أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاروق سلوم - الراهب البوذي كو اون : الشعر عقابي الأزلي وليس خياري















المزيد.....

الراهب البوذي كو اون : الشعر عقابي الأزلي وليس خياري


فاروق سلوم

الحوار المتمدن-العدد: 2110 - 2007 / 11 / 25 - 09:13
المحور: الادب والفن
    


اردت ان اصير شاعرا
فغدوت ذلك الشاعر
تعلقت بتلك الكينونة الآسرة : شاعر
لأني ارتكبت الكثير من الخطايا
حين اضعت الوقت لأجلها
في الماضي والحاضر
ان تكون شاعرا.. فأن ذلك مثل عقاب
للحياة الأسيرة
اكثر من الخيار الذي اردت..
لم يكن يعرف الراهب البوذي ( كو أون 1925) والشاعر الكوري الأكثر شهرة في العالم اليوم ، ان كتابة الشعر ستأتي له بكل هذا الكرب .. فهو صورة لتحولات الأسيوي تحت بطش الحروب وبشاعاتها ، فقد استفاق صبيا على بلاده وقد احتلتها الجيوش اليابانية ، وعاش تحت الأحتلال يرى كيف تنتهك الحياة وكيف تمنع اللغة ، والعقيدة ، وتنمحي هوية الأنسان ، وكيف يجبر المرء على ان يحكي لغة غير لغته ، كما يجبر على ان يرى الموت .. موت اهله واصحابه وابناء شعبه .. ولايسمي ذلك موتا ، لأن المحتل يريد ان تقلب كل حقيقة ..

سنوات الكتابة : *
امضى كو اون اربعة واربعين عاما في الكتابة والرهبنة قبل ان يتحول الى شخص يعمل من اجل الديموقراطية ضمن تكوينات المجتمع الكوري المدنية ، لكنه انجز خلال تلك العقود الأربعة اضخم نتاج ادبي يمكن ان يحققه شاعر مجتهد ، اذ صدرت له مائة وثلاثين كتابا .. معظمها في الشعر والرواية والنثر ومجلدات في كلاسيكيات الشعر الكوري الذي يقترب من الهايكو في قصر مقاطعه ورمزيته وروحه المليء بالدلالات الدينية .. حتى ان الشاعر الشهير لي يونغ هو.. وصفه ( كو اون اعجوبة وكل كلمة لدي عاجزة عن وصفه ) .. فيما كان كو اون يرى ظلاما مطلقا يلف الطريق طوال تلك السنوات من حياة الشاعر وسط هياج متواصل مثل عاصفة لاتتوقف جعلته يتحول من حياة الراهب الى الحياة المدنية متعلقا باردان الشاعر الذي جلب له كل هذا الحزن ، لكنه الحزن الثري كما يقول..
في تجربته الواسعة .. تعرف الى كل شعراء العالم من مختلف الأجيال حتى ان شهاداتهم فيه لتبدو كبيرة و محيرة لفرط تعدد هذه الأجيال الشعرية التي منحته تزكية الشعر . حضر كو اون كل مهرجانات الشعر الدولي منذ الستينات والقى محاضراته وقصائده في كل مكان من العالم وفي كل العواصم والمدن الصغيرة في لندن و برلين وباريس وكولومبيا وطوكيو وروتردام وسدني وبيركلي ونيويورك واستوكهولم وبراغ ومدريد والنرويج وهونغ كونغ ، وقد قال شعراء مهمون مثل الن غينسبيرغ وغاري سنايدر وميكل مكلور وآخرون عباراتهم الخاصة في تقريض صورة الشاعر فيه حتى ان لورنس فرلنغيتي اهم شعراء جيل البيتنكس للشعر الأمريكي .. يقول عنه ( ان كو اون بلغ ذروة الفطرة الشعرية ) ..
ومثل كل شاعر يحمل قصته .. وتفاصيل ايامه المرّة ، كان الصغير كو اون يقطع مسافة الطريق الوعرة الى المدرسة كل صباح ن يوم وجد كتابا مصفرا من القدم وقد لوّحته الشمس .. حيث يكتشف في المساء انه كتاب القصيدة التي يمضي الليل كله حتى الفجر يقرا من خلالها كتاب الشعر وهو يحلم ان يصير ذلك الشاعر الذي يعرف سر القصيدة :
يوما ظننته زائرا يمرّ
ويوما ظننته هو الرب
طوال تلك السنين
حيث مرّ الدخان عبر المداخن جميعها
وانا لم اعرف
بعد سر القصيدة
ان الشاعر بالنسبة اليه وقد كتب قصيدته الأولى مثل نحلة طيبة وقد علقت في الشباك اذ لافكاك من لحظة الشعر وقد غزت كل حياة الشاعر . كان يرى ان الحروب دمرت .. كل شيء ..اكثر من نصف الجبال الكورية المعشبة المليئة بالشجر .. والحقول الممتدة وقد تحولت الى رماد ، والمدن لم يبق منها غير خرائب .. عام 1950 يوم كان يرى هؤلاء الذين نجوا من الموت بأعجوبة ، لم يكن لديهم اي امل في المستقبل المحتمل .. والكل يمضي من درجة الصفر الى المجهول .. و صارت الأكواخ مثل حضائر غير صالحة للبشر هي المكان الوحيد للعيش الممكن ، يوم كانت الريح تعصف والبرد يجعل كل شيء معرضا للموت فيما كان كو اون الشاعر ذي الخامسة والعشرين يفتقد الى الأدارة الحقيقية للغته التي يكتب بها .. ويعاني من حساسية فقيرة .. فيما كان الألهام فكرة غامضة لديه اذ لم يزل شعور اليتم والرعب والخوف من المحتل يحول دون دخول عالم الشعر ومملكة الكتابة :
سبقتني القصيدة بملايين السنوات
وانا ممسك بسنتي الوحيدة
سنة الموت القاتم
اذ كان يتعين على ان اغادر سريعا
مثلما يفعل الفرسان
لادخل ظلام الشعر
يقول كو اون ان تجربته في الحياة والكتابة كانت قاتمه لآنه قضى ايامه في الدراسة تحت وطأة الأحتلال : فلم تكن غير الكلاسيكيات الصينية متاحة للقراءة .. وتم الغاء اللغة الكورية واستبدلت باليابانية ولم يكن ذلك في المدرسة فقط بل في البيت ايضا اذ اجبرنا على استخدام اللغة اليابانية تحت الخوف ورعب المحتل يوم ذاك..
مثل قطّة يموء الشاعر في اعماقي
تاركا قطعة الخبز الجافة
تخضر وتصفرّ
تحت سياط الفقر القاتل
ورعب اللغة الغريبة
ولم يتخلص الشاعر فيه من رعب الماضي بالبساطة المتوقعة رغم ان مصادفات حياته قد هيأت له من يعلمه لغته الأصلية ليصبح فيما بعد شاعر الروح الكوري .. وواحد من رموز الثقافة الكورية الحديثة ..
*
الثقافة والسرد يملأن الفراغ :
حين الغيت اللغة الكورية من الأستعمال كان المحتل قد ادرك انه يجب ان يجرد البلاد من كل خصوصية حيث تم العبث بكل موروث وكل جذر للحضارة الكورية ، الفلسفة والفكر والرياضة والأدب .. وروح الديانة البوذية واستبدل كل شيئ بهوية المحتل وثقافته ، لكن البلاد اكتشفت ، كما يقول كو اون ان البلد المحتل حين يفقد سيادته لايبق لديه غير السرد يملأ الفراغ .. ولاتبق غير الثقافة ، ننقلهما بسرية وبخصوصية القص والرواية عبر اجيال تتثقف على حفظ الماضي وبناء الحاضر وبهذه الطريقة تحررت بلادنا من رعب الأحتلال حين تحرر اللسان ونطق بلغته .. وحين انبثقت الثقافة الوطنية بكل موروثها وعمقها وحداثتها .. حتى تحولت بلادنا من بلد فقير لايمكن ان يحلم فيه الأنسان بالخبز والطعام .ز الى بلد يمتلك ثاني اكبر فائض في الدخل الوطني في العالم .. وذلك بفضل الثقافة التي فجرت طاقات العقل على خلق كل بديل لما دمرته يد المحتل فينا ..
حصل كو اون على جوائز ادبية مهمة وكبيرة من بلاد العالم ومؤتمراتها الشعرية والثقافية
كما اصدر بين كتبه المائة والثلاثين اثنين وخمسين ديوانا شعريا مهما : عشرة آلاف حياة / مجلدات مستمرة .. رقّة العالم الآخر ..والرب قرية اللغات الأخيرة ونرفانا وعبارة الموت وعشرات اخرى ترجمت الى الأنكليزية والفرنسية والألمانية والسويدية .. كما اصدر 32 رواية مهمة ضمن رؤيته في الحفاظ على ارث اللغة والثقافة الكورية التي تعرضت للمحو تحت ضغط الأحتلال في القرن الماضي لكنها نهضت من التراب ليغدو كو اون رمزا للثقافة الكورية الحديثة حاملا عصا الرعاة في جبال بيكيدو التي يكتب لها الشعر ويصلي في ثياب الراهب القديم الذي يحمل روح بوذا في اعماقه :
لاتبك امام الرياح والزمهرير والثلج
لاتبك امام العبث الذي يخرب كل شيء
ولاتياس من العنف والأسى والموت
اذ تمر سكين القتل على كل حياة
لتقطف زهرة الوعود على شفاه النساء
والعشاق .. والأطفال
لأن المستحيل تصنعه كلمة
.. تنطقها انت بصوتك الرعوي
فتهرب الذئاب ..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,474,550,048
- ال غور.. من سيغفر لك اخطيئة لدفاع عن المنطق
- فيليب روث : دع القارىء يكتشف جوهر الكتاب
- الثقافة العلمانية في الغرب تاسيس لوعي الأختلاف في الثقافة .. ...
- غونتر غراس في الثمانين .. يقشر البصل ويقف ضد الظلم والأحتلال ...
- فرناندو بوتيرو رسام سجن أبي غريب يعرض منحوتاته الغريبة
- الجالس على رمله الهش
- وداعا سركون بولص
- تشكيليون تجمعهم الرؤيا ويقربهم اللون والشعر في غربة المكان
- فساد الأخوة
- سلمان شكر نخلة النغم العراقي التي لاتتكرر (*)
- بغداد .. خرابست
- الراحل لارس فورسيل عضو الأكاديمية السويدية : الكتابة معنى وا ...
- ايكو: لاشيء صغير ..لاشيء كبير كل شيء مشوش ومرتبك.. و بوش مثل ...
- ثرثرة المعنى .. ثرثرة طوال الوقت
- تقرير حالة الشعر : عشرون شاعرا تاريخيا وعشرة شعراء معاصرون ف ...
- سعدي يوسف ..عندما يصير الشاعر كونيا - كتاب جديد بالأنكليزية
- فؤاد التكرلي : الأفندي الأنيق ابن المحلّة البغدادية في الثما ...
- العربي الجيد ..هو العربي الميت
- تارا مكّلفي .. تواجه الأسئلة عن كتابها( وحشية ).. الأكثر انت ...
- بأنتظار صحوة النخب .. ومحنة خدر العوام !!


المزيد.....




- بداية متواضعة لفيلم -Viy 2-.. شركة روسية تقاضي جاكي شان وشوا ...
- قتلى ومصابون في تدافع بحفل لموسيقى الراب في الجزائر العاصمة ...
- قتلى وجرحى جراء حادث تدافع بحفل موسيقي لمغني الراب -سولكينغ- ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويل التعاوني
- مجلس الحكومة يصادق على مقترح تعيينات في مناصب عليا
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بإحداث دوائر وقيادات جديد ...
- ابراهيم غالي في -الحرة- : خبايا خرجة فاشلة !
- المصادقة على مشروع مرسوم بإحداث مديرية مؤقتة بوزارة التجهيز ...
- بالصور... من هو الممثل الأعلى أجرا في العالم لسنة 2019
- كشف تفاصيل هامة عن الجزء القادم من -جيمس بوند-


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاروق سلوم - الراهب البوذي كو اون : الشعر عقابي الأزلي وليس خياري