أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حكمت الحاج - جسر على نهر دجلة أو قراءةٌ في تسنن حسن العلوي (2-2)















المزيد.....



جسر على نهر دجلة أو قراءةٌ في تسنن حسن العلوي (2-2)


حكمت الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 2133 - 2007 / 12 / 18 - 11:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(تتمة..)
إن عمر بن الخطاب بدوره هذا، إنما مَنَح دوراً للعراقيين ولبقاع مغمورة كالبصرة ومهجورة كالكوفة وغير معروفة كبغداد أن تكون جاذباً لاستقطاب القبائل العربية الكبرى، فاستقرت المضرية في البصرة واليمانية في الكوفةِ وبهما أخذ العراق شكله العربي الأول. وبفضلِ عمر مؤسس البصرة وممُصر الكوفة، تعرفت العرب على مدارس النحو واللغة وعلوم الكلام والفلسفة. إن دور عمر في العراق مثل دوره في مصر، والعراق العمري صنو مصر العمرية التي أضافت إلى حضارتها حضارةً جديدة ومدناً جديدة. ويستغرب مؤلفنا ونحن نستغرب معه، كيف افتخر المصريون ببطلهم الجديد، فأنصفوه وجعلوه أنموذجاً للزهد والتسامي، وروحاً للعدالة الإلهية. فيما كبا أهل العراق كبوتهم، فلم يكتب فيه مثقف ينتسب إلى ثقافة التسنن أو آخر منسوب على التشييع سوى علي الوردي وآخرين خارج المحيط الديني.
إن مؤسس العراق العربي أهملهُ العروبيون، فلم يصدر كتاب مستقل فيه عن مؤرخين "فطاحل"، وأُدباء "فُحول"، أمثال الشيخ محمد بهجت الأثري والدكتور عبد العزيز الدُوري، وأستاذ التاريخ العربي ناجي معروف، كما لم تصدر المؤسسة الدينية ومركزها الأعظمية أو الموصل كتاباً يُعرِّف العراقيين بمؤسس حضارتهم الإسلامية وممّصر بصرتهم وكوفتهم. بيد أن المصريين أخلصوا الودّ لمؤسس حضارتهم العربية. فكتب العقاد عبقرياته منشورةً في غرف الدرس وعلى أرصفة المدن العربية. وكتب طه حسين "الشيخان" و"الفتنة الكبرى" بجزأيها مُنصفاً مستلهماً روح الإسلام ومنهج البحث العلمي الحديث. وكتبت بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن والمستشار عبد الحليم الجندي والشيخ أبو زُهرة وعبد الرحمن الشرقاوي في الإمام علي وفي تلك الفترة الإسلامية المثيرة، فتشكلت المدرسة المصرية مرجعاً سيوليه حسن العلوي عظيم الاهتمام في كتابه هذا. أمّا العراق والكلام ما زال للعلوي، فَخُلوٌ من هذا المنهج، وتلك المدرسة، رغم كونه ميدان الصراع الطائفي القديم والحاضر، وإذ يعزو المُطلعون على أسبابه إلى جهل الناس بتاريخهم الإسلامي، فَلم يسأل أحدٌ إلى من تُعزى أسباب هذا الجهل. ولكن المؤلف يحمل المجتمع بمؤسساته الدينية والدولة بمؤسساتها الثقافية المسؤولية عن جهل الناس بتاريخهم، ويقول إن وزارات الثقافة العراقية كان يمكن لها أن تنهض بمهمة تُجنّب العراقيين شيئاً من هذا الصراع، لو عُنيت بإصدار سلسلة كتب للتعريف بمن تنتسب إليهم تلك المعماريات، لكن وزارة الثقافة أصدرت مرةً كتاباً عن ألعاب الصبيان في سامراء متجاهلةً معمارية سامراء العباسية، تلف أحزانها ملتويةً إلى السماء، وتهمل شاخصة الإسلام العَلوي في معمارية الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، التي تعرف عليها الناس مقطوعة الأسماء وممزقة الأحشاء!.
ومن المفارقات أن حكومات العراق ذات الطابع السُني، في قرارها، وفي أغلبيتها خلال الثمانين عاماً الماضية، لم تلتفت إلى هذا الجانب فتنشر كتاباً مستقلاً بأبي حنيفة المقيم في الأعظمية، وبمعماريته الفقهية، ولا توقفت يوماً في باب الشيخ ودخلت مسجد الشيخ الحسني عبد القادر الكيلاني، فلم يُعرف عنه سوى أنه (أبو قبقاب). وينحى حسن العلوي باللائمة أيضا على علماء السنة وشيوخها ومثقفيها الذين لم يُنصفوا إمامهم الأعظم، ولم ينشروا علم العلماء المدفون في مساجد الشيخ معروف الكرخي والجنيد البغدادي وعمر السهروردي وآخرين. ومثلهم في التقصير والإغفال كان فقهاء التشيع، وحوزاتهم العلمية التي لم تنشر بعد ألف عام على تأسيسها كتاباً عن الإمام علي بن أبي طالب يطلع عليه جيل عن جيل، ولا كتاباً مستقلاً عن الإمام الحُسين، لكن بعض أتباعهم من الدرجات الوسطى ربما اهتموا اهتماماً خاصاً بفاجعة كربلاء فكتبوا عن الفاجعة دون الكتابة عن الحسين. وباستثناء كتابات في التاريخ العام للعتبات المقدسة، ومدن التشيع العراقي وكتب الرجال، وقد صدرت من خارج الحوزات العلمية، فلم يتوفر لشيعة العراق كتاب يُعرفهم بأئمتهم على الطريقة، التي كتب فيها العقاد وطه حسين والشرقاوي وأبو زهرة. ويرفع باحثنا درجة الغرابة في هذا الصدد وهو يلاحظ بشكل ذكي إن الذين اعتنوا بهذا الجانب من التاريخ الإسلامي، هم من خارج الإطار الديني، ومن المحسوبين على العلمانية، وربما اتهموا بالزندقة والإلحاد، كالدكتور علي الوردي وهادي العلوي وفيصل السامر.
إن الخلاف السني الشيعي هو الأطروحة الرئيسية التي تدور حولها باقي الأطاريح في كتاب حسن العلوي الجديد الموسوم عمر والتشيع. وبجردة تاريخية سريعة تذكر لنا بعض كتب التاريخ انه وبعد وفاة النبي محمد سنة 632 م في المدينة حدثت مؤامرة كبيرة للاستيلاء على الحكم فحدث الكثير من المناقشات بين من طمع بالحكم حول تحديد الطريقة الواجب اتباعها في اختيار الحاكم حيث أنهم رفضوا أي وثيقة أو نص قرآني لتحديد نظام الحكم وادعوا أنها بعض القواعد العامة فقط حول علاقة الحاكم بالمحكوم. فيرى علماء المسلمين من المخالفين للشيعة أن حادثة سقيفة بني ساعدة تشير إلى أن من حق المسلمين تحديد ما يصلح لهم في كل عصر ضمن إطار القواعد الرئيسة للإسلام. توزعت الآراء حول اختيار الحاكم في سقيفة بني ساعدة إلى ثلاثة تيارات رئيسية: رأي يرى بقاء الحكم في قريش مستندا إلى أبي بكر الذي قال "إن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قـريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا" وكان هذا مخالفا لرأي أهل المدينة الذين استقبلوا الدعوة الإسلامية واتخذ فيها المسلمون المهاجرون من مكة ملاذا ونقطة انطلاق وكان هناك رأي ثالث بأن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير آخر ودار النقاش في سقيفة بني ساعدة. وقع الاختيار في النهاية على أبي بكر ليتولى الخلافة ربما على أساس أن محمد اختاره لإمامة جموع المسلمين حين أقعده المرض ولم يكن في الأمر انفرادا في اتخاذ القرار وإنما اعتبرت العملية التي تمت تحت تلك السقيفة في نظر السنة أكثر ديمقراطية في ذلك الوقت من العديد من أنظمة الحكم الوراثية التي كانت ولا تزال لحد هذا اليوم شائعة في بعض مناطق العالم. من جهة أخرى يعتقد المسلمون الشيعة أن الحوادث التاريخية مثل غدير خم وحادثة الكساء وائتمان الرسول لعلي على شؤون المدينة أثناء غزوة تبوك والنصوص الكثيرة في القرآن والحديث النبوي مثل حديث السفينة و حديث الثقلين وحديث دعوة العشيرة وحديث المنزلة فيها إشارة واضحة إلى حق علي بن أبي طالب بخلافة الرسول على الرغم من اضطرار علي لمبايعة أبي بكر ليكون الخليفة خشية منه على دين الإسلام وتفادياً لحدوث صدع في صفوف المسلمين بينما يذهب البعض الآخر إلى التشكيك أصلا في مبايعة علي لأبى بكر. بعد مقتل عثمان بن عفان الذي كان من بني أمية طمع معاوية بن أبي سفيان الذي كان من بني أمية أيضا بالحكم فاتخذ من حجة الثأر لعثمان بسبب ما اعتبره معاوية عدم جدية علي بن أبي طالب في معاقبة قتلة عثمان وتحجج معاوية على علي بأنه كان بصورة غير مباشرة مسؤولا عن حوادث الاضطراب الداخلي التي أدت إلى مقتل عثمان. وتفاقم الأمر مفضيا إلى صراع مسلح بينهما في معركة صفين ولكن دهاء معاوية في المعركة أدى إلى حدوث انشقاقات في صفوف قوات علي. وأطلقت تسمية الخوارج على الطائفة التي كانت من شيعة علي ثم فارقته وخرجت عليه وقاتلته. استغل معاوية الفترة الزمنية الطويلة التي بقي فيها حاكماً منذ أن نصبه أبو بكر وأبقاه عمر وأيده وسانده عثمان وقام بصورة غير مركزية ببسط نفوذه على سوريا و مصر وبعد اغتيال علي في عام 661 م كان معاوية في موضع قوة أفضل من الحسن بن علي بن أبي طالب. فحسب السنة قام الحسن بمبايعة معاوية وحسب الشيعة فإن المبايعة تمت بسبب تقديرات الحسن لموقف أهل البيت الذين كانوا في وضع لا يحسدون عليه بعد اغتيال علي بن أبي طالب ويعتبر البعض إن الحسن بن علي تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان على شرط أن تعود الخلافة بعد موت معاوية إلى الحسن بن علي وإن مات الحسن تسلم الخلافة من بعد موت معاوية إلى أخيه الحسين بن علي. ويعتبر البعض أن اغتصاب يزيد الخلافة من الحسين بن علي والأمر بقتله في كربلاء وسبي عيال وأطفال الحسين إلى الشام بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان كان نتيجة للمؤامرة التي وقعت في السقيفة والتي مثلت نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، حيث شكل بداية لسلسلة طويلة من الحكام الذين يستولون على السلطة بالقوة ليورثونها فيما بعد لأبنائهم وأحفادهم ولا يتنازلون عنها إلا تحت ضغط ثورات شعبية أو انقلابات عسكرية أو حركات تمرد مسلحة. يرى الشيعة أن ما ورد لديهم من حديث عن النبي عن طريق رجال بعينهم مثل الإمام علي وشيعته مقبولة لديهم ويدونونها في كتب خاصة بهم مثل الكافي ومن لا يحضره الفقيه و بحار الأنوار وغيرها. أما طائفة السنة فترى أن ما ورد بهذه الكتب لا تنطبق عليه القواعد الأصولية المطلوبة لقبول الحديث عندهم.
وعودا إلى حيث يأخذنا حسن العلوي في مسح جوي بكاميرا سياسية متتبعة لأدق الشؤون والنأمات في حياتنا المعاصرة فنرى كيف طرح الإنكليز مشروع دولة متمذهبة تقصي الشيعة عن دور أو تمثيل صحيح لهم في صنع قرارها. فكان العراق البريطاني سني القرار والإدارة دون أن يكون سني الفقه، ولم يكن على البال أن يفكر الألمان وبعض دول المحور لجعل العراق مسرحاً للحرب ضد الحلفاء بتحريض السفير الألماني فيما رأينا سياسيين وعسكريين عراقيين يعملون على فك ارتباطهم مع بريطانيا قبل وصول القوات، فإذا هي حرب عراقية – بريطانية تندلع في شهر مارس من عام 1941 فيما مدن العالم العربي تتفرج على حرب الألمان والحلفاء. ولأن الثوار الذين طردوا الحكومة العراقية الموالية للإنكليز بإسناد من الجيش وضباطه الأربعة هم جميعاً من السنة فقد رأت السياسة البريطانية مغازلة الشيعة، وعرضت لندن على السيد صالح جبر فكرة أن تكون للشيعة حصة كبرى في إدارة الدولة بعد خيبتهم مع الوطنيين السنة، ولم توافق الشخصيات الدينية الخمسة الكبرى (أي المراجع) في النجف وكربلاء والكاظمية على العرض البريطاني، وكان متوقعاً لو قُبل العرض أن يشهد العراق صراعات طائفية كالتي حدثت بعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003، وظهور العراق الأمريكي مبشراً بعراق شيعي القرار.
ومرةً أخرى يجتذب العراق بدون دعوة أو إرادة حرباً جديدةً عندما اصطدمت المصالح الأمريكية في الخليج بظهور الثورة الإسلامية، التي قادها فقيه شيعي وقضت بالهجوم على السفارة الأمريكية بطهران وأسرّ من فيها. فكان متوقعاً أن يأتي الردّ الأمريكي عاجلاً والجمهورية الإسلامية في أيامها الأولى وهي شيعية في محيط سني فتقدم دولة سنية صيغة لأمريكا بإعلان الحرب كتركيا العضو القديم في صف الأطلسي أو باكستان العضو المركزي في حلف بغداد أو أن تقوم السعودية بدور سني لمواجهة الثورة الشيعية. ولم يأتِ الردّ عن هذا الجوار المتوقع دخوله في المواجهة. وإنما كان العراق من جديد مسرحاً للحرب الأمريكية على الشيعة.
وإذ ينتهي عقد التخادم السياسي بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية بانتهاء الحرب وغزو العراق للكويت في 2 آب أغسطس 1990، بدأت صلات غزل أمريكية بريطانية مع المعارضة العراقية ذات النفوذ الإسلامي الشيعي الواضح وبدأت فكرة إسقاط نظام صدام حسين تنمو في واشنطن وتتعهدها لندن ودول الخليج، فيقوم تحالف أمريكي مع المعارضة العراقية وفيها أطراف تتمركز في إيران. وكلما سألت المعارضة عن موعد محدد لإسقاط نظام صدام حسين في العراق جاء الجواب ملتبساً حتى هجوم تنظيم القاعدة السني على ناطحات السحاب في نيويورك، فاستدارت الإستراتيجية الأمريكية بثقلها نحو الشيعة في العراق، وقد أصبح السلفيون السنة خصمها العقائدي، فاختير العراق مكاناً للحرب الأمريكية على السنة بعد عشر سنوات من الحرب الأمريكية على الشيعة.
إن هذه الرواية المحبكة التي يقدمها حسن العلوي لأهم أحداث منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي يختتمها قائلا إن الحرب الأمريكية على السنة مستمرة منذ أربع سنوات في العراق فهل تستمر أربعاً أخرى ليتساوى الزمن المفترض للحرب على السنة مع الزمن الذي خصص ما بين عامي 1980 – 1988 للحرب على الشيعة؟.
كانت الإستراتيجية الأمريكية قبيل الحرب العراقية – الإيرانية الأكثر تأثيراً في إحداث المتغيرات الراهنة، كما يراها المؤلف، تبحث عن حليف عقائدي لمواجهة خصمها العقائدي الجديد، فأعطى الرئيس الأمريكي بوش في خطابه بالأمم المتحدة قبيل الحرب رسائل وإشارات واضحة لإيران لكسبها أو لتحييدها في الحرب، فضلاً عن الرسائل السرية التي نقلتها المعارضة العراقية من البيت الأبيض والبنتاغون إلى طهران، ثم قيام العراق الأمريكي، فتجددت الظاهرة البريطانية التي طالما تحدث عنها العلوي في كتبه السابقة لمنح قرار الدولة لطائفة حتى لو كان رئيس الوزراء من الطائفة الأخرى. إذ يصطبغ القرار بلون الطائفة التي بايعت قبل الأخرى، فصار العراق البريطاني سنياً حتى بوجود رئيس وزراء شيعي. وصار العراق الأمريكي شيعياً حتى لو اختير واحد من الزعماء السنة لرئاسة الوزراء.
بمهارة عالية في صياغة خطاب لدبلوماسية الحرب استخدم الجانب العراقي هوية الخصم ثلاثية الأبعاد، إن الخصم في الخطاب العراقي سيكون فارسياً في الخطاب القومي الموجه إلى المحيط العربي الواسع، والخصم سيكون شيعيا رافضيا في التخاطب مع المؤسسات الدينية وحركاتها السياسية وسيجري الحديث عن قادسية صدام وكأنها امتداد لقادسية عمر بن الخطاب وهي في حقيقتها انتحال لها. ولا بأس أن تكتب عبارة (الله أكبر) على العلم القومي للعراق. أما في الخطاب الدولي فإن الجانب العراقي سيستخدم البعد الثالث والمخفي والمتواري من الخطاب في بعديه الأول والثاني وسيكون محور الحديث الثنائي بين وزير خارجية العراق، طارق عزيز البعثي المسيحي، ونظيره الفرنسي. أنها حرب العلمانيين ذوي الاتجاهات العصرية ضد ثورة إسلامية ونظام ظلامي يهدد حضارة الغرب وعلى فرنسا التي كانت الممثل الكاثوليكي للمسيحية الأوربية أن تكون في الوقت ذاته ممثلة للجانب العراقي في حمايته من ضغوط اللجان الدولية لحقوق الإنسان ونشاط معارضين عراقيين في أوروبا فضلاً عما ينفلت في الإعلام الأوروبي من كتابات حول استبداد السلطة العراقية.
ويجدد حسن العلوي القول هنا وفي كتابه عمر والتشيع ما سبق له وأن قاله في كتابه الأسبق (أسوار الطين) الصادر عام 1995: إن صاحبه القديم الرئيس العراقي صدام حسين هو ليس عمر بن الخطاب بالتأكيد، وأن الإمام الخميني هو ليس كسرى يزدجرد، وكان كلا النظامين يعتمدان على نظرية ولاية الفقيه. ففي إيران تقوم الدولة على سلطة الإمام الفقيه وفي العراق كانت ولاية الحزب لأمينه العام ومرشده الروحي ومفكره القومي الأول، الذي لا يعلوه اسم رئيس الجمهورية وأن القيادة القومية مختلطة بين مسيحيين ومسلمين عرباً وعراقيين.
أما الرئيس صدام حسين فقد أمر مرافقه الشخصي بأن يصدر تعميماً حزبياً لمنع قياديين في الحزب رآهم يحضرون صلاة الجمعة في المساجد وقال بالنص: إن ذلك يشكل خطراً على أجيالنا الحزبية وهي ترى قياديين في الحزب منغمسين بقضايا دينية. هذا الكلام على ذمة صاحبه حسن العلوي الذي يزيد قائلا بالحرف الواحد: ولم أر الرجل (يقصد صدام حسين) وبيده نسخة من المصحف إلا في صالة محكمة الجنايات الكبرى، فتمنيت على صاحبي أن يكون أكثر انسجاماً مع أصوله العلمانية...
أقامت حركة النهضة العربية المعاصرة قواعدها الفكرية على فهم جديد للإسلام مغاير ومناهض للفهم العثماني. وزعماء الحركة فقهاء أهل السنة ومفكروها من كابول بلد جمال الدين الأفغاني ومروراً بالإمام محمد عبده في القاهرة وعبد الرحمن الكواكبي في حلب حتى احمد بن أبي الضياف وخير الدين التونسي في المغرب العربي الكبير. وفي الجزيرة العربية وجهّت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقداً للسياسات العثمانية القائمة على احتضان التصوف المشوه والدروشة التي أنكرها الإسلام على المسلمين. ولم يتهم أهل السنة هؤلاء الفقهاء والشيوخ بالمروق والارتداد عن الإسلام.
إن الطائفية الشيعية ظاهرة تاريخية، تصب جهدها على تشريح من حَرَمَ الإمام علياً من الخلافة الأولى، وما يترتب على ذلك من إشكالات مع الطائفة السنية المتصالحة مع التاريخ، لكنها ذات بُعد سياسي في الحاضر، يستهدف حرمان الشيعي من امتيازات السلطة. ولا ينسحب هذا التفريق بينهما على واقع الصراع ما بعد سقوط نظام صدام حسين، فقد تطورت الطائفية الشيعية فصارت سياسة تعيش في الحاضر فضلاً عن جانبها التاريخي، ولعل حسن العلوي قد أشار إلى ذلك في كتابه (العراق الأمريكي) الصادر سنة 2006، وتطورت الطائفية السنية إلى مراتب أخرى لم يكن معظمها عراقياً.
ويظن الأستاذ حسن العلوي مؤلف كتاب عمر والتشيع إن الأمور تسير في العراق حالياً على قاعدة ليست بعيدة عما يشير إليه في كتابه، فالخطاب الشيعي عند أهل القطيعة، يواصل التعريض بالصحابة والنيل منهم بلا تحفظ. ويكون ذلك كافياً لتحريض بقية المسلمين وهم الأغلبية العظمى على منابر التشهير، ليس بسبعين ألف منبر أقامها معاوية في الشام للتعريض بالإمام علي، وإنما بإرسال سبعين ألف انتحاري يؤمن بأن في موته موتاً للشيعة وثأراً للصحابة.
وهنا لابد من حاشية على الكلام تخص الطرف الثاني في المعادلة الطائفية في العراق. فأهل السنة والجماعة أو المذهب السني هو مذهب عدد كبير من المسلمين يتبعون القرآن وسنة محمد نصاً وقولاً وفعلاً. ويقرون بالخلافة الراشدة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. أهل السنة يعتبرون أن مذهبهم هو الإسلام الصافي. وهو مصطلح واسع يستخدم بشكل خاص للدلالة على المذهب الذي يتمايز عن الشيعة. ثمة مفهوم سياسي يتبدى من خلال تأكيد فقهاء السنة دوما على وحدة الجماعة ومنع الفتنة، وهو موقف بدأت بوادره في مواقف الكثير من الصحابة عندما اعتزلوا الفتنة (الصراع بين معاوية وعلي) ومن ثم قبلوا بحكم معاوية بعد أن استتب له الأمر خوفا من الفتنة. تعني كلمة "سنّة" الطريقة أو العادة، وبذلك فإن سنة محمد تعني طريقته أو عادته، وتعرّف السنة بأنها كل قول أو فعل أو تقرير صح عن محمد. والسنة تعتبر ثاني مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن. وقد جمعت بعد وفاة الرسول بفترة طويلة، وكتبها العديد من أمثال البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة وأبو داود وتسمى أيضا كتب الحديث وهي تختلف عن كتب السيرة النبوية التي تدرس حياة النبي محمد وفق ترتيبها الزمني أما كتب الحديث فتدرس الأحداث من الأقوال والأفعال وفق موضوعاتها بصرف النظر عن ترتيبها الزمني.
وتحاول الكثير من الجماعات الإسلامية مؤخرا جعل هذا المصطلح اسما للفرقة الناجية (المذكورة في أحد الأحاديث النبوية والذي يقول أن الإسلام يفترق على ثلاث وسبعين فرقة لا تنجو منهم إلا فرقة واحدة) وبالتالي تحاول الكثير من هذه الجماعات احتكار هذا الاسم لها كالوهابية وغيرها من الجماعات الإسلامية، رغم أن المفهوم التاريخي لهذا المصطلح كان يشمل جميع المذاهب السنية المتبعة لسنة محمد.
تعود نشأة المذاهب الفقهية السنية إلى بداية الإسلام، وخاصة بعد وفاة النبي، حيث اجتهد صحابته وأتباعه والمسلمين عامة في تطبيق أقواله وأفعاله. ومع انتشار الإسلام وتوسعه وتعرضه للكثير من القضايا الجديدة الدينية والتشريعية كانت هناك حاجة ملحة للخروج باجتهادات لهذه القضايا الفقهية المستجدة وتلبية حاجات الناس والإجابة عن تساؤلاتهم ومن هنا نشأت جماعة من المتفقهين (العالمين) في الدين تعلم الناس في كل إقليم شؤون دينهم و دنياهم.
إن التوسع الجغرافي للإسلام وتنوع البيئات التي انتشر بها، وأيضا قابلية الكثير من النصوص الشرعية الإسلامية للاجتهاد فيها حسب الظروف والحالات أدى كل ذلك إلى نشوء مدارس فقهية منتشرة في الأمصار الإسلامية، وأصبح لكل عالم فقيه أتباع يعملون على نشر فتاواه. أما المذاهب الفقهية الأربع التي انتشرت بشكل واسع عند أهل السنة وأصبحت رسمية في معظم كتبهم فهي حسب ظهورها: مذهب أبي حنيفة النعمان ومذهب مالك بن أنس ومذهب الشافعي ومذهب أحمد بن حنبل. وتقوم أصول الفقه السني على القرآن والحديث والإجماع والقياس. السنة النبوية مجموعة في كتب السنة العشرة ومنها صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن الأربعة كسنن أبي داود وسنن النسائي والمساند كمسند أحمد بن حنبل وغيرها كمصدر للاعتقاد والتشريع. وهذه المذاهب ما هي إلا مدارس فقهية ولا يوجد بينها اختلاف في العقيدة، كما أن هناك مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربعة لكنها لم تنتشر ويحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة.
يعد المذهب السني أكثر المذاهب الإسلامية أتباعا وسعة انتشار، حيث يبلغ عدد متبعيه حوالي 90% من مسلمي العالم. كما يعد المذهب الرسمي لمعظم الدول الإسلامية اليوم وقديما كان المذهب الرسمي للعديد من دول الإسلام السابقة شرقا وغربا، فعلى سبيل المثال اعتمدت الدولة العثمانية المذهب الماتريدي السني كمذهب رسمي كما اعتمدت المدرسة الحنفية كمصدر لأحكام وتشريعات الدولة، مع الاعتراف بالمذاهب الأخرى وتعيين قضاة ومدرسين لها.
تفترق الطائفة الشيعية عن أهل السنة والجماعة في أنها لا تقر بأحقية خلافة الخلفاء الراشدين الثلاث الأوائل: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. ويرى (الشيعة) أن الإمامة منصوص عليها ومحددة من قبل الله ، بينما يرى أهل السنة أن الإمامة لم يتم تحديدها من قبل الرب. تعود جذور الخلاف الرئيسي بين السنة والشيعة إلى أكبر وأول أزمة مر بها التاريخ الإسلامي ألا و هي الفتنة التي أدت إلى مقتل عثمان، هذه الفتنة وما خلفته وراءها من نزاعات عنيفة سيما بين معاوية وعلي بن أبي طالب الخليفة الراشدي الرابع (الذي رآه علي نزوعا من معاوية للسلطة ورآه معاوية مطالبة للثأر لدم عثمان) كانت السبب الرئيسي وراء تفتت المسلمين . فالانقسام بدا أنه سياسي تطور ليتعمق عقائديا وفقهيا.
الموقف الأساسي لمعظم الصحابة الذي شكل أساس الفكر السني فيما بعد هو محاولة اعتزال هذه الفتنة ومحاولة أخذ موقف حيادي من النزاع ولعل أكبر ممثل لهذا الاتجاه: عبد الله بن عمر الذي صرح بهذا الموقف مرات عديدة. هذه الحيادية وإن كانت تميل في الكثير من الأحيان لإعطاء الأحقية في النزاع لعلي دون معاوية إلا إنها في النهاية تنحو نحو تعديل كافة الصحابة وعدم الخوض في تفسيق أحد.
بهذا يعتبر السنة إن هذه الخلافات التاريخية هي مجرد اجتهادات لصحابة عدول. ومع أنهم يجوّزون الحكم على تلك الخلافات، لكنهم لا يجوزون تفسيق الصحابة ويرون أنهم أهل اجتهاد ويطلقون صفة العدالة على كافة صحابة رسول الله بما فيهم معاوية بن أبي سفيان.
ينقسم أهل السنة والجماعة في تحقيق العقيدة إلى ثلاثة مدارس فكرية هي: أولا السلفية نسبة إلى السلف، والسلف بمفهومهم هو القرون الثلاثة الأولى من الأمة الإسلامية، والتي شهد لها النبي محمد بالخيرية، وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين. كما يتسمون بأهل الحديث أو أهل الأثر. ويعتقدون أنهم هم أصل أهل السنة والجماعة، وإمامهم في التميز عن الفرق الكلامية هو أحمد بن حنبل. وثانيا الكلابية: (بفتح الكاف وتشديد اللام) وهم على قسمين الأشاعرة وإمامهم هو أبو الحسن الأشعرى. والماتريدية وإمامهم هو أبو المنصور الماتريدى. وتعتقد المدرستان (الأشعرية والماتريدية)، أن الإمامان (أبى الحسن الأشعري وأبى المنصور الماتريدي) أثبتا عقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة أهل الكلام. ثالثا الصوفية ويختلف تعريف ومفهوم الصوفية بحسب الزاوية التي ننظر منها. والتصوف لا يتبع أياً من عقيدة السنة او الشيعة، بل هو مجموعة من الآداب والعبادات والعقائد التي تهدف إلى الرقي باتباعها إلى مستوى معين من التعلق بالخالق العظيم، تختلف باختلاف الطرق الصوفية. لذلك فنجد أن من الطرق الصوفية طرقاً تنتسب للسنة، وأخرى تنتسب للشيعة، وطرق مستقلة بذاتها لا تنتسب للسنة ولا الشيعة. ومن الطرق الصوفية التي تنتسب لأهل السنة:- الطريقة القادرية الطريقة التيجانية الطريقة الرفاعية البريلوية. ويكثر التداخل بين الصوفية والكلابية خصوصاً في العصور المتأخرة. فقد ينتسب أتباع الكلابية إلى أي من الطرق الصوفية، أو العكس.
يعتقد السلفيون أنهم متبعين لعقيدة السلف الصالح، أي القرون الثلاثة الأولى من الإسلام (الصحابة والتابعون وتابعو التابعين)، وأن الأشاعرة والماتريدية ضلوا عن طريق الحق بإتباعهم الطرق الكلامية والفلسفة التي لم تكن في عهد رسول الله ولا صحابته ولا الأئمة الأربعة. ويعتقد الأشاعرة والماتريدية أنهم متبعون للأئمة الأربعة وأن ما نقل عن الإمام أحمد وابنه مما نسب إلى التشبيه والتجسيم هو قول مدسوس، وأن السلفية تبنى عقيدتها على منهج غير سليم بالأخذ بظواهر النصوص وبالأخذ بآحاد الأحاديث. ويجب التفريق بين السنّة وبين الفقه والقرآن، فالفقه هو علم يهتم باستخراج الأحكام الشرعية للقضايا الحادثة بجمع كافة الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والعلماء وفق أصول فقهية محددة. والقرآن، حسب المسلمين هو كلام الله الذي تم تسجيله بين دفتي المصحف، وبالتالي يؤمن المسلمون بقدسية النص العربي الذي نزل به القرآن، ولا يعتبرون أي ترجمة له مقدّسة.
ولا يخفي المؤلف الذي يحلو للبعض أن يطلق عليه لقب هيكل العراق نسبة إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل الغني عن التعريف، قلقاً وشعوراً بالأسف لأن السنة العراقيين لم يعودوا يمسكون بامتياز تمتعوا به عبر التاريخ بعدم الرد على سب الصحابة بالإساءة إلى أهل البيت مادام هؤلاء الأئمة عندهم المشترك الإسلامي الموحد بين الطائفتين، ففقدوا هذا الامتياز في لحظة تدمير نازي لمعمارية الحضارة العربية في سامراء والمقامة على جدث الإمامين الهادي والعسكري، فانكسرت معادلات اجتماعية، واختلت موازنات، وتساوى السبابون، وتحول مجرى النزاع من مواجهة المحتل إلى ضرب المقدس المشترك. ودخلت إلى الصراع تيارات شيعية كانت محايدة، فاندفعت بالوازع العاطفي قبل الطائفي برد فعلٍ، والنيران تأكل معمارية المقدس المشترك، فحدث انعطاف هائل أضعف المركز السني، وانتهى المشهد بمضاعفات لا تنتهي فقط عند ترحيل العائلة الشيعية في بلدة سنية والعائلة السنية في شارع شيعي.
إن الطائفية في العراق شكل من أشكال الصراع على السلطة، فالتوزيع الرديء وغير العادل للمواقع العليا والامتيازات “والحقائب” مسؤول إلى حد كبير عن تردى الأوضاع الاجتماعية في هذا البلد وامتداداته العربية الإسلامية. حدث ذلك في العراق البريطاني ـ السني. ويحدث الآن في العراق الأمريكي ـ الشيعي. فهل سينتهي الخلاف برحيل البريطانيين والأمريكيين أم ستكون المواجهة أشرس وأضرى؟. هكذا يتساءل حسن العلوي الذي سرعان ما سيضيف قائلا إن توزيع السلطة سيكون باهظ الكلفة، وصعباً ما دام يمس الحقائب، والمصالح المباشرة: باعتبار السلطة، مصدر الامتيازات الكبرى، وسيتشبث أي فريق، سني سابق أم شيعي لاحق، بحقائب الامتيازات مستعيناً بالعوامل المباحة وغير المباحة، ، فهذه الحقائب الوزارية هي حصة عمر بن الخطاب، وهذه الحقائب الوزارية هي من حصة علي بن أبي طالب، وأن السياسيين مجرد وكلاء أمناء على الأمانة. فهل يجوز لرجل السلطة في العراق البريطاني أن يضحي بحصة عمر بن الخطاب وأبي حنيفة؟ وماذا يقول الشيعي في العراق الأمريكي للإمام علي وللإمام جعفر الصادق، لو أنه تنازل عن حقائبه إلى غريمه السني؟!
فإذا استحال تقسيم السلطة على قواعد العدل والإنصاف وصعب ذلك على السنة، ما قبل سقوط نظام صدام حسين، وإذا ما أستأثر الشيعة بالحصة الكبرى بعد السقوط وصعب عليهم تقسيم السلطة على قواعد الوفاق الوطني والمشاركة وليس المحاصصة الرقمية، فإن الحل الأسلم، كما يخبرنا بذلك حسن العلوي، هو تقسيم الدولة، حتى تتوفر سلطة خاصة لكل طرف في دولته الخاصة، وقد يكتفي أحدهم بأربعة سنتيمترات لتشكل عالمه الكبير، فيغمس فيها إبهامه ويبصم جيناته على وثيقة الاستقلال! وبهذه البساطة يقول العلوي، أصبح عمر بن الخطاب ورقة سياسية، والإمام علي ورقة انتخابية. وكل منهما مجرد لافتة معلقة على خرائب المتقاتلين. وأدخلت ثنائية عمر وعلي في طريقة التوزيع الرديء وغير العادل لامتيازات السلطة. حدث ذلك في العراق البريطاني السني القرار، ويحدث ذلك في العراق الأمريكي الشيعي القرار.
لقد تعثر تنظيم القاعدة ومعه الكثير من سنة العراق بمطب استعماري ومصيدة ماهرة لا بأس أن نطلق عليها كما يقول العلوي مصطلح تبشيع الخصم في الحرب النفسية لتأليب المجتمع المحلي والدولي على ارتكابات الخصم ونشرها على الرأي العام العالمي. فلم يتحرك الشارع العربي ذو الأغلبية السنية المطلقة احتجاجاً على ما ترشه الصواريخ العملاقة فوق سقوف مصنوعة من جذوع النخيل في بلدات الفرات الأعلى وحتى تخوم الفلوجة.. ولو تذكرنا للحظة رد الفعل العربي على قصف بورسعيد والإسماعيلية أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م، وقارنا ما كان عليه الوجدان العربي مع ما حصل في الحرب على الفلوجة والأنبار وحديثة، لاقتنعنا قليلاً كما يقول المؤلف بأن القصور لا يتصل بحالة الانكماش القومي وظاهرة التراجع العربي الطويل، فحسب، بقدر ما يتصل بالناتج العلمي لنظرية تبشيع الخصم والممارسات التي تهللت لها وجوه المذيعات وأصابع المشاركين المرحبين بمشاهد الرؤوس المقطوعة في براميل القمامة.
لكن جهات سنية عراقية لها عراقة في السياسة المدنية، كالحزب الإسلامي، والإسلاميين المستقلين والعلمانيين السنة، الذين لم تعد لهم قوة مساوية لجموح القاعدة قد تداركوا هذا المنزلق، وصححوا المعادلة وعادوا بالسنة إلى ميراثهم الطويل في إدارة السلطة، بذكاء وخبرة، فأعلنوا مشاركتهم في الاستفتاء على الدستور، والدخول في العملية السياسية، وما يترتب عليها من التزامات ومخاطر، صوناً لميراثهم المدني. ومن جانب آخر وكما يرى المؤلف، فقد تسبب استهداف القاعدة للمعماريات الإسلامية الشيعية، وتفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، في تأجيج عاطفي وطائفي، لدى قوة شيعية كبيرة كانت تحاول الوقوف على الحياد في الصراع الطائفي. فاندفع التيار الصدري وجناحه العسكري جيش المهدي إلى ميدان الاقتتال بما لديه من حشود بشرية ومساحات جغرافية تحيط ببغداد، ففقدت اللوجستية السنية أهم مراكز قوتها. ويُغَلّبُ حسن العلوي الظنَّ أن الانشقاق الإسلامي سيأخذ بُعداً تلتبس فيه الانتماءات لو استفرغ الفقهاء والمثقفون بعض جهدهم، فيما نتعارف عليه بثنائية القطيعة والمشاركة، وهل كان الإمام علي في الأولى أم في الثانية بعد وفاة النبي محمد وظهور الخلافة الراشدة. فلعل الناس سنة وشيعة يخنفون حدة القسمة وهم فريقان: أحدهما يأخذ بنظرية القطيعة، والآخر بنظرية المشاركة. ويختتم حسن العلوي كتابه هذا وهو ما يزال ينتظر لحظة اللقاء بين رَبْع عمر ورَبْع علي، ليعودوا إلى الصلاة في المسجد النبوي، ويستكملوا ثمانية عشر ألف صلاة مشتركة بين علي وعمر هناك. وبذلك يُختتم الحُلم القَصي... ذلك الحلم الذي إذا ما تحقق فلربما لن تكون هنالك من حاجة إلى أن يثقل الضمير الشعبي نفسه عبر الموسيقى والغناء بأن يترنم صوت الجيل الشاب من مطربيه بأغنية عاطفية رقيقة تقول كلماتها على سبيل التعجب والاستغراب:(من الكاظمية ها الولد للأعظمية شجابه).. يمكن لنا أن نستمع إلى ثانية إلى أغنية الفنان حسام الرسام بالنقر على الرابط التالي، وكما استمتعنا بالكتاب فلا بأس أن نستمتع بالموسيقى:
http://www.6rbtop.com/listen.php?song_id=35721&type=au&q=hi
_______________________________________________
هوامش ضرورية/
وجدت في أحد أكبر مواقع بيع الكتب على الإنترنت التعليقين التاليين أوردهما هنا لطرافتهما:
1. عمر والتشيع
الاسم: odai - 07/05/2007
تاريخ الميلاد: 1971
بريد الإلكتروني: odai1971@yahoo.com
لن يؤثر من قريب أو بعيد هذا الكتاب في الموقف الشيعي - السني نظرا لعمق الخلاف المتأصل من الطرفين... الشيعة لديهم عقدة الحكم التي لم يحظوا بها خلال القرون الماضية والسنة يقفون موقف المتأهب لهم.... كتاب عمر والتشيع هو نظرة خاطفة من قبل الكاتب والمفكر لمحاولة إعادة النظر في شخصية عمر ولكن ومن وجهة نظري البسيطة أرى إن الشيعي سوف يهمله والسني يقرأه ليزيد من صحة وجهة نظره... الكتاب كان الأكثر مبيعا في معرض الكتاب الذي أقيم في الرياض ربما لافتقار العامة من الناس هناك لكتب تتحدث عن الأمر الشيعي بسبب منع الرقيب لأغلب الكتب.. أسلوب الكاتب شيق والبحث جاء بصورة أنيقة بعيدة عن التكلف أو التهم. (انتهى التعليق1)
2. كتاب جاد وصادق النية!!
الاسم: نبيل فهد المعجل - 27/03/2007
بريد الإلكتروني: mojilnf@hotmail.com
محاولة جادة وصادقة لتفكيك عوامل الحرب الطائفية في العراق والمنطقة العربية من خلال إزالة التشويهات التي لحقت بشخصية الخليفة عمر بن الخطاب. جاء الكتاب كمحاولة لتصحيح العلاقات ابتداء من التاريخ وإذا لم تصحح انطلاقا منه لن تصحح في هذا الحاضر، والتصالح مع الحاضر لا يتم دون المصالحة مع التاريخ. يتحدث الكتاب بإسهاب عن ثنائية القطيعة والمشاركة، الأخوة الشيعة يواجهون عمر بموقفين، موقف قطيعة كاملة (وأصحابها الشيعة الصفويين) يقول إن الإمام علي لم يعمل مع الخلفاء ويبعدون بين الصحابة وأهل البيت، وموقف آخرين من رجال الدين الفقهاء (ويمثلهم الشيعة العرب) يعتبرون مشاركة علي كانت قائمة في زمن عمر وأبو بكر. كتاب يحمل دعوة للمصالحة ومناقشة ما قيل عن عمر في بعض الكتب. كتاب فيه من التفاصيل الكثيرة التي لا أستطيع من هذا المنبر التحدث عنها بإسهاب ولكن أنصح بقوة وحماس شديدين بقراءة هذا الكتاب بالذات لمن يهمه الشأن العراقي ويريد المساعدة على إطفاء الفتنة الطائفية التي ستأكل الأخضر واليابس. (انتهى التعليق2)
كما يهمني أن أقدم للقراء الكرام هذين الرابطين اللذين سيؤديان إلى قراءة مقالين نقديين ناريين إن صح التعبير ضد مشروع حسن العلوي في كتابه هذا بكل تأكيد. وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فقد نال كتاب عمر والتشيع ما لم ينله كتاب عراقي في الشأن العام من سب ونقد ونقاش وهجوم وتسفيه وتجريح، وهذا برأيي دليل على أهميته وراهنيته:
المقال الأول بعنوان حسن العلوي ابن حقيقته بقلم طلال شاكر وتجده على الرابط التالي:
http://www.rezgar.com//debat/show.art.asp?t=0&aid=92988
والمقال الثاني بعنوان حسن العلوي وكتابه عمر والتشيع بقلم مالوم أبو رغيف وتجده على الرابط التالي:
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=87755

(أدناه الرابط الى القسم الاول من مقالنا المعنون جسر على نهر دجلة أو قراءة في تسنن حسن العلوي كما هو منشور في الحوار المتمدن:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=118469 )





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,046,658,135
- جسر على نهر دجلة أو قراءةٌ في تَسَنُّن حسن العلوي (1-2)
- جنون في كتاب بعد أن كانت مسرحا
- موطني موطني نشيد بين شاعرين
- المرأة والحداثة والتفكيك والجندر في العالم العربي في حوار مع ...
- حتى نارك جنة.. الوطن بين رضا الخياط وشكري بوزيان
- الكلامُ المُسْتَعَادُ
- فن الشعر في ملحمة گلگامش
- Marcella
- ذكرى أبي القاسم
- مفاهيم سبتمبرية جديدة حول الإرهاب والحروب الإستباقية وحقوق ا ...
- د. الطيب البكوش: إن مساعدة الشعب العراقي أعسر تحت الاحتلال، ...
- بين الهندسة والبستان: قصيدة نثر طويلة عن المساءات الخمسة عشر
- غرفة في فندق الراحة أو مديح العذراء كريستينا ستوكهولم السعيد ...
- المفكر التونسي د. فتحي بنسلامة في حوار مع حكمت الحاج
- سبعُ قصائد
- البيت قرب البحر كالمجهول باهر وساطع
- التّحليل النّفسيّ على محك الإسلام
- حساب الغبار
- كلام عن سينما ما بعد الحداثة
- لا تذهَبْ أبداً


المزيد.....




- مصالحة تاريخية بين خصمين مسيحيين في الحرب الأهلية اللبنانية ...
- مصالحة تاريخية بين خصمين مسيحيين في الحرب الأهلية اللبنانية ...
- اكتشاف جدارية تعود للقرن السادس يعتقد أنها تصور وجه المسيح
- اكتشاف جدارية تعود للقرن السادس يعتقد أنها تصور وجه المسيح
- مرصد الإفتاء يرصد تراجعا إعلاميا للإرهابيين في سيناء: 8 أشهر ...
- وفاة عميد شرطة مصري في لندن متأثرا باعتداء -الإخوان-
- صحف عربية: هل يكمن حل أزمة ليبيا في عودة سيف الإسلام القذافي ...
- عالم أزهري يحذر من مخطط يهودي لهدم مصر
- قصة -آخر مسيحية- في بلدة زاز التركية
- العراق: مئات من «الدولة الإسلامية» يسعون لعبور الحدود من سور ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حكمت الحاج - جسر على نهر دجلة أو قراءةٌ في تسنن حسن العلوي (2-2)