أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كاظم حبيب - هل من جديد في العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كُردستان العراق في أربيل ؟















المزيد.....


هل من جديد في العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كُردستان العراق في أربيل ؟


كاظم حبيب
(Kadhim Habib)


الحوار المتمدن-العدد: 2121 - 2007 / 12 / 6 - 11:44
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


- 1 -
بني العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة في العام 1921 على أساس الدولة المركزية حيث ترتبط الألوية ألـ 14 مباشرة بالمركز وتخضع لقراراتها رغم وجود متصرفين لها. وقد لعب هذا النظام المركزي للدولة دوراً سلبياً في حياة المجتمع العراقي , خاصة وأن العراق يحتضن عدة قوميات وموزعة على إقليمين ومتباينة من حيث النفوس. إلا أن مركزية الدولة في العراق ليست مسألة جديدة و بل كانت الدولة المركزية هي الفاعلة على امتداد تاريخه الطويل , سواء في فترة الحكم الأموي وخضوعه للدولة المركزية في الشام أم الدولة العباسية ومركزها بغداد أم الدولة العثمانية ومركزها اسطنبول. وكان العرب يعتبرون الدولة المركزية هي الأساس المادي الذي يحفظ وحدة العرب :ما يعتبرون الإسلام له الدور الأساس في إقامة هذه الدولة المركزية والحفاظ على استمرار وجود الدولة العربية رغم ما يشار إلى تفتتها في دول قطرية. ومن هنا يحاول الفكر القومي أن يربط وحدته القومية بالدين الإسلامي , مع حقيقة أن هذه الرؤية القومية الدينية متباينة مذهبياً ويؤكد على مذهب معين ويبعد مذهباً آخر , مما كان وسيبقى يثير صراعاً مذهبياً في إطار قوى القومية العربية. ومن هنا يفترض أن ننتبه تشبث القوى القومية العربية بالجانب المركزي للدولة العربية والخشية المتفاقمة من مطالب القوميات الأخرى بحقوقها القومية باعتبارها محاولة لتفتيت الأمة العربية والوطن العربي ...الخ. ومن هنا ينشأ الصراع المستمر بين القوى القومية العربية , وخاصة الاتجاهات اليمنية منها وبين قوى القوميات الأخرى في العراق وفي سوريا أو حتى في دول أخرى مثل تركيا وإيران. يمكن العودة لمقال مهم كتب من الأخ الدكتور فالح عبد الجبار بهذا الصدد ونشر في الثقافة الجديدة في العدد 235 عام 1991 تحت عنوان "الدولة المركزية تقليد الماضي واشتراطات الحاضر.
- 2 -
ورغم هذا التعدد القومي , إضافة إلى تنوعه الديني , وضع الدستور العراقي عبر مسودة أعدتها الحكومة البريطانية على أساس أن العراق دولة عربية وأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام مع احترام حقوق القوميات والديانات والمذاهب الأخرى. إلا أن الدستور الملكي ,الذي كان يتضمن مبادئ ديمقراطية , مارسته بالأساس عناصر تنتمي إلى القومية العربية , وهي القومية الأكبر التي أصبح الحكم بيد المنتسبين إليها. وكان هؤلاء الحكام , الذين تربوا وتعلموا وتثقفوا في المدرسة الفكرية والسياسية العثمانية ذات النزعات القومية المتعصبة والدينية والمذهبية المتزمتة , قد نقلوا الاتجاه القومي والديني المذهبي في ممارساتهم في الحكم في العراق وتسببوا في إلحاق ضرر فادح بالدولة العراقية الجديدة وبالثقافة العراقية الدستورية وفي العلاقات القومية بين أبناء البلد الدولة الواحدة. لقد كان الحنين للدولة المركزية في العراق يقترن بمحاولة استعادة الماضي في الحاضر والذي لا يمكن له أن يعود , وهو مأزق كبير تعيشه الحركة القومية العربية وخاصة الاتجاهات اليمينية المتطرفة والشوفينية والتي تتسبب في المزيد من المشكلات للمجتمع المتعدد القوميات والأديان والمذاهب.
- 3 -
تشير لنا الدراسات النظرية والخبرة العملية لعدد كبير من تجارب الشعوب والدول إلى أن الحركات القومية التي تناضل في سبيل حقوقها القومية غالباً ما تنزع نحو اليمين وتبرز فيها اتجاهات غير ديمقراطية واستبدادية ونوعة شديدة نحو المركزية. ويزداد هذا الأمر شدة ووضوحاً حين تتشابك الرؤية القومية بالرؤية الدينية , بغض النظر عن القومية أو الدين , خاصة في مواجهة حقوق قوميات أخرى أصغر منها تعيش معها في ذات الدولة , وهو ما نطلق عليه بالرؤية الشوفينية المغمسة بالدين والمذهب. ولكنها في إطار الإسلام والقومية العربية هو أكثر شدة وحدة بسبب العلاقة التي اقترنت بقيام الدولة المركزي العربية الأولى مع نشوء الإسلام. ولنا في منطقة الشرق الأوسط تجارب كثيرة تؤكد صواب هذا الرأي. نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى القومية التركية وموقفها من القوميات الأخرى في تركيا كالقومية الكردية أو القومية العربية مثلاً أو موقفها القديم من أتباع القومية الأرمينية والدين المسيحي , أو نأخذ مواقف القومية الفارسية من القومية الكردية والقوميات العديدة الأخرى الموجودة في إيران وأتباع الأديان والمذاهب الأخرى , أو نأخذ نموذج العراق حيث نعرف مواقف الحركات والدولة القومية من القومية الكردية والقومية الآشورية أو الكلدانية أو التركمان ومن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى , سواء أكانوا من المسيحيين أم اليهود أم الصابئة المندائية أم الإيزيدية أم غيرهم وكذلك من أتباع المذهب الشيعي على نحو خاص بسب أن الحكم كان يتبع المذهب السني الحنفي. ويمكن أن نورد أمثلة أخرى مثل سوريا وموقفها من القومية الكردية أو دول شمال أفريقيا وموقف أتباع القومية العربية من الأكثرية السكانية الأمازيغية.
- 4 -
هذا الموقف الفكري القومي المتزمت أو الشوفيني , الذي يمكن أن يتشابك مع الموقف الديني المتعصب , يمكن أن يصيب مختلف القوميات دون استثناء سواء أكانت كبيرة أم صغيرة , خاصة في ظروف الدولة المركزية التي لا تزال تحتفظ ببنية اقتصادية واجتماعية ما قبل الرأسمالية أو نمو جديد للرأسمالية فيها حيث تنتشر العلاقات والتقاليد القبلية , إذ يمكن أن يتجلى في برامجها وفي تعليمها وتثقيفها وممارساتها. ولا تبدو خطورة في هذا الجانب حين لا تكون تلك الحركات القومية في السلطة. ولكن سرعان ما تبدو مشكلاتها حين تصل إلى السلطة وحين يصعب عليها تبني الوجهة الديمقراطية أو أنها في مجتمع ما يزال يعيش العلاقات الإنتاجية ما قبل الصناعية وحين تكون الطبقة المتوسطة , البرجوازية الصناعية مثلاً , ضعيفة. أي ليست هناك قومية يمكن أن تنجو من وجود تيار فكري قومي يميني متزمت. ويزداد هذا التزمت والتعنت حين يتشابك بهذا القدر أو ذاك مع الاتجاه الديني المتعصب في دولة تعتمد المركزية في الحكم. ولكن هذا لا يعني في كل الأحوال أن كل الشعب يكون خاضعاً للحركات القومية اليمينية , بل توجد فيه أيضاً قوى ديمقراطية وليبرالية ويسارية وعلمانية بحيث يمكنها تخفيف تلك الأجواء والتأثير النسبي على التيار القومي اليميني للتخفيف من غلوائه. كما أن مثل هذا التيار كان ولا يزال موجوداً في إطار القومية العربية وضمن التيارات المختلفة الأخرى , فهو موجود أيضاً في إطار القومية الكردية والقومية الآشورية والكلدانية والتركمانية أيضاً.
- 5 -
الدساتير الديمقراطية المبنية على أسس حديثة , سواء أكانت وفق القوانين الإنجليزية أم الفرنسية , التي أفرزتها الحضارة الإنسانية والثورات البرجوازية الحديثة على مدى القرون المنصرمة , والمعتمدة على مبادئ عامة مثل المواطنة المتساوية والحرية الفردية والاعتراف بالحقوق القومية وحرية الديانات والمذاهب والفكر والتفكير وشرعة حقوق الإنسان , واللامركزية في الحكم أو النظام الفيدرالي , التي تأخذ بنظر الاعتبار في الممارسة واقع كل بلد ومستوى تطوره وسبل رفع مستوى الإنسان فيه , هي وحدها القادرة على تجنب المزالق وعدم السقوط في مستنقع القومية الشوفينية ومناهضة القوميات الأخرى وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى وحرمانها من حقوقها واضطهادها. وقدم لنا العراق على مدى عقود , وخاصة في فترة الحكم البعثي ألصدامي , كما تقدم لنا أنظمة الحكم في تركيا وإيران وسوريا حتى الآن مثلاً , نماذح حية لأنها لم تضع وتنفذ دساتير ديمقراطية حديثة , وبالتالي كانت ولا تزال تعيش في إطار الفكر القومي الشوفيني والتعصب الديني والمذهبي.
- 6 -
وفي مثل هذه المجتمعات يفترض في الإنسان أن لا يستغرب بروز تناقضات وصراعات باتجاهات ثلاثة , وهي: أ) صراعات قومية ؛ ب) وصراعات دينية ومذهبية ؛ ج) وصراعات سياسية اجتماعية ذات أرضية اقتصادية , بما في ذلك الموقف من الدولة المركزية أو الدولة اللامركزية والدولة الاتحادية (الفيدرالية). ويمكن أن تتحول تلك الصراعات في حالة عدم حلها إلى نزاعات سياسية تتخذ صيغاً وأشكالاً مختلفة وتمارس أساليب مختلفة. ويمكن للدول التي أوردناها في أعلاه أن تقدم نماذج واقعية حول ما نشير إليه من صراعات جارية حالياً. فاضطهاد الشعب الكردي وتهميشه سياسياً واجتماعياً وإضعاف إقليمه اقتصادياً وتنموياً وتطوراً , إضافة إلى ممارسة التمييز العام من جانب الدولة ضده , يشكل أسباباً أساسية وواقعية لكل الصراعات التي شهدتها أو لا تزال تشهدها هذه الدول , والتي تسببت أو ما تزال تتسبب في بعضها إلى نزيف دمٍ مستمر لم يقطع حتى الآن. بل يفترض الاستغراب حين لا تبرز أو تنشأ تناقضات وصراعات ونزاعات رغم وجود الاضطهاد والتعسف والتمييز والقتل والتدمير , إذ عندها يمكن القول بأن هذا الشعب لا يحس بالحياة أو بوجوده أصلاً , فهو شعب ميت أو غير موجود. ولا يوجد في العالم مثل هذا الشعب الميت , ولهذا تعيش هذه الدولة جملة من التناقضات والصراعات والنزاعات.
- 7 -
عاش العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 وفق أسس الدولة المركزية , وتشكلت على أرض العراق 14 لواءً بعد إلحاق كُردستان بالدولة العراقية الجديدة في العام 1926. وفي أعقاب ثورة تموز 1958 حتى العام 1970 استمر وجود النظام المركزي حتى بعد صدور بيان آذار/مارس 1970 وإقامة الحكم الذاتي في محافظات ثلاث من إقليم كُردستان , هي أربيل والسليمانية ودهوك. ثم ازداد تدريجاً عدد المحافظات ليصيح 18 محافظة مع إجراء تغييرات جدية على الحدود الإدارية لها والأقضية والنواحي والقرى التابعة لبعضها. ولم يغير وجود الحكم الذاتي من طبيعة الحكم المركزي الشديد في التعامل مع حكومة الحكم الذاتي ومجلسها التشريعي , إذ لم تتغير عقلية الحكام كما لم تتبدل ممارساتهم المركزية. وفي مجرى السنوات الأولى حتى العام 1974 بدأ حكم البعث يستلب مضمون الحكم الذاتي كلية ولم يبق منه سوى اسم الحكم الذاتي المهلهل والفارغ من أي مضمون ديمقراطي والذي وجد تعبيره في القانون الذي أصدره حينذاك منفرداً وبدون موافقة الحزب الديمقراطي الكردستاني , إذ كان النظام يهيئ للضربة المعروفة التي أنزلها بالحركة الكردية في العام 1975 وتجاوز على القانون الذي وضعه النظام ذاته.
- 8 -
وعلى امتداد العقود السابقة ساد التوتر الشديد والصراع في العلاقات بين المحافظات الكردستانية والحكومة المركزية في بغداد بسبب رفض الدولة المركزية الاستجابة لمصالح ومطالب الحركة السياسية الكردية , بل كانت القوة والعنف والسلاح هي الأساليب الحاسمة في سلوك الحكم المركزي إزاء مطالب الشعب الكردي. فقد مارست الحكومات المركزية المتعاقبة , في ما عدا فترة قصيرة من العهد الجمهوري الأول , سياسة التمييز والتهميش السياسي والاجتماعي والإهمال الاقتصادي إزاء إقليم كُردستان العراق. وفي الوقت الذي كان يساهم الإقليم بنسبة عالية من إيرادات الدولة العراقية المتأتية من نفط كركوك , فأن ما صرف على هذا الإقليم لا يتجاوز في أفضل الأحوال 3% فقط من إجمالي إيرادات النفط العراقي. ومن هنا خلا الإقليم من مؤسسات صناعية كبيرة ومهمة وحافظت الزراعة على تخلف أساليبها وبقيت المدن متخلفة والريف أيضاً. ويمكن أن يشمل هذا مجالات التعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية ...الخ. ولا شك في أن الحكم المركزي قد أهمل جنوب العراق أيضاً , كما أهمل الكثير من مناطق الوسط وغرب بغداد , ولكنه لم يهمش مثقفي هذه المناطق كما فعل بمثقفي إقليم كُردستان أو القبول في السلك الدبلوماسي أو الجيش أو ...الخ. وإذا كانت كل تلك الممارسات والظواهر السلبية قد بدأت في فترة الحكم الملكي المركزي , فإنها أصبحت سائدة وشاملة في العهدين البعثي والقومي ومن ثم العهد البعثي الثاني الذي امتد حتى سقوط النظام , رغم انحسار سيطرته الفعلية على الإقليم في الفترة الواقعة بين نهاية العام 1991 حتى سقوطه في العام 2003.
- 9 -
إلا أن سياسة حكم البعث الصدامية لم تقتصر على تلك الظواهر السلبية حسب , بل مارس عمليات إجرامية يندى لها جبين البشرية كلها بحق الشعب الكُردي والكُرد الفيلية , كجزء عضوي من هذا الشعب , وأبرزها: الحرب الدموية المتواصلة ضد شعب كُردستان ؛ إجراء تغييرات إدارية في المحافظات الكردستانية وعمليات تعريب وتهجير قسري لتغيير البنية الديموغرافية للسكان وتهجير واسع النطاق لعشرات ألوف العائلات الكردية الفيلية وقتل الآلاف منهم في المعتقلات ودفنهم في مقابر جماعية , ثم ممارساته الفاشية في عمليات ومذابح الأنفال وحلبچة التي طالت ما يقرب من 182 ألف إنسان من الإقليم. لقد كانت تلك العمليات جزءاً مما يطلق عليه في القانون الدولي بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية , وبالتالي رفع من سقف النزاع مع الشعب الكردي إلى أعلى مستوى يمكن أن يصله أي نزاع بين حكومة مركزية وشعب يعيش على أرضه وفي إطار الدولة العراقية. لا شك أن النظام قد مارس الاضطهاد ضد العرب من أتباع المذهب الشيعي وخاصة في الجنوب وفي أعقاب الانتفاضة الشعبية على نحو خاص , وكذلك ضد مخالفيه من العرب من أتباع المذهب السني أو من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية غير البعثية وغير المرتبطة بالنظام وبالدكتاتور.
- 10 -
منذ النصف الثاني من عام 1991 , وفي أعقاب انهيار النظام في حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت , حدث تحول موضوعي ملموس في العلاقة بين الحكم المركزي وإقليم كُردستان , حيث أقر البرلمان المنتخب في العام 1992 قانون إقامة فيدرالية إقليم كُردستان في إطار الدولة العراقية القائمة. إلا أن الواقع العملي كان يشير إلى انقطاع الصلة بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم بسبب طبيعة النظام وسياساته وما نشأ عنها من علاقات متوترة بين حكومة بغداد وحكومة الإقليم الموحدة , من ثم الحكومتين في محافظتي أربيل والسليمانية. ومنذ العام 1992 حصلت قطيعة كاملة تقريباً بين الحكم المركزي في بغداد والمحافظات الكردستانية , في حين حافظ النظام على علاقاته المركزية المتشددة مع المحافظات العراقية الأخرى , وكذلك مع محافظة كركوك. واستمر هذا الوضع حتى سقوط النظام في العام 2003.
- 11 -
مع هذا التغيير نشأت فرصة ثمينة أمام المجتمع العراقي بكل مكوناته في أن تُعالج كل المسائل المعلقة وكل التركة الثقيلة السابقة التي خلفها نظام البعث الدموي استناداً إلى أسس وقواعد قانونية ديمقراطية تقر من قبل الأحزاب والقوى السياسية التي شاركت في الحكم بعد سقوط النظام بفترة , ثم بعد انتخاب المجلس النيابي العراقي والمجلس النيابي الكردستاني. ولم تستثمر هذه الفرصة الثمينة وفق أسس قويمة وعقلانية , خاصة وأن قوات الاحتلال قد دأبت منذ البدء إلى إعطاء أهمية استثنائية لإقامة دولة طائفية في العراق وتقسيم المناصب الوزارية وغيرها وفق أسس المحاصصة الطائفية التي عمت البلاد وأصبحت هي السائدة وتسببت في تعميق وتشديد الصراعات. ولا شك في أن سلطة الاحتلال , ومن ثم الأحزاب الإسلامية السياسية , تتحمل بالأساس مسئولية الوضع الذي نشأ وفتح الباب لتحرك قوى الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف وقوى البعث التي فقدت صوابها لفترة ثم استعادت إمكانية التحرك والضرب بشدة بالتعاون مع قوى الإرهاب الإسلامي السياسي والمليشيات الطائفية الشيعية والسنية المسلحة. إضافة إلى دور الدول المجاورة وخاصة إيران وسوريا وتركيا والسعودية وبعض دول الخليج وبعض القوى السياسية فيها.
- 12 -
ومع ذلك فقد بدأت تجربة جديدة في العلاقة بين حكومة مركزية في بغداد وحكومة إقليم كُردستان الموحدة في أربيل. وهذه التجربة حكمها في البداية قانون الدولة المؤقت , ومن ثم يحكمها الآن الدستور العراقي ودستور إقليم كُردستان العراق , كما يفترض أن تصدر الكثير من القوانين الديمقراطية التي تنظم هذه العلاقة بصورة تفصيلية وفي جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والبيئية والداخلية منها والخارجية , إضافة إلى الأمنية والعسكرية ..الخ. أي إقرار تلك القوانين التي تنظم العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم التي تمنع وقوع اختلالات في العلاقة وتشوش على مجمل سير العمل المشترك. حتى في حالات حدوث خلافات واختلافات في المواقف , لا بد من العودة إلى محكمة دستورية لكل العراق تفصل في تلك المشكلات وفي ضوء الدستورين والقوانين المقرة.
- 13 -
ويبدو للمتتبع عن قرب بوضوح أن الحكومة المركزية وحكومة الإقليم لا زالتا في بداية عمل جديد ومعقد بشأن العلاقة بينهما وواجبات كل منهما وصلاحياتهما. فالحكومة في بغداد ما تزال مرتبطة بذهنية الدولة المركزية المنطلقة لا من الذهنية القومية حسب , بل ومن الكر والذهنية الدينية . كما أن حكومة الإقليم تسعى للحصول على أقصى الصلاحيات والتي يمكن أن يصطدما في هذه القضية أو تلك. وسيستغرق ترتيب هذه الأمور بدون احتكاكات مؤذية وقتاً غير قصير حتى يعتاد الطرفان على ممارسة الصلاحيات والواجبات على وفق القوانين المرعية والموضوعة في ضوء المواد الدستورية والاحتكام لها في حالة نشوء خلافات بين الطرفين. ومن هنا يمكن القول بأن بعض التناقضات الموجودة في الدستورين من جهة , وبعض المواد حمالة أوجه من جهة أخرى , وعدم وجود قوانين حتى الآن تحكم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم من جهة ثالثة , وغياب البرامج المنسقة بينهما من جهة رابعة , وضعف الثقة المتبادلة من جهة خامسة , إضافة إلى المشكلات الأمنية وتعقيدات الوضع السياسي , كلها عوامل تساعد على حصول اختلافات في المواقف والإجراءات وإلى بروز احتكاكات ومشاكسات.
- 14 -
بروز الخلافات في السياسات والإجراءات والمواقف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الأقاليم يمكن أن نجدها في الدول المتقدمة أيضاً لتي مرَّت على تأسيس الدولة الفيدرالية , سواء أكانت جمهورية أم ملكية , فيها عشرات السنين , إذ تبقى هناك باستمرار مصالح متباينة تحتاج إلى وقت للتوفيق بينهما وإرسائها على أسس عقلانية وحكيمة وواقعية. من هنا يفترض القول بأن من غير المستغرب نشوء خلافات واختلافات في الرؤية والمواقف والسياسات والإجراءات الداخلية أو الخارجية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم , خاصة وأن أوضاع العراق كلها لا تزال في حالة حراك دائم وغياب الوحدة الفكرية والسياسية والبرامج والمصالح , إضافة إلى ضعف الحكومة الاتحادية سياسياً بسبب الصراعات بين مكوناتها الراهنة. وستحتاج هذه العلاقة إلى فترة غير قصيرة حتى تستقر على قواعد ثابتة ورؤية ناضجة وشعور بالمصالح المشتركة وثقة متبادلة وتراكم خبرة في العمل المشترك.
- 15 -
وإلى حين نشوء مثل هذا الوضع الإيجابي لا بد من العمل وفق قواعد مهمة يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي على سبيل المثال لا الحصر:
1. العمل من أجل تنظيم حوارات مباشرة وكثيفة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بشأن أي قضية يمكن أن يبرز فيها خلاف أو اختلاف.
2. الإعداد الجيد لنقاط الخلاف أو الاختلاف في التفسير والتأويل للنصوص الدستورية المستندة إلى أسس وقواعد دستورية.
3. الابتعاد عن الأجواء التي تثير وتعمق الخلافات وتنشط إمكانية الصيد في الماء العكر من جانب قوى لا تريد الخير لهذا البلد وتتصيد مثل تلك الخلافات.
4. الابتعاد عن الاتهامات والإساءات والتهديدات المتبادلة , إذ أنها كلها لن تنفع هذا الطرف أو الطرف الآخر , ولا تحل أية مشكلة بل تزيد الأمر تعقيداً وصعوبة.
5. ضرورة الاقتناع بأن الجميع يعيشون في العراق , وأنهم جميعاً يخضعون لإطار دستوري واحد , رغم وجود دستورين اتحادي وإقليمي , إذ لا بد من توحيد المنطلقات والمبادئ والأسس , وهي التي يفترض أن تعالج الأمور وفق المصالح المشتركة , مع الأخذ بالاعتبار بطبيعة الحال المصالح التي تمس الإقليم والاتحاد في آن واحد.
6. ولا بد من الأخذ بنظر الاعتبار إلى أن هناك قضايا مشتركة يفترض التوجه صوبها بالتنسيق الكامل بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم , وقضايا أخرى كثيرة تترك لحكومة الإقليم ليتصرف بها وقف مصالح الإقليم.
- 16 -
ليس من مصلحة أحد الطرفين شد الحبل في أي قضية من القضايا المختلف عليها , إذ أن الخسارة من وراء ذلك يتحملها الجميع دون أدنى ريب. أدرك تماماً بأن هناك قوى غير قليلة تريد إعاقة تطبيق المادة 140 من الدستور لأنها ترفض من حيث المبدأ هذه المادة. ولكن هذا الرفض للمادة 140 لا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيداً , كما أن استمرار التأجيل بإجراء الإحصاء السكاني ومن ثم الاستفتاء يزيد من حالة التوتر بين مكونات مجتمع كركوك وينعكس على مجمل الوضع في العراق. فما دامت الحكومة قد شكلت وفق الدستور العراقي لجنة خاصة لتنفيذ بنود هذه المادة , فعلى اللجنة اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنجاز المهمة سواء الالتزام بالموعد المحدد أم بتمديد الموعد , إذا كانت هناك ضرورات فعلية لمثل هذا التمديد. وحين تعجز اللجنة عن التقدم إلى أمام فما عليها إلا أن تطلب عقد اجتماع وزاري واسع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم واللجنة المسئولة عن تطبيق بنود المادة 140 للخروج بنتائج يلتزم بها الجميع دون استثناء. وعلينا أن نعرف بأن المعضلة لا تحل بكتابة المزيد من المقالات الصحفية والاتهامات المتبادلة , بل يفترض الجلوس إلى طاولة الحوار المباشر.
- 17 -
وهكذا يكون الأمر بالنسبة إلى الاختلاف بين وزير النفط , الذي يعبر بالضرورة عن موقف السيد رئيس الحكومة الاتحادية أولا ً ورئيس الائتلاف العراقي الموحد ثانياً , وليس موقف السيد وزير النفط وحده , وهو ما يفترض فهمه والتعامل معه من جهة , وبين السيد رئيس حكومة إقليم كُردستان الذي يعبر في الوقت نفسه عن رأي السيد رئيس الإقليم وحكومة الإقليم والتحالف الكردستاني أيضاً من جهة ثانية. ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك ضرورة عقد اجتماع موسع للحكومتين واللجان المختصة بالنفط الخام في المركز والإقليم وبحث الأمور بهدوء وروح مسئولة بعيداً عن الانفعال والتهديد المتبادلين بإجراءات لا تحل المشكلة بل تزيدها تعقيداً وصعوبة وتباعداً. ولا شك في ضرورة مشاركة أطراف الحكومة الأخرى والقوى السياسية الممثلة في المجلس النيابي أو خارجه. لا توجد مشكلة لا يمكن حلها إن صفت النوايا وحلت الثقة وتواصل الحوار محل المقالات والتصريحات النارية من ممثلي هذا الطرف الحكومي أو ذاك , والكل يعرف بأن الخسارة سيتحملها الجميع. ولا بد من بذل الجهد لإزالة الالتباس بشأن ما ورد حول الثروات الطبيعية في الدستورين وسبل استثمارها من جانب الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وسبل تجميع ومن ثم توزيع الثروة وفق مبدأ التوزيع النسبي الذي تم الاتفاق عليه.
- 18 -
لا أقدم هنا مواعظ أو نصائح , بل أشير إلى ما هو متبع في الدول الأخرى من تجارب في هذا الصدد. ونحن في العراق ما زلنا في بداية تجربة الدولة الاتحادية (الفيدرالية) , وعلينا منح أنفسنا وقتاً كافياً للاعتياد على الأمر وأن لا نحاول حل المشكلات بالقوة والتهديد اللذين لا يقودان إلا إلى الفوضى وإلى عدم تصديق الطرفين لأن التهديد لن يحل المشكلة القائمة في مجال النفط أو غيره من المشكلات. حين يعجز وزيرا النفط في المركز والإقليم أن يعالجا المشكلة , إذن لماذا لا يلتقي رئيس وزراء الحكومة الاتحادية برئيس وزراء الإقليم لمعالجة المشكلة القائمة , أو لماذا لا تلتقي رئاسة الدولة العراقية ورئاسة الإقليم ورئيسا الوزراء ووزيرا النفط مع لجان مختصة لمعالجة المشكلة. نحن أيها الأخوة بأمس الحاجة إلى اللقاء والحوار بين المسئولين , فهو الطريق الوحيد لمعالجة المشكلات , وبدونه لا يمكن معالجة أي أمر يذكر. علينا أن نتذكر باستمرار بأن الدولة العراقية المركزية في جميع العهود المنصرمة قد غدرت بإقليم كُردستان وهمشته طويلاً وحرمته من التنمية والتطوير ولم يستفد شعب كُردستان من الثروات المطمورة في أرضه ولا تلك التي استخرجت وصرفت الأموال المتأتية عنها والتي أشرت إليها في كتابي الموسوم "لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كُردستان العراق" والصادر عن دار أراس في أربيل في العام 2005 , حيث حرم الإقليم حقاً من الثروة النفطية فيه ومن مواردها المالية. وهذا ما حصل أيضاً لمنطقة جنوب العراق وبعض محافظات الوسط. ولهذا لا بد للحكومة الاتحادية أن تفهم هذا الواقع وأن تأخذ بنظر الاعتبار حساسية القضية وتتصرف بعناية خاصة وبعيداً عن تعقيد الأجواء عبر التصريحات والصحافة بصدد موضوع النفط أو غيره.

جريدة المدى





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,656,117
- الحوار المتمدن على طريق النضوج والتطور
- أليست هذه فتاوى عدوانية لشيوخ إسلاميين متطرفين وإرهابيين ؟
- هل في الأفق حل فعلي للقضية الفلسطينية ؟
- كيف نواجه قوات الاحتلال في العراق؟ وهل من طريق غير الوحدة ال ...
- موقع الصراع حول دور القطاعين العام والخاص في الصراع على السل ...
- هل الاتهامات الموجهة للكاتب العراقي جاسم المطير ذات مستوى حض ...
- بيتنا ونلعب بيه شله شغل بينه الناس !
- كيف تتحرك الملفات الأساسية في بغداد؟ وما العمل؟
- معاناة أتباع الديانة الإيزيدية في العراق
- رسالة مفتوحة إلى السيدة الفاضلة رحاب الهندي
- الدكتور سعد الدين إبراهيم ونزيف الدم العراقي !
- متابعة فكر وسياسة أردوغان في مؤتمره الصحفي في واشنطن
- أوضاع إقليم كُردستان العراق الجديدة الحلقات من 1-4
- مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني ...
- الفعل ورد الفعل في حالة الشعب الكردي في تركيا
- هل من علاقة بين المدارس الدينية والإرهاب الإسلامي السياسي ال ...
- مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني ...
- مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني ...
- عقود النفط ومقال السيد رئيس وزراء إقليم كردستان
- القضية الكردية في تركيا وموقف الدولة التركية؟


المزيد.....




- رئاسيات تونس.. نسبة التصويت تقل عن النصف والشباب يقاطعون
- ترامب: ننتظر تحقيق السعودية للرد على المعتدي على حقولها النف ...
- ترامب يكذب وزير خارجيته بشأن استعداده للقاء الرئيس الإيراني ...
- ترامب حول الهجمات على منشآت سعودية: -مستعدون- لكننا ننتظر تق ...
- بعمر 108 أعوام.. لم يمنعه سنه من التصويت في الانتخابات التون ...
- من هو قيس سعيّد "زلزال" الانتخابات الرئاسية التونس ...
- من هو قيس سعيّد "زلزال" الانتخابات الرئاسية التونس ...
- بعد هجمات السعودية… ما هي الدرونز وكيف تعمل
- رئاسية تونس... إقبال ضعيف أغلبه لكبار السن
- بعد هجمات السعودية... ترامب يسمح بالسحب من مخزون النفط الاست ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كاظم حبيب - هل من جديد في العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كُردستان العراق في أربيل ؟