أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع  - منير العبيدي - العقل الحزبي و المجتمع المدني















المزيد.....


العقل الحزبي و المجتمع المدني


منير العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 2185 - 2008 / 2 / 8 - 12:04
المحور: ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع 
    


أنجز هذا المقال كتابة في يوم 8 ـ 9 ـ 2007 أي قبل شهور من الدعوة إلى التوقيع على النداء من اجل مجتمع مدني الذي دعت اليه اطراف عديدة و وقعت عليه اوساط واسعة اغلبها مدفوع بالنية الصادقة لإنقاذ العراق ، و كان البعض الآخر من الذين وقعوا ( و هو البعض الفاعل ) هو المسئول عن تحطيم المجتمع المدني في العراق في الماضي و لا يزال منهمكا بهذا الفعل بحكم انه مهتم بتعزيز الحزب على حساب المجتمع المدني و مؤسساته و لن نطيل في الحديث عن ذلك لأن هذا يحتاج الى مقال خاص لكني اشير فقط الى ما ورد في المقال ادناه من ان عمل الاحزاب في المنظمات المهنية و النقابات و الاتحادات كان دائما من اجل اختطاف هذه المؤسسات من المجتمع المدني و تكريسها لمصحلة الحزب و في الترشيح للنقابات و الاتحادات فإن الامر بالنسبة للحزب هو الآتي : المنتمي و المؤيد للحزب حتى لو كان غبيا و لا يتحلى بأية موهبة سيكون مدعوما ،أما غير المنتمي حتى لو كان انسانا ذا موهبة و يتحلى بالشرف و الاستقامة فإنه سيكون منبوذا و محاربا .
الامثلة على ذلك اكثر من وافرة لكن ذلك يحتاج الى مقال مستقل .
و العقلية الحزبية هي العدو اللدود للمجتمع المدني و هي التي سعت طوال سنوات طويلة من تاريخ العراق الى تحطيم المجتمع المدني .
و اليكم المقال :
نقد العقل الحزبي
منير العبيدي
هذا الشكلُ المصفّى للعقل الحزبي الذي نتناوله بالبحث يمثل نموذجا منتخبا نحاول أن نصفَ شمائله و خصاله . قد يكون وجودُه نقيا ، مجسدا تجسيدا كاملا ، كثيفا و مركزا ليس بالأمر الشائع . من الممكن أن نعثر عليه بشكل نادر أو نجده موزعا بين نماذج محددة تمثل نقاوة الميل ، أما كقاعدة فإننا نجده جزئيا هنا و هناك ، بهذا القدر أو ذاك كسلوك جمعي بين أفراد الأحزاب الشمولية مصحوبا بميل أو طموح للوصول إلى النقاء الشمولي كهدف سامٍ .
و في الفكر الجدلي كان الميلُ ( trend ) أحدَ المقولات الفلسفية المهمة التي توضح لنا درجة التعقيد التي تتضمنها الظواهر و علاقاتها ببعضها الآخر ، تبدو الظاهرة بفعله لأول وهلة مشوشة تشويشا مربكا إذا لم نأخذ بنظر الاعتبار أن الميول النقية لا تتحقق إلا نظريا و تجريديا ، أما واقعيا فإنها تحقق ذاتها جزئيا فقط بسبب اصطدامها بالميول الأخرى و التحققات غير النقية . ذلك التماس بين الميول يترك عليها جميعا أثرا ينزع عنها نقاءها و طهارتها . و إذا ما تحقق ميلٌ ما و صارَ حقيقة فلن يكون سوى حاملٍ لبعض ملامحِه الخاصة النقية و لبعضٍ من ملامح ميولٍ أخرى عديدة متوازية و متقاطعة .
فالأبيضُ مطلقُ النقاء سنراه و نتحدث عنه كرمز مجازي لنقاء الولاء الحزبي المطلق و الذي يقترب من الإيمان الديني المذعن الذي لا يعرف الشكُ إليه سبيلا نعمل على أن نصل إليه عبر العين التي تُقاد من قبل العقل الحزبي الشمولي لكي نراه بعين أخرى ، قد نتمكن من العثور عليه كاستثناء و كحالة غير شائعة و لكنها ضرورية كنموذج ذي دلالة قياسية و مرجعية لدراسة قوة الميل المجردة للعقلية الحزبية في تحقيق النموذج الأعلى الذي لا يتحقق و لا يتجسد بالضرورة إلا جزئيا كأي ظاهرة طبيعية .
بانهيار المجتمع المدني و سقوط أنظمة ما قبل " التحرر الوطني " توفر الفكرُ الحزبيُ على ملامحَ جديدة ، و بها تكيفت عين الحزبي و ذهنه لمتطلباتها و أضحت غير ما كانت عليه قبلها . تفصح تجلياتها ، بالدرجة الأولى ، عن موقف الحزبي من الفرد و طريقة التعامل معه ، و بها أيضا أصبح الفرد غير المنتمي في عين الحزبي فريسة ، و أصبح التعامل معه يقوم على إيجاد أفضل الوسائل لضمّهِ الى التنظيم الحزبي .
و كما ترى بعض الضواري الفريسة اعتمادا على درجة حرارة جسمها التي تتحول لديها الى طيف لوني ، ترى عين الحزبي ، بدرجة رئيسية ، ثلاثة ألوان هي :
أولا : الأسود ـ أي غير المنتمي و الذي لا يمكن أن ينتمي تبعا للتقديرات الفردية ـ و هؤلاءِ الأغيار أعداءٌ : من ليس معي فهو ضدي . هنا في هذه المنطقة ينزعج العقل الحزبي.
ثانيا الرمادي : و هو المنطقة الوسطى التي توحي بوجود احتمال للانتماء ، هنا يبتسم العقل الحزبي .
ثم ثالثا الأبيض و هو ذروة الألوان و الذي يؤشر الى الانتماء . هنا يصاب العقل الحزبي بالحبور و الرضا الغامر بغض النظر عن مدى غباء المنتمي و انحطاط القيم لديه .
و بالرغم من أن طيف ألوان الأبيض متدرج أيضا تبعا لدرجة الولاء ، إلا إن التدرجات كلها تندرج في إطار الأبيض أي الانتماء أو الموالاة ، فاللون الأبيض الناصع النقي هو أقصى درجات الانتماء و الإخلاص و دلالة على أقل قدر ممكن من المناقشات و الاعتراض و التشكيك و الذي يعني انقيادا غير مشروط لقيادة الحزب الشمولي . ( إبداعيا يمكن الرجوع الى جورج اورول في رواية 1984 ـ غابرييل غرسيا ماركيز في خريف البطريرك ..الخ )
و اللون الرمادي هو المجال الحيوي لتفشي أفراد المجموعة البيضاء ، يرى الحزبي الشمولي مساره فيها : " كتمشي البرء في السقم " . إنه مجال عمل الذهنية الحزبية . تنصَبّ هنا المجهودات على تحويل اللون الرمادي الى ابيض و تنقية الأبيض من الشوائب في عملية مستمرة دءوبة تقوم على أساسٍ راسخ ، بقدر ما هو واهم ، يقوم على استنفاذ وجود لا حزبيين في المجتمع كما صرح بذلك قادة كوريا بالنسبة للعاصمة الشمالية مثلا . يكون الأبيض نقيا خاليا من الشوائب بإلغاء العقل فقط و التعود على الاستلام من فوق بطريقٍ ذي اتجاه واحد . و يتحقق زحاف العصمة كمفهوم في الأحزاب السياسية و في قيادة الحزب على شكل أن " الحزب أكثر حكمة من الفرد " ، بل هو ممتنعٌ عن الهفوة و الخطأ ، منفتحٌ على الصواب الأزلي ، و بالرغم من أن الحزب هو مجموعة أفراد إلا أن هذه الحقيقة التي تنطوي على واقعية " مؤذية " يتم التستر عليها و تمويهها لصالح مفهوم ميتافريقي عن الحزب يتضمن رهبة ما ورائية ( مثل الروح الكلي الهيغلي ).. فتعابير مثل " يرى الحزب " أو " قرر الحزب " ... الخ تُسخّر إرهابيا ، كي تسلبَ من الفرد القدرة على تصوّر أن الحزبَ ليس سوى مجموعة أفراد ، وإن هؤلاء الأفرادُ إنما هم أناسٌ عاديون .
اختفت الذهنية الحزبية الملازمة للمجتمع المدني و تحول الحزب من اتحاد اختياري الى منظومة شبه عسكرية تعتمد على الإكراه ، و تعرض تاركُ الحزب و ناقدُ الحزب الى عقوبات جسدية أو محاربة في العيش أو فرض العزلة أو التشويه أو تخريب علاقاته الأسرية و الاجتماعية حسب جهة التنفيذ و الوسائل المتوفرة . وقد صدر في زمن النظام السابق ، مثالا و ليس حصرا ، قرارٌ يقضي بمعاقبة المسؤول الإداري الذي يعمل في أحدى دوائر الدولة و الذي يتعرض لعقوبة حزبية أو يجرد من مسئولياته الحزبية ، و على الضد تمت مكافئة الذين امضوا خمسا و عشرين سنة في الحزب من الحاصلين على شارة الحزب مكافئات إدارية و ليست حزبية مدفوعة من خزينة الدولة ما يعني زيادة رواتبهم لما يقارب الـ 8 ـ 10 أضعاف حتى بات من المألوف أن تجد عامل خدمة بسيطا يتلقى راتبا يفوق عدة مرات راتب مدير المؤسسة الحاصل على شهادة عليا. و تم عمليا إزالة الحواجز و الفوارق بين الحزب و الجهاز الإداري .
إزالة الحواجز بين العمل الوظيفي و الحزبي مرتبطة بنظام الحزب الواحد و بالأنظمة المعادية للتعددية الحقيقية ، تعتمد وسيلة لإكراه " المتمردين " على الالتزام بالعمل الحزبي بواسطة وسائل معتمدة خارج العمل الحزبي يوظفها الحزب القابض على السلطة لغير أهدافها . يفترض في كل حزبٍ أنه لا يمتلك وسائل عقوبات مالية أو جسدية على الإطلاق بل يمتلك الحزب وسائل عقوبات معنوية فقط يحتويها نظامه الداخلي أقصاها الطرد من الحزب ، و لكن تحويل الحزب إلى منظمة غير مدنية من قبل قيادته بسبب إفلاسها السياسي و افتقار برنامجها و سلوكها السياسي إلى الجاذبية خصوصا تلك التي تعتمد على كسب الأتباع بأي ثمن أو الإبقاء عليهم بواسطة مكافئات سلطوية ، جردت الحزب من صفته الأساسية : أن يكون إتحادا اختياريا ، و بذا كف الحزب عن أن يكون إحدى مؤسسات المجتمع المدني و خرج من إطاره الطبيعي في ما يفترض انه اتحاد اختياري مبني على الطوعية . و قد رفضت القيادات الشمولية تفهم حتمية الحراك الذي يؤدي الى رفد الحزب بعناصر جديد دائما مقابل خروج عناصر أخرى ، رفضت طبعا تفهم الجزء الثاني من المعادلة .
على أن هذه الممارسة التي تلجأ الى الخلط المقصود بين الإقصاء الحزبي و الإقصاء الوظيفي ليست صفة من صفات حزب السلطة أو أنها تخص النظام السابق وحده ، بل شملت الممارسة هذه كلَّ أو أغلبَ الأحزاب المعارضة له في العراق . غير أن هذه الأحزاب و بسبب عدم امتلاكها سلطة الدولة( سابقا ) فإن إسقاط العقوبة على المتمردين أو المشاكسين أخذ أشكالا أخرى تتناسب مع درجة نفوذ الحزب في السلطة الحكومية . و اليوم بلغت الظاهرة هذه مدى اكثر اتساعا بكثير في ا لعراق و بشكل غير مسبوق فالتنافس الحزبي يتم بين الاحزاب على اساس تحطيم المجتمع المدني بتقديم الامتيازات للحزبي او الموالي ( أقرأ الانتهازي ) فالوظائف و الزمالات .. الخ لا تمنح في الغالب الا الى حزبيين و استنادا الى الانتماء و تجاوز الامر ما كان عليه في زمن النظام السابق بكثير .
و مع ذلك و لكي نقطع الطريق على أي تفسير ملتبس و استبشار واهم نشير الى أن المقصود بـ " مكافئة الحزبي مكافئات سلطوية " أو معاقبته " سلطويا " لا تعني بالضرورة أن المعاقِب أو المكافئ يمتلك سلطة الدولة ، و لكنه يمتلك شكلا من أشكال السلطة الأخرى كالنقابات و النوادي الثقافية و منظمات المرأة ... الخ و تستعمل هذه المؤسسات ايضا كسلطة لمعاقبة المارقين و المغضوب عليهم و مكافئة المذعنين بغض النظر عن الكفاءة أو الاستحقاق .
حراك الانتماء و الارتداد
و الحراك هذا يتضمن أحيانا انسلاخا من الأبيض أي التخلي عن الانتماء أو الموالاة ، و لكن نحو الأسود مباشرة ، و لا يتم الانسلاخ من الأبيض نحو الرمادي كما ترى عين الأبيض . و هذا الحراك الطبيعي يجعل من المنسلخ مرتدا في عين الحزبي ، و تهمة الارتداد السياسي هو زحاف فكري ديني أصيبت به العقلية الحزبية بما في ذلك العقلية الحزبية " العلمانية " و " اليسارية " ، و هو شكلٌ من أشكال التكفير الذي لم يعد كما رآه بعض المفكرين الإسلاميين كالسيد الشابندر خاصا بطائفة ما ، بل لقد بات عاما ، لا يشمل أحزاب الإسلام السياسي فحسب بل و الأحزابَ العلمانية. و لا يمتنع الحزبي ( الذي يرى نفسه يعيش في المنطقة البيضاء ) عن إلحاق الضرر الجسدي بهذا المرتد الذي انتقل الى المنطقة السوداء ( رمز اللانتماء ) إلا لأنه أحيانا لا يمتلك الوسائل ، و لكنه في كل الأحوال يمتلك النية . و بات التكفيرُ صفة عامة مشتركة تجمع العقلية الحزبية الدينية و غير الدينية و حتى العلمانية ، إلا أن وسائل مواجهة المرتد تختلف بالرغم من الاتفاق على الجوهر .
ترى عين الحزبي الشمولي " المرتد " شخصا فاقدا لجوهره الإنساني ، ذلك لأن الوظيفة البشرية الجوهرية تضيق دائما في عين الحزبي لتقتصر على الانتماء و ليس شيئا غيره و ينقسم المجتمع كما رأينا في العين الشمولية الى منتمٍ أو من هو في طريقه الى الانتماء أو عدو . و ترى العقلية الحزبية أن الوظيفة الأساسية للكينونة البشرية هي الانتماء . لذلك يصنف " المرتدون " و الذين تركوا الحزب في مرتبة أدنى من الأعداء و يحضون بكراهية لا تجارى من اجل عزلهم و من أجل إعطاء تحذير و نُذرٍ بالويل والثبور للآخرين ممن يميلون الى الانسلاخ .
فقد أصدر النظام السابق قرارا يقضي بالحكم بالإعدام على المنتمي الى حزب السلطة الذي يترك الحزب و ينتمي الى حزب آخر ، بل إن الاستقالة من الحزب كانت تعتبر عملا عدائيا قد يجلب الضرر البالغ على القائم به ، و الإعدام أو السجن هو عقوبة سلطوية لا يجوز وفق قواعد المجتمع المدني تطبيقها في الحزب حتى لو امتلك السلطة. و أصدرت أحزاب أسلامية قرارا يهدر دم بعض المفكرين الذين تحولوا من الفكر الديني الى الفكر الناقد له ، و نعتت أحزابٌ يسارية منسلخين عنها بالمرتدين و تعاملت معهم على إعتبار أنهم أعدائها الفكريين بل و تعاملت مع إسلاميين و طائفيين كحلفاء و شركاء سياسيين و لكنها تنفر من التعامل مع أقرب الكتل اليسارية و ترى أن الشيء الوحيد المقبول من هذه الكتل أو الأفراد هو العودة غير المشروطة إلى الحزب ، و قد صعدت الستالينية عداءها للاشتراكية الديمقراطية أكثر من عدائها للخصوم الطبقيين ، و كان ستالين أكثر من كرس مفاهيم الانتماء القسرية ، و لا يزال ستالين هو الاب الروحي للقادة المخضرمين لليسار العراقي في قواعد التنظيم والسلوك .
و الدرجة الثانية من طرق المواجهة التي يلجأ لها حراس المنطقة البيضاء لمنع الحراك من المنطقة البيضاء الى السوداء هي المحاربة دون القتل ، ( الحرمان من وسائل العيشة ، الحرمان من النشر ، الحرب النفسية و التصغير، تشويه السمعة : سكير نسونجي ، انتهازي ، .. الخ ) بغض النظر عن الكفاءة .
و بهذا فالعقلُ الحزبيّ الشرقيُ ، العراقي خصوصا سلطة و معارضة ، هو العدوُ اللدود للتكنوقراط ، و اشد المعادين للكفاءات غير السياسية . و يرى العقل الحزبي الجمعي أن الكفاءة الحقيقية هي الكفاءة السياسية . فما فائدة الكفاءة في مجال اختصاصٍ معين اذا كان الشخصُ الكفء يفتقرُ للكفاءة " الأساسية و الحاسمة " ، أي الموالاة ، بنظر الحزبي الشمولي . قامت أنظمة شمولية و حزبية بإقصاء الناس من الوظائف العامة استنادا الى ما أعلن جهارا من أن هذا و ذاك يفتقر الى الولاء أو انه مشكوكٌ في ولاءه و اُعتبرَ الولاءُ أهمَ من الكفاءة ، و لم يكن الولاء ولاء للوطن والمبادئ العامة إنما كان ولاء للحزب والقائد ، ذلك الولاء الذي صُيّر ، بواسطة ماكنة الدعاية الحزبية ، مطابقا لمصلحة الوطن و الأمة ، و ربما بديلا عنهما .
العقلية الحزبية و مؤسسات المجتمع المدني
العقل الحزبي العراقي ، حاكما كان أو محكوما ، هو المسؤول الأول عن تصفية مؤسسات المجتمع المدني و إفراغها من محتواها: النقابات ، الاتحادات ، التجمعات المهنية ، منظمات الطلبة و الشباب ، المؤسسات الثقافية لجان حقوق الإنسان ....الخ .
يتسلل الحزبي الى المؤسسات المدنية و يزيف وظيفتها و ينخرها من الداخل كما ينخر الدود جذع الشجرة إذ تقوض العقلية الحزبية المهمات الجوهرية لمؤسسات المجتمع المدني . فالحزبيُ متحيزٌ يسخّر المؤسسة لمصلحة الحزب و يسييسها . فإذا ما تعرض عضو المنظمة المهنية او النقابية الى اضطهاد السلطة التي تمثل الحزب أو القوى المتحالفة معه فإن الحزب يقف ضد الفرد مع السلطة ، مع رب العمل ضد العامل ، مع الهيئة التدريسية ضد الطالب ...الخ .
و يبدو الأمرُ صارخا يصل الى مستوى الكوميديا السوداء حين يسيطر الحزبي على منظمات حقوق الإنسان بالرغم من انه متحيز و يرى الأمور بعين الحزب و لا يمكن للحزبي الشمولي أبدا أن يكون مدافعا صادقا عن حقوق الإنسان .
بذا يضع الحزبي مصلحة الحزب فوق مصلحة المجتمع الذي لكي تستقيم الكثير من مؤسساته يتطلب الأمر إبعاد مؤسساتها عن التسييس ، و لكن الذهنية الحزبية ترفض أن يكون ثمة شيء خارج النفوذ الحزبي مباشرا كان أو غير مباشر معلنا أو مبطنا ، و تتصارع الكثير من الاتجاهات السياسية و الحزبية للسيطرة على مؤسسات المجتمع المدني بقصد الكسب الأناني يكون الخاسر فيها المجتمع بمعناه المدني مهما كانت طبيعة الحزب الذي يفوز بمعركة السيطرة على هذه المؤسسات .
اتصلت السيدة ( أ ) بالسيدة ( ب ) و عرضت عليها المساعدة من اجل انجاز معاملات معقدة تحتاج لغة مقبولة في إحدى بلدان المهجر فقبلت ( ب ) بسرور خصوصا و انها هاجرت حديثا الى دولة المهجر و لا تعرف لغة البلد ، وحين انجزت المهمة طلبت منها السيدة ( أ ) أن تنتمي الى منظمتهم النسائية ، رفضت السيدة ( ب) لأنها لا تحبذ الانتماءات و تعرف أن هذه المنظمات تمثل حزبا ما . احتاجت السيدة ( ب ) بعد ذلك بأيام الى مساعدة أخرى ، رفضت السيدة ( أ ) تقديم المساعدة ! لماذا ؟ سألت السيدة ( ب ) ـ لأنك ترفضين الانتماء الينا كما أجابت السيدة ( أ) و أضافت : " نحن نقدم المساعدة لمن ينتمي الينا فقط . " !
المنتمي يستحق المساعدة غير المنتمي لا يستحقها ، تجريد المساعدة من طابعها الإنساني ، يتم فيها تكريس التمييز لصالح المنتمي . هذا المثال واسع الانتشار و صارخ بل و مهيمن و تكرسه احزاب تدعي الديمقراطية و التعددية ، و هو يزيل الفروق بين المعارضة المنتصرة و السلطة المنهزمة و يجعل من المعارضة ديكتاتورية مؤجلة . يفترض في مؤسسات المجتمع المدني ان تقدم المساعدة لمن يحتاجها ضمن نطاق عملها بغض النظر عن الانتماء و الولاء .
هذه المنظمات ليست في جوهرها منظمات المجتمع المدني ، إنها منظمات مختطفة من قبل أحد الأحزاب و متنكرة بزي المنظمة المدنية ، إنها تجعل الانتماء اليها ، كخطوة أولى للإنتماء للحزب ، الذي هو أهم من نداءات الواجب و العدالة و العدو اللدود لكل شكل من أشكال المساعدة المجردة .
لا توجد تقريبا مؤسسات للمجتمع المدني في العراق . جميع المؤسسات و النوادي و النقابات و الاتحادات و المؤسسات الثقافية تحت سيطرة هذا الحزب أو ذاك ، و بذا فإنها بالضرورة لا تقوم بواجبها المهني . يتلقى القائم بأعمال رئاسة هذه المؤسسات أو مجموعة من لجانها القيادية التعليمات من الحزب و ليس ما تمليه عليه المتطلبات المهنية بالدرجة الأولى و غالبا ما يعامل الخصوم السياسيون أو المنتمون إلى أحزاب أخرى أو غير المنتمين .. الخ بعداء أو تسويف أو عدم ترحيب في أحسن الأحوال .
في دراسة دور النقابات كان التركيز على دور النقابات السياسي التحريضي و الاضرابي ذي الطابع السياسي الذي كان يتوافق مع الأحداث السياسية الكبرى ، و يشار دائما الى دور النقابات و المؤسسات المهنية في الأحداث السياسية الكبيرة مثل الثورات و الانتفاضات ، دون إشارة تذكر للعمل المهني الخالص ، فهذا لا وجود له إذ يجب على المؤسسة المهنية أو النقابية أن تقود أعضاءها الى الإدراك السياسي الذي يقوم على إسقاط السلطة الذي هو في نهاية المطاف هدف كل المطالب.
و تعمل المؤسسات المهنية و الثقافية و الجماهيرية في الداخل كما في الخارج تحت سطوة العقلية الحزبية الشمولية و تحت هاجس الكسب الضيق و لا تقدم هذه المؤسسات الفرص إلا لمن يتفق مع سياسة الحزب الذي يختفي وراءها أو من الأحسن أن يكون منتميا له . و لا تعلن المؤسسة حدود اطارها الفكري لأن وجود إطار فكري للمؤسسة و معيار هو ما يمكن أن يستعمل ضدها ، و تبقي مثل هذه المؤسسات نفسها في ضبابية ، وبالرغم من برامجها المستمدة من المجتمع المدني السابق أو من مثيلاتها على الصعيد العالمي تضمن مدنيتها وحياديتها بقدر ما الا أن هذه المؤسسات تتحايل من أجل أن تكون أحد الخطوط الدفاعية عن الحزب الشمولي . و تحمل جميع هذه المؤسسات ملامح من طريقة عمل المؤسسات السرية مثل الماسونية و الكوكوكس كلان و تحتفظ بدرجة كبيرة باجندة سرية و تسودها اجواء من التآمر و حياكة المكائد و التجسس و نقل الاخبار و كتابة التقارير و التحايل على القوانين و الحصول على دعم السذج تحت واجهات اخرى ، و تكره الشفافية و العمل المعلن بقدر كراهيتها لكل ما هو طبيعي في الحياة ، و تبدو الحياة بالنسبة لها كمؤامرة كبرى .
الحزبية و المجتمع الاسري البطريركي

الصراعات الحزبية الشمولية الهادفة إلى إقامة ديكتاتورياتها الخاصة في الشرق ، و في العراق كأنقى شكل مكثف ، مزقت نمطَ العلاقات الأسرية البطريركية دون أن تنشأ ، على غرار أوربا مثلا ، مجتمعا مدنيا كبديل . بسببها بقى المجتمع الشرقي يعاني من فراغ في القيادة غير الديكتاتورية ، و كانت وظائف العلاقات الأسرية شبه البطريركية و العشائرية تقوم ، ضمن أشياء أخرى ، على حل الخلافات و تنفيذ مستلزمات المصالح العامة على أساس المصالح المشتركة للجماعة بالتنسيق مع السلطات التي نشأت خصوصا في أعقاب الحرب العالمية الأولى . مزقت العلاقات الحزبية الشمولية العلاقات البطريركية الأسرية و أسست للصراع بين أفراد الاسرة الواحدة ، و زرعت الشقاق بين الاخ و اخيه و قوّت الخلاف في المجتمع القروى بشكل خاص و الذي كان حتى ذلك الحين يعيش بتناغم و انسجام .
الحياة الحزبية و السياسية في المجتمع الغربي و التي نشأت من الأسفل على أساس مجتمع صناعي تطور مؤخرا بشكل واضح المعالم قامت على أساس مفهوم المواطن الحر دافع الضريبة الذي يصاحبه الشعور بأن الدولة موجودة بسببه و إنه هو الممول الحقيقي للمشاريع ذات النفع العام و إن الدولة هي ممثلة له و ليست قائمة فوقه كالقضاء و القدر . و كانت الأحزاب تعبر عن المصالح المتوافقة أو المتصارعة في المجتمع . و في فترة الاستقرار التي اعقبت الحرب العالمية الثانية و من ثم في أعقاب نهاية الحرب الباردة كانت كل الاطراف السياسية و الاحزاب الممثلة لمختلف فئات المجتمع قد أتفقت ضمنا على السلم الاجتماعي و الحل التوافقي ، و الأهم انها اقتنعت بأنها من الممكن أن تهزم و تخسر و عليها أن تقبل احيانا بالخسارة.
لا توافق الأحزاب الشمولية على احتمال الخسارة و لو كفرضية رغم إنها مجللة بالهزائم عبر تواريخها ، و اذا ما حدث و كانت الهزيمة صارخة تفقأ العين ، كانت الهزيمة ، حسب رأيها ، بسبب الامبريالية أو المؤامرات الخارجية أو كيد الأعداء ، أما الأحزاب الشمولية فلا تخطأ ، كما لا يمكن لقادتها أن يخطئوا . و بهذا كانت الأحزاب الشمولية و فلسفتها تمثل شكلا من أشكال الحكم القائم على الحق الإلهي المموه .
قسمت الاحزاب الشمولية المجتمع الشرقي تقسيمات جديدة ، و لكنها لم تهتدِ ، أو قل لم ترغب أن تهتدي ، الى الآليات الجديدة الخاصة بالمجتمع المدني ، فخسر المجتمع شيئا و لكنه لم يكسب شيئا بالمقابل كبديل كما حصل في المجتمع الغربي ما أدى الى فراغ و فوضى اجتماعية .
إن قوانين التطور الإجتماعي تفترض نشوء أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية على انقاض علاقات أخرى بائدة يجري فيها من كل بد تعويض الجوانب الايجابية في العلاقات القديمة البائدة بشكل جديد أكثر تطورا ، فالضمان الاجتماعي " الذاتي " الذي كان اسريا او مدينيا و الذي بموجبه تحمي الاسرة او الجماعة من كان من أفرادها معوقا أو مريضا أو شيخا أو طفلا بل و حتى من كان كسولا و عبثيا يستعاض عنها بضمان مصاغٍ بقوانين تطبقها الدولة و مؤسساتها . أما في المجتمع الشرقي و في العراق خصوصا المحكوم بتصارع الشموليات فقد تم تحطيم هذا دون ان يستعاض بذاك .
منير العبيدي
8 ـ 9 ـ 2007







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قصيدة بالألمانية للشاعر كريم الأسدي
- ليالٍ من عاصمة كانت على قيد الحياة
- من أجل يسار جديد الجزء الثالث
- من أجل يسار جديد الجزء الثاني
- من أجل يسار جديد
- إلى قيادة الحزب الشيوعي العراق : اعينوا وطنا يحتضر !
- كيف يتخلى عن اللينينية من لم يعمل بها اصلا ؟
- اللينينية مرة اخرى
- بأي معنى تم التخلي عن اللينينية
- هل أن السيد حسقيل قوجمان هو الستاليني الوحيد ؟
- السعدية و العولمة و حرية النشر الجزء الثاني
- السعدية ، و العولمة و بيان أسباب عدم نشر موضوع البهرزي في ال ...
- الى شيوعيي ديالى الأعزاء .. لا تخسروا ابراهيم البهرزي كما خس ...
- كيف تمكن البعض من تطوير ماركس خلال سبعة أيام بدون معلم ؟
- ملاحظات على برنامج الحزب الشيوعي الجزء الثالث
- ملاحظات على برنامج الحزب الشيوعي الجزء الثاني
- ملاحظات على برنامج الحزب الشيوعي الجزء الاول
- قراءة نقدية في روايتين لصبري هاشم
- العقد الابداعي و النقد
- جدي وحركة التحرر الوطني


المزيد.....




- -نيسان- تسحب مليون سيارة من السوق اليابانية
- السعودية.. الأمير -المشين- ينتظر الحكم الشرعي
- إعصار أوفيليا يقذف هيكل إنسان من العصر الحديدي إلى الشاطئ
- مؤتمر -قادة حروب القرن الواحد والعشرين- في أبوظبي
- بالفيديو.. عراك وتراشق بالكراسي بين حزبي العدالة والمعاصرة ...
- بعد قتال مع -البيشمركة-.. القوات العراقية تسيطر على ناحيتين ...
- محاكمة مخبر سري للأمن الألماني -شجع جهاديين- على ارتكاب اعتد ...
- البرازيل.. تلميذ يطلق النار في مَدرسته ويقتل تلميذين على الأ ...
- مواجهات عنيفة بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة في مجل ...
- فرار عدد كبير من الأفغان من برنامج تدريبي عسكري في أمريكا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع  - منير العبيدي - العقل الحزبي و المجتمع المدني