أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع  - سعد سلوم - بناء الدولة المدنية في العراق - صورة عن الواقع والتحديات















المزيد.....


بناء الدولة المدنية في العراق - صورة عن الواقع والتحديات


سعد سلوم
الحوار المتمدن-العدد: 2188 - 2008 / 2 / 11 - 11:30
المحور: ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع 
    


"الدولة ليست هي الخير، بل هي القدر الاقل من الشر. أو هي اسوأ الشرور قاطبة، باستثناء تلك التي تنجم عن غيابها. فما يلي مرحلة الدولة، هي، بصورة عامة، مرحلة ما قبل الدولة. عودة الى شرائع الجماعات والطوائف الدينية، والى قانون المال، أي باختصار، العودة الى الطبيعة".
ريجيس دوبريه

لقد اصبح ممكنا الاستغناء عن الطرق القديمة لعثور المرء على هويته داخل مجتمع ما، إن شخصا بدون عائلة، وبدون مسكن ثابت وبدون انتماء ديني يمكن ان يعيش حياة مكتملة بصورة كافية. لكنه بدون دولة ليس شيئا. وليست له أية حقوق، ولا إي أمن .....وباختصار: على الارض لا خلاص خارج إطار دولة منظمة.
جوزيف شتراير


اسئلة الواقع

ان واقع تصدع الدولة العراقية وفشلها (الدولة الفاشلة) او تحولها الى "شبه دولة" وصورة نمو "دويلات الامر الواقع" المدعومة من قبل عواصم اقليمية ودولية، يفرض تحديا هائلا امام النخب السياسية والثقافية، وهو تحد يشكل حافزا للتحرك لبناء دولة مدنية تتجاوز الاخفاق العام لحياتنا ووجودنا، وسد الفراغ الثقافي والخواء والشلل الفكري لحياتنا الثقافية بمشروع ثقافي سياسي وطني بناء.
في هذا المقام تتزاحم اسئلة قد لا نستطيع الان الاجابة عليها لكن صياغتها على النحو الملائم قد يوضح صورة التحدي الماثل ويضع مشروع بناء الدولة المدنية على ارض الواقع بدلا من ان يحلق في سماء الافتراضات .

فحين نتحدث عن قمة الهرم السياسي نسأل:
-ما القوى السياسية الفعلية التي يمكن المراهنة عليها لانجاز مشروع سياسي لدولة وطنية؟
وهذا السؤال يمثل ظهر العملة اما وجهها فهو: هل تشكل النخب والقوى السياسية (الماسكة بزمام السلطة)المتوسلة بسلطة البنى التقليدية كالطائفة والعشيرة والعائلة عائقا أمام مثل هذا المشروع؟
ويتصل بهذين السؤالين سؤال اجراءي هو: هل سيتم طرح المشروع في ظل الحراك السياسي الحالي وتجاذباته بحيث يكتسي طابعا اصلاحيا للعملية السياسية(أصلاح العملية السياسية) ام يكتسب طابعا راديكاليا يبني ما هو قائم على اسس جديدة (العودة الى المرحلة صفر)؟
وبعبارة اخرى هل نتحدث عن استعادة الدولة المدنية ام عن اقامتها؟
ثم ما الشكل السياسي لمثل هذا المشروع وما آلياته : دكتاتورية الاغلبية ام الديمقراطية التوافقية على النمط اللبناني؟ وهذا السؤال مبني على احساس مضلل بما تؤدي اليه الاشكال و الآليات من حفاظ على القيم التي تقف خلفها، اذ غالبا ما لاتؤدي مثل هذه الآليات الى الحفاظ على القيم، فمثلا الانتخابات بوصفها آلية ديمقراطية قد تكون طريقا لوصول اعداء الديمقراطية والمجتمع المدني الى السلطة (هتلر وموسوليني كمثال تاريخي) وهي التي جاءت بجماعات الاسلام السياسي وبامراء الطوائف الى السلطة في المنطقة بكل ما يحملونه من قيم مضادة لبناء دولة مدنية عصرية. و"المقدس في الديمقراطية هو القيم وليس الآليات" على حد التعبير الجميل لامين معلوف في كتابه(الهويات القاتلة)

وحين نتحدث عن قاعدة الهرم السياسي نتسأل: من هو المستفيد من مثل هذا المشروع : فئات مختارة من الشعب و أقليات او نخب سياسية ام جماعة وطنية جامعة عابرة للطوائف والانقسامات قائمة على اسس المواطنة. ففي تاريخ الدولة العراقية كانت الحكومات المتعاقبة تشيد الدولة بغض النظر عن مقدار مدنيتها 1921-2003 ولكنها كانت تفتقر لتنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة، فقد كان التركيز على بناء الدولة اكثر من التركيز على بناء المجتمع، ومن ثم كانت فئات محددة من المجتمع تحظى بالامتيازات في حين تتحول غالبية المجتمع الى مجرد تابع او مواطن من الدرجة الثانية او الثالثة الخ

وحين ننظر من حولنا بواقعية وتسحقنا سلطة الواقع الكاتمة الانفاس نسأل: هل يمكننا إغفال دور العامل الدولي والاقليمي في ما يجري على ارض العراق؟ وهل يمكن لاي مشروع لدولة مدنية ان يتجاوز هذين العاملين ويعمل بمعزل عنهما؟ أو تتمكن نخبة ما من العمل دون عقد تحالفات عابرة للحدود او الحصول على الرضا والقبول الاقليمي والدولي؟

وحين نتأمل المسافة الفاصلة بين المجتمع والدولة نسأل: هل يستطيع التكامل بين المجتمع المدني والدولة ان يحقق مثل هذا التغيير، او هل يكون المجتمع المدني حاملا لمثل هذا المشروع والدولة رافعا له، وهل يمكن لقوى المجتمع المدني ان تحقق مثل هذا الهدف وتتقدم بهذا المشروع بمعزل عن الدولة في الوقت الذي لايمكن لها ان تتحرك وتصبح ذات شكل ومضمون الا بواسطة الدولة ومن خلالها، فلا مضمون للمجتمع المدني بدون حضور الدولة وغيابها انما يعني غيابه وتلاشيه....
مثل هذه الاسئلة توضح مقدار المعوقات الهائلة وجسامة التحدي الفكري والواقعي ازاء مثل هذا المشروع. لاسيما واننا نفكر اليوم ونتحرك في عالم يصدمنا تسارع الاحداث فيه خلال اعوام قليلة، وكأن التغيرات المتلاحقة واحداث التاريخ المكبوتة وهي تطفو على السطح، تمر كأشباح في كابوس يستغرق قرنا من الزمن في عمر الافراد، لكنه يشغل حيز سنوات قلائل في عمر الشعوب.

الواقع العراقي: مدخل مفاهيمي

لكن الذي يجري ليس قصة عراقية فحسب، بل يمثل نموذج القصص التي سينسج على آثرها سرد عالم مفكك، عالم كان لفشل نموذج الدولة/الامة فيه، ان برزت لسد الفراغ تشكيلات ما قبل دولتية او مؤسسات أولية " العشائر، الطوائف، العوائل" وطفت مفاهيم جديدة على السطح، اصبحت جزءا من جهاز مفاهيمي بالغ السيولة يلزم لفهم الحراك والهياج على أي بقعة جغرافية من العالم او من العراق.
فالعراق يصنف بكونه دولة فاشلة : والدولة الفاشلة على حد تعريف مركز أبحاث الأزمات في كلية لندن للدراسات الاقتصادية «حالة انهيار الدولة، أو الدولة العاجزة عن أداء وظائف التنمية الأساسية وحماية أمنها وفرض سيطرتها على أراضيها وحدودها» كما تعد مجلة FOREIGN POLICY الأمريكية مؤشراً سنوياً، باسم دليل الدول الفاشلة على أساس 12 عاملاً، ومن هذه العوامل وجود دولة داخل دولة، وبروز نخب تسمح بتدخل دول أخرى بالتأثير المباشر على سياسات هذه الدولة وقراراتها.. إلى آخره.
وقد احتلت دولة ساحل العاج المركز الأول في الدليل، اذ قسمتها الحرب الأهلية إلى نصفين وهى الأقرب إلى التفكك، وستكون في انهيار تام إذا انسحبت قوات حفظ السلام الدولي. ويتبعها دول الكونغو والسودان والعراق والصومال وسيراليون وتشاد واليمن وليبريا وهايتي.

ويحمل العراق قسمات شبه الدولة : وهو ما يعني تعدد مستويات الدولة وتباين درجاتها، فدول العالم، وإن كانت متساوية في نظر القوانين والاعراف الدولية، الا انها متباينة على مستوى الواقع العملي، اي ان هناك تدرجا ومستويات للدول. فكثير من الدول لا تمتلك مقومات الدولة التي تتمثل بقدرتها على بسط الامن وترسيخ سلطة الدولة على كامل التراب الوطني على الرغم من اعتراف بقية الدول بها . اي انها بمعنى اخر تمتلك سيادة قانونية بوصفها عضوة في الامم المتحدة الا انها لاتمتلك سيادة فعلية على مساحتها الجغرافية ولاتمتلك مؤسسات فاعلة قادرة على القيام بواجباتها، مما يدفع المواطنين الى التشكيك بشرعيتها وفقدان الثقة بها. حينئذ كيف يمكن لمثل هذه الدولة رسم مستقبل لعلاقتها مع الولايات المتحدة في ظل اتفاقية امنية في ظل التفاوت الهائل في وزن الجانبين وما الذي سيقدمه العراق للولايات المتحدة؟.

دولة الامر الواقع: وهو مصطلح يشير الى المناطق التي تسيطر عليها حركات متمردة أو قوى سياسية انفصالية، واقامت عليها إدارات أضحت بمثابة دولة بحكم الامر الواقع، لكنها تفتقر الى الاعتراف الدولي، فإريتريا قبل الاستقلال، وجمهورية ارض الصومال، وقبرص تركيا أمثلة على دولة الامر الواقع. وفي الحقيقة يمكن ان نجد دويلات الآمر الواقع ترتسم في انحاء كثيرة على التراب الوطني تقع خارج سلطة الحكومة المركزية، دول بحكم الامر الواقع تعتاش على الفراغات السيادية للعراق المتصدع، ومنها ما يسمى بدولة العراق الاسلامية التي اعلنها الآسلام القاعدي في العراق.

زحف قوى ما قبل الدولة

منذ نيسان 2003 اصبح العراق "شبه دولة" لم يبق حتى الولاء الرمزي لمركزها فليس لدينا مقومات الدولة المتمثلة ببسط الامن وفرض سلطة الدولة على كامل التراب الوطني.
وافتقار الحكومة الحالية الى الفعالية والمهارة في إدارة البلاد لا يمثل السبب الرئيس في تردي الاوضاع، فخلف ذلك تكمن الاسباب الحقيقة التي نسجتها السياسة الاميركية في اعقاب غزو البلاد وانهيار الدولة العراقية الحديثة، وعدم بناء هياكل دولة حديثة وحقنها بمقومات القدرة على ممارسة سيادتها الفعلية وبسط نفوذها على كامل المساحة الجغرافية للعراق
وقد ادى ضعف الدولة وهشاشتها الى نتائج رهيبة نوجزها بما يلي
- انبعاث قوى ما قبل الدولة، وزحفها لملء الفراغ الذي تركه غياب الدولة عن المشهد
- نمو وعشعشة ثقافة اللادولة في جميع مفاصل المجتمع، والى منافسة مركزية السلطة وتفتيتها من قبل هذا القوى الاولية التقليدية
- خلق جزر متفرقة على سطح الحياة السياسية، تهدد المجتمع بآسره في الغرق في بحر الصراعات والتناحرات الفئوية والطائفية.
- وفي الوقت الذي نراقب فيه تحول القوى من وسيط بين المجتمع والدولة الى منافس قوي للدولة، تصبح منافسة الدولة بالنسبة لهذه القوى المفتتة لمركزيتها الجامعة، منافسة شاملة لقوى المجتمع المدني ومخترقة لها ومهيمنة عليها، خالقة بذلك شبكة من الميليشيات والمؤسسات والجمعيات المنسوجة بوحي من العصبويات الطائفية القاسمة لظهر المجتمع، بحواجز الخوف من الآخر، خالقة بذلك جيتوات تهيمن عليها ثقافة انغلاقية تنفي اسس العلاقة السليمة بين المجتمع والدولة. وهي بذلك تقضي على امكانيات عمل المشتركات الانسانية وتجميع الطاقات العفوية والطوعية العابرة لخطوط الانقسام الطائفية والعرقية والدينية، بمعنى انه لم يعد وجود للمجتمع بقدر ما هو تبعثر لجزر منعزلة داخل جسم المجتمع، تبعثر يجذبه مغناطيس "منافسة الدولة" ليحوله الى استقطاب تضادي. حينئذ لن يبقى للدولة المدنية حتى قبر كي نبكيها؟

الفشل الثقافي والخواء الفكري للنخب الثقافية والسياسية

هذا الفراغ السياسي او الموت السياسي كان انعكاسا لموت اخر او فراغ اخر هو الفراغ والفشل الثقافي، فالشلل السياسي وغياب مشروع دولة مدنية وانتشار ثقافة الفساد انما هو انعكاس للفشل الثقافي والخواء الفكري الذي نعيشه، فشل نخبنا السياسية والثقافية في انتاج صورة تتجاوز الاخفاق العام للحياة السياسية العراقية في بناء دولة مدنية:
فقد فرضت النخب القومية نموذج التسلط البعثي الذي انتهى الى الاستسلام لشكل سلطوي قائم على العشائرية والعائلية اي بعبارة اخرى مأسسة النظم التقليدية وذوبان الدولة فيها( من نموذج الدولة الامة الى نموذج الدولة الحزب ثم نموذج الدولة العشيرة). وفشلت النخب اليسارية في فهم التنوع الثقافي للمجتمع العراقي خارج اطار المخطط الاقتصادي الماركسي.
وأخفق الاسلام السياسي في تقديم نماذج تتعدى بعث قوى التقليد السلفي واشكال القوى الفاشية الغيبية ولم تنجح القوى النيوليبرالية في تقديم مشروع خاص يخرج عن اطار المشروع الاميركي العام لتغيير المنطقة.

زحام العواصم على ارض بلاد ما بين الحربين

وهذه النخب تحركت عبر واقع شديد التعقيد تتزاحم فيه العواصم العالمية وتتصادم على ارض بلاد ما بين النهرين، ولم تتحرك باستقلالية كاملة عن كاريزما العواصم الاقليمية والعالمية واستقطاباتها والذاكرة المشحونة بتناقضات التاريخ (موسكو، واشنطن، القاهرة، طهران، دمشق، الرياض) واخيرا وبعد احتلال بلاد ما بين الحربين، ارتسمت بغداد كقطعة شطرنج في مشروع واشنطن واكتظت من حولها وتربصت بيادق عواصم اقليمية وعالمية، لتتحول الساحة العراقية الى مختبر صراع ومرآة لسيادة القوى المتصادمة بل قل صدام الحضارات (بتعبيرات الموضة) على ضفاف الخليج العربي، مختبر لصياغة شرق اوسط جديد بل قل تشكيل نظام دولي جديد.
من هنا يرتسم فك الارتباط السياسي والرمزي بوصفة خارطة طريق لوضوح الرؤية، فك الارتباط بالعواصم الاقليمية والدولية بالنسبة لخطاب النخب السياسية وانشاء خطاب يأخذ بخصوصية المجتمع العراقي، فك الارتباط السياسي والرمزي بموسكو بالنسبة لليساريين وفك ارتباط الاسلام السياسي بطهران او بالرياض، وتحرر القوميين من صدى ماضي القاهرة، والليبراليين من املاءات واشنطن.
لبناء دولة مدنية من المهم بالنسبة للنخب المذكورة فك الارتباط بالايديولوجيات المستوردة وانشاء "كتلة وطنية مدنية" من قوى المجتمع المدني تضم جميع الاحزاب (بما فيها من هي داخل السلطة) والقوى غير الحكومية وتجمعات المثقفين وجميع القوى الطوعية عابرة حدود التقسيم العرقية والدينية والطائفية.

اخفاق العملية السياسية

ان العملية السياسية القائمة على الاستقطابات الفئوية وطؤافة السياسية(ردها للطائفة) وثقافة اللادولة وتأصل ثقافة الفساد والتعلق الاوديبي برموز شخصية وتاريخية، تعد حاجزا هائلا امام بناء دولة مدنية .
وبشكل أكثر تفصيلا فأن غياب طبقة سياسة لديها جذور حقيقة في العراق قادرة على حكمه وتنال في نفس الوقت قدرا كبير من الإجماع الوطني و الموافقة الاقليمية والاهتمام الدولي، وقد مرت بالبلاد تحديات جمة في هذه الفترة الانتقالية كان من شأنها ًان تفقدها فرصا حقيقية لخلق طبقة سياسية لديها خيال سياسي قادر على إخراج البلاد من جحيم اللااستقرار الى فردوس الامن ودولة سيادة القانون .
فضلا عن الطابع الشخصي المقيت للعملية السياسية وارتباط الأنظمة والأحزاب في مشهدنا السياسي بأشخاص مؤسسيها وزعمائها ارتباطا يكاد يكون مؤبدا اذ لنجاح عملية البناء المنشودة لابد من تجاوز الطابع الشخصي للعملية السياسية نحو تأسيس مؤسسات ديمقراطية دائمة تحصن عملية بناء الدولة من الطابع الفردي والمتسلط.
تأصل ثقافة الفساد فالاخير بشكل عام والاموال المتحصلة من عمليات تهريب النفط بشكل خاص قد أدت إلى خلق طبقات اجتماعية متفاوتة واختلال في التركيبة الاجتماعية بسبب تركز الثروة في طبقة منتفعة من المجتمع تستغلها في غير مصالح المجتمع والدولة وخاصة عندما تتحول جزء من تلك الأموال لتمويل عمليات الإرهاب. والخطير جدا في الامر إن المبالغ الطائلة المتحققة من نشاطات التهريب والسوق السوداء أخذت تجذب إليها قوى اجتماعية ودينية وسياسية وتدخلها في دائرة الفساد ، كما إن الكثير من المنتفعين والمهربين اصبح يغري تلك القوى عن طريق الدعم وتقديم الأموال ليحتمي بهم

حماية الدولة من طؤافة السياسية

وفي الوقت الذي ندعو فيه الى حماية المجتمع المدني من هيمنة الدولة (السياسي) ندعو الى حماية الاخيرة من زحف الانتماءات الماقبل دولتية.
وان يتم مشروع حماية الدولة من زحف الانتماءات والعصبيات الطائفية، او حماية الحياة السياسية من هيمنة الطائفة او طؤافة السياسية، في أطار عام للحماية من الهيمنة : تخليص المدني من هيمنة السياسي وتخليص السياسي من هيمنة الطائفي.او على الاقل الانتقال من الهيمنة القائمة على التسلط الى الهيمنة القائمة على الاقتناع اذا ما استخدمنا لغة غرامشي.
لايعني ذلك بأي حال الدعوة للانفصال بين قوى المجتمع المدني والدولة او الوقوف ازاءها بقدر ما تعني تحديد العلاقة وتنظيمها على نحو يحقق التكامل البناء والشراكة المتوازنة بما يخدم عملية التحول الديمقراطي وبناء الدولة المدنية المرجوة، اي اننا ندعو للتكامل بين المجتمع المدني والدولة.

التكامل بين المجتمع المدني والدولة

الدولة المدنية مشروع سياسي ذو طابع مؤسساتي، يمثل مطلبا نهائيا لقوى المجتمع المدني التي تبغي الحفاظ على المجتمع من الانقسام والهوية الوطنية من التصدع. لذا يصبح حضور الدولة الفاعل و المتكامل مع حضور المجتمع المدني ركن الزاوية في بناء دولة مدنية ديمقراطية.
فالمجتمع المدني ليس نتاجا لتراجع الدولة واضمحلالها انما هو نتاج لتنظيم العلاقة بينهما وانهيار احد طرفي معادلة (الدولة/المجتمع المدني) انما يعني تعميق الانفصال بين المجتمع والدولة، ان نتيجة اضعاف الدولة سيكون وجهها الآخر اضعاف المجتمع المدني واضمحلال تأثيره.
لذلك من المهم بناء دولة الاستقرار السياسي التي لا وجود للمجتمع المدني بدونها، ولايمكن لمثل هذه الدولة ان تصبح دولة مدنية من دون التفاف قوى المجتمع المدني حولها. فالاخير يوفر الحماية للدولة مثلما تمثل هي السند له في اوقات التحديات، وهو ما فعلته الدول الغربية بتطويرها تقاليد ديمقراطية بلورت مجتمعا مدنيا يوفر لها الدعم في حال سقوطها.

نواة بناء النظام المدني

ما يزال العراق يمتلك عناصر تمثل نواة نظام مدني كامن إذ لديه الطبقة الاجتماعية المتوسطة وهو الطبقة المتعلمة، كما ان للعراق خبرة وتاريخ في التعددية السياسية تحت ظل الملكية من الفترة 1921 – 1958 .
والطبقة الوسطى والتي تشمل المتعلمين وأصحاب المهن العلمية والعملية لابد من وجودها لدعم ديمقراطية مستدامة وهي لاسيما (فئة المتعلمين وأصحاب الشهادات العليا) تتعرض لتحديات هائلة دفع القسم الاهم منها لمغادرة البلاد والهرب من جحيم الارهاب والاغتيالات وغموض المستقبل.

العامل الاقليمي والدولي

نرى ان العودة الى التوافق الدولي والمرجعية القانونية لميثاق الامم المتحدة واشراك دول الجوار في نظام اتفاق اقليمي متوازن وتفعيل تسوية وطنية حقيقية، تظل في رأينا مطالب اساسية في طريق بناء الدولة المدنية في العراق.
المراهنة على "الدولة المدنية" في العراق، تشكل محكا حقيقيا لاختبار خيال النخب السياسية العراقية وفرصة لتحقيق اجماع دولي حول جميع المشاكل المتفجرة في منطقة حزام الكوارث الشرق اوسطية.
وعلى الرغم من ضعف الأمم المتحدة واعتماد ميزانيتها على اشتراكات الدول الاعضاء الا انها قد قدمت أفضل إطار مؤسسي مناسب لإدارة مهام بناء الدولة. فهو إطار يتميز
- بقلة التكلفة مقارنة بالولايات المتحدة أو حلف الأطلسي
- وبشرعية المهام
- وبالفاعلية مقارنة بالتجمعات الإقليمية الفرعية الأخرى.
كما يأتي تأكيدنا على ضرورة عودة الامم المتحدة الى الواجهة بعد انسحاب الولايات المتحدة بناء على قناعة بأن الفكرة البسيطة لمساعدة مجتمعات الصراع في الفترة الانتقالية والتي تقوم على التزام القوات العسكرية بالبقاء حتى يتم اجراء انتخابات ديمقراطية وقيام حكومة تمثيلية، ثم تنسحب القوات، هذه الفكرة لم تكن مبدأ هاديا في السياسة الاميركية المرسومة تجاه العراق، نظرا لطبيعة الاغراض و الغايات الاميركية بعيدة المدى جراء تواجدها في المنطقة، والتي تتجاوز اعتبار استقرار وبناء العراق غاية رئيسة للوجود الاميركي او على الاقل هدفا من الاهداف في قائمة الاولويات.

مقارنة بين الامم المتحدة والولايات المتحدة في بناء الدول الدولة المدنية

في ملخص دراسة صدرت عن مركز رند الاميركي تحت عنوان "الأمم المتحدة وبناء الدولة" نشر ملخصها في موقع "اسلام اون لاين" جرى فيها التركيز على المقارنة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة في مجال بناء الدولة؛ وفقا لعدد من المدخلات والمخرجات. فأما المُدخلات، فهي تتمثل في القوة العسكرية والمالية والوقت الكافي لإنجاز المهام المطلوبة. وأما المخرجات، فهي تتمثل في السلام والنماء الاقتصادي والمقرطة.
وبينت الدراسة أن الأمم المتحدة كانت أكثر نجاحا من الولايات المتحدة في استتباب السلام إذ نجحت في سبع حالات من ثمان، بينما لم تنجح الولايات المتحدة إلا في أربع حالات من ثمان أيضا، كما انتهت جميع عمليات الأمم المتحدة بإحلال الديمقراطية عدا حالتين هما الكونغو وكمبوديا، في حين نجحت الولايات المتحدة في الحالتين اليابانية والألمانية، وفى البوسنة وكوسوفا تحت إشراف دولي، بينما الصومال وهايتي من الدول غير الديمقراطية، وكل من أفغانستان والعراق في سبيلهما لبناء هياكل ديمقراطية.
وبشكل اكثر تفصيلا فقد نجحت الأمم المتحدة في القيام باعباء في أربع مهام (كمبوديا والسلفادور وناميبيا وموزمبيق) ونقلتها من العنف إلى السلام ومن الاستبداد إلى الديمقراطية، لكن ينبغي القول ان الأمم المتحدة لم تستطع مواصلة النجاحات السابقة، فقد وجدت نفسها في الصومال ويوغوسلافيا في عقد التسعينيات من القرن الماضي أمام دول متساقطة وليس أمام حكومات مستتبة إلى حد ما، وأخطأت في التدخل غير الحكيم وسط حرب أهلية دون أن تتسلح بالإمكانيات الكافية والمطلوبة لوأد تلك الحرب، ولذا لم تتمكن من حفظ السلام أو تطبيقه على أرض الواقع.مع دخول الألفية الثالثة، أظهرت الأمم المتحدة نجاحا مبهرا في حالتين هما كوسوفا وتيمور الشرقية، إذ تضافرت جميع الظروف الملائمة لإنجاح مهمة نزع السلاح لدى "المتحاربين"، وتدشين قوات أمنية جديدة، وإجراء انتخابات ديمقراطية قامت على إثرها حكومة مُنتخبة ديمقراطيا.ووفقا للعناصر السابقة تستنتج الدراسة أن الأمم المتحدة كانت الأكثر نجاحا مقارنة بالولايات المتحدة نظرا لعاملين هما:
أولا: أن عمليات الأمم المتحدة كانت أقل تعقيدا من عمليات الولايات المتحدة.
ثانيا: أن الأمم المتحدة استطاعت الاستفادة من أخطائها على عكس الولايات المتحدة. وتعكس هذه النقطة بالذات تراكما كبيرا في خبرة الأمم المتحدة في مجال "بناء الدول" وهذا عكس ما حدث في ظل الإدارة الأمريكية الحالية التي قطعت كل صلة بالإستراتيجيات الدولية، ودأبت على التعامل مع تحديات "بناء الدولة" بتهكم وسخرية على اعتبار كونها ممارسة غير ملائمة للقوات الأمريكية.
كما تؤكد الدراسة أن الأمم المتحدة نجحت في إثبات الرؤية القائلة بأن عملية بناء الدولة يمكنها المساعدة على إنهاء الحروب الأهلية. وأكبر دليل على ذلك هو الانخفاض الحاد في عدد الضحايا الذين يتساقطون جراء الصراعات الداخلية المسلحة على مدار السنوات العشر السابقة، ففي العقد الماضي، كان عدد ضحايا الحروب الأهلية يصل إلى 200 ألف شخص سنويا، بينما انخفض العدد إلى 27 ألفا خلال السنوات الأربع الأول من العقد الحالي. تستخلص الدراسة أن التجارب التي خاضتها الأمم المتحدة في مجال بناء الدولة أثبتت نجاحها في مرحلتين هما احتواء المجتمع المدمر وبدء تدشين مؤسسات محلية للحكم، لكنها فشلت في دعم تلك المؤسسات وفى تحقيق نماء اقتصادي واستقرار اجتماعي سريع.

ملاحظة : للمقال تتمة ............





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هل ستغير المذكرات الالكترونية وجه العالم؟
- تجربة المجالس البلدية في العراق
- سؤال التعايش وامكانيات المصالحة
- في تحطيم الجدار
- التحكم بالحدث من تدمير برجي نيويورك الى تدمير قبتي سامراء
- المالكي ومعادلة الاستقرار السياسي : الامن هو التنمية-الفساد ...
- عراق الدولة... حلم ام اسطورة؟
- تسونامي عراقي لكل يوم
- حكومة سرية لشعب علني:اسئلة قديمة على طاولة حكومة جديدة
- عبد شاكر وقضية الحوار المتمدن
- حين تسقط التاء عن الثورة
- من نحن؟الهوية الضائعة بين العراق التاريخي والعراق الاميركي
- عام مسارات
- من يسرق النار هذه المرة؟
- هل من غاندي أو مانديلا عراقي؟ الانتخابات وعملية البحث عن رمز ...
- حرية الصحافة والاعلام في الدستور العراقي
- حرب قصف العقول وكسب القلوب:الحلقة السادسة
- حرب قصف العقول وكسب القلوب:الحلقة الخامسة
- حرب قصف العقول وكسب القلوب:الحلقة الرابعة
- حرب قصف العقول وكسب القلوب: الحلقة الثالثة


المزيد.....




- بالفيديو.. ما عليك معرفته عن تفجير تايم سكوير بنيويورك
- الحشد: القتال مستمر مع عناصر -داعش-
- البيت الأبيض: ترامب يعلن في الـ 18 من الشهر الحالي عن الاستر ...
- إيران: سندعم -المقاومة- دفاعا عن القدس
- المرصد الصيني الضخم يكتشف 3 نجوم نيترونية جديدة
- استطلاع: الأتراك يعتبرون روسيا حليفا رئيسيا
- عّمان: قرار ترامب بشأن القدس ليس له أثر قانوني
- موسكو تعلق على مسألة المراقبين الأجانب في القرم أثناء انتخاب ...
- دون خسائر... خبراء الألغام الروس يعودون من دير الزور
- بولندا تعتزم التخلي عن الغاز الروسي قبل 2022


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع  - سعد سلوم - بناء الدولة المدنية في العراق - صورة عن الواقع والتحديات