أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهيل أحمد بهجت - نقد العقل المسلم ح 31















المزيد.....


نقد العقل المسلم ح 31


سهيل أحمد بهجت

الحوار المتمدن-العدد: 2166 - 2008 / 1 / 20 - 11:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن العلاقة بين العلمانيّة و الإسلام هي التّحدّي الحقيقي الّذي يشهده العالم المسلم الآن ، و المشكلة كما أرى و أعتقد هي أن المسلمين عموما و الإسلاميين خصوصا ينظرون إلى ماهيّة العلمانيّة و جوهرها من خلال رؤيتهم لعلمانية أواسط القرن العشرين و بالأخص التجربتين التّركيّة و التّونسيّة ، و هما تجربتان وقفتا بالضّد من الحرّيّة الدّينيّة ، مما يعني أن الإسلاميين هم أوّل من سيفقد هالتهم المقدسة. لكنّني أيضا أتفهم أسباب التطرف العلماني الّذي وجِد في الدّولتين و التجربة التركية على وجه الخصوص ، فلو لا تجربة تركيا العلمانية خلال السبعين سنة الماضية ، ما كنّا لنشهد تجربة حزب التنمية و العدالة الّذي وائم بين التديُّن كقناعة شخصيّة و الممارسة العلمانية في الحُكُم.
من المهم هنا أن نخلق ما أستطيع تسميته بالفرد العلماني الّذي لا يتناقض عبر علمانيته مع مجتمع "متدين" مثلا ، إن العلماني هو روح كُلّ الفلسفات و الأديان لذلك فهو وحده القادر على جلب "ثقافة السلام" إلى المجتمع ، فالعلماني و إن بدا متشككا في نظر المتدينين إلاّ إنّه و من خلال شكّه على الطريقة "الدّيكارتية" يمكنه أنّ يصل إلى الحقيقة ، و أنا أعتقد أن الإسلام نفسه كدين يسمح بنوع من هذه التّشكيكية كخطوة أولى للوصول إلى المعنى الأجمل في النّص المقدّس ، لذلك نجد في عُرف الفقهاء و في كافّة مذاهبهم عبارات مثل "و الله أعلم"! أو "و الله أعلم بمراده"! و غيرها من العبارات الّتي تضع تساؤلا ديكارتيّا كنوع من عدم اليقين تجاه المقاصد الحقيقة للنص تجاه كلّ مسألة فقهيّة أو عقليّة.
إنطلاقا من هذه النقطة العميقة و الشك كوسيلة لليقين ، تكمن علمانية الإسلام الّتي يمكن للمسلمين البناء عليها ، فالعلماني المسلم يستطيع أنّ يُشكّك في إي رأي فقهي ، خصوصا تلك الآراء القائمة على الأدلة الظنيّة ، دون أن يكون هناك أيّ تخلّ عن إيمانه الخاص ، و بمجموع الأفراد العلمانيين يكون المجتمع "المسلم الشّرقي" قد حقّق الخطوة الأولى في إقامة النظام الدّيمقراطي في وسط عالم إسلامي لم يسبق له أن اختبر الديمقراطيّة بمفهومها الحديث و الحقيقة الّتي يجب أن نعترف بها أنّ مصطفى كمال "مؤسس تركيا الحديثة" قدّم للإسلام أجمل هدية حينما حرّره من ملالي الكهنوت و من تلاعب السلطة الزّمنيّة و الدّنيويّة به ، بالتالي كان الفرد المسلم في تركيا حرّا في تأمُّل النّص المقدّس دون هيمنة طبقة رجال الدين الفاسدين.
يقول السيد الصدر في "لمحة فقهية تمهدية لدستور الجمهورية الإسلامية في إيران":
" إن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان. وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية، ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحق والعدل يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح". ترى هل حقا نشأت الدولة بفعل رجالات الدين أي الأنبياء و القديسين!! أم أن الدولة هي ظاهرة بشرية نتجت من حاجة الإنسان إلى الحماية و الحفاظ على ممتلكاته و شخصه! و استشهاه بالآية : {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 213]. لا يقوم دليلا بحد ذاته على أن الأنبياء هم من أسس الدولة ، بل قد يكون العكس هو الصحيح ، بمعنى أن الأنبياء ظهروا ليردوا عن الناس ظلم الدولة و تحيزها ضد مواطنيها ، و أحسب أن الدّولة ككائن وجِدَ في لحظة تاريخية معينة دون أن يدركها مواطنوها ككائن ، بل ولِدت كقبيلة كبيرة استطاعت استيعاب مجموعة من القبائل ، و أن الملكية الشخصية و الحرب التي جلبت المزيد من الأملاك كانا أحد أهم أسباب نشوء الدولة كتنظيم إنساني ـ أنظر (قصة الحضارة ـ ول ديورانت ـ الجزء الأول).
و البحث الأهم و الّذي لا يستطيع الإسلاميون إثباته هو : ما هي الأدلة التاريخية التي تثبت أن "الأنبياء" و الدّوافع الرّوحية هي التي كانت الأساس الأوّل لإنشاء الدّولة إذ لا يكفي استدلالهم بالآيات و الأحاديث و هي القابلة أصلا أن يكون لها أكثر من تأويل و معنى دون أن يحصلوا على ألة تاريخية ملموسة كالمخطوطات أو أي شيء يصلح للاستدلال التاريخي ، و معلوم أن الدولة لا تكون ضرورة إلا حينما يصل المجتمع البشري إلى درجة معينة من الكمال و تشابك الرّغبات و المصالح و تناقضها و حاجة الجماعة إلى تذليل العقبات أو دفع الأخطار ، و الدولة ككائن حينما وُجِدَت كانت نقيضا للفرد في جانب من جوانبها التسلطية هذا الفرد الّذي كان أكثر حُريّة في مجتمعات ما قبل الدولة ، لكن الفرد استعاد الجانب الإيجابي من علاقته بالدّولة الكائن الممثل للجماعة حيث أصبحت الدّولة تقوم على الفرد الذي يمنح بركته للدولة من خلال تصويته لها ، بالتالي فإن الدولة الليبراليّة الحديثة تقوم على كلا الطرفين ، صوت الفرد و الأفراد الّذين يُكوّنون كتلا و أحزابا لتوجيه مسارها السياسي و الإجتماعي و السياسي.
إنّ الفرد يبدع و يُتقن عمله و يكون إيجابيّة أكثر منه سلبيّة حينما يُدرك قيمة ذاته و أنه ليس مجرد صِفر من الأصفار الّتي يستوعبها رقم ما ، و مهما كان هيجل و ماركس قادرين على إلغاء أهميّة الفرد عبر الإستدلال الفلسفي ، و كذلك يفعل الإسلاميّون و لكن عبر طريقة أُخرى ، إلاّ أن اللبرالية الغربية و عبر نجاحاتها كونها نظاما طبيعيا أثبتت عبر جانبها التطبيقي أن الفرد هو الأساس الّذي تقوم عليه الدّولة و مهما كان الفرد ذاتيّا في تفكيره فإنه يلجأ إلى الدّولة شاء أم أبى لأنها إحدى حاجاته الأساسيّة حالها حال الماء و الهواء و الطعام ، و هو رغم ضرورة هذه الحاجة إلا أنه قادر على أن يُعطيها حجمها و نوعها و ضعفها و قوتها ، فالدّولة الّتي يكوّنها أفراد أقوياء الإرادة ـ بمعنى أنّهم يعشقون حريّتهم المقيدة بقانون ـ فإنّ هذه الدّولة تكون خفيفة تجاه مواطنيها و ثقيلة و مُهمّة تجاه غيرها من الدّول ، فالفرد و الفردية كصفة عامّة هي الّتي تستطيع أن تكون نواة دولة حقيقيّة ، و نهاية التاريخ ـ النظريّة الّتي خرج بها فوكوياما ـ تأتي من هذا الجانب ، بمعنى أنّ دولة "الفرد" يكاد يكون المثال الأخير للدولة المتكاملة ، و نحن هنا أضفنا عبارة التّشكيك للأمانة العلمية ، فقد يخرج علينا العلم بنظريات أفضل و أكثر تطورا مما نحن عليه الآن.
يقول السّيّد الصّدر في محاولة فكريّة منه إلى إيجاد حل أو توازن للنزعتين المادّيّة و الرّوحيّة اللتين تتصارعان في الإنسان:
" الأسلوب الأول: هو تركيز التفسير الواقعي للحياة, وإشاعة فهمها في
لونها الصحيح, كمقدمة تمهيدية إلى حياة أخروية, يكسب الانسان فيها من السعادة على
مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه. في سبيل تحصيل رضا
الله. فالمقياس الخلقي ـ أو رضا الله تعالى ـ يضمن المصلحة الشخصية, في
نفس الوقت الذي يحقق فيه أهدافه الاجتماعية الكبرى. فالدين يأخذ بيد
الانسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد والمحافظة على قضايا العدالة
فيه, التي تحقق رضا الله تعالى, لأن ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي,
ما دام كل عمل ونشاط في هذا الميدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجله.
فمسألة المجتمع هي مسالة الفرد أيضاً, في مفاهيم الدين عن الحياة
وتفسيرها.." فلسفتنا.
هذا الأُسلوب الأول الّذي طرحه السّيّد الصّدر تنبثق منه جملة إشكالات حقيقيّة ، ذلك أنّه أسلوب "إسلامي" بحت و ليس له نظرة تتجاوز الدّين الإسلامي ، مع ملاحظة أنّ لكل دين مفاهيمه و مصطلحاته الخاصة الّتي يتداولها أفراد كُلّ دينٍ بعينه دون الآخر ، فالإيمان و الضّلال و الكفر هي مصطلحات تتداولها الأديان الثلاث ، اليهودية ، المسيحيّة و الإسلام ، و لكن لكل منها تعريفه الخاص ، فلو كان لهذا المنهج أيّ درجة من النجاح لرأينا دينا ما يستوعب الآخرين في جناته ، فاليهود لا يدعون أحدا إلى جنتهم و لا يُحذّرون أحدا من جحيمهم لأن دينهم هو شيء خاصّ بهم ، أما المسيحيون فرغم تسامحهم و استيعابهم للآخرين في حياتنا الدّنيوية إلا أن الآخرين الّذين لا يؤمنون بالمسيح كمخلص سوف يدخلون جهنم مهما قاموا بأعمال جليلة ، و الإسلام أخطر من هذا الجانب ، فهو يرفض الآخرين في الدّنيا و الآخرة و لا مجال لأي يهودي أو نصراني أو أي دين آخر في الخلود من دون أن يدخل الإسلام ، و لم يخرج على هذا إلا قلّة قليلة كالمرحوم علي الشّريعتي الّذي كان يؤمن بأنه سيلتقي في الجّنّة بأستاذه المسيحي.
و الأهم هنا ، و هو خطير بنظري ، أنّ هذا الأسلوب إحالة خطيرة لمسألة الخلاص الشّخصي إلى السّلطة أو الدّولة ، مع أن الدّين هو شأن شخصي بحت لا يستطيع أي سلطان زمني أو أرضي ، و لا يحق لهذا السلطان أصلا ، أن يتصرف في مسألة تتعلق بالله وحده و مسألة الإيمان ليست بضاعة تُباع في سوبرماركت أو محل للبقالة و لا يمكن لأيّ ميزان أرضي أن يزنها ، و في رأيي أنّ هذه العبارات هي دعوة مُقنّعة إلى ولاية الفقيه ، و هي النّظريّة الّتي تكاد تهدم البيت الإيراني على رؤوس ساكنيه.
و يُضيف السّيّد الصّدر:
" ولا يمكن أن يحصل هذا الأسلوب من التوفيق في ظل فهم مادي
للحياة, فان الفهم المادي للحياة يجعل الانسان بطبيعته لا ينظر إلا إلى ميدانه
الحاضر وحياته المحدودة, على عكس التفسير الواقعي للحياة الذي يقدمه
الاسلام, فانه يوسع من ميدان الانسان, ويفرض عليه نظرة أعمق إلى
مصالحه ومنافعه, ويجعل من الخسارة العاجلة ربحا حقيقياً في هذه النظرة
العميقة, ومن الأرباح العاجلة خسارة حقيقية في نهاية المطاف:
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا)." المصدر نفسه.
و حتى هذه الآية الّتي أوردها ها هنا على سبيل الاستدلال لا تصلح إلا إثبات العكس و هو أن الإيمان هو شأن شخصي "فلِنَفسِهِ" بمعنى أن الذّات وحدها تقرر الذّهاب إلى طريق الجّنّة و النّار و أن هذه الأمور ليست قط شأنا من شؤون الدّولة و النظام السّياسي ، فمن حق الفرد أن يختار أن يكون مؤمنا أو كافرا بشرط أن لا يتدخل في خيارات الآخرين و حيواتهم.
ثم يحدثنا عن الأسلوب الثاني قائلا:
" وأما الأسلوب الثاني الذي يتخذه الدين, للتوفيق بين الدافع الذاتي
والقيم أو المصالح الاجتماعية فهو التعهد بتربية اخلاقية خاصة, تعنى بتغذية
الانسان روحيا, وتنمية العواطف الانسانية والمشاعر الخلقية فيه. فان في طبيعة
الانسان ـ كما المعنا سابقا ـ طاقات واستعدادات لميول متنوعة, بعضها ميول مادية
تتفتح شهواتها بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والجنس,
وبعضها ميول معنوية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد, ولأجل ذلك كان من
الطبيعي للانسان ـ إذا ترك لنفسه ـ أن تسيطر عليه الميول المادية لأنها تتفتح بصورة
طبيعية, وتظل الميول المعنوية واستعداداتها الكامنة في النفس مستترة.
والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من الله, فهو يوكل أمر تربية الانسانية
وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها, فتنشا بسبب
ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النبيلة. ويصبح الانسان يحب القيم
الخلقية والمثل التي يربيه الدين على احترامها ويستبسل في سبيلها, ويزيح عن

طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه" فلسفتنا.
للأسف الشديد لم يعني السّيّد الصّدر خلال دراستيه "فلسفتنا" و "اقتصادنا" بالأزمة الحقيقيّة الّتي يعيشها الشّرق المسلم ـ باستثناء تركيا الحديثة ـ و هو أن شبابنا و إنساننا عموما يعاني من ضغط الروحانيات و هيمنتها على كل تفاصيل الحياة بأدق ما فيها ، و أن رجل الدين المسلم حوّل نفسه إلى "مهندس" ، "طبيب" ، "فيزيائي" و خبيرا حتى في الطبخ ، و اللذائذ المادية ـ حتى الحلال منها كالزواج و الغنى ـ لا تكاد توجد في شرقنا ، بل إن المسلم ينظر إلى الحياة و كأنها عدو لدود يجب إما الهرب منه أو قتله ، إن الميول المعنوية لا وجود لها بشكل حقيقي و واقعي إلا بعد أن يجد الإنسان نفسه حرا و مرتاحا و ينعم بالحياة التي تتيح له مجالا للتفكير ، و العصمة الّتي حدّثنا عنها السّيّد الصّدر لا تتوفر الآن حتى في المذهب الشّيعي ، كون الإمام الثاني عشر المعصوم غائبا و ليس له مُمثّل مباشِر يُمكن أن يوصل إلينا ردوده حول الإشكالات المطروحة في السّاحة.
الرّوح هي تجربة تنبع من أعماق الإنسان و ليست الدولة كائنا مرحبا به ليمكن له التّدخُّل في هذا الشّأن ، و ما التجارب الإسلامية المُرّة إلاّ دليلا على أن الدين يفُسد حينما تتلاعب به أيدي ذوي السلطة ، قد يكون معقولا أن تقوم الدولة و المجتمع بحماية حُريّة الفكر ! لكن إضفاء أي صبغة دينيّة على السلطة بحدِّ ذاتِه أمر خطير ، و التربية الخاصة الّتي حدّثنا عنها السّيّد الصدر في الاقتباس السابق من الممكن توفيره في ظل دولة علمانيّة ديمقراطيّة رأسمالية ، بالتّالي فليس شرطا أن نبني دولة "ثيوقراطية" دينيّة لكي نستطيع تربية الفرد و تنشأته روحيّا ، بمعنى أن لا ارتباط بين المسألتين لا منطقيّا نظريا و لا واقعيا تطبيقيّا ، يقول محمد باقر الصّدر:
" وكل نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والاحساس فهو إما نظام
يجري مع الفرد في نزعته الذاتية, فتتعرض الحياة الاجتماعية لأقسى
المضاعفات وأشد الأخطار, وأما نظام يحبس في الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته
لوقاية المجتمع ومصالحه. فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته
والافراد ونزعاتهم, بل يتعرض الوجود الاجتماعي للنظام دائما للانتكاس على
يد منشئه ما دام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضاً, وما دامت هذه النزعات تجد
لها ـ بكبت النزعات الفردية الأخرى وتسلم القيادة الحاسمة ـ مجالاً واسعاً وميدانا
لا نظير له للانطلاق والاستغلال". فلسفتنا.
إنّ حقوق الفرد لا تتعارض مع حقوق المجتمع ، فليس من حق الفرد ، عقلا ، أن يروّج بضاعة تؤذي صحة المجتمع أو تهدد أمنه و استقراره ، لكن مسألة صحة المجتمع يجب أن لا تتناول الأخلاقيات إلا بشكل محدود و مُقنّن لأن الأخلاقيّات أيضا مرتبطة بالحريّات العقليّة و الدّينيّة ، لكن القيود على المسائل الأخلاقية يجب أن يتم حين يتعلق الأمر بفرد "قاصِر" أو غير مؤهّل عقلا لكي لا يتم استغلاله ، و كمثال على ذلك شرّعت كثير من الدُّول الغربيّة قوانين تمنع استغلال الأطفال أو غير المؤهّلين عقلا ، إنّ العقل ـ الّذي هو أحد أُسُس الأديان الثّلاث باستثناء المذهب الوهّابي ـ هو معيار الحكم القانوني الّذي يُقرّر أن الفرد الفلاني يمتلك حقّ الحُريّة أم أنّ من واجب السّلطة كممثّل للعقل الجمعي أن تتدخّل لحمايته ، و نحن لم نسمع و لم نرى أو نقرأ عن أي دولة أو نظام سقط و انهار بسبب اعتماده مبدأ "الحريّة" ، باستثناء الإمبراطورية الرومانية و الّتي لم يكن قد تبلور فيها عقل جمعي من خلال أفراد يُدركون ماهية الحُريّة الّتي يمتلكونها أو وظيفة النظام ، كما أن الحُريّة المفرطة أيضا لم تكن السّبب الوحيد في سقوط الإمبراطورية الرومانية ، بل كانت أسباب أُخرى كالصراعات الدّينيّة و موجات الشعوب البربرية كالهون و الوندال و القوط الّتي غزت الإمبراطوريّة و دمّرتها ، إضافة إلى الفساد الّذي نخر في الدولة.
ثم يضيف السّيّد الصّدر:
" وكل فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها لا ينبثق عنهما نظام كامل
للحياة يحسب فيه لكل جزء من المجتمع حسابه, وتعطى لكل فرد حريته التي
هذبها ذلك الفهم والاحساس, والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ...
أقول أن كل عقيدة لا تلد للانسانية هذا النظام فهي لا تخرج عن
كونها تلطيفا للجو وتخفيفاً من الويلات وليست علاجاً محدوداً وقضاءً حاسماً
على أمراض المجتمع ومساوئه. وإنما يشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنوي
للحياة وإحساس خلقي بها ينبثق عنهما, يملأ الحياة بروح هذا
الاحساس وجوهر ذلك الفهم" فلسفتنا.
من الملاحظ أن تدخُّل الدّولة في حريّة الفرد واضحة كُل الوضوح في هذه العبارات ، فمن يا ترى يُقرّر أن هذه الحدود أو تلك تعني خروجا على النظام الطّبيعي ، لا بُدّ ها هنا أيضا من فقيه أو مُعمّم يُقرر تلك الحدود ، و من جديد نحن أمام تجربة أُخرى شبيهة بتجربة الكنيسة الكاثوليكية حينما فرضت نفسها على الدولة و النظام ، و لو لا أن المسيح لم يأتي إلا بشريعة خفيفة لكانت الكاثوليكية نسخة غربيّة من الإسلام الذي يسود في بلادنا الآن ، بل إن كلمة "الروح" الّتي يُردّدها الإسلاميون و من ضمنهم السّيّد الصّدر هي مصطلح مُلغز و يصلُح أن يكون لهُ ألف تفسير و تفسير ، بل إن شخصا ما قد يرى في الخمر أو الكحول علاجا أو مخرجا لمشاكله الرّوحيّة و هي نفسها الّتي حرّمها الإسلام ، و الأمر نفسه يتكرر مع سائر المسائل الأخلاقية ، و أجزم أن الإسلام كان سيكون أخف وطئا على الديمقراطية لو أنه امتلك تراثا فقهيا أخف ، و لربما يصدق الحديث النبوي القائل:
"اختلاف أمّتي رحمة"! بمعنى أن تعدد الآراء قد يفتح مستقبلا لقبول التعدّديّة السّياسيّة و الاجتماعيّة ، لكن تبقى المشكلة أن كل طرف من هذه الأطراف المختلفة يعتقد أنه يحتكر الحقيقة و أن الباقين إلى جحيم.
يقول السّيّد الصّدر:
" وهذا هو الاسلام في أخصر عبارة وأروعها. فهو عقيدة معنوية وخلقية,
ينبثق عنها نظام كامل للانسانية, يرسم لها شوطها الواضح المحدد, ويضع لها
هدفا أعلى في ذلك الشوط, ويعرفها على مكاسبها منه.
وأما أن يقضي على الفهم المعنوي للحياة, ويجرد الانسان عن إحساسه
الخلقي بها, وتعتبر المفاهيم الخلقية أوهاماً خالصة خلقتها المصالح المادية,
والعامل الاقتصادي هو الخلاق لكل القيم والمعنويات وترجى بعد ذلك سعادة للانسانية,
واسقرار اجتماعي لها, فهذا هو الرجاء الذي لا يتحقق إلا إذا
تبدل البشر الى أجهزة ميكانيكية يقوم على تنظيمها عدة من المهندسين الفنيين". فلسفتنا.
إن المسألة كما يشرحها الصّدر الأول ها هنا تتعلق بالإسلام وحده و أن هذا النظام "النظري" لكي يتحقق له النجاح ـ و النجاح بمقياس العقل هو أن تحظى النظرية برضا الأغلبيّة ـ يجب أن يؤمن به كُلّ النّاس و البشريّة أجمع و هذا غير ممكن عقلا ، فهو حين طرح هذه النظريّة الإسلامية فقد طرحها باتجاه إصلاح "الإنسانيّة" و إنقاذها ، لكن التناقض الّذي يطرح نفسه ذاتيا هنا هو "ما معنى أن يتزعم دين من الأديان إصلاح البشرية"!! و لماذا لا تكون هناك نظرية فوق دينية أو عرقية قوميّة لكي تحصل على النجاح ، و النتيجة و كردِّ فعل للحكم الدّيني أن النزعات الدّينيّة "المتطرفة" ستطرح نفسها و نكون كبشر معرضين لحرب عالميّة "دينية" تكون أخطر من كل الحروب الّتي مرّت بالبشريّة لأنها هذه المرة "حرب عالميّة مُقدّسة" و ليس من شيء أقدس عند الإنسان من يقتُل نفسه ليصل إلى الخلود.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,694,368
- نقد العقل المسلم ح 30
- نقد العقل المسلم ح 29
- نقد العقل المسلم ح 28 الفرد و الدّولة
- نقد العقل المسلم ح 27
- نقد العقل المسلم ح 26
- نقد العقل المسلم ح 25
- نقد العقل المسلم ح 24
- نقد العقل المسلم ح 23
- نقد العقل المسلم ح 22
- نقد العقل المسلم الحلقة الحادية و العشرون
- نقد العقل المسلم الحلقة العشرون
- نقد العقل المسلم الحلقة التاسعة عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة الثامنة عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة السابعة عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة السادسة عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة الخامسة عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة الرابعة عشرة الإسلام و الإرهاب .. ...
- نقد العقل المسلم الحلقة الثالثة عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة الثانية عشرة
- نقد العقل المسلم الحلقة الحادية عشرة


المزيد.....




- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة «وطن» لليهود في أمريك ...
- صحيفة: الشرطة الإيطالية تبحث عن سوري هدد بالتوجه مباشرة من ر ...
- اتحاد الشغل في تونس يطلب تحييد المساجد والإدارة قبل الانتخاب ...
- راهب برازيلي يحظر الجنة على البدينات ويثير على مواقع التواصل ...
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة -وطن- لليهود في أمريك ...
- أردنيون ضد العلمانية، وماذا بعد؟
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...
- نائب كويتي: وصول الإخوان إلى متخذ القرار سيؤدي إلى تدمير الك ...
- بعد مهاجمة ترامب لها.. كيف استقبلت النائب المسلمة الهان عمر؟ ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهيل أحمد بهجت - نقد العقل المسلم ح 31