أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - لتتسع جادة الحوار الديمقراطي ... ليتسع صدر الإنسان لسماع الرأي الآخر.. أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة الثانية















المزيد.....



لتتسع جادة الحوار الديمقراطي ... ليتسع صدر الإنسان لسماع الرأي الآخر.. أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة الثانية


كاظم حبيب
(Kadhim Habib)


الحوار المتمدن-العدد: 2175 - 2008 / 1 / 29 - 11:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العولمة كعملية موضوعية وكسياسة
في هذه الحلقة سأحاول مناقشة موضوع العولمة والموقف منها في ضوء الملاحظات المكثفة الواردة في الحلقة الثانية من الحوار الجاري بين الأستاذ سيّار الجميل وبيني بما يشير إلى الكثير من نقاط الاتفاق وبعض نقاط الاختلاف. ويهمني جداً أن أطرح بوضوح رأيي بطبيعة العولمة ومفهومها ومضمونها واتجاهات تطورها.
في حوزتي كتاب الأستاذ الدكتور سيّار الجميل الموسوم "العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط – مفاهيم عصر قادم". والكتاب صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق ببيروت في العام 1997 وقرأته بعناية , كما صدر لي كتاب بجزئين بعنوان "العولمة من منظور مختلف" , عن وزارة الثقافة العراقية ببغداد في العام 2005 , ونشرت عدة مقالات عن ذات الموضوع في مجلات عربية وأجنبية منذ العام 1995 , وهناك العشرات من الكتب التي صدرت خلال الأعوام العشرة المنصرمة بالغغة العربية والإنجليزية والألمانية , ومنها كتابات الأستاذ الدكتور سمير أمين , وكتاب فخ العولمة لكاتبين ألمانيين الذي قام الأخ الدكتور فالح عبد الجبار بترجمته ترجمة ممتازة, وهي كلها كتب ودراسات مهمة للغاية ومتباينة في رؤيتها وموقفها من العولمة , وهو أمر اعتيادي ويساعد على فهم الكثير من جوانب هذه المقولة المعبرة عن قضية أساسية في تطور الرأسمالية.
ابتداءً لا بد من التمييز بين مسألتين : الأولى تمثل واقع التطور التاريخي للرأسمالية على الصعيد العالمي من حيث مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية , إذ أن هذا التطور خاضع لفعل قوانين اقتصادية موضوعية بغض النظر عن إرادتنا ورغباتنا الذاتية , وسواء قبلنا بذلك أم رفضناه , وسواء كرهنا الرأسمالية وناضلنا ضدها أم رضينا بها وارتضيناها لمجتمعاتنا. وليست هذه العملية الموضوعية بنت اليوم بل هي نتاج تطور اجتماعي تاريخي , ها نحن نعيش مرحلة متقدمة منها. أما الثانية فتجسد السياسات الرأسمالية العولمية التي تمارسها الدول الصناعية المتقدمة بمراكزها الثلاثة , وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
العولمة كعملية موضوعية وتطور تاريخي للرأسمالية
تعتبر العولمة من الناحية الموضوعية مرحلة جديدة متقدمة من مراحل تطور الرأسمالية على الصعيد العالمي , إذ أن لها امتدادها في تاريخ الرأسمالية منذ نشوئها وتطورها والتحولات التي شهدتها في القرن التاسع عشر , وبشكل خاص في النصف الثاني منه وأوائل القرن العشرين. وهي نتاج الثورات الصناعية المتتالية والتحولات البنيوية العميقة التي كانت تجري في رحم الرأسمالية المالية , منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية العقد السابع من القرن العشرين, والتي اتخذت مسارا أكثر وضوحا وتميزا مع انهيار نظام الحكم الاستعماري القديم والبدء بممارسة أشكال جديدة للهيمنة والاستغلال الرأسماليين على اقتصاديات وشعوب بلدان القارات الثلاث , آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول أوروبا الأقل تطوراً والذي أطلق عليه صواباً بـ "الاستعمار الجديد" تمييزاً له عن الأساليب القديمة التي مورست في الهيمنة الاستعمارية. ثم تسارعت هذه العملية في أعقاب انهيار بلدان "المنظومة الاشتراكية" وتفكك الاتحاد السوفييتي وحل مجلس التعاضد الاقتصادي واختفاء ما كان يطلق عليه بـ "السوق الاشتراكية" , إذ أن العوائق التي كانت تحد من حركة الرأسمال العالمي ونشاط الاحتكارات الرأسمالية المتعدية الجنسية قد غابت , ولم يعد هناك سوى نضال شعوب البلدان المامية!
والعولمة الرأسمالية الراهنة عملية مستمرة , وهي لا تزال في بداية مراحل تطورها وأمامها طريق طويل , وتشمل جميع مراحل عملية إعادة الإنتاج [الإنتاج, التوزيع, التبادل والاستهلاك] , أي العملية الاقتصادية بمجمل مراحلها , كما أنها نتاج متقدم للمجتمعات البرجوازية الرأسمالية والمدنية المتقدمة , ولكن دورها وفعلها وتأثيرها ونتائجها أو عواقبها لا تقتصر على تلك المجتمعات المتقدمة فحسب, بل تمتد بفعلها وتأثيرها , سلبا أو إيجابا , إلى بقية بلدان وشعوب العالم , ومنها البلدان النامية والعالم العربي كجزءٍ منها , فنحن نعيش في عالم واحد رغم انقسامه إلى عالمين : عالم التقدم وعالم التخلف , علم الغنى وعالم الفقر , عالم الإنتاج وعالم الاستهلاك. ويمكن فيما يلي تشخيص عدد من أبرز الخصائص التي تميز هذه العملية والمحيط الذي تنشأ وتتطور فيه:
1. تأخذ العولمة مضمونها واتجاهات تطورها من طبيعة النظام الرأسمالي بطبيعته ومضمونه الاستغلالية ومن القوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة في الرأسمالية على الصعيدين الدولي والمحلي , ومنها قانون القيمة وقانون فائض القيمة وقانون التطور غير المتكافئ في ما بين اقتصادات الدول , وكذلك في ما بين الفروع والقطاعات الاقتصادية والمجتمعات , إضافة إلى قانون اقتصادية أخرى منها مثلاً قوانين التطور المطرد للقوى المنتجة وإنتاجية العمل وقانون العرض والطلب والعلاقة بينهما.. الخ. ويمكننا أن نتابع هذا التطور المتباين في واقع التقسيم الدولي للعمل بين الدول المتقدمة والدول النامية أو المتخلفة.
2. تتطور عملية العولمة الرأسمالية في عالم واحد ولكن بشكل غير متكافئ ولا متساويٍ, كما أن هذا العالم الواحد منقسم على نفسه إلى عالمين, عالم التقدم والتطور والثورة العلمية والتقنية, عالم الإنفوميديا بما يصدره لنا من معلومات صحيحة ومزيفة أو مشوهة وما ينتشر فيه من غنى فاحش حتى التخمة من جهة , وعالم التخلف والفقر والحرمان والتشرد والمرض والجوع حتى الموت من جهة أخرى , عالم المراكز الرأسمالية الثلاثة الأكثر تقدماً (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) , وعالم المحيطات (الأطراف) ذات المستويات المتباينة في التطور التي تدور في فلك تلك المراكز على مدارات مختلفة في بعدها أو قربها من تلك المراكز وهي تعاني من أبشع استغلال وأكثره شدة. وبعض تلك الدول التي تدور في المحيطات تقف على حافة الانتقال إلى مواقع المراكز أو الاقتراب منها. والإشكالية هنا ليست في الغنى والفقر المالي أو في مستوى معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي السنوي حسب , بل وبالأساس في كون هذه المراكز الثلاث بشكل خاص هي المواقع المنتجة والمصنعة والمصدرة للسلع والعلوم والتقنيات الحديثة وبراءات الاختراع , في حين لا تزال دول المحيط عموماً هي المستقبلة والمستهلكة لها , والتي تجد تعبيرها في تنامي التباين والفجوة في مستوى تطور الأبحاث والاقتصادات والمجتمعات والإنتاج وإنتاجية العمل ونوعية الإنتاج , وكذلك في مستوى حياة ومعيشة الأفراد ومداخيل وظروف عمل سكان البلدان المختلفة بشكل ملموس.
3. وفي ظل هذا الواقع لا تقود العولمة إلى إضعاف التناقضات الاجتماعية على الصعيدين المحلي والعالمي , بل تساهم في تفاقمها واتخاذها أبعاداً جديدة واتجاهات جديدة تتجلى في صراعات ونزاعات من نوع جديد أيضاً وأكثر شراسة , يفترض أن تؤخذ بنظر الاعتبار , إذ أن الدول والشركات الرأسمالية الصناعية المتقدمة تحاول بشتى السبل الاستفادة القصوى من اتجاهات تطور العولمة الرأسمالية لصالحها وزيادة أرباح الشركات الاحتكارية العملاقة المتعددة الجنسية على حساب شعوب وبلدان العالم الثالث من ناحية , وعلى حساب الفئات الكادحة والفقيرة من شعوب الدول الرأسمالية المتقدمة من ناحية أخرى. وإذا كانت الحرب الباردة بين المعسكرين السابقين قد انتهت , فأن التناقض والصراع بين بلدان الشمال الرأسمالية المتقدمة والبلدان النامية المتخلفة في الجنوب لم ينتهيا , بل أنهما في تفاقم , وهي نتيجة منطقية للسياسات الاستغلالية التي تمارسها بلدان الشمال الصناعية المتقدمة , وخاصة الدول الصناعية السبع الكبار ومؤسساتها المالية الدولية. والظاهرة البارزة التي يمكن تشخيصها خلال العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تشير إلى محاولات جادة من جانب القطب الأوحد في العالم , أي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى إلى فرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية وسياساتها في البيئة على العالم كله وتحقيق مصالحها واعتبار العالم كله منطقة نفوذ لها ولـ "مصالحها الحيوية" وترفض المساومة على ذلك. ويحمل هذا الأمر في ثناياه مخاطرة كبيرة على الأمن والسلام في العالم كله. ونجد تجلياته المباشرة في منطقة الشرق الأوسط.
4. والعولمة , كظاهرة موضوعية , تعني ثورة مستمرة في مستوى تطور القوى المنتجة في الجزء الأكثر تقدما من العالم الرأسمالي وبتعاظم الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة , ومنها العلوم طبعاً , واستمرار امتلاك الرأسمالية القدرة على توفير التناغم النسبي المطلوب بينها وبين علاقات الإنتاج الرأسمالية , إذ أنها تعمد إلى المزيد من الخصخصة ونقل المزيد من مهمات الدولة إلى القطاع الخاص , وهو الذي يساهم في تعميق الفجوة بين الطبيعة الاجتماعية المتنامية للقوى المنتجة والطبيعة الخاصة لملكية وسائل الإنتاج. ورغم ذلك يسمح التوافق النسبي بينهما والمنافسة القائمة في ظل الرأسمالية , رغم تنامي الاحتكارات المتعددة الجنسية , إلى تثوير عملية التطور والتقدم في القوى المنتجة المادية والبشرية وتغيير بنية الإنتاج والخدمات وإنتاجية العمل والإدارة الاقتصادية , ويفتح لها المزيد من الدروب لاستخدامٍ أوسع للمنجزات الأكثر حداثة في جميع مجالات السياسة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والتعليمية والإعلامية والبيئية , وكذلك في مجالات البحث العلمي في مختلف الفروع وفي الشئون العسكرية والإنتاج الحربي , وفي المواصلات والاتصالات المعلوماتية الدولية , إضافة إلى غزو الفضاء الكوني والبحث فيه وتقريب آجال استثماره الفعلي من جانب تلك الدول ولأغراضها الخاصة ومشاريعها الدولية , وكذلك في البنيات الإنتاجية وأشكال التنظيم والإدارة العلمية الجديدة لمختلف مراحل عملية إعادة الإنتاج الاجتماعية وتنامي دور ومكانة ووظائف الشركات المتعددة الجنسية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافياً وبيئياً وعسكرياً. ولا شك في أن مثل هذا التطور يساهم في معالجة الأزمات الدورية التي تعاني منها الرأسمالية ليجد لها حلولاً , ولكن لا يعني أن لا تنشا لها أزمات جديدة. والعالم يعيش باستمرار المزيد من الأزمات وفي مجالات اقتصادية مختلفة تجد تعبيرها في واقع وظروف عمل وحياة الأفراد في المجتمعات ذاتها وتسحق في حركتها المزيد من الكادحين والفقراء والمعوزين. وهو ما نعيشه اليوم في الولايات المتحدة والذي سينعكس دون أدنى ريب على مجمل الاقتصاد العالمي واقتصاديات جميع البلدان وبنسب متفاوتة.
5. وتقترن العولمة بثورة في المكونات الثلاثة لما يسمى بالتقارب التكنولوجي Convergence , أي بين الحوسبة الحديثة (الكومبيوتر) والاتصالات والوسائط المعلوماتية (الالكترونيات) الأكثر حداثة التي تشكل مجتمعة المسار الجديد في البنية الصناعية الحديثة التي تتطلب المزيد من التوظيفات الرأسمالية , والتي تخصصت بها ومركزتها لديها المراكز الصناعية الثلاثة فعلا حتى العقدين القادمين على أقل تقدير.
6. وستظهر التغيرات العميقة لهذين الاتجاهين في العولمة على نمط تفكير وأساليب وأدوات عمل وحياة ونشاط الإنسان في مختلف المجالات , بما فيها الثقافة والبيئة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية المحلية والدولية. وهي تمارس دورها منذ الآن في تغيير الكثير من قيم وأخلاقيات وتقاليد وعادات وسلوك الفرد والمجتمع لا على صعيد العالم الرأسمالي المتقدم فحسب , بل ستمتد لتشمل بلدان وشعوب العالم الأخرى تدريجاً. وستواجه كثرة من الأفكار القديمة الراسخة , وخاصة بين القوى الإسلامية السياسية والقومية , مثل إشكاليات الهوية والأصولية والعنصرية والطائفية والأحكام المسبقة إزاء الآخر والحنين للماضي في الحاضر , اهتزازا شديدا ورفضا واسعا باعتبارها جزءاً من ماض لا يمكن أن يعود ولن يعود , رغم كل الجهود الخائبة التي تبذلها كل القوى السلفية والأصولية الدينية والطائفية وغير الدينية. ومن الجدير بالإشارة إلى أن العالم سوف لن تكون له في القريب المنظور ثقافة عالمية واحدة , ولكن ستساهم التقنيات الحديثة في المزيد من التقارب والتفاعل والتلاقح بين الثقافات , وفي هذا انتصار للبشرية وليس في ذلك أي خطر على أي من الثقافات , إذ ستبقى لكل ثقافة خصوصيتها الملموسة على أرض الواقع. ولكن مثل هذه الاتجاهات تهدد بالانغلاق الثقافي والأثني أو العنصري أو الديني على خلاف ما كانت عليه من تفتح نسبي في السابق. وهذا ما يخيف البعض من القوى المشدودة بحنين مشوه وسلفي إلى الماضي ويخشى من أي تبادل وتفاعل وتلاقح بين الثقافات , في حين كان العالم كله وما يزال يشهد عدم وجود ثقافة نقية خالصة دون تأثير من وعلى الثقافات الأخرى في مختلف أرجاء المعمورة , فهي عملية أخذ وعطاء وتفاعل إنساني وحضاري مستمر. إلا أن التفتح والتفاعل والتلاقح الثقافي لا يعني بأي حال إقصاء الثقافات الوطنية والقومية أو تهميشها أو تشويهها أو محاولة قبرها , إذ أنها تشكل جزءاً عضوياً من تراث هذا الشعب أو ذاك ومن تكوينه الإنساني الحضاري ومن ذاكرته الجمعية. ويحق لكل ثقافات الشعوب , صغيرها وكبيرها , أن تنتعش وتتطور وتغتني وتمارس دورها في حياة الشعب المعني , بل حتى أكثر من ثقافة واحدة في شعب متعدد القوميات , إذ لا يفترض أن تفرض ثقافة معينة , بحجة كونها لشعب أكبر وثقافة رئيسة وطليعية , نفسها على الثقافات الأخرى بحجة كونها لشعوب أقل حجماً وأقل تطوراً. والمثل الذي يورده الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في كتابه الموسوم "العولمة الجديدة" عن الشجرة والقارب في الميثولوجيا الميلانيزية نابت تماماً بالنسبة لثقافة الشعوب على نحو خاص. العلاقة الرمزية الجميلة التي تعبر عنها أسطورة القارب والشجرة هي أن راكبها يحمل معه ثقافة الوطن الأم , ولكنه يتنقل بها بواسطة هذا القارب ويرسي قاربه في موانئ وشواطئ الكثير من البلدان , فيغتني بثقافات الآخرين وينقل ثقافته في الوقت نفسه إلى الآخرين فيحصل التعارف والتفاعل والتلاقح والتطور في آن.
7. وسيساهم عصر العولمة, عصر ثورة الإنفوميديا, في فتح أبواب جديدة أمام شعوب وبلدان العالم الثالث لاستقبال رياح التغيير الحضارية الجديدة , ولكن مقدار الاستفادة منها سيكون متفاوتاً بالارتباط مع مدى قدرة تلك الدول في مستويات تطورها الراهنة على تقبل الجديد القادم ومدى انفتاحها عليه , ومدى سماح الدول الرأسمالية المتقدمة بذلك أيضاً , أو مدى استخدامها لهذه الثورة التي لا تزال ملك يديها في الهيمنة على شعوب العالم الثالث , إضافة إلى تشويه المعلومات التي تصل إلى هذا العالم والإساءة إلى قضايا شعوب البلدان النامية , ومنها شعوب منطقة الشرق الأوسط والشعوب العربية. ومن هنا يمكن أن تتقلص فجوة التطور بين بعض البلدان أو تتسع بالنسبة لعدد آخر منها وبين الدول الرأسمالية المتقدمة في مراكزها الثلاثة. إن الثورة العلمية العولمية المعاصرة يمكن أن تجد طريقها إلى جميع الدول في سائر أرجاء العالم, ويمكن أن تصل إلى كل الناس دون قيود أو حدود, ولكنها تبقى مقيدة حتى في بعض أهم جوانبها بسياسات وسلوك الدول الرأسمالية المتقدمة. وإذا كانت قوة العولمة وحيويتها تكمن في جانبها الأول , رغم طبيعتها الرأسمالية الاستغلالية , فأن ضعفها وسلبيتها يكمنان في جانبها الثاني. وعلينا أن نلاحظ أن جمهرة من حكام الدول النامية , ومنها الدول العربية , لديهم مخاوف غير قليلة من العولمة بسبب اقترانها بجوانب الحضارة الغربية المشرقة والموضوعية , إذ يسعون إلى منع وصولها إلى شعوبهم بكل السبل المتوفرة لديهم. وكان العراق في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين نموذجاً صارخاً لمثل هذا التطرف في منع استخدام منجزات العلوم والتقنيات الحديثة من جانب أفراد المجتمع ومنع التفاعل والتلاقح مع ثقافات الشعوب الأخرى , بل سعى إلى قتل الثقافة الوطنية المتعددة القوميات , ولكنه استخدم تلك المنجزات لإرهاب وقتل الشعب وملاحقته وخنق أنفاسه وشن الحروب ضد دول الجوار.
8. وفي الوقت الذي تعني العولمة مزيداً من التقارب بين قوميات أو شعوب العالم, صغيرها وكبيرها, بسبب سرعة الاتصال وتقارب العالم وكأن الجميع يعيشون في بيوت متلاصقة في مدينة صغيرة واحدة , باتجاه التعاون والتفاعل والتأثير المتبادل , فأنها ستسمح في الوقت نفسه من الناحية الموضوعية بازدهار القوميات وتفتحها وتعجيل وتائر تطورها ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية الدولية. كما أنها تعني إمكانية انتشار قيم الحرية والديمقراطية والمساواة بين البشر وممارسة حقوق الإنسان وحقوق الجماعات القومية وفي مقدمتها حقها في تقرير مصيرها على نطاق واسع , واعتبار ذلك من القيم الأساسية ذات الطبيعة الدولية العامة والشاملة. ومن هنا أتفق مع إشارة الأخ الدكتور الجميل إلى أن هذا العصر لم يعد عصر الدكتاتوريات والاستفراد بالسلطة أو "الحزب الواحد القائد والرائد" ...الخ. إلا أن هذه الإمكانية غالباً ما تصطدم بسياسات الدول الكبرى ذات المصالح الإقليمية الضيقة وبمصالح النظم الاستبدادية والشوفينية أو العنصرية أو الدينية السلفية والطائفية المتزمتة التي ترفض الاستجابة لمطالب وحقوق الشعوب وحقوق القوميات مما يجعل من النضال في سبيل ذلك مهمة ضرورية , ولكنها صعبة وغالباً ما تكون مرتبطة بتضحيات بشرية ومادية كبيرة. والأمثلة على ذلك كثيرة , سواء أكانت من منطقة الشرق الأوسط حيث تنتصب القضية الكردية أمام أنظار العالم كله , وحيث مارس النظام الاستبدادي في العراق شتى صنوف الاستبداد والعنف والقتل الجماعي , كما في مذابح الأنفال ومنها مجزرة حلبچة البشعة , والتطهير العرقي ومحاولات الصهر القومي ضد الشعب الكردي والتركمان على نحو خاص , أو في تركيا وإيران إزاء الشعب الكردي أيضاً كما يحصل اليوم في تركيا وفي مواقف القوى العسكرية والحكومة التركية من مطالب الشعب الكردي العادلة في إقليم كُردستان تركيا , أو في الجزائر والمغرب ولیبیا إزاء القومية الأمازيغية , أو في السودان إزاء شعب دار فور , وقبل ذاك شعوب جنوب السودان. وهذا يعني بأن العولمة لا تعني حصول الشعوب على حقوقها أوتوماتيكياً , بل تحتاج إلى نضال شاق ومرير بسبب تشابك المصالح الإقليمية والدولية. إذ أن العولمة الجارية , كما قلنا ذات طبيعة وخصائص رأسمالية , وهي في الجوهر تخضع لقوانين استغلالية.
9. إن العولمة وبالرغم من بروز تطور كبير في دور ونشاط ومكانة الشركات الرأسمالية المتعددة القومية , إلا أنها تزيد في الوقت نفسه من عملية الصراع بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ والأسواق والتوظيفات الرأسمالية وتحقيق أقصى الأرباح , وبشكل خاص على منطقة الشرق الأوسط , الخليج منه على نحو أخص. وسيكون الصراع الجديد بين عملاقين ينموان بسرعة فائقة من حيث البنية الاقتصادية والعسكرية ومن حيث السكان وهما الصين الشعبية والهند , وبين المراكز الرأسمالية الثلاثة الأخرى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان , إضافة إلى روسيا , كما سيكون للصين في قادم العقود الثلاثة دورها المتميز والأكبر في العلاقات الاقتصادية الدولية وفي الصراع المحتمل والكبير مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأعني بذلك أن القطبية الواحدة التي نشأت في نهاية العقد التاسع وبداية العقد الأخير من القرن العشرين ستنتهي بصيغة ما مع نهاية العقد الثالث وبداية العقد الرابع من القرن الحادي والعشرين ويبرز إلى سطح الأحداث عالم متعدد القطبية والمصالح والصراعات. من الصعب تأكيد ادعاء البعض بأن القرن الحادي والعشرين هو قرن الإمبراطورية الأمريكية لا غير , كما جاء على لسان بريجنسكي وغيره.
السياسات العولمية للرأسمالية
تنطلق سياسات العولمة الجارية , التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية , وهي سياسات اللبرالية الجديدة التي تمارسها بصرامة قوى المحافظين الجدد لا في الولايات المتحدة حسب , بل وفي بريطانيا وألمانيا وفرنسا وفي غالبية الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وعلى وفق أسس أيديولوجية برجوازية رجعية وصارخة في تصلبها أو تخشبها , من مضمون العولمة الرأسمالية الناشئة من مضمون قوانينها الاقتصادية الموضوعية , وهي تبني عليها بهدف الهيمنة على العالم كله سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً , ومنه منطقة الشرق الأوسط والدول العربية. ومن هنا تنشأ مخاوف الشعوب بشأنها, وهي مخاوف عادلة بحكم تلك السياسات. إذ أنها قادرة , بسبب الإمكانيات الاقتصادية والقدرات العسكرية الفعلية وتحول موازين القوى الدولية لصالحها بعد انتهاء الحرب الباردة التي شهدتها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى بداية العقد الأخير من القرن العشرين , على فرضها على الآخرين , وبذلك تثير الكثير من الإشكاليات والتعقيدات والكوارث والحروب الإقليمية لبلدان العالم الثالث , ومنها دولنا العربية وكذلك العراق. فسياسات العولمة الأمريكية , حيث تشاطرها أو تعترض على بعضها المراكز الرأسمالية الأخرى , تدعو بصرامة إلى:
• ممارسة التدخل الفظ لفرض "الحرية التامة!", وهي من جانب واحد , أمام انتقال رؤوس الأموال والتبادل التجاري وإلغاء القيود الجمركية وتحقيق الإصلاح والتكيف في اقتصاديات البلدان المختلفة وربطها ببنية واقتصاديات الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسية , وكذلك فرض ذلك النهج على بقية بلدان العالم دون الأخذ بالاعتبار ظروف تلك الدول ومشكلاتها وحاجاتها , بما في ذلك طريقة عملها وعضويتها في منظمة التجارة الدولية الحرة. ولكنها تقف في الوقت نفسه ضد انتقال وهجرة الأيدي العاملة إلى بلدانها (عدا هجرة الأدمغة التي تشجعها) وتقيم الحواجز إزاء العالم النامي لهذا الغرض , إضافة إلى إعاقتها تصدير سلع بلدان العالم الثالث إلى أسواقها بمختلف السبل والقيود. وهي بهذا تخل بقواعد اللعبة التي تدعو إليها "حرية انتقال عوامل الإنتاج" لصالحها وضد مصالح شعوب البلدان النامية على نحو خاص وبالضد من الدعاية التي تروجها حول حرية التجارة والتبادل التجاري الحر غير المقيد. ومن هنا نشأت هذه الحركة الشعبية الواسعة المناهضة للعولمة ATTAC والاحتجاج المتواصل ضد سياسات منظمة التجارة الدولية الخاضعة لسياسة ومصالح الولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد على سياسات اللبرالية الجديدة , قبل مؤتمر سياتل واستمراراً بمؤتمر الدوحة في قطر في شهر تشرن الثاني/نوفمبر من العام 2001 والمؤتمرات الوزارية الأخرى التي تلته , والتي تغمط إلى أبعد الحدود , مصالح وحقوق الدول النامية عموماً. كما أنها من الناحية العملية تفرض الضرائب التي تراها مناسبة على السلع المصدرة إليها لحماية منتجات منشآتها الصناعية من المنافسة الدولية. إن العولمة الجديدة لا تلغي المصالح الرأسمالية ولا تلغي الطابع الإمبريالي للدول الرأسمالية الأكثر تطوراً في العالم , بل تؤكده وتشدد من طبيعته في الهيمنة والاستغلال ولكنها تطرح أساليب وأدوات جديدة وإضافية .
• وهي تسعى إلى تغيير وظيفة ودور الدولة وليس إلى إلغاء الدولة أو تفكيكها كلية , أي جعلها مجرد جهاز إداري مهمته تنظيم وجبي الضرائب وتأمين توزيعها لصالح تنمية مشاريع القطاع الخاص وتأمين مستلزمات نشاط هذا القطاع وضمان أرباحه. كما تبقي لها دورها العسكري والأمني واحتكار ممارسة القوة والعنف أو القمع لضمان "الأمن والاستقرار" ومستلزمات استمرار تطور الرأسمالية وبقاء الحياة العامة هادئة دون تهديد للنظام الرأسمالي , أي دون أن تعصف بها التناقضات والصراعات الاجتماعية والسياسية , رغم أنها تشدد من استغلال الطبقة العاملة وبقية الكادحين وتقلص من المكاسب التي تحققت لها على مختلف المستويات طيلة القرون المنصرمة من النضال بين العمل ورأس المال , أي بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال. وهي في هذا تتجاوز حتى على أسس الديمقراطية التي تستوجبها عملية العولمة ذاتها. ومن هنا يلاحظ الإنسان بأن الديمقراطية في البلدان الرأسمالية المتقدمة تعاني من أزمة حقيقية , والتي تتجلى أيضاً على صعيد العلاقات الدولية وتنامي مواقف ومحاولات فرض قرارات الولايات المتحدة الأمريكية بالتهديد والقوة واستخدام العنف لحل الخلافات والمشكلات القائمة , بدلاً من حلها بالطرق السلمية الديمقراطية , إضافة إلى ممارسة المقاطعة الاقتصادية والحصار الاقتصادي , وكذلك ممارسة ما يسمى بـ"الحروب الاستباقية".
• وتساهم هذه الاتجاهات في تشديد التناقض بين الطابع الاجتماعي المتعاظم للإنتاج وبين الطابع الخاص لعلاقات الإنتاج والهيمنة الخاصة المتعاظمة على القسم الأعظم من الثروة الاجتماعية والدخل القومي لا في داخل الدول الرأسمالية المتقدمة بل وعلى الصعيد العالمي , حيث تبدو بوضوح عمليات الاستلاب المستمرة للثروة من أجزاء متزايدة من السكان وحرمانها من أبسط مقومات استمرارها في العمل والعيش الكريم في مقابل المزيد من الثروة والاغتناء لمجموعات صغيرة جدا من الاحتكاريين المهيمنين على الاحتكارات المتعددة الجنسية , وتساهم في جانب آخر منها في زيادة حجم البطالة على الصعيدين المحلي والعالمي , ولكن بشكل خاص في الدول النامية. ويتسع جيش العاطلين عن العمل في اقتصاديات الدول العربية بسبب ضعف نمو وتطور القطاع الإنتاجي واستمرار الاقتصاد على الاستيراد والاستهلاك , وتظهر بشكل بشع أيضاً البطالة المقنعة في أجهزة ومؤسسات الدولة على نحو أساسي وهي التي تساهم في استنزاف الموارد المالية وإضعاف الإنتاجية والخدمات.
• وتقترن سياسات العولمة الرأسمالية بسعي مجموعة من الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية للسيطرة على العملية الاقتصادية الدولية برمتها , أي على مجمل مراحل عملية إعادة الإنتاج على النطاق الدولي باستخدام أساليب وأدوات كثيرة تسمح بها القوانين السائدة. والصحافة مليئة بأخبار عمليات إفلاس وابتلاع واندماج الكثير من الشركات الرأسمالية ببعضها تحت ضغط المنافسة أو من أجل ‎إقامة أكبر الاحتكارات العالمية القادرة على الهيمنة الفعلية على العملية الاقتصادية الدولية. وتقوم تلك الشركات المتعددة الجنسية بالسيطرة على مصادر إنتاج الموارد الأولية وإخضاعها لمصالحها وسياساتها, كما هو الموقف من النفط الخام في الشرق الأوسط ومنطقة القفقاس حيث تكثر الموارد الأولية فيها وبشكل خاص الغاز الطبيعي والنفط الخام , إذ أن هاتين المنطقتين تمتلكان 76 % من إجمالي احتياطي النفط العالمي. وعلينا هنا أن نؤكد من جديد بأن النفط قد لعب دوره في الحربين الأخيرتين , في حرب الخليج الثانية وحرب الخليج الثالثة , كما أن رائحة النفط لم تكن بعيدة عن حرب الخليج الأولى أيضاً.
• ويلعب الرأسمال المضارب والأسواق المالية الدولية دورا متميزا ومتناميا في سياسات العولمة ويلقي بظلاله السلبية على اقتصاديات وبورصات العالم الثالث ويتسبب لها بأزمات حادة تدفع إلى هروب رؤوس الأموال منها إلى بلدان الشمال المتقدمة. وتقدم لنا مجموعتا بلدان النمور الآسيوية الأولى والثانية نماذج صارخة على دور رأس المال المضارب في التأثير السلبي على العملية الاقتصادية برمتها في اقتصاديات تلك البلدان والانهيارات الشديدة التي رافقت بورصاتها والخسائر الفادحة التي تحملتها , في حين حققت مجموعة صغيرة من المضاربين الكبار وبعض الدول الرأسمالية المتقدمة أرباحاً طائلة ذات طبيعة طفيلية. وهو ما نلاحظه الآن في الأزمة الجارفة التي عمت سوق العقار في الولايات المتحدة الأمريكية والآثار السلبية الناجمة عنها على مختلف البنوك والأسواق المالية والبورصات الدولية. وبكلمة فأن أزمة العقارات الأمريكية الراهنة والخسائر التي تحملتها البنوك فيها وتأثيراتها على الدول الأخرى هي حصيلة أخرى لسياسات اللبرالية الجديدة , وهي مؤشر صارخ إلى وجود كساد فعلي في الاقتصاد الأمريكي الذي يمكن أن يزحف بسرعة على بقية بلدان العالم ويدفع بمزيد من الأيدي العاملة إلى قارعة الطريق وينشر البؤس والفاقة في الكثير من الفئات الاجتماعية الكادحة.
• وإذ تسمح العولمة الموضوعية بنشوء نظرة ذات طبيعة شاملة وعامة للطبيعة ومواردها الأولية والبيئة والإنسان وحقوق الإنسان , وكذلك للإمكانيات المتاحة والحاجات المطلوبة, بسبب طابعها الشمولي والدولي والطابع الاجتماعي المتعاظم للقوى المنتجة , حيث تنشأ إمكانية ممارسة برمجة واستخدام عقلانيين للموارد والطاقات والإمكانيات المتوفرة والحاجات الضرورية للمجتمع البشري , فأن هذه الإمكانية المتاحة عمليا يصعب استثمارها بشكل عقلاني لصالح المجتمع البشري كله بسبب الطبيعة الاستغلالية للرأسمالية والركض وراء زيادة معدلات النمو أساساً مما يزيد من تلوث البيئة , إضافة إلى العفوية والفوضى النسبية التي تفرضها طبيعة القوانين الاقتصادية الموضوعية للرأسمالية واستمرار عمل تلك القوانين التي تبقي على أو تنمي التمايز الشديد في مستويات التطور بين الدول والتباين في مستويات الدخول والمعيشة في ما بين الطبقات والفئات الاجتماعية وفي ما بين الدول , وكذلك المنافسة غير العقلانية المحتدمة في ما بينها , والاستغلال الشديد الذي تريد تلك الشركات فرضه على شعوب العالم عموما. فالعولمة التي يمكن أن تكون في مضمونها وبسبب التطور الرفيع والمستمر للقوى المنتجة على النطاق الدولي ذات مضامين إيجابية كبيرة لكل الشعوب , تتحول في بعض ابرز جوانبها إلى عواقب سلبية بسبب تلك السياسات في إطار علاقات الإنتاج الرأسمالية.
• وتجارب الشعوب تشير إلى أن الدول الرأسمالية المتقدمة بدأت تستخدم حقوق الإنسان كأداة للتدخل في الشئون الداخلية للبلدان الأخرى عندما تجد في ذلك ما يخدم مصالحها وتكف عن المطالبة بها عندما تتعارض الديمقراطية وحقوق الإنسان مع مصالح أصحاب رؤوس الأموال الكبار. وخير دليل على ذلك ما يجري في منطقة الشرق الأوسط وفي الدول العربية على وجه الخصوص. فعلاقات الولايات المتحدة مع دول المنطقة تشير إلى وجود اغتصاب لحقوق الإنسان ومصادرة ولكن الإدارة الأمريكية تسكت عنها لأن لها مصالح مع حكومات تلك الدول , كما هو الحال مع المملكة العربية السعودية وتركيا وتونس على سبيل المثال لا الحصر.
• وبسبب التناقضات التي تثيرها سياسات العولمة فأن هذه الدول ما تزال تشعر بضرورة مواصلة التسلح وتعزيز حلف الأطلسي وتكوين قوات التدخل السريع وإقامة منظومة دفاعية مضادة للصواريخ تجاوزاً على الاتفاقية الخاصة بنزع أسلحة الإبادة والتدمير الشاملين , بما يثير شكوك بقية بلدان العالم إزاء النوايا الفعلية لتلك السياسات وتدفع بالعالم إلى سباق تسلح لا في بلدان العالم الثالث التي تستنزف الكثير من مواردها المالية وتنشط ذهنية ورغبة حل نزاعاتها عن طريق استخدام القوة والحرب فحسب , بل وبين الدول الكبرى على نحو خاص , إضافة إلى سعي الولايات المتحدة لتلعب دور الشرطي الدولي على نطاق واسع , باعتبارها القطب الأوحد والأقوى , أو الإمبراطورية الدولية الجديدة. ويمكن لأزمة نصب الرادارات ونظام الدفاع المتطور في كل من تشيكوسلوفاكيا وبولونيا أن يضع العالم على طريق سباق تسلح ومنافسة جديدة. ويمكن للتصريحات الجديدة للقادة الروس في أنهم سوف يستخدموا السلاح النووي دفاعاً عن مصالحهم ومصالح المتحالفين معهم , أن تثير المزيد من الإشكاليات والتوتر في أوروبا وتنشط سباق التسلح!
• وجدير بالإشارة إلى أن العولمة , التي تشمل جميع جوانب الحياة اليومية للسكان في سائر أرجاء المعمورة وتحول العالم إلى قرية أو مدينة صغيرة ذات بيوت متجاورة , تنشر الفساد المالي والإداري أو الوظيفي في سائر أرجاء العالم عبر الشركات العملاقة وتسمح لها بتشكيل نظام فاعل ومؤثر سلباً ومستنزف للثروات , وخاصة في تلك البلدان الضعيفة التطور , حيث ينهب الفاسدون المزيد من قدراتها التراكمية على شكل رشاوى وعمولات لصالح حفنة صغيرة من كبار الموظفين في مقابل خسارة الدولة لمبالغ طائلة. فالفساد تحول اليوم وفي ظل العولمة إلى فساد معولم تسهم فيه حكومات الدول والشركات والأفراد على نطاق واسع. وحالة العراق مع شركة هيلبرتون وغيرها من الشركات الأمريكية ما يؤكد هذا النهج ويشير إلى تفاعل وتعاضد وتكامل بين قوى الفساد المحلي والدولي.
• وتمارس الشركات المتعددة الجنسية سياسة فرض فكر وثقافة وأخلاقيات الثقافة الغربية بكل جوانبها على أنها العولمة الجارية. وهي تثير صراعات حادة في هذا الصدد فتثير حفيظة البلدان والشعوب الأخرى. ويبدو هذا واضحا من أساليب الدعاية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية في نشر فكرها وثقافتها على إنها فكر وثقافة العولمة وترفض الأخذ بالخصائص الوطنية لثقافات تلك الدول. كما يمكن أن يلاحظ الإنسان ذلك في الدعاية المكثفة للمركزية الأوروبية , أو "للثقافة القائدة", كما يجري التعبير عنه في ألمانيا أو حتى عند القوميين العرب اليمينيين مثلا, أو الثقافة النقية التي يفترض أن لا تُشوه باحتكاكها مع الثقافات الأخرى , رغم أن الثقافات الوطنية بحاجة إلى إغناء وتطعيم وتلاقح مع الثقافة الغربية الأكثر تقدماً والأكثر حضارية في المرحلة الراهنة من تطور العالم. ومن هنا أنطلق البعض للقول بوجود عولمة أمريكية وأخرى أوروبية تقاوم العولمة الأمريكية , رغم أن العالم كله لا يعرف ثقافة نقية واحدة , فثقافات الشعوب كانت ولا تزال وستبقى في تماس وتفاعل وتلاقح متبادل مستمر , كما لا توجد ثقافة قائدة بالمعنى الذي روج ويروج له العنصريون والنازيون القدامى والجدد, وبشكل خاص في أوروبا أو في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط عموماً.
• كما أصبحت جماعات الجريمة المنظمة تمارس نشاطها التخريبي والتدميري للإنسان وحقوقه وحياته على الصعيد العالمي , بما فيها تجارة المخدرات وتجارة النساء والأطفال وأجزاء من أعضاء جسم الإنسان , وأصبح التشابك الفعلي بين الجماعات المافيوية المحلية والإقليمية والدولية حقيقة قائمة ولها دور عالمي واسع النطاق وغير محدود الأثر والفعل على بلد واحد , بل على العالم كله. وعلينا أن نشير أيضاً إلى أن التطرف والإرهاب له صفة عالمية أيضاً , وخاصة التطرف الإسلامي السياسي الإرهابي محاولاً تأجيج الصراع بين الأديان والثقافات على الصعيد العالمي.

ولا شك في أن العولمة تطرح مشروعا ثقافيا وحياتيا حديثا يتناغم مع مستوى التقنيات الحديثة ويختلف عن الماضي أو السائد حاليا , ولكنه ما يزال في بداية الطريق. وهذا الجديد بما يحمله من حداثة وتوافق مع الزمن قادر على إبعاد القيم والعادات والتقاليد القديمة والبالية العاجزة عن مسايرة الزمن المتكاثف بشدة , لا في المجتمعات العربية والإسلامية فحسب , بل في جميع المجتمعات. ولكن هذه الثقافة الحديثة ذات الاتجاهات العامة والمتباينة في مستوياتها من حيث الغنى والرداءة ستأخذ خصوصيتها الملموسة من واقع ومستوى تطور كل بلد من البلدان ومن تراثها المخزون نسبياً ومن تأثيرات القوى المحتكرة والمهيمنة على وسائل الإعلام والثقافة على الصعيد الدولي. ولا شك في إن الحنين إلى الماضي في الحاضر والرغبة في عدم التغيير استنادا إلى مبدأ "ليس في الإمكان أبدع مما كان" كان ولا يزال يمارس دور المحرك الرئيسي لمقاومة العولمة كمفهوم أو كمقولة من هذا الجانب , إذ أن بعض الجماعات الإسلامية والقومية ترى في الحضارة الغربية وفي التقنيات الحديثة المتطورة الأداة الرئيسية بيد العولمة لقهر الإنسان العربي أو المسلم بشكل عام , لفرض الاستسلام عليه وإخضاعه لإرادة الغرب. ومثل هذه الفكرة تعتبر حمالة أوجه , إذ أن الممارسة الفعلية تعكس شيئا من الصحة , ولكن الحضارة الحديثة وتقنياتها تخدم في الجوهر تقدم الإنسان وتحسين أوضاعه. فالعيب ليس في الحضارة الحديثة وفي تقنياتها , بل في من يمارسها ويروج الأفكار والسياسات التي يريدها. أشير هنا إلى فكرة مهمة عن إرهاصات العولمة الرأسمالية ذات الطابع الكوني التي تحدث بها كارل ماركس في العام 1848, أي قبل 160 عاماً. فقد ورد في البيان الشيوعي بهذا الصدد ما يلي :
"إن حاجة البرجوازية الدائمة إلى توسيع أسواقها لترويج منتجاتها تدفع بها إلى كافة أنحاء المعمورة. فعليها أن تتمركز في كل مكان وأن تستقر في كل مكان وأن تنشئ صلات في كل مكان. ومن خلال استغلالها السوق العالمي قامت البرجوازية بإضفاء طابع عالمي على الإنتاج والاستهلاك في كل قطر. فإزاء خيبة الرجعيين وقنوطهم قامت البرجوازية بإلغاء الأساس الوطني الذي كانت الصناعة تنهض عليه , وتم تدمير كل الصناعات الوطنية القديمة أو أنه يجري تدميرها يومياً , فقامت مكانها صناعات جديدة يتوقف على إدخالها حياة كل الأُمم المتمدنة أو فنائها , فهذه صناعات لم تعد تستخدم المواد الخام المحلية فحسب , بل في جميع أنحاء الدنيا. وبدل الاحتياجات القديمة التي كانت توفرها منتجات قطر ما نجد احتياجات جديدة يتطلب توفيرها منتجات بلاد بعيدة ومناخات قصية. ومكان العزلة المحلية والوطنية السابقة والاكتفاء الذاتي تنشأ حاجة إلى علاقات متشعبة وصلات دولية شاملة. وما ينطبق على علاقات الإنتاج المادية ينطبق على علاقات الإنتاج الفكرية , إذ يصبح الإبداع الثقافي لمختلف الدول ملكاً مشتركاً ويصبح من المستحيل أكثر فأكثر شيوع الرؤية القطرية الضيقة , وعن شتى الآداب الفطرية والمحلية ينشأ أدب عالمي" وتبعاً لترقيتها السريعة لكافة أدوات الإنتاج , وتطويرها الفعال لوسائل الاتصال ة تجذب البرجوازية الأُمم كلها , بمن فيها الأكثر همجية , إلى موكب الحضارة , ذلك أن الأسعار المتهاودة لمنتجاتها هي بمثابة مدفعيتها الثقيلة التي بدأت تدك بها كل أسوار الصين وتدحر بها كل الكره العنيد للأجانب , وترغم بها كل الأمم , مخافة اندثارها , على تبني نمط الإنتاج البرجوازي , وتدفع بها كل الأمم إلى إدخال حضارتها المزعومة إلى عقر دارها, أي أن تصبح تلك الأمم نفسها برجوازية. وباختصار تقوم البرجوازية بخلق العالم على صورتها." (راجع: ماركس , انجلز. البيان الشيوعي. كولون. منشورات الجمل. ط1. 2000. ص 42-43). هذه كانت بدايات العولمة حيث كان الحديث يجري في حينها عن تطور وتنامي واتساع العلاقات الاقتصادية الدولية , والتي أصبحت اليوم ومع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تشمل جميع مناحي الحياة الدولية.
إن الكثير مما ورد هنا يلتقي أيضاً مع تحليلات وأفكار سمير أمين , وكذلك مع الكثير مما ورد من تحليلات وأفكار في كتاب "العولمة الجديدة" للأستاذ الدكتور سيّار الجميل , أو في كتابي الموسوم "العولمة من منظور مختلف".
وفي الحلقة الثالثة سأحاول معالجة الجواب عن السؤال التالي: إذ كان هذا هو واقع السياسات العولمية , فما الموقف الذي يفترض أن يتخذه العراق من العولمة؟
28/1/2008 كاظم حبيب







الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,325,250,282
- في الذكرى الأربعينية لرحيل الصديق الشاعر مرتضى الشيخ حسين
- رسالة مفتوحة إلى كافة القوى اليسارية والديمقراطية والعلمانية ...
- ألا تنتهي معاناة الكُرد الفيلية رغم سقوط نظام السياسات الفاش ...
- لتتسع جادة الحوار الديمقراطي ... ليتسع صدر الإنسان لسماع الر ...
- هل من حراك سياسي إيجابي في العراق؟
- تحية إكبار وتقدير للكاتبة والشاعرة بلقيس حميد حسن في دفاعها ...
- بعض الدول النفطية العربية تهيمن على أجهزة الإعلام العربية
- نحو تطبيق إنساني وعقلاني لقانون المساءلة والعدالة
- بين نقد الوعي النقدي والتجريح الشخصي
- ملف خاص في الذكرى العشرينية لمجازر الأنفال وحلبچة ضد الإنسان ...
- ماذا تمخض عن اجتماع قيادتي الحزبين , الحزب الديمقراطي الكردس ...
- ماذا تمخض عن اجتماع قيادتي الحزبين , الحزب الديمقراطي الكردس ...
- حصاد عام مضى وآمال بعام بدأ لتوه!
- العراق وعام جديد , فهل من أمل قريب بالأمن والاستقرار والسلام ...
- موضوعات للمناقشة : هل من صراعات فعلية حول مستقبل العراق الدي ...
- هل لمهزلة العلم البعثي الدموي من نهاية؟
- هل من مخاطر للتحالف الإيراني – السوري على شعوب المنطقة؟
- تركيا والمسألة الكردية والعدوان على العراق!
- متابعة لأحداث سياسية ملتهبة تثير قلق العالم
- المنجزات والواقع العراقي المعاش!


المزيد.....




- ترامب يؤكد لزيلينسكي التزامه بالعمل معه لتعزيز الديمقراطية ف ...
- الشرطة السريلانكية: ارتفاع عدد قتلى تفجيرات أمس إلى 290 شخصا ...
- صحف بريطانية تناقش الاستفتاء في مصر، وهجوم حفتر على طرابلس، ...
- قمة أفريقية لبحث وضع السودان و-قوى التغيير- تعلق التفاوض مع ...
- ارتفاع عدد ضحايا تفجيرات سريلانكا إلى 290 قتيلا و500 جريح
- العمل في هذه المهنة يحرمك الجنسية الأميركية
- مشروع قانون لخفض أسعار الدواء
- تسلا -تحقق في حادث انفجار في شنغهاي-
- الحوثيون يعلنون إطلاق صاروخ بالستي وإسقاط طائرة مسيرة للتحال ...
- الشرطة السريلانكية تعطل قنبلة بالقرب من مطار كولومبو


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - لتتسع جادة الحوار الديمقراطي ... ليتسع صدر الإنسان لسماع الرأي الآخر.. أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة الثانية