أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عبد الكاظم العبودي - منظمات المجتمع المدني مساحيق بشعة على وجه ديمقراطي امريكي زائف في العراق















المزيد.....



منظمات المجتمع المدني مساحيق بشعة على وجه ديمقراطي امريكي زائف في العراق


عبد الكاظم العبودي

الحوار المتمدن-العدد: 2178 - 2008 / 2 / 1 - 02:08
المحور: المجتمع المدني
    


ظهرت مرة واحدة كل الدمامل الاجتماعية والسياسية على ملامح الوجه العراقي السياسي المعاصر. وجه اريد اخفائه خلف كثير من الاقنعة الزائفة التي تم استيرادها وتفصيلها ورسمها غداة وبعد الغزو الامريكي للعراق واحتلال بغداد في التاسع من ابريل/نسان 2003. فبعد اكذوبة الكشف وتدمير اسلحة الدمار الشامل، الى "ازاحة الدكتاتورية" و"استعادة حقوق الانسان" الى "اقامة النظام الديمقراطي الفيدرالي في العراق" ظلت الواجهة للديمقراطية الامريكية المحمولة على ظهر ألدبابة الامريكية وحلفائها تتقدم عبر الاعلام بكل وسائطه بهدف غسل الادمغة ومحو الذاكرة التأريخية للاجيال.
ويجري الرهان على الجيل الاخير من العراقيين وما قبله لكونه قد اكتوى بظروف الصراعات السياسية ومأساة الاوضاع الاستثنائية التي مر بها العراق كالحرب العراقية الايرانية والعدوان الثلاثيني على العراق وما تبعه من ظروف الحصار الظالم والاحتلال. تستمر محاولات فرض ظروف من التيئيس من التحرر والانعتاق لقطاعات واسعة من الشعب العراقي وخاصة الفئات التي طحنتها ظروف المحن السابقة والحالية.
ويتم التركيز على التبشير باكذوبة الرغبة الامريكية في اقامة نظام ديمقراطي في العراق سيكون بديلا عن نظام شمولي سابق عرفه العراقيون.
وتحقيقا لارادة امريكية، لا غير، سوقت الادارة الامريكية للعالم، عبر ماكنة اعلامية ضخمة، بانها تريد ان يصبح العراق تموذجها التطبيقي لمثل هذا النظام الديمقراطي الموعود بنائه في الشرق الاوسط القديم أوالجديد المطلوب انجازه في اقرب فرصة بعد القضاء على "الارهاب". ويتم تسويق مثل هذه الديماغوجية الاعلامية الامريكية المضخمة في المنطقة من خلال مشاريع لازالت مؤجلة التنفيذ تعلن ليل نهار عن نية الولايات المتحدة اسقاط بقية الانظمة العربية وتغيير معالم وجه المنطقة وتنميتها وفق تصورات الحقبة الامريكية الجديدة والنظام العولمي. اما الفزاعة التي يلوح بها بوش بوجه عملائه من الحكام العرب فهي قرب هبوب رياح التغيير الديمقراطي.
ورغم علمنا ووعينا الاكيد بمرامي مثل هذا التسويق الاعلامي لتلك الديمقراطية الموعود اقامتها في العراق، ورفضنا المطلق والمبكر لكل تلك الاجراءات التمهيدية لاقامة"سلطة الاحتلال" التي بشرت بقرب حلول النظام الديمقراطي في العراق كمحصلة، ونتيجة للغزو الامبريالي المقيت الذي يظل مدانا من قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي لايغاله في ممارسات الجريمة المنظمة والنهب المفضوح وارتكازه على قطاعات اجتماعية وسياسية وكيانات عراقية مشبوهة تم اختيارها واعدادها كواجهة ودمى لمسرح يراد لها اللعب على ركحة بادوار مشوهة لجوهر وروح الديمقراطية التي توصلت اليها تجارب الشعوب ونضالاتها.
وكما هومعروف بدأت إدارة الغزو الاستعمارية بتشكيل "مجلس حكم" مشبوه بكل اعضائه واطرافه وتوجهاته وكياناته السياسية. وتم جمع العملاء في المنطقة الخضراء بمعزل عن ارادة الشعب المقهور بقوة سلاح الاحتلال وفي ظل تصاعد وسائل قمعه واعتقالاته وابادته الشاملة لعناصرالحياة. خططت الادارة الامريكية لانتزاع ارادة المقاومة منه بكل الوسائل لانهاء مقاومته الشرعية كشعب حر ظل رغم محنته الكبرى باحصنة طروادة من بعض العراقيين.
ظل شعبنا متمسكا بارادته السياسية التي عبر عنها بوسائل عدة ومنها التظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات من جهة ودعم مقاومته الوطنية المسلحة بما اتيح له من ابناء بررة لبوا نداء الواجب الوطني في كتائب الجهاد والتحرير المختلفة.
ورغم ادعاء الادارة الامريكية بتمسكها بالخيار الديمقراطي لشعب العراق فقد حرمته من فرصة تاريخية ليعبر عن ارادته في الاختيار الحر لنظامه السياسي وكتابة دستوره وتشكيل احزابه ومنظماته الوطنية من دون قمع وتنصيب للعملاء وفق ارادة البيت الابيض .
لقد اطلقت الادارة الامريكية وشهودها من نواب الكونغرس اليد الطولى للمجرمين والقتلة والسراق لتدمير بنية العراق الاجتماعية والاقتصادية وتسمح للعصابات ومليشيات الجريمة المنظمة التي حملت مسبق معها احكام القصاص والاجتثاث لكل من يعارضها لكي تستبيح في ظل التعليمات التي وضعها بريمر ومن خلفه نيغروبونتي وخليل زادة حرمات الشعب والوطن تحت ظل وحماية ودعم وتخطيط المحتل نفسه وبادارته الجمهورية ومعارضته الديمقراطية .
وبعد الغاء الدولة الوطنية العراقية ومؤسساتها واستمرار العبث بكل ما كان قائما للعراقيين على ارضهم جرى الحديث عن "ديمقراطية المحتل" القادمة مع المارينز والتي الغت حق الصوت الديمقراطي الحر للعراقيين لتحل بدائله من ممارسات يخجل منها العالم الديمقراطي الحر. في البدء تمت عملية توزيع المحاصصات وفق قوانين استثنائية ومرتجلة لخلق نظام سياسي مشوه أريد له تسيير الدولة العراقية "الجديدة" على يد "بريمر" وخبرائه ومستشاريه من صهاينة وأعاجم وغيرهم، وصولا الى الاعلان عن صيغة مرقعة اطلق عليها عنوان "دستور" كان مفخخا في كل فقرة من فقراته وبنوده ومراميه ومقاصده، وتم حبك مفرداته وصياغتها بليل صهيوني لئيم ، ثم تم الانتقال الى تشكيل الادوات التنفيذية لهذا النظام المشوه سياسيا لاتمام وتوزيع الادوار لهذا "المسرح الديمقراطي" المقام في حدائق المنطقة الخضراء باعادة هيكلة وتشكيل أحزاب ومنظمات اطلق عليها مسمى امريكي عولمي جديد على العراقيين عنوانه" منظمات المجتمع المدني" لاستكمال ديكور "المسرح الديمقراطي الامريكي في العراق". ولانجاز ما سمي بـ "العملية السياسية" وأجندتها وفق مرامي الاحتلال ومخططاته.
وهكذا تم الاعلان عن "دستور" ومؤسسات سبقته او ملحقة به من هيئات تنفيذية للارهاب السياسي الجديد والمنظم بأطر قوانين امريكية معرقة ، اسندت مهمتها الى احمد الجلبي واطلق عليه عنوانا فاشيا وسماه "هيئة اجتثاث البعث"، ثم تتالت القوانين والتعليمات تضمنت وسائل الترغيب والترهيب عبر عناوين اخرى مهيكلة فيما سمي لها من مسميات "ديمقراطية" مثل: "هيئة النزاهة" ومرورا بـانشاء "المفوضية العليا الخاصة المشرفة على الانتخابات" ومثيلاتها مثل "الهيئات القضائية الخاصة وما يلحق بها من محاكم وهيئات تحقيق خاصة واطر بوليسية وامنية بعديد من المسميات"...الخ.
كل هذه الهيئات وغيرها تم تدريب واعداد كوادرها في المؤسسات الامريكية التابعة للمخابرات الامريكية داخل وخارج العراق وفي بلدان عربية وغربية منها الولايات المتحدة وتم الاعلان عن بعضها باسم المساعدات الدولية لتأهيل العراقيين على حكم انفسهم بأنفسهم وكأن العراقيين هؤلاء جاؤوا من مجتمعات متخلفة او من مواطني بلاد لم تكن فيها دولة في يوم من الايام. وهكذا كان قدر العراقيين مع هذه التنشئة الامريكية للنظام الديمقراطي الجديد.
كثرت عناوين الهيئات والمؤسسات والمنظمات المطلوبة امريكيا لاحتواء العراقيين ، وتم ترشيح نشطائها من بطانات الاحزاب الملتحقة بالعملية السياسية وكلها احزاب كانت ولا زالت مخترقة من قبل عناصر المخابرات الامريكية ووكلائها ، حيث طبعت هذه الاحزاب برامجها واشكال تسييرها بمحاكاة التجربة الامريكية المشوهة. واغلبها اضافت لنشاطها الوان من الانشطة والفعاليات المتسمة بالتخلف الطائفي والقومي الشوفيني وسيرت نشاطاتها وفق عقلية المافيات المتقاتلة على النفوذ والامتيازات وتمنح لنفسها نفاقا ديمقراطيا تعدديا في عملية سمته الادارة الامريكية برلمانيا تعدديا وحكومة محاصصة سميت توافقية.
وهكذا ظنت الادارة الامريكية انها اعدت نخبتها السياسية والثقافية والادارية الجديدة لحكم العراق"الجديد" وفق قوانين تسيير "ديمقراطية" عراقية لكنها في الحقيقة احتفظت لنفسها مركزيا حق الاعداد والتوجيه والتدريب والتسيير والتمويل والتغيير والتنصيب والعزل والابقاء والتطهير تبعا لكفاءة الافراد ومدى خضوعهم للاملاءات الامريكية المطلوبة لخدمة الاحتلال، وبغض النظر عن مبدأ حق المواطنة العراقية وتوافرالكفاءة المهنية والسياسية المؤهلة للمنصب والموقع الاداري والسياسي حشد الامريكيون الكثير من الحثالات السياسية في مجلس اطلق عليه برلمانا وحكومة جمعت اشتات الجماعات المتصارعة من اجل النفوذ على حساب آلام الشعب العراقي ومعاناته الفضيعة .
وهكذا ظهرت الادارة الجديدة للدولة العراقية المطلوبة امريكيا بوجوه عراقية تم انتقاء إداراتها والمشرفين عليها بدقة من عناصر ارتبطت مسبقا بالغزو اوالتحقت لاحقا وفق خيارات انتهازية ونفعية وفرتها لهم ادارة وجيش الاحتلال الامريكي من خلال فرصة للخيانة سميت بـ "العملية السياسية" المدارة من قبل وكالة المخابرات الامريكية ووكلائها من العراقيين سواء من بين من كانوا في الداخل أو أؤلئك العائدين من الخارج بعد الاحتلال.
ليس هناك من معيار اخلاقي قد حدده الامريكيون لمن يرغب للالتحاق بادارة الاحتلال وادواتها التنفيذية من العراقيين سوى القبول والاستعداد لخيانة الوطن العراقي، والقبول بسيادة غزاته الجدد .
ولا يهم لدى الامريكيين نوعية هؤلاء الافراد والجماعات سوى قبولهم الاحتلال وعدم التعاون مع المقاومة بكل اشكالها وتم ادراجهم بمختلف الصيغ والعناوين ومن دون نزاهة شخصية وسياسية ووطنية حيث تم تشكيل مثل هذه الهيئات والادارات وتنصيب قيادات بعض الاحزاب بطريقة اقل ما يقال عنها انها كانت غير ديمقراطية ومن دون نزاهة، وجرى تشكيل احزاب وعناوين مموهة اضافية بعد ان اجتث الارهاب الامريكي والطائفي الشعب العراقي نفسه من ارضه ووطنه ومن مدرسته الوطنية.
هذه النخب المتهالكة على كراسي السلطة التابعة للسفارة الامريكية والخاضعة لجزمة الاحتلال الامريكية عبرت منذ الوهلة عن انحيازها لا للعراق وطنها؛ بل للمشروع الامريكي وتوجهاته المطلوبة والمتوافقة مع رغبات الاحتلال ومراميه.
والغريب في النموذج الديمقراطي الامريكي المراد بنائه في العراق لازال يحظى بالحملات الدعائية الضخمة رغم عثراته وفشله وتصاعد المقاومة الوطنية ضده، ولتحقيقه وضعت الادارة الامريكية لكل طائفة وحزب وعصابة ملتحقة بسياسات الاحتلال صحفا واذاعات ومحطات تلفزة واجزيت لها ميزانيات ضخمة لشراء الذمم . وعبرها تجري محاولات تقسيم العراق، لا على الارض بقوة الدبابات، كما تمنته الارادة الصهيونية؛ بل عبر الاجواء والفضائيات المسماة ظلما باسماء عراقية مختلفة . هذه الفضائيات التي نست مهماتها الديمقراطية الموكولة لها في العهد الجديد كما يتسلى محدثوها في ندواتهم الاعلامية وذهبت لتكرس جهدها عبر الفضائيات نحو تقسيم العراق الى ملل وطوائف وكانتونات ووفرت الاموال الامريكية له الابواق ولكل منها خطابها الطائفي والقومي الشوفيني وحتى العبثي بتكريس ثقافة التفاهة كي تلعب بمصير ووحدة العراق ارضا وشعبا ولتشويه صورته الثقافية والحضارية.
لم يستند الحراك الامريكي المسمى "ديمقراطيا" الا الى بقايا من تكتلات لافراد اعطت لنفسها مسميات سياسية عراقية او كردستانية او اسلامية . ورغم مرور 5 سنوات على الاحتلال فلازالت هذه الزمر السياسية الموتورة تمارس حتى الان ممارسات ديماغوجية وسياسية للابقاء على احتكار العمل السياسي لعدد من الاشخاص والبيوتات ولم تقدم على اي تغيير في هياكلها وطواقمها العائدة من الخارج. وهي لازالت تنتمي الى عقليات التسيير في العمل الحزبي السري رغم خروجها من اقبيتها السابقة الى العلن . وقبلها لم تكن قد مارست ابدا في تاريخها السابق حياة سياسية تتيح لاعضائها حرية الترشح والوصول الى القيادات الحزبية وفق اطر ديمقراطية ، وهي التي فشلت ان تخلق لدى قواعدها وقياداتها حسا وممارسة ديمقراطية . هم يعرفون ذلك في الوقت الذي يطلقون على كياناتهم مسميات تنعتهم بانهم "قوى ديمقراطية" كانت مناهضة "للحكم الشمولي الدكتاتوري" ..الخ من بقية تلك المعزوفة المكررة لعقود.
هذه القوى كانت اصلا ولم تكن خلال مسارها السياسي قد مارست الديمقراطية حتى في تنظيماتها عندما كانت خارج العراق، وعندما كانت لسنين طوال خارج العراق حرة طليقة وخارج سلطة النظام الحاكم في العراق. فالقيادتان الكرديتان الازليتان ظلتا تحكمان احزابهما بواسطة مليشيات من البيشمركة وبالمخابرات الخاصة وظلت تتحكم بالاموال الموزعة على الاتباع والانصار والمريدين. وكم من مرة لجئتا الى القمع والتصفيات الدموية فيما بينها وما بينها وبين القوى الاخرى المنافسة لها في النفوذ داخل العراق وخارجه على حد سواء.
لقد مارست هذه القيادات الاجرام والقتل والابادة على خصومها داخل التنظيم الواحد، وعلى ذات الشاكلة وبنفس العقليات السابقة عادت الى العراق شأنها شأن الاخرى من الاحزاب الدينية والطائفية التي يقودها افراد وعوائل معروفة استفادت من الدعم الخارجي في منفاها الاختياري فشكلت هي الاخرى، وهي في المنفى، مليشياتها ومخابراتها الشخصية، واحتمت بمخابرات الدول المضيفة لها، واغدقت على اتباعها المال والدعم والنفوذ، وسحقت العديد من كوادرها ومعارضيها داخل وخارج العراق. هذه القوى اختارتها البلادة الامريكية لانجاز المشروع الديمقراطي الاحتلالي في العراق.
ويكفي هنا الاشارة الى تجربة "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية" واستحواذ عائلة آل الحكيم ومنظمة بدر عليه، وكذا هو الحال مع حزب الدعوة وشبيهاته من الاحزاب الدينية والطائفية. وان كان الاكراد قد عبئوا شعاراتهم على المطالبة بالحقوق الكردية فان التجمعات الشيعية المتحزبة في كياناتها القديمة والجديدة ركزت في خطابها على مظالم اهل الجنوب من الشيعة وتمترسوا مظهريا خلف عناوين واسماء لبعض المرجعيات الدينية التي وجدوا فيها جزء من ضالتهم لدفع شعار الديمقراطية نحو الواجهة الطائفية فقط، اما في العمق الاجتماعي فقد ظل الوفاء لعناوين عائلية لا تمت للطائفة باية صلة من قريب او بعيد والممارسات اخذت بعدا فاشيا دمويا سعى لتصفية الاخرين بقوة السلاح تحت غطاء الحماية التي وفرتها لهم الاغلبية العددية التي تحصلوا عليها في انتخابات مضللة ان لم تكن زائفة .
المهم ان "الديمقراطية" اضحت شعارا للمتاجرة لا غير، وتمت التعبئة الامريكية للمواطنة العراقية الجديدة بشرط قبول الاحتلال ورفض المقاومة. ودفعت الممارسات المشوهة للديمقراطية الامريكية المطلوبة للعراقيين هو التجمع خلف الطائفة المتحزبة وخلف الواجهات القومية المتحزبة، ولاجل هذا المولود المسخ نسخت السفارة الامريكية ببغداد لاجلها مسميات واحزاب وعناوين وكيانات لتلعب بها فرق الكومبارس الديمقراطي في ورقة الانتخاب البائسة لاعادة توزيع المحاصصة السابقة التي اعتمدها بريمر في تشكيل "مجلس الحكم" "البريمري". تلك المحاصصة بنسبها وتوزيعها لم تتغير من حيث الجوهر بل شرعت لنفسها قوانين وتعليمات قادت الى تشكيل حكومات معوقة تتابعت في فشلها وعزلتها، والى تخليق "مجلس نواب" للطوائف لا يمت للشعب بصلة المواطنة ولا يتحسس للناس بهم او قرار.
اما الوزارات والسفارات والمكاتب المالية والاستشارية وحتى الجامعات وفرص الدراسات العليا وامتحانات البكالوريا وحتى فرصة الحج الى بيت الله فهي تقنن وفق توزيع المحاصصات والولاءات ولمن يزكيه الجانب الامريكي ويمنحه الحضوة بحماية المليشيات المسلحة.
لقد قادت الكارثة الديمقراطية الامريكية في العراق الى الارتداد السياسي نحو عصور مظلمة من مجاهل التاريخ السوداء التي لم يعرفها العالم والعراق في اصعب مراحله التاريخية، فالاغلبية المراد لها ان تحكم نفسها "ديمقراطيا" في بلدها العراق اضحت أغلبية لاجئة ومتشردة ومستلبة الحقوق في الداخل وفي الخارج. وبلغت اعداد اللاجئين والمنفيين الجدد الاربعة ملايين. اما تلك البقية التي بقيت في بلادها فمنها عشرات الالاف من المعتقلين من رجال ونساء واطفال، ويضاف لهم الملايين الذين فقدوا حق مواطنتهم في بلادهم واصبحوا من دون تعليم ورعاية صحية وهم يعيشون باجواء الخوف والاعتقالات الجماعية والاختطاف، اضافة الى فقدان واختفاء المئات والعيش في اجواء التصفيات الجسدية اولاغتيالات الاجرامية التي طالت العقل العراقي العلمي والتقني والثقافي والاجتماعي والرياضي والفني.
ان الاستلاب للحق في العراق اضحى سمة الديمقراطية الامريكية واغتيال الوطن العراقي يتم ذبحا وبدم بارد تحت واجهة مضللة اسمها "الديمقراطية"، والغريب ان الدولة "الديمقراطية" العظمى الاولى في العالم "كما تدعي امريكا " لجأت الى أحط الوسائل تنفيذا لرغباتها لديمومة الاحتلال، من خلال العودة، بعد فشل كل اساليبها الدموية والفاشية الى تجريب أي من التشكيلات الاجتماعية المتخلفة المستعدة للانخراط في خدمة المحتل ومخططاته ولتجعل من ما يسمى "مجالس الصحوة" واجهة لمرحلة ثالثة من الديمقراطية الامريكية الجديدة في العراق. وبعد ان فشلت في تجربتها الاولى من خلال عناوين الاحزاب التي منحتها مسمى "البرلمان" وهو عبارة عن نادي للارتزاق السياسي تم تركيبه ايضا وفق المحاصصة الامريكية وبفرمانات الرضا والعطايا المالية الممنوحة مقابل الاداء والسلوك الانتهازي المرضي لرغبة بقاء وحماية الدبابات الامريكية وارضاء ادارة الاحتلال، فكان ان سقطت العملية السياسية برمتها في دوامة من الاحتكار السياسي المستمر من جهة والاستئثار بقوة القمع لصالح فئات معينة ارتضت مسايرة الاحتلال من جهة اخرى.
ان الحديث عن المصالحة الوطنية والصحوات ماهو الا تحصيل حاصل للمأزق التي وصلت اليه الديمقراطية الامريكية و للواقع المعاش، وكمحصلة معقدة توصلت اليها الهيئات التي فشلت في حكم العراق تحت ظل الاحتلال، وهي في حقيقتها عبارة عن اشكال من الممارسات المتخلفة التي اثبتت فشلها كونها لا تختلف في ادواتها في تسيير السلطة ككل الدكتاتوريات الدموية المعروفة في تاريخ العراق، واليوم تمكن الادارة الامريكية وتقود وتنفذ مخططاتها هذه المرة بواسطة عدد من المافيات العائلية والسياسية والمالية باشراف مباشر من امثال "نيغروبونتي" وخليل زاده والمخابرات الامريكية لاجل الاجهاز على الشعب العراقي الذي ينهض من جديد ممثلا بالمقاومة الباسلة ويرتفع في صفوفه الصوت الديمقراطي العراقي الحر الذي يعبر عن نفسه باشكال متعددة من الفعاليات التي بدأت تتبلور بشكل ملموس وواضح بعيدا عن ديماغوجيات العولمة والديمقراطية المتأمركة.
الوجه الثاني والخفي للاستنساخ المشوه للديمقراطية الامريكية في العراق هو ذلك المتجسد بما يسمى "منظمات المجتمع المدني" التي انتشرت على الواجهة السياسية والاجتماعية والاعلامية كالفطور البشعة والبثور المرضية على وجه العراق. وهي تتناسل وتتشاطر كالاميبيات والكائنات الاوالية في اوساط العراقيين هنا وهناك، ولا يكتشف لها شكل ووجود وحضور ونشاط عضوي ملموس سوى ثرثرة عدد من الملتحقين بها طمعا بفتات المساعدات والحضورعبر فرص الندوات المعدة في برامج الجعجعة الاعلامية وفي المنابر الامريكية المبشرة بالغد الديمقراطي الموعود في العراق.
ورغم سعي ادارة الاحتلال منح هذه التجمعات مساحات اعلامية وحضور سياسي واجتماعي بحماية القوات الامريكية وتوفر لها دعما ماليا يحاول ان يخرجها من حالة الركود والتردد والانكماش والخوف من المحيط الاجتماعي ومن المستقبل. ان مستشاري السفارة الامريكية المجندون لهذه المهمة يظهرون وينتقلون بسيارات الدفع الرباعي وحماية البلاك ووتر يحرصون على تنشيط حالة مشلولة لهذه التشكيلات وزجها في عسل الوعود وفرص التدريب والايفاد الى الخارج . ولاجل ادوار مرسومة ومحددة سلفا لكل فرقة من هؤلاء فقد اغدق عليها المحتلون مسميات عدة، بدء بجمعيات حقوق الانسان والمرأة والطفل والمثليين وبعناوين عدد من الواجهات الثقافية والعلمية والفكرية والشبانية والطلابية...الخ. لقد بلغ تعداد هذه المنظمات المئات من العناوين والمسميات والكيانات . والمحتل المهموم بلفظة "المجتمع المدني" ويغرق يوميا بتفاصيل التجنيد العسكري لكل من يستعد لمحاربة المقاومة يظل يوعد مثل هذه الكيانات عبر الوسائط العديدة لتجنيدها للادوار الخفية سواء عن طريق صيغ "التعاون" و"التمويل عن طريق الجهات المانحة" من منظمات امريكية ودولية وحتى عربية مرتزقة.
ان هاجس مسؤولي ومسيري هذه المنظمات يكاد ان يكون واحدا الا وهو التمويل والارتباط بما يسمى الجهات المانحة من الخارج، وليس مهما من تكون هذه الجهات المانحة امريكية ام صهيونية او اوربية غربية. ولا يستحي البعض من مسيري هذه المنظمات من المطالبة بالمقرات والحصول على فرص السفرات والتأشيرات وسمات الدخول الى هذا البلد اوذاك بوساطة الدبلوماسيين الامريكيين مباشرة، والغريب ايضا انهم يتهافتون على الحصول على منح تدريبية ودورات خاصة ومعدات وتأثيث لمقراتهم ومؤسساتهم ولا يسألون من هو القائم على تلك المنح وتلك التدريبات ومن اين تأتي تلك الميزانيات والاموال.
واذا كانت العديد من هذه المنظمات تحمل عناوينا ثقافية وشبه سياسية عراقية اودولية وحتى عربية وكلها تتمترس خلف عنوان رئيسي واحد "امنظمات المجتمع المدني" فلا احد يعطينا أي مجتمع مدني يريده الامريكيين في العراق وهل هناك اليوم غير"المجتمع العسكري المكون من القوات الامريكية وحلفائها وعملائها ومرتزقتها ومن التحق بهم من قوات عراقية مسماة باسماء عدة" هدفهم الرئيسي هوكسر مقاومة شعبنا المسلحة والسياسية المدنية ضد الاحتلال وتوابعه.
لقد قادت العملية السياسية الامريكية حربها ضد الشعب العراقي ووضعت شعب العراق بكامله تحت الاحتلال العسكري المباشر وتقصف مدنه بالطائرات وتسحق مدنه بالدبابات فاين سيكون موقع "منظمات المجتمع المدني" من حق الفرد العراقي في تأكيد مواطنته و في حقه المشروع في رفع السلاح بندقية والانخراط في صفوف وكتائب المقاومة المسلحة لاخراج المحتل بقوة السلاح. ان المصالحة مع الذات تبدأ من ارتباط صفوف العمل السياسي مع العمل المسلح خلف بندقية وطنية مقاومة للاحتلال، لذا فان هراء الحديث عن" المجتمع المدني" برعاية امريكية وبتمويل مشبوه ماهو الا خطاب تضليلي خنوع لارادات المحتل ويرتضع من حليبه المسموم.
ان المجتمع المدني في العراق عليه ان يرفض ان يكون مادة لمساحيق تجميل الوجه الامريكي البشع ولاخفاء بثور الوجه الديقراطي المشوه لوجه العراق بواسطة وكلاء الادارة الامريكية. وعلى اعضاء "منظمات المجتمع المدني" ان يتسلحوا بالوعي والفطنة قبل فوات الاوان. وان يستعدوا الى الهبة الجماهيرية المنتظرة والى الوثبة الوطنية الشاملة بوجه المحتل وصنائعه من بعض مسيري منظمات المجتمع المدني، والعمل على تعبئة الجماهير واشاعة ثقافة المقاومة ورفض الاحتلال والاستعداد للتطوع والتعبئة في انتفاضة مدنية وطنية عراقية تعبأ الشارع العراقي لتعيد لنا امجاد الانتفاضات والثورات الوطنية.
نرفض ان تكون منظمات المجتمع المدني اطرا مشبوهة لتكبيل ارادات العمل الوطني ضد سياسات الاحتلال ولتحييد واحباط انشطة العمل الوطني. ونرفض ان تكون هناك قطاعات من ابناء شعبنا منقادة من دون وعي وتبصرة بالمخططات التي تجعل من منظماتهم الاجتماعية وسائل تجسس واختراق لمكونات المجتمع العراقي وتفتيت وحدة ابناء شعبنا. نرفضها ان تكون مثل تلك الانبثاثات في جسد العراق المريض، وهي محاولة امريكية بائسة، لاختزال الشعب العراقي وتمثيله بهياكل هشة خربة تتوزع كالفطور بين عناوين من المنظمات الطفيلية التي تعتاش على المساعدات المالية للسلطة والاحتلال ولا يستحي قادتها ومسيريها من استلام الرشى والاوامر والتعليمات والبرامج من المحتلين وتصبح عناوينهم وانشطتهم واجهة للحصول على الاموال والمساعدات الامريكية او مايموه بتسميته لدفع الشبهات بالجهات المانحة، وما اكثرها اليوم، وماتصفة الادارة من مسميات للجهات المانحة خبرها شعبنا العربي في اكثر من بلد وخاصة في الشقيقة مصر وهي من خلال التمويل الامريكي تمتص سمومها من رضاعة المال المنهوب والممنوح الى "منظمات المجتمع المدني في العراق" .
واينما توزعت هذه المنظمات في ارتباطاتها وفي استلام محاصصاتها المالية من ثدي الرضاعة الامريكية مباشرة او من تلك "الجهات المانحة" لها، لا ريب انها تعرف انها ترضع الحليب الامريكي الفاسد، وذلك المال المدفوع لها يتم على حساب مرض وجوع وجهل وتشرد قطاعات واسعة وكادحة من ابناء شعبنا. على الانتلجنسيا العراقية التبصير بمخاطر الانزلاق قبل فوات الاوان، فليس هناك اليوم من مال امريكي يمنح لهؤلاء كقرضة حسنة او صدقة امبريالية جارية او تقربا لاجل وجه الديمقراطية الذي بشعته الجرائم الامريكية في بلادنا. ولا يقدم مال من دون خدمة ووظيفة مقابل هذا المال المدفوع بسخاء لهذا الطرف اوذاك. انه ثمن غال يدفع من خزانة العراق النفطية المسروقة، ومن اموال وثروات شعبنا المنهوبة.
قليلا من الخجل يا هؤلاء المصطفين ببؤس الوجوه امام وخلف احزاب العملية السياسية ومنظماتها المشبوهة وبعنوان مشبوه ومرتزق اسمه " منظمات المجتمع المدني" كفى من مثل هذا الرياء السياسي والاجتماعي عودوا الى صفوف شعبكم ومنظماته الوطنية.
وان غدا لناظره قريب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,016,196
- تقاطعات الرحيل الى الازهر الغافي والمرجع المتعافي لا يصلح ال ...
- رمضان وتكريس البغض الطائفي في العراق
- بوش في الانبار يعيد لي ذكرى حكاية جدتي
- القادمون على ظهر الدبابات الامريكية لا تمنحوهم -شرفا-... او ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة تندد بقمع ناشطين سياسيين في مصر
- مفوضية الأمم المتحد لحقوق الإنسان تندد بقمع النشطاء السياسيي ...
- الأمم المتحدة: نزوح مئات المدنيين إلى العراق رغم التهدئة شما ...
- روسيا اليوم: عودة جماعية للمواطنين السوريين النازحين إلى مدي ...
- الرئيس الشيشـاني يعرض كبار مساعديه للتعذيب والاعتقال في تصفي ...
- فنزويلا تنضم إلى مجلس حقوق الإنسان الدولي
- مكتب غوتيريش: عدم إصدار واشنطن تأشيرات للدبلوماسيين يؤثر على ...
- فرنسا تصدر مذكرة اعتقال دولية لقادة -داعش-
- مراسلتنا: عودة جماعية للمواطنين النازحين إلى عين العرب
- الأمم المتحدة تصف شهر سبتمبر بالاكثر دموية هذا العام


المزيد.....

- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عبد الكاظم العبودي - منظمات المجتمع المدني مساحيق بشعة على وجه ديمقراطي امريكي زائف في العراق