن الاستقرار في الوطن العربي تحكمه القبيلة أو الطائفة بالدرجة الأولى وهو ينزع إلى الولاء العصبوي ، فالملك أو الرئيس يخضع لعصبية قبيلته ، وإن ضعف القبيلة نتيجة الاختلاف بالرأي داخلها سيضعفها، ويضعف الحاكم الذي ينتمي إليها ، فإذ ما فقد ولاء القبائل الأخرى الخاضعة له أو المتحالفة معه ، سيؤدي ذلك إلى سقوط نظامه على المدى البعيد أو القريب أي عدم استقرار سياسي .
وهناك مظاهر عديدة لعدم الاستقرار في النظام أهمها ( ):
1- عدم اتفاق إرادي عن طريق الرضى والقبول ، فرفض المواطنين أو عدم تقبلهم طواعية ، واختياراً لأنماط السلطة الموجودة في المجتمع من خلال الفكر الحر عن طريق المشاركة والإقناع فسيؤدي ذلك إلى العنف .
2- عدم وجود نظام أتوقراطي استبدادي مطلق ، يمارس بشكل مستمر الإكراه والإجبار والقسر ضد كل من يحاول رفضه ، فلا ترتفع الأصوات المنددة بأخطاء النظام بسبب خوفها من قمعه، وهذا سيؤدي إلى إفساح المجال للأصوات المنددة بأخطاء النظام وقياداته ، لكن هذا الاستقرار كما أشير إليه في السابق سينتهي بانفجار قد يحدث بصورة فجائية ، وبالتالي سيصبح النظام بحاجة للتغيير الجذري بكل ما فيه، فالمذاهب الإصلاحية في هذه الحالة غير مجدية على الإطلاق.
3- عدم ثبات النظام ووجود ظاهرة التبدل فيه ، من خلال قصر مدة الحكم لدى السلطة ، وعدم حدوث أي تغيير في بنية المجتمع فالنظام الذي لا يستطيع تجنب الانهيارات والتقلبات الفجائية التي قد تطيح به وببنيته الأساسية، سيفسح المجال أمام عدم استقرار سياسي وولادة نظام جديد على أسس جديدة ، وإن النظام الذي لا يرضي تطلعات المواطنين ( ) سيؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي على المدى الطويل أو القصير .
ويبقى أهم مؤشرين لظاهرة عدم الاستقرار السياسي هما التقلبات الوزارية من خلال سقوط الحكومات بمعدلات كبيرة، و ذلك بسبب قصر مدة استمرارها بالحكم عن ثمانية أشهر كأدنى حد لحكومة مستقرة ، والتقلبات في النظام بشكل كبير أي أقل من مدته القانونية المعترف بها دستوريا من خلال النص عليها في صلب الدستور ، وتتراوح هذه المدة في معظم الدول بين أربعة إلى سبعة سنوات وعلى هذا فإن أي حكومة تقل مدتها عن الثمانية أشهر فهذا مؤشر عدم استقرارها , وقد أخذ هذا المؤشر- كما سنرى في الفصل القادم- من أكثر الحكومات استقرارا في الشرق الأوسط و هي الحكومات الإسرائيلية و التي لم تقل مدة أي منها عن ثمانية أشهر منذ نشوئها , وعلى هذا الأساس أعتمد مؤشر استقرار الحكومات ، كما أن سقوط النظام السياسي قبل مدته القانونية الدستورية فهذا مؤشر أيضا على عدم استقراه السياسي ، وتتابع سقوط الحكومات أو الأنظمة بشكل كبير فهذا من المؤشرات على عدم الاستقرار السياسي في الدولة نفسها، وتجدر الإشارة هنا أن سقوط الحكومة أو النظام لا يحدث بشكل مفاجئ في أغلب الأحيان ، ذلك أن سقوط النظام في الغالب يكون بعد سلسلة سقوطات حكومية وأزمات حكومية ، كما أنه في نفس الوقت سقوط الحكومة والنظام هو نتيجة لمؤشرات ساهمت في ذلك ، مثل كثرة أعمال العنف السياسي والمظاهرات ، والاغتيالات السياسية ، وفشل السياسة الاقتصادية الإضرابات ، والاعتصامات ، هذا على المستوى الداخلي ، أما على المستوى الخارجي فالعقوبات الخارجية من الهيئات الدولية ، وطرد بعض سفراء الدولة المعنية من دول أخرى والحروب الخارجية .. الخ ، فكل ذلك سيزعزع الحكومة والنظام وبالتالي يصبح سقوط الحكومة أو النظام مسألة وقت لا أكثر ولا أقل، فكثير من الانقلابات ، أو سقوط الحكومات كان متوقعاً حدوثها قبل وقوعها ، ويبقي سقوط الحكومات لأي سبب كان أو لأي أسباب كانت أقل خطورة من سقوط النظام نفسه على الاستقرار السياسي ، لأن سقوط النظام يحمل في طياته سقوط الدستور والحكومة والبرلمان وكل مؤسسات الدولة وقد يؤدي أيضا إلى سقوط مؤسسات المجتمع المدني ، كالأحزاب السياسية والنقابات وغيرها, ذلك لأن سقوط النظام يتم غالبا بفعل العسكر الذين غالباً ما يكونون شديدي العداء للديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني .








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,689,187,766
- دور الجيش في عدم الاستقرار السياسي في الدولة
- مفهوم عدم الاستقرار السياسي
- أثر التمايز الاجتماعي في عدم الاستقرار السياسي في الدولة( ال ...
- علاقة صندوق النقد الدولي بالمؤساسات الاقتصادية الدولية
- من أجل وحدة الوطنية و استقرار السياسي
- الفقر فى أفريقيا: أبعاده والإستراتيجيات الموضوعة لإختزاله (ا ...


المزيد.....




- وزير مغربي نقدم نموذجاً للحريات وتشريعات المجتمع المدني
- الأمم المتحدة: «داعش» حصل على 45 مليون دولار فدية لإطلاق سر ...
- تأجيل محاكمة مجموعة من المعتقلين السياسيين الصحراويين بالعيو ...
- منسقة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة فاليري آموس تستقيل م ...
- ?«هيومن رايتس ووتش»: تقرير تقصي حقائق في مصر «غير واقعي» و ...
- تأجيل محاكمة مجموعة من المعتقلين السياسيين الصحراويين بالعيو ...
- تجربة السجن والاعتقال التحفظي في شعر محجوب شريف
- متدربون لدى الشفافية اليمنية يقومون بالمراجعة النهائية لدلي ...
- اعتقال بعض قادة الاحتجاج في هونغ كونغ
- مسؤولة العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستستقيل من منصبها ...


المزيد.....

- حق الحضانة - بحث قانوني / محمد ابداح
- كتاب مفهوم الإرهاب في القانون الدولي كامل / ثامر ابراهيم الجهماني
- criminal_liability_without_sin / د/ مصطفى السعداوى
- المعايير الدولية للمحاكمة العادلة: قراءة في الفقه القانوني ا ... / عبد الحسين شعبان
- المحكمة الجنائية الدولية للدكتور فاروق الاعرجي / محمد صادق الاعرجيالدكتور فاروق
- القانون واجب التطبيق على الجرائم امام المحكمة الجنائية الدول ... / الدكتور فاروق محمد صادق الاعرجي
- التعذيب والاختفاء القسرى / دكتور مصطفى السعداوى
- جهود التعويضات من المنظور الدولي / بابلو دي جريف
- علاقة الدين بالدولة في مشروع دستور إقليم كردستان / كاوه محمود
- القانون ونشأة الذات الرأسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عزو محمد عبد القادر ناجي - مفهوم عدم الاستقرار السياسي في الدولة