أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جورج حداد - -3 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثوري العربي















المزيد.....



-3 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثوري العربي


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 2178 - 2008 / 2 / 1 - 11:05
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


حتمية المواجهة العربية الاممية للعولمة المتوحشة
ان آخر امي او جاهل في العالم، اذا فتح في اي لحظة اي وسيلة اعلام يفهمها، وبأي لغة من لغات العالم، سيجد:
1 ـ ان رئيس زعيمة "العالم الحر"، او رئيس "القطب العالمي الاعظم والاوحد"، لنسم اميركا ما شئنا من الاسماء "الحسنى"، اي الرئيس الاميركي الاعظم، جورج دبليو بوش عُظـّم أجره، يقضي قسما من وقته الغالي في الاهتمام بكلابه المدللة في مزارعه الجميلة وفي "بيته الابيض"، ولكن القسم الاكبر من وقته يقضيه في الاهتمام بالشؤون "العربية"، كاستقبال وتوديع الملوك والرؤساء والزعماء العرب واللبنانيين مثل سعد الحريري وفؤاد السنيورة ووليد جنبلاط، وفي استقبال وتوديع المبعوثين الاميركيين، العاديين والاستثنائيين، الى البلدان العربية، من السمراء الجميلة غونداليزا رايس الى الابرش دايفيد ولش (عذرا ان كنت اخطأت بأسمه)، وتزويدهم بالارشادات اللازمة حول كيفية التعامل مع "هؤلاء العرب!!!"، الذين يأخذون كل وقت الادارة الاميركية واصبحوا كالمصيبة على اميركا؛ وطبعا ان اهم ما يشغل الزعيم الاوحد الاميركي وادارته هو الاهتمام بـ"مكافحة الارهاب"، الذي ـ حسب الفلسفة البوشية ـ يبدأ بحلقات تعليم الابجدية العربية لقراءة القرآن في بعض الجزر الاندونيسية ولا ينتهي في الانفاق المكيفة والمضادة للصواريخ الاميركية الذكية في تورا بورا بأفغانستان.
2 ـ والشيء الثاني الذي سيجده اي متابع للاعلام في اي زاوية في العالم، هو ان الدم المستباح، العربي خاصة والاسلامي عامة، يلطخ كل يوم وكل ساعة كل وسائل الاعلام في العالم.
وهاتان الواقعتان فقط هما كافيتان لتؤكدان ان المعركة الرئيسية المفتوحة الان في العالم هي المعركة بين الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية وبين الامة العربية والشعوب الاسلامية المظلومة؛ وان هذه المعركة اصبحت الشغل الشاغل للادارة الاميركية، لانها ـ اي هذه الادارة ـ تدرك تمام الادراك، على الاقل اكثر من بعض الماركسيين السابقين والشيوعيين المزيفين امثال العفيف الاخضر وفخري كريم وكريم مروة وصلاح بدرالدين، ان مصير الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية (وبالطريق: اسرائيل)، بل ومصير النظام الرأسمالي العالمي برمته، اصبح يتوقف الان على نتائج هذه المعركة.
في حقبة تاريخية اخرى، وتحديدا في حقبة لينين، وجد هذا القائد التاريخي ان النسبة الاكبر من حركات التحرير التي كانت تناضل ضد الاستعمار التقليدي (أبشع اشكال افرازات الرأسمالية والامبريالية في تلك الحقبة) انما كانت في البلدان الاسلامية. ولهذا فإنه، اي لينين ـ الذي كان شيوعيا حقيقيا وامميا بامتياز، على الاقل اكثر من كريم مروة ـ وجه كل عنايته نحو التضامن الاممي وتحالف الحركة الشيوعية مع الحركات التحررية الاسلامية المعادية للاستعمار، واخذ يوجه النداء تلو النداء الى "مسلمي آسيا والشرق"، واتصل بأمثال امير افغانستان والشيخ محمود الحفيد الكردي العراقي، وسعد زغلول وامثالهم، ووجد لغة مشتركة مع مسلمي روسيا القيصرية ومع مسلمي العالم، للوقوف ضد القيصرية الروسية داخليا، وضد الاستعمار العالمي خارجيا.
واليوم فإن امثال غورباتشوف وتشيفارنادزه والشيوعيين واليساريين السابقين الخونة في الجمهوريات السوفياتية السابقة وفي الجمهوريات "الاشتراكية" السابقة في اوروبا الشرقية، وامثال العفيف الاخضر وفخري كريم والياس عطالله وجلال طالباني، يعملون كل من جهته للتكيف مع "النظام العالمي الجديد" بقيادة اميركا والحصول على بعض "الفتات"، ولكن كل هؤلاء ليسوا اكثر من اغصان يابسة وساقطة من شجرة الحركة الشيوعية والتقدمية العالمية، وليس امثالهم من يقرر مسيرة التاريخ. وحتى اميركا لا تحسب لهم حسابا حينما يجد الجد، لانهم ليسوا اكثر من "فرق عملة" او "سقط المتاع".
اليوم، إن تسعة اعشار (واكثر!!!) المعركة ضد الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية، التي هي موضوعيا معركة كل شعوب العالم بما فيها الطبقات الشعبية الاميركية بالذات، تقع على عاتق الامة العربية والشعوب الاسلامية. وذلك، اولا، نظرا للاهمية الستراتيجية الاستثنائية عالميا للمنطقة العربية، وثانيا، نظرا لتقاطع كل تناقضات الامبريالية العالمية في هذه المنطقة. فمثلما كانت روسيا القيصرية هي "الحلقة الاضعف" في النظام الامبريالي العالمي، في مطلع القرن العشرين، فإن المنطقة العربية اليوم هي "الحلقة الاضعف" في هذا النظام.
وهذا يضع على عاتق القوى التقدمية والوطنية العربية، ولا سيما القوى الشيوعية الحقيقية، مسؤولية تاريخية كبرى، في المواجهة الاممية مع الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية؛ هي اشبه شيء بمسؤولية الحزب الشيوعي الروسي، بقيادة لينين، في بداية القرن العشرين.
وبالطبع هناك اوجه تشابه واوجه اختلاف كثيرة بين المرحلتين، وبين القوى الثورية والمناضلة في المنطقتين. ويمكن ان نلخصها بما يلي:
أ ـ بالرغم من نزوع روسيا القيصرية نحو التفكك كدولة حينذاك، بوصفها دولة مستعمرة للشعوب الاخرى، خصوصا الاسلامية، فإن "حزب العمال الاشتراكي الدمقراطي الروسي (لاحقا: "الحزب الشيوعي الروسي"؛ ثم: "الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي")، ظل حزبا امميا موحدا بقيادة لينين وفي عهده. وكانت وحدة الحزب الشيوعي الروسي، الذي ضم مختلف قوميات روسيا القيصرية، هي الاساس والهيكل الحديدي الذي قامت عليه لاحقا وحدة الاتحاد السوفياتي.
ب ـ اما الاحزاب الشيوعية، وفيما بعد التيارات الشيوعية والماركسية العربية الاخرى، فبفضل سيطرة الخائن الاكبر ستالين ومن ثم مدرسة الستالينية على الاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية العالمية، بعد لينين، فقد ظلت ـ اي الاحزاب والتيارات الشيوعية والماركسية العربية ـ مفككة قطريا على القياسات التي وضعتها اتفاقية سايكس ـ بيكو، و"العقليات" و"النفسيات" القطرية التي نتجت عنها.
ج ـ ان التيار الشيوعي المعادي للصهيونية (لا الشيوعي المزيف والانتهازي المتصهين على طريقة الحزب الشيوعي الاسرائيلي، الذي يعترف بـ"الوطن القومي اليهودي": اسرائيل)، هذا التيار كان قويا جدا في صفوف اليهود الاوروبيين، خصوصا في روسيا والمانيا وبولونيا. وكان ذلك يشكل سندا قويا للحركة الشيوعية والمناهضة للرأسمالية والصهيونية، حيث ان الصهيونية كانت ولا تزال تشكل نواة رئيسية اذا لم يكن العمود الفقري للامبريالية العالمية. ونظرا للمكانة التي كان يشغلها اليهود في التركيبة الرأسمالية والامبريالية، فإن وجود تيار شيوعي حقيقي قوي بين اليهود كان يمثل مقتلا حقيقيا ليس للصهيونية وحسب، بل وللامبريالية والرأسمالية ككل. ولكن هذا التيار (اليهودي الشيوعي الحقيقي) جرى سحقه بلا رحمة على يد التحالف المكشوف والسري بين الخائن الاكبر ستالين وادولف هتلر والصهيونية، من جهة، وبين ستالين وتشرشل وروزفلت، من جهة ثانية، وبينهم جميعا وبين الصهيونية، من جهة ثالثة. ونذكر هنا الوقائع التالية:
1 ـ ان ابرز قادة شيوعيين من اصل يهودي في النصف الاول من القرن العشرين كانوا: لينين (نصف يهودي لجهة امه) وروزا لوكسمبورغ وتروتسكي. وقد جرى (بتخطيط وتعاون صهيوني ـ ستاليني) اطلاق النار على لينين في 1918، ثم قتله ببطء بواسطة التلاعب بالدواء. ثم جرى اغتيال روزا لوكسمبورغ (الى جانب كارل ليبنخت و15 الف شيوعي الماني بينهم الكثير من الشيوعيين اليهود) في 1919، بالتعاون بين الصهيونية والاشتراكية ـ الدمقراطية الخائنة. واخيرا تمت تصفية افراد عائلة تروتسكي ثم اغتياله شخصيا في اب 1940 في المكسيك (بالتعاون بين الاجهزة السرية الستالينية والاميركية والصهيونية). ونشير هنا ان البعض، للتشنيع على الشيوعية و"لتعويم" الصهيونية بالربط بينها وبين الشيوعية، يتهم تروتسكي (ولينين ولوكسمبورغ) بأنهم صهاينة، لمجرد كونهم من اصل يهودي. ولو كان هؤلاء القادة التاريخيين كذلك، فلماذا يتواطأ الصهاينة والستالينيون والاشتراكيون ـ الدمقراطيون الخونة والامبرياليون الاميركان على قتلهم. اما ستالين والستالينيون فيتهمون تروتسكي بممالأة الفاشية، وهذه هي ايضا حجة الصهيونية للتواطؤ على قتل تروتسكي. ولكن الوقائع التاريخية تشير ان ستالين، الذي كان يخطط للتعاون مع هتلر وتقاسم اوروبا معه (قبل ان ينقلب عليه هتلر، ويحاول "اكل الكعكة" كلها لوحده)، كان يعمل لتصفية الحركة الشيوعية داخل وخارج الاتحاد السوفياتي، لان الحركة الشيوعية هي التي كانت تشكل الخطر الاول على مخططاته الخيانية. فعمد الى حيلة مكيافيلية هي اتهام الحركة الشيوعية بالتعاون مع هتلر، ضاربا بذلك عصفورين بحجر: اولا، تغطية خيانته وتعاونه هو نفسه مع هتلر، وثانيا، تبرير تصفية الحركة الشيوعية بحجة التعاون مع هتلر. ولقد كان تروتسكي والحزب الشيوعي البولوني من اشد اعداء التقارب الستاليني ـ الهتلري، وهو التقارب الذي توج بتوقيع اتفاقية مولوتوف ـ روبنتروب في 1939 وتقاسم بولونيا وحل الحزب الشيوعي البولوني والتصفية الدموية للقيادات الشيوعية ولعشرات الوف الكوادر والضباط البولونيين، المعارضين للنازية ولخيانة ستالين وتقاربه مع هتلر.
2 ـ ان ما يسمى الهولوكوست (محرقة اليهود) كان يافطة عنصرية تضليلية لذر الرماد في العيون، اما حقيقة الهولوكوست فهي انه، تحت يافطة تصفية اليهود، كان يتم سحق التيار الشيوعي في صفوف اليهود، وتطفيش وابعاد بقية اليهود الى فلسطين. وكان ذلك يتم حتى داخل المعتقلات النازية (فيلم "لائحة شندلر" وغيره من المراجع الوثائقية وشبه الوثائقية) حيث كان يتم تحرير بعض السجناء بموافقة النازيين، وتهريبهم الى الخارج، والارجح من ثم الى فلسطين.
وهذا يعني ان الشيوعيين الحقيقيين والتقدميين والوطنيين العرب يفتقدون، ويفتقدون بشدة، وجود تيار شيوعي حقيقي في صفوف اليهود، يقف جنبا الى جنب مع العرب، والسلاح بيده، لمحاربة الصهيونية والقضاء عليها. وعوضا عن ذلك فإنه يوجد تيار "شيوعي" مزيف (بشخص الحزب الشيوعي الاسرائيلي وانصاره) اي تيار يهودي ـ ستاليني (وجله او كله تحول الان بشكل "طبيعي" الى الغورباتشوفية)، هو حليف وثيق للصهيونية، طبعا بجُمـَلية (phraseology) "ماركسية" و"شيوعية" مزيفة. (مؤخرا قرأت في "الحوار المتمدن" مقالة لاحد "الشيوعيين" الستالينيين، يدعي فيها ان اعترافات بوخارين وغيره في محاكمات موسكو 1937، التي "يعترفون" فيها انهم كانوا عملاء لهتلر، هي اعترافات صحيحة. انه لمن المضحك جدا، والمؤسف جدا في الوقت نفسه، ان يأتي الستالينيون، بعد كل ما جرى من مياه، وكل ما سال من دماء، "ليبيعوا الماء في حارة السقايين". ومن باب المقارنة نقول: لقد كان صدام حسين "تلميذا صغيرا" عند الستالينيين. فما هي هذه "المحاكمة الفكرية والسياسية" التاريخية لعهد صدام حسين، مثلا، التي تعتمد على اعترافات بعض ضحاياه. وفي تلك المقالة يدعم الكاتب الستاليني رأيه بالقول ان "محاكمة" بوخارين واصحابه جرت امام وسائل الاعلام، بما فيها الغربية والاميركية. وهذا يشهد على "صحة" المحاكمات و"صحة" الاعترافات. واذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد شهد العالم كله، وعلى شاشات التلفزيون، مسخرة "المحاكمة الاميركية" لصدام حسين. فهل ان هذه المسخرة هي فعلا "محاكمة سياسية" تاريخية لعهد صدام حسين، ام انها كانت مهزلة مدروسة لتبرئة اميركا من التعاون مع صدام حسين طوال عهده (كما كان تعاون ستالين وهتلر) وتبرئة صدام حسين نفسه ونظامه من الخيانة الوطنية والقومية والاسلامية والاممية؟!).
د ـ بعد القضاء على لينين جسديا، وتصفية النواة الصلبة في الحزب الشيوعي الالماني الناشئ (روزا لوكسمبورغ وكارل ليبنخت و15 الف شيوعي في برلين) سنة 1919، وفتح الطريق امام هتلر والنازية، كان الهم الاكبر لستالين تصفية "تركة لينين"، فقضى على معظم البلاشفة القدماء الذين قامت على عاتقهم ثورة اكتوبر الاشتراكية، وعمل على تصفية اكبر عدد ممكن من المناضلين الشيوعيين من الاحزاب الشيوعية الاخرى، واخيرا تمكن من حل الكومنترن (الاممية الشيوعية التي اسسها لينين) في ايار 1943. ومن اقواله الاستفزازية المعروفة التي وجهها لغيورغي ديمتروف، الامين العام للكومنترن قبل حله: "انتم هناك في الكومنترن، كلكم تعملون للعدو". وفي عام 1949 استدعي غيورغي ديميتروف الى موسكو، حيث استبقي بحجة العلاج، وتم قتله بالدواء، اي بالطيقة التي قتل فيها مئات الكوادر الشيوعية غيره قبل ذلك ومنهم لينين.
هـ ـ لقد دخل الثوريون الروس معمعان الثورة الاشتراكية، وخاضوا الحرب الاهلية، وواجهوا حرب التدخل الاستعماري الخارجي، وهم يملكون قيادة تاريخية شجاعة وحكيمة وبرنامجا متكاملا سياسيا ـ اقتصاديا ـ اجتماعيا، ومخططا لبناء الدولة السوفياتية الجديدة على انقاض القيصرية والرأسمالية. ولكنهم كانوا يفتقدون لوجود تجربة "للحكم الاشتراكي"؛ حيث ـ باستثناء التجربة القصيرة لـ"كومونة باريس"، والكتابات الاستشرافية لماركس ولينين حول المرحلة الانتقالية بين الرأسمالية والشيوعية، المسماة المرحلة الدنيا من الشيوعية، او الاشتراكية، ودكتاتورية البروليتاريا؛ لم تكن الجماهير العمالية والشعبية الثورية تمتلك تجربة غنية للحكم الاشتراكي. وهذا ما سهل على الشريحة البيروقراطية المنحرفة بقيادة ستالين والعصابة الصهيونية المتعاونة معه، ان يطعنوا الحكم الاشتراكي من داخله بعد انتصار الثورة الاشتراكية. (وقد كان لينين شخصيا يتخوف من هذه المرحلة، حيث كان يقول ان استلام السلطة من قبل البروليتاريا هو مهم، ولكن الاهم هو قدرة المحافظة على هذه السلطة!).
و ـ خلاصة القول ان الشيوعيين الحقيقيين والتقدميين والوطنيين العرب ليس لديهم (بفضل الستالينية) "حزب شيوعي عربي ثوري موحد"، ولا "اممية شيوعية"، ولا سند قوي وحقيقي بشخص تيار شيوعي حقيقي قوي في صفوف اليهود، ولا طبعا قيادة تاريخية صلبة كقيادة لينين او ماو تسي تونغ او هو شي منه؛ كما كان ذلك للشيوعيين الروس عند قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية، او للشيوعيين الصينيين او للشيوعيين الفيتناميين، عند قيام الثورتين الصينية والفيتنامية. ولكن، وخلافا للشيوعيين والتقدميين الروس عشية ثورة اكتوبر 1917، فإن القوى الوطنية والتقدمية العربية تمتلك تجربة أليمة وغنية جدا، لانظمة الحكم الوطنية والتقدمية، القومية والعلمانية والماركسية (اليمن الجنوبي سابقا) والاسلامية الرجعية (السعودية) والاسلامية العصرية (مصر السادات، وسودان النميري وما بعده). كما تمتلك، جنبا الى جنب شعوب العالم، تجربة الخيانة البيروقراطية (الستالينية وما بعدها) للاشتراكية والشيوعية، من داخل "السلطة الاشتراكية" ذاتها.
ومع ذلك، فمثلما كانت روسيا القيصرية هي "الحلقة الاضعف" في النظام الامبريالي العالمي (لم تكن "الحلقة الافضل" للثورة الاشتراكية، التي كانت تـُتوقع ان تكون في البلدان الرأسمالية المتقدمة، بل كانت "الحلقة الاضعف" للامبريالية)؛ فإن المنطقة العربية هي الآن "الحلقة الاضعف" بالنسبة للامبريالية والصهيونية العالمية في المواجهة العالمية بينهما وبين شعوب العالم. ولا يعني ذلك تقليد الروس وطرح شعار "الثورة الاشتراكية"، كما لا يعني طرح شعار "الثورة الاسلامية" ولا شعار "الثورة العربية" (بأي محتوى سياسي ـ اجتماعي ـ اقتصادي؟)، بل يعني التصدي للمسؤولية التاريخية في مواجهة الامبريالية الاميركية والصهيونية واسرائيل، لكسر شوكتهم وهزيمتهم، تحت عنوان: التحرر الوطني والقومي؛ ومن ثم البحث ـ خلال المعركة وبعدها ـ عن افق التطور التاريخي للامة العربية، بالارتباط مع حركة الثورة التحررية للشعوب الاسلامية ولجميع شعوب العالم ضد الامبريالية والصهيونية.
ان التاريخ لا يصنع بالمزاج والتمني. والثورة والمواجهة مع الامبريالية والصهيونية لا تحدث "حسب الطلب" (بقياسات ومعايير مسبقة)، بل حسب الاوضاع التاريخية الواقعية للشعوب المعنية وللعالم.
واذا كانت المنطقة العربية هي في الفترة التاريخية الراهنة، "الحلقة الاضعف" في النظام الامبريالي العالمي، فإن القوى الثورية، الشيوعية الحقيقية والتقدمية والاسلامية الشريفة والوطنية، العربية، هي مطالبة بتحمل مسؤولياتها التاريخية، من ضمن الظروف القائمة واقعيا في البلدان العربية والاسلامية والعالم.
وهذا يعني اول ما يعني الامساك بالحلقة المركزية للصراع، وهي حلقة المقاومة والمواجهة المصيرية مع الامبريالية والصهيونية، واعوانهما وحلفائهما وعملائهما.
والى جانب المقاومة الشعبية، المسلحة والسياسية، للاحتلال وسياسة العدوان والغزو الاميركية ـ الصهيونية، تبرز الان ـ اكثر من اي وقت مضى ـ مهمة التصدي للاعلام الامبريالي الاميركي ـ الصهيوني، خصوصا بعد انضمام الحلفاء الجدد للامبريالية الاميركية، من الخونة "الشيوعيين" و"الليبيراليين" و"الدمقراطيين" و"الاسلاميين" المزيفين، الى الجوقة الاعلامية الاميركية ـ الصهيونية.
ومثلما ان الاعلام الامبريالي ـ الصهيوني يتخذ بعدا وحجما عولميا، فإن الاعلام العربي الشيوعي والتقدمي والوطني ينبغي ان يكون في مستوى اممي يستطيع التصدي للعولمة الاميركية ـ الصهيونية المتوحشة.
وهنا يبرز سؤال كبير: هل تستطيع القوى الشيوعية الحقيقية والتقدمية والوطنية العربية مواجهة الاعلام الامبريالي ـ الصهيوني، ذي الامكانيات المادية والتقنية غير المحدودة والمرتبط بالقوى القمعية الشرسة والتحالفات السياسية والخيانية واسعة النطاق؟!
والجواب ـ في رأينا ـ هو: نعم، ان من واجبها التاريخي ان تتصدى لهذه المهمة، واذا حزمت امرها، فهي تستطيع ان تقوم بها بامتياز.
فمثلما ان الحرب الشعبية ضد الاحتلال، لا توجب توفير الامكانيات المادية والتسليحية والتدميرية الهائلة لجيوش الاحتلال، فإن ما يمكن تسميته "الحرب الاعلامية الشعبية" ضد الاعلام الامبريالي ـ الصهيوني، لا تحتاج الى الامكانيات المادية والتعبوية ذاتها الضرورية للاعلام الامبريالي ـ الصهيوني المعادي.
واكثر من ذلك: ان الامبريالية ذاتها كفيلة بتوفير الادوات والاسلحة الاعلامية الضرورية لاعدائها و"حفاري" قبرها.

الرأسمالية تحفر قبرها بيدها
وهنا نجد من الضروري ان نعود للتحليل الماركسي للامبريالية، ولتجربة الحركة الشيوعية الروسية، التي يعود لها الفضل في كسر السلسلة الامبريالية لاول مرة في تاريخ البشرية، في ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى 1917، التي يدير لها الخونة ظهورهم اليوم.
يقول لينين، إن الامبريالية (او الرأسمالية الاحتكارية للدولة، اعلى مراحل الرأسمالية) لا تستطيع اعادة بناء الرأسمالية، بل هي محكومة بالقوانين ذاتها التي تحكم نشوء وتطور وزوال الرأسمالية. وقوانين الرأسمالية تقودها حتما الى حتفها. وحسب تعبير ماركس فإن البرجوازية (الرأسمالية) تخلق "حفاري قبرها" بيدها. وحسب تعبير لينين، فإن السير بالدمقراطية البرجوازية حتى نهايتها يوصل الى الاشتراكية، اي الى دفن الرأسمالية والامبريالية والصهيونية.
ولننظر الى ذلك من وجهة نظر "تجارية" و"رأسمالية" بحت: ان التطور الرأسمالي، بوصفه كذلك، يسير نحو تبسيط صناعة "السلعة" وطريقة استعمالها. وفيما عدا المنشآت الميكانيكية الكبرى (صناعة انتاج وسائل انتاج وسائل الانتاج) وصناعة ريادة الفضاء وصناعة ريادة اعماق البحار وصناعة الابحاث الطليعية، التي لا تزال مكلفة جدا وليست ذات ربحية مباشرة، ولهذا تلقيها الطبقة البرجوازية (الرأسمالية) على عاتق ميزانية الدول، اي على عاتق "دافعي الضرائب"؛ ـ فيما عدا ذلك، فإن كل صناعة يمكن ان تدر الربح تلقفتها الطبقة الرأسمالية وخصخصتها (اي جعلتها ملكية خاصة). وهي، مدفوعة بعامل تجميع الارباح بأسرع وقت ممكن، وابسط شكل ممكن، واكبر حجم ممكن، تعمل لـ"تبسيط" طريقة "استعمال" وبالتالي طريقة "استهلاك" السلعة المعينة. وعلى النطاق "العسكري" البحت، كما على النطاق "الاعلامي"، فإن هذا "القانون" الرأسمالي، يتيح لاعداء الرأسمالية والامبريالية والصهيونية، الافقر والاضعف، ان يمتلكوا "السلاح" الذي يحاربونها به وينتصرون عليها به.
لقد كانت روسيا القيصرية سجنا كبيرا للشعوب، وللاحرار والمثقفين الثوريين، الذين كان يتم نفيهم بالمئات والالوف الى صقيع سيبيريا. وفي تلك المنافي نشأت الحلقات الماركسية الاولى في اواخر القرن التاسع عشر، وانتشر افرادها في كافة ارجاء روسيا الشاسعة. واصبح من الضروري توحيد تلك الحلقات وتشكيل الحزب الثوري الذي يقود النضال ضد القيصرية والرأسمالية والامبريالية. وقد طرح لينين سؤالا مفصليا: "بماذا نبدأ؟"؛ وكانت البداية تأسيس جريدة، تكون منبرا للفكر الثوري، وللمناقشة وتوحيد وجهات النظر، وللاتصال والترابط بين مختلف الحلقات الماركسية وتوحيدها في تنظيم حزبي موحد. وقامت بهذه المهمة جريدة "ايسكرا" التي صدرت سنة 1900، وكانت توزع في كافة ارجاء روسيا. وقد امكن اصدار تلك الجريدة الثورية، التي كانت مهمتها حفر قبر القيصرية والرأسمالية، بفضل وجود انجازات "انتاجية" للرأسمالية ذاتها: الورق والمطبعة (لطباعة نسخ الجريدة)، والسكك الحديدية (التي بدونها لم يكن بالامكان توزيع الجريدة واقامة الاتصالات الثابتة بين مختلف الحلقات الماركسية في الاراضي الروسية الشاسعة).
ان بامكان النظام القمعي ان يحارب ويسجن ويقتل كتـّاب وموزعي، وحتى قراء الجريدة. الا ان ذلك لا يستطيع ايقافها، طالما ان الوسائل المادية (الرأسمالية!!!) لانتاجها: الورق والمطبعة والسكك الحديدية، هي موجودة. وطالما يوجد معارضون وثوريون عازمون على استخدام هذه الوسائل. فهل بامكان النظام الرأسمالي وقف "انتاجاته" ذاتها؟ ومنع الورق والطباعة وايقاف تسيير القطارات؟ ـ كلا! وهذا يعني ان الرأسمالية تخلق حفاري قبرها بنفسها، اي العمال والمستغـَلين، الذين تعيش على حسابهم، ولا تستطيع الوجود بدونهم. كما تنتج "الاسلحة" ـ اي السلع والخدمات الرأسمالية ـ التي سيدفنونها بواسطتها، وهي لا تستطيع كذلك ايقاف انتاج هذه "الاسلحة"، لانها هي نفسها "السلع" التي تنتجها "لمصلحتها" ولجني "الارباح" التي لا وجود لها بدونها.
واذا كانت الرأسمالية تعيش على نهب واستغلال الجماهير العمالية والشعبية في بلدانها، فإن الامبريالية (المرحلة الاعلى من الرأسمالية) تعيش على استغلال ونهب لا جماهيرها العمالية والشعبية وحسب بل وجميع شعوب العالم الاخرى المستعمرة وشبه المستعمرة. وهي لا تستطيع التخلي عن الاستغلال والسلب والنهب، ومن ثم استعداء جماهيرها الشعبية في الداخل، والشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة في الخارج. وهذا هو شأن الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية اليوم بمواجهة الشعوب العربية والاسلامية.
ـ هل تستطيع الامبريالية التخلي عن النفط العربي؟ وعن الشبكة التجارية العالمية التي تمر في المنطقة العربية؟ وعن الاسواق العربية؟
ـ وهل تستطيع الامبريالية الاميركية والصهيونية التخلي عن اسرائيل، ونهب واستعمار واغتصاب الارض الفلسطينية والعربية المحتلة؟
ـ كلا!
اذن هي لا تستطيع ان تتوقف عن استعداء الامة العربية والشعوب الاسلامية!
ـ وهل تستطيع ايقاف انتاج الورق والمطابع والراديو والترانزيستور واشرطة التسجيل والاقراص المدمجة والتلفزيون والهاتف والكومبيوتر الخ؟
ـ كلا!
وهذا يعني ان الامبريالية والصهيونية لا تستطيع ان تكف عن انتاج سلعها البسيطة، كما لا تستطيع، بنفس "البساطة"، ان تكف عن استعداء العرب ودفعهم دفعا للاضطلاع بالمهمة التاريخية: مهمة حفار قبر الامبريالية والصهيونية. لأن الامة العربية، ذات التاريخ الحضاري المجيد، والتي حاربت العبوديات "الداخلية"، وحاربت واسقطت العبودية لروما وبيزنطية وفارس، وللسلطنة العثمانية وللاستعمار الانكليزي والفرنسي والايطالي والاسباني والبرتغالي الخ، والتي تقف كالطود الشامخ، منذ اكثر من 100 سنة، بوجه اقامة اسرائيل على الارض العربية، لن ترضى الان في القرن الواحد والعشرين ان تنيخ هامتها الشامخة، وان تتحول الى "امة!!!" من العبيد الخانعين لأحط (بالمعنى الحضاري) دولتين عنصريتين في التاريخ البشري: اميركا واسرائيل، حتى لو سارت معهما الدولة العنصرية الحقيرة الثالثة: تركيا، التي تاجرت بالاسلام مئات السنين، ثم تاجرت بالعلمانية حوالى مائة سنة، وكانت كاذبة في الحالتين، وهي الان تحاول مع الامبريالية الاميركية والصهيونية ان تتحف العالم بخلطة سحرية عجائبية "اسلامية ـ علمانية!!" كاذبة ايضا، لتمرير مخطط التحول الى قاعدة بديلة لحلف الناتو، واحتياط استراتيجي لاسرائيل، بعد ان بدأ يلوح في الافق هزال وخطر انهيار الاخيرة! ومهما كان من النظرة العنصرية نحو العرب، وهي النظرة التي دشنتها التوراة حينما اوصت "شعب الله المختار" بأن يبيد العرب عن بكرة ابيهم ويأخذ "مدنهم العظيمة وبيوتهم وكرومهم وارضهم" التي سميت "ارض الميعاد" (ممن ولمن؟)، رغم ذلك فها ان العرب، رغم انف اله التوراة وكل طغاة الارض، لا يزالون موجودين، وهم قادرون على استعمال كل منتجات الرأسمالية والامبريالية، التي سيدفنونها بها، من البندقية والمتفجرة والصاروخ، الى القلم والورقة والمطبعة والراديو والتلفون وسكة الحديد ووسائل النقل والاتصالات والكومبيوتر والانترنت وغيرها.
وعلى هذا الصعيد نقول ان اقوياء العصر العولمي المتوحش يملكون قدرات اسطورية هائلة في جميع المجالات، بما في ذلك في مجال الاتصالات والاعلام. ولكن التاريخ هو ضد اقوياء العصر الذين سيسقطون لا محالة. والعلم، الذي اعطى اقوياء العصر القنبلة الذرية، والتلفزيون والانترنت وغيرهما من القنابل الاعلامية الاقوى من القنبلة الذرية، هو ايضا ضد اقوياء العصر ويعطي ـ كمجرى تاريخي ـ اعداءهم اسلحة "بسيطة" لا يستطيع اقوياء العصر، مهما بلغت قوتهم، لا ان يمنعوها ولا ان يقفوا بوجهها. فالمنظومة الرأسمالية ـ الامبريالية ـ الصهيونية، ومن ضمن مسارها المصلحي بالذات، اي من ضمن كونها بذاتها نظاما طبقيا استغلاليا، انتاجيا ـ تسويقيا، ينتج من اجل البيع والربح، فهي تقدم ـ او الاصح: تنتج ـ "الاسلحة" التي يتم محاربتها بها وتقدمها حتى الى ألد اعدائها. ولنعط بعض الامثلة من التجربة الكفاحية للشعوب العربية والاسلامية:
1 ـ حينما اراد عبدالناصر، في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، انشاء السد العالي وبحيرة اسوان لانهاض الاقتصاد المصري، اوعزت الدول الامبريالية الغربية والصهيونية العالمية للبنك الدولي، الذي يأتمر بأوامرهما، بعدم تمويل المشروع، وشنوا على عبدالناصر حملة اعلامية وسياسية شعواء، واتهموه بأنه "هتلر" جديد؛ ولكن عبدالناصر، الذي كان يشق طريقه الى السلطة ومن الصعب عليه ان يتراجع، رد على تلك الحملة المعادية باعلان تأميم قناة السويس. وانتهت هذه "المناوشة" بحرب السويس (العدوان الثلاثي: البريطاني، الفرنسي، الاسرائيلي، على مصر في 1956). وفي اليوم الذي ألقى فيه جمال عبدالناصر الخطاب الذي اعلن فيه تأميم قناة السويس كان مئات ملايين المواطنين العرب من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي ـ الفارسي يقفون وقفة رجل واحد للاستماع الى الخطاب واطلاق صيحة "الله اكبر" تأييدا لمصر في معركتها القومية. وقد امكن تحقيق هذا الانجاز الاعلامي الرائع والسياسي الضخم للثورة المصرية بفضل اكتشاف علمي بسيط ورخيص هو: الترانزيستور، الذي يسهل نقله واستعماله في اي مكان حتى بدون وجود التيار الكهربائي. وقد اضطلع الترانزيستور بدور كبير في نشر الافكار المعادية للاستعمار وفي مساعدة الثورة الجزائرية والثورة اليمنية الخ.، وهذا ما دفع بعض الاعلاميين لتسمية الثورة المصرية "ثورة الترانزيستور". وطبعا كان بامكان الامبريالية والصهيونية ان يمنعا تمويل السد العالي، وان يرسلا الطائرات والاساطيل والجيوش لتدمير واحتلال الاراضي المصرية. ولكن، حتى وهما يفعلان ذلك، لم يكن بامكان الامبريالية، كنظام رأسمالي لا تستطيع الامبريالية تغيير طبيعته الاصلية كما يقول لينين، ان توقف انتاج وبيع الترانزيستور للعامل والفلاح والبدوي العرب، الذين حملوا بالامس الترانزيستور، ثم حملوا الكلاشينكوف لمحاربة الاستعمار والامبريالية والصهيونية وغدا سيحملونه لدفن الرأسمالية.
2 ـ كان نظام شاه ايران السابق، يعتبر الضلع الثالث، الى جانب تركيا واسرائيل، في مثلث الهيمنة الاميركية على المنطقة العربية الاسلامية. وقد جندت اميركا والصهيونية العالمية كل قوتها العسكرية والسياسية والاعلامية للوقوف بوجه معارضة آية الله الخميني لنظام الشاه الدكتاتوري العميل. ولكن هذا الرجل دين المتواضع والمتفاني استطاع تدمير كل آلة الدعاية الاميركية ـ الصهيونية الهائلة بمساعدة اختراع علمي بسيط ورخيص جدا وسهل الاستعمال والنقل هو: شريط الكاسيت. حيث كان يسجل مواعظه وارشاداته وبياناته، فيتم نسخها وتناقلها بعشرات ومئات الالوف من قبل الناس انفسهم، في كافة ارجاء ايران وفي كافة ارجاء العالم الاسلامي.
هذان المثالان يبينان كيف ان اسلحة اتصالات بسيطة جدا يمكنها في عصرنا ان تنتصر على اضخم الاجهزة الاعلامية في العالم واغناها. لان "السلعة" التي تقدمها، كمحتوى، هي "سلعة" حقيقية اي صادقة تقول الحقيقة للناس الذين يحتاجون تلك الحقيقة. بينما الامبريالية تقدم سلعة مغشوشة تقوم على الكذب. واقوياء العصر لا يستطيعون مهما فعلوا ان يمنعوا هذه الاختراعات العلمية البسيطة، دون القضاء على النظام الدولي القائم على الملكية والتجارة الرأسماليين. وبهذا تصح قولة ماركس "ان الرأسمالية تخلق حفاري قبورها بيدها"، واكثر من ذلك انها تمنحهم ايضا الرفش الذي يحفرون به القبر، اذ تخلق لهم ايضا الاسلحة البسيطة ـ الفتاكة التي سيستعملونها. وكلما تقدم العلم، لمصلحة الرأسمالية من وجهة نظر اقتصادية ـ تجارية ـ ربحية، فإنه يتقدم ايضا وبسرعة في اتجاه دفن الرأسمالية ذاتها. وهنا يظهر "سر" غير سري في هذه المعجزة. وهو ان الآلة الاعلامية الامبريالية الضخمة تخدم قضية غير عادلة وتقوم على التضليل والكذب الذي هو، كما يقول المثل العربي، حبله قصير. اما سلاح الترانزيستور البسيط، وسلاح شريط الكاسيت الابسط، فإنه قد انتصر على الآلة الاعلامية الضخمة لاميركا وحلفائها، لانه كان يخدم قضية عادلة، تقوم على الموضوعية والصدق. والصدق هو الذي سينتصر في نهاية المطاف، عملا بالمثل العربي: لا يصح الا الصحيح.
وفي عصرنا الراهن هناك اختراعان اخذا يدخلان في كل بيت هما: التلفزيون الفضائي والانترنت.
وتعمل آلة الاعلام الامبريالية ـ الصهيونية، الشيطانية، لاعادة بناء ذاتها من جديد، على اساس هذين الاختراعين المذهلين، لاقتحام البيوت على اصحابها، ولخلق موجة عارمة (تسونامي) اعلامية، لغسل الدماغ البشري، وغسل ادمغة جميع البشر، والسيطرة عليه وعليها مرة واحدة والى الابد.
ولكن الآلة الاعلامية الجبارة، الامبريالية ـ الصهيونية العالمية، تقع في تناقض مميت مع ذاتها، اي مع "الاساس الرأسمالي" لـ"سلعة" الاعلام، القائم على قانون العرض والطلب، والقائم بدوره على مبدأ بسيط هو "الحاجة" البشرية للسلعة المعينة. فالآلة الاعلامية الامبريالية ـ الصهيونية تستطيع الآن ان "تصل" الى اي شخص، في اي وقت، واي مكان، وبأفضل "شكل" وبأسرع ما يكون. ولكنها تتعثر وتتلعثم حينما نسألها "ماذا توصل؟". انها لا توصل "سلعة" مطلوبة، او ضرورية او مرغوبة، بل توصل "سلعة مغشوشة". اي انها لا توصل سلعة اعلامية صادقة، بل سلعة اعلامية كاذبة. ولهذا فإن سوقها الاساسية، اي زرع ونشر "الوعي الزائف" يضيق باستمرار، اكثر او اقل، اسرع او ابطأ، حسب كل منطقة وكل بلد وكل فئة اجتماعية او عمرية. وهذا ما يدفع آلة الاعلام الامبريالية ـ الصهيونية للانزواء اكثر فأكثر في زاوية "الترفيه" اي تقديم لا السلعة "الاعلامية" (اي سلعة: المعرفة)، بل سلعة التسلية والترفيه الى درجة الاسفاف والانحطاط الغرائزي، فقط وفقط كي تكسب "مشاهدين" للاعلانات التجارية. وبقدر ما تتجه آلة الاعلام الامبريالية ـ الصهيونية (وكل من "يقلدها" من المليارديرية "العرب!!!" و"المسلمين!!!") في هذا الاتجاه "المميت" تجاريا، بهذا القدر نفسه تترك فراغا متزايدا في "السوق الاعلامية" الحقيقية، اي سوق تقديم "سلعة: المعرفة". وهذا ما يفسر لنا انه بقدر ما "تهجم" آلة الاعلام الامبريالية ـ الصهيونية على "الارهاب والارهابيين" و"التكفير والتكفيريين"، بقدر ما تتضاءل المساحة الامبريالية ـ الصهيونية في "السوق الاعلامية"، وتزداد مساحة "الارهابيين والتكفيريين" انفسهم في تلك "السوق"، وذلك لسبب بسيط هو ان الآلة الاعلامية الامبريالية ـ الصهيونية تنسحب "طوعا" من "السوق" (سوق سلعة: المعرفة)، اي انها تنهزم قبل ان تخوض المعركة، حتى امام "الارهابيين والتكفيريين".
وهذا لا يعني اننا نوافق ان يكون "الارهابيون واللتكفيريون!!!" هم بديل الامبريالية والصهيونية، بل يعني ان الآلة الاعلامية الشيطانية، الامبريالية ـ الصهيونية، هي محكومة سلفا بالهزيمة في المعركة الاعلامية، حتى امام "الارهابيين والتكفيريين"، الذين تعارضهم الغالبية الساحقة للجماهير العربية والاسلامية المؤمنة والوطنية والواعية.
ولكن الامبريالية والصهيونية هي محكومة بالهزيمة، اذا كان يوجد امامها من سيحاربها. لا اذا كان يوجد امامها "طواحين هواء".
ان الاختراع الثاني الذي قدمه العلم، وهو الانترنت، يشكل مقبرة حقيقية لكل آلة الاعلام الاميركية ـ الصهيونية الهائلة. فالآن بامكان بضعة شبان، ذوي كفاءة مهنية شبه عادية، وموجودين في اي منزل او ملجأ متواضع، في اي نقطة في العالم، وبامكانيات تقنية بسيطة، وبعض المعرفة، ان يؤسسوا موقعا الكترونيا يجابهون به امبراطوريات الاعلام الغربي بأسره، وعلى رأسه امبراطوريات الاعلام الاميركية ـ الصهيونية. وبارتباط الانترنت بالكومبيوتر والطباعة المبسطة والتصوير الطباعي، وبامكانية ارتباطه بكل وسائل الاعلام الاخرى (الصحف والمجلات ودور النشر ومراكز الابحاث والاذاعات والتلفزيونات) والنقل الى اجهزة التلفون المحمول، والى الاذاعات والتلفزيونات ودور النشر والمطابع وقيادات الاحزاب والصحف والمجلات، يضطلع هذا السلاح "البسيط" بدور راجمة صواريخ مرعبة بوجه الآلة الاعلامية الامبريالية ـ الصهيونية. ومثلما ان راجمة الصواريخ هي متحركة، ومن الصعب اصابتها، وحتى اذا اصيبت من السهل استبدالها، فالموقع الالكتروني، بكل توابعهه الاعلامية الاخرى، هو متحرك وزئبقي وسهل الاستبدال، مثل راجمة الصواريخ واكثر بما لا يقاس.
ان القوى الوطنية واليسارية والتقدمية والشيوعية الحقيقية، العربية وغير العربية، غير قادرة طبعا على مجاراة ومزاحمة الدول الامبريالية والصهيونية العالمية في ميدان صناعة الاعلام، التي تحتاج الى رساميل اسطورية وامكانيات هائلة. ولكن النظام الرأسمالي العالمي، والتكنولوجيا المعاصرة، السائرة نحو المزيد من التبسيط، قد جاء اليوم الذي قدما فيه الامكانية البديلة، المعادية للاعلام الامبريالي، وهي امكانية نسف هذا البناء الاعلامي الضخم من داخله، واختراقه وتجاوزه للوصول الى الرأي العام في كافة ارجاء الارض. ويمكن على هذا الصعيد اعطاء الانترنت، الذي شكل ثورة في عالم الاعلام، دوره كثورة فعلية ليس بالمعنى الاعلامي ـ التقني فقط، بل بالمعنى الاعلامي ـ الاجتماعي والسياسي. ويكفي ان نشير هنا الى ثلاث امكانيات:
الاولى ـ امكانية تحميل شبكة الانترنت بكل فضائح ونقاط ضعف وارتكابات الامبريالية والصهيونية العالمية، وعملائهما، من اصغر سنيورة الى اكبر بوش، وجعلها في متناول جميع مستخدمي الانترنت والتلفون المحمول في كل زاوية في العالم.
الثانية ـ امكانية ايجاد شبكة مترابطة ـ مترادفة من المترجمين، لترجمة جميع الكتب ـ امهات الحضارة والفكر العلمي والثوري، وجميع التحليلات والابحاث المعادية للرأسمالية والامبريالية والصهيونية، الى جميع لغات العالم.
والثالثة ـ امكانية اقامة حوار، في العمق، بين جميع القوى الثورية، الوطنية والقومية، اليسارية والتقدمية والشيوعية، العلمانية والدينية والاسلامية، وحصر وتأجيل نقاط الاختلاف الفلسفية والماورائية، على قاعدة الاحترام المتبادل، وتحديد نقاط الاتفاق الاجتماعية والحياتية والاخلاقية والسياسية، بهدف المواجهة المشتركة لاعداء الانسانية المشتركين: الرأسمالية والامبريالية والصهيونية العالمية ومعها كل اشكال الرجعية.
لقد كان شعار جريدة "ايسكرا" (الشرارة) التي اسسها لينين: "من الشرارة ينطلق اللهيب". وقد اضطلعت تلك الجريدة الرائدة بدور توحيد الحلقات الماركسية الروسية، ومن ثم تأسيس الحزب الشيوعي الروسي، وبعده تأسيس "الاممية الشيوعية" (الكومنترن).
وقد عمل الخائن الاكبر للشيوعية ستالين، بالتعاون مع الصهيونية، ومع هتلر، ومع تشرشل وروزفلت، على القضاء على الحركة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي، وفي اوروبا، وعلى الكومنترن، وعلى تزييف الشيوعية وحرفها عن طريقها الصحيح.
والآن، ولاول مرة في التاريخ الانساني، تمتلك القوى الشيوعية الحقيقية والقوى التقدمية والوطنية على اختلافها، والقوى الاسلامية المناضلة والشريفة، امكانية تكوين شبكة اعلامية عالمية مترابطة، ومستقلة الحلقات في الوقت ذاته، تمكنها من اقامة حوار صادق في العمق فيما بينها، وفي نفس الوقت اقامة جبهة موحدة فيما بينها ضد الجبهة الامبريالية ـ الصهيونية العالمية ـ العدو التاريخي الابشع للانسانية جمعاء.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
* كاتب لبناني مستقل





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,457,667
- 2 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثو ...
- 1 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثور ...
- عقدة كيانية سايكس بيكوية، حلها في الميدان لا في البرلمان
- حوار الطرشان ... حقا طرشان!!!؛
- العداء الاستعماري الغربي للشرق العربي، و-الوعد الشيطاني-؛
- الشهيد ياسر عرفات... ضحية وهم -السلام- مع اسرائيل
- وأي رئيس جمهورية يريد حزب الله؟!
- وثيقة شيوعية بلغارية تفضح التواطؤ الستاليني الصهيوني
- العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي
- حرب تموز 2006، والخطة -السلمية- الاميركية لاحتواء حزب الله
- الفتنة ليست طريق الخلاص لسوريا
- اغتيال الشيخ رفيق الحريري وصراع الكتل المالية الدولية للسيطر ...
- نحو جبهة أممية موحدة
- نحو بناء التنظيم الشيوعي الثوري العربي الموحد
- احمدي نجاد ليس معتوها، بل -العرب- متخاذلون!
- 1 العلاقة التناحرية الروسية الصهيونية،والمصير الملتبس لاسر ...
- اذا خضعت حماس، هل سيخضع حزب الله؟!
- الخطر الاعظم: هل يستطيع الشيطان الاكبر إخضاع لبنان الصغير ال ...
- حزب الله في الكماشة
- صدام حسين.. المثال النموذجي للسقوط التاريخي للبرجوازية الصغي ...


المزيد.....




- بريكست: بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا يرسل خطابا غير موقع ...
- على وقع الاحتجاجات المتواصلة.. جعجع يسحب وزراءه من حكومة الح ...
- وزير العمل اللبناني لـ-سبوتنيك-: قدمنا الاستقالة بسبب عدم ثق ...
- في واقعة نادرة... اللباس الفلسطيني وصل -ناسا-
- بعد تفجيرات دامية… بومبيو: أمريكا ملتزمة بالسلام في أفغانستا ...
- مسؤول: السلطات السعودية تدرس إلغاء شرط المحرم للراغبات في أد ...
- سفير تركيا في تونس ينفي أن تكون بلاده نقلت إرهابيين من سوريا ...
- تونس.. -حركة النهضة- تكشف عن مرشحها لرئاسة الحكومة
- لبنان.. إطلاق سراح جميع الموقوفين في احتجاجات وسط بيروت باست ...
- مظاهرات لبنان.. إرادة الحياة تتحدى السياسيين


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جورج حداد - -3 الاعلام الامبريالي الاميركي الصهيوني وامكانيات الرد الثوري العربي