أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عامر عبد زيد - الحداثة العربية الناقصة















المزيد.....



الحداثة العربية الناقصة


عامر عبد زيد
الحوار المتمدن-العدد: 2100 - 2007 / 11 / 15 - 11:34
المحور: المجتمع المدني
    


وهكذا تنفتح مع حدث "النهضة" حوارات التي يمكن أن نجريها مع الآخرين .وما هي ألا أبواب ومجالات يمكن قراءتها و فرصة تسنح وهامش يتشكل، على نحو يتيح لنا الانخراط في المناقشات العربية الدائرة حول الحداثة السياسية والفكرية والاجتماعية ؛ لنشارك في تشكيل عالم الفكرة بصورة ايجابية وفعالة ، سواء بتحليل الظاهرات وفهم الأزمات أو بإعادة صياغة القضايا والمشكلات عبر التشاكل مع العالم المحيط بالنص دون أن نكون أسرى الأطر التي تفرضها مساحة المتاح.
لان الحوار والتثاقف مع الأخر لا يعد منقصة لأنه ليس هناك أحد عالة على أحد .حتى يتحقق التحول المعرفي الذي من سماته الانتقال من المشابهة السكونية إلى الاختلاف والتجاوز والتحول أو الجدل مما يجعل الفعل المعرفي فعل حديث هو الوضعية والمسار الذي عليه ذلك الفكر مما يعمق الولاء إلى القيم الحداثوية العصرية،ويجعل منها وسيلة ومنهج حضاري لإدارة المجتمع السياسي من اجل حياة أفضل وعلى هذا الأساس نجد من الضرورات الفكرية الواجب النظر فيها الأتي:
1-الحوار والتلقي مع الأخر:"الأخر التراث أو الغربي"

أن الحديث عن القراء حديث عن القارئ الذي أصبح العبد الفاعل في إعادة استثمار النص وتوظيفه داخل أفق التاريخ أي أن القراءة هي الأخرى تعد عملية خلق عما هو مسكوت عنه في النص ولم يتح له أن يقوله من قبل؛ لان القارئ ليس ممثلا لدور السلبي، بل انه ليس أبدا بلا قصد مصرح به أو مضمار، بل هو في جميع الأحوال محمل بثقافته التي تمثل افقه التاريخي والاجتماعي والسياسي لهذا، فهو يبحث فيما يقرأ عن هذا الحوار بين النص والقارئ ولكل منهما أفق لكن تبقى عملية القراءة هي الحوار الذي يمنح النص التجدد عبر غناه بحمولة دلالية لم يكن من قبل مفكرا فيها .
ومن هنا نلاحظ كان الفكر العربي و مازال متشكك في الحوار مع الأخر سواء كان التراث أو الأخر الغربي وهذا ما تجلى في المشروع النهضوي بين التيار الليبرالي "عبر مقولة "الانسنة " والتيارالاسلامي عبر مقولة "الاسلمة".وهو ما يصطلح علية بإشكالية الهوية والاختلاف . استحالت هذه القطيعة إلى تصور دوغماوي إلى حد بعيد أي بين الذين يمتركزون حول النص والذين يمتركزون حول العقل في حين هناك مساحات كثيرة مشتركة تشجع على المغايرة والتقدم الفكري غير مفعله.او كما وصفها احد المفكرين العرب" إشكالية اتخذت نفسها عنوان النهوض فكانت ( إشكالية النهضة ) ، وكانت تلك بداية الجهد الذي بذله مثقفو العرب المطالبون بإحياء التراث والمطالبة بالنهوض ومقاومة الأجنبي .لكن تلك النهضة قد انقسمت بين السلفية التي كانت تتخذ من الماضي النموذج المراد تحقيقه في الحاضر . فكانت بعيدة عن حاضره تروم استبداله بماضيها البعيد فكان هؤلاء المثقفين مجرد مقلدين سلفين .والثانية كانت الليبرالية اتخذت من ماضي غيرها نموذجا تعتقد إمكانية تطبيقه كنموذج ممكن ، فكانت قد انعزلت عن الجماهير بادعائها شيئاً لا تمتلكه يشكل ماضي غيرها ."
فالحوار يعني في نفس الوقت النقد والتثاقف الفكري الذي لا بد أن يعيد النظر بالأطر المفهومية ، من ثم أعادة استثمارها بقدره عالية ؛ فالديمقراطية والليبرالية والعقلانية والحداثة والعولمة وا لإسلام والمسيحية... وسواها من عناوين الوجود واطر النظر ومحركات العمل، تحتاج إلى النقد والمراجعة، لإعادة البناء والتشكيل، على الصعيد ألقيمي والمفهومي، كي نعقل ونتدبر ما تسفر عنه إنسانيتنا وهوياتنا من العجز والإخفاق
أما على مستوى النص المقدس كان "السؤال هو: كيف نقرأ النصوص الإسلامية (القرآن والسنة)؟ توجد في ذلك عدة توجهات ومنهجيات. فهناك توجّه يتماهى مطلقاً مع النصّ ويعوّل على نزعته النصوصية المستكفية بعالم النص، وهو ما يُلاحظ في أبحاث طائفة من السلفيين وجملة غفيرة من فقهاء الإخبارية والأصوليين على حدّ سواء. ويوجد توجّه آخر يُخضع النص إلى الواقع مطلقاً كلية، وقد تمظهر بشكل خاص في الكتابات ذات الطابع العلماني، مثل دراسات نصر حامد أبو زيد وحسن حنفي، على اختلافهما في النتيجة والوظيفة. كما يوجد توجّه يستخدم العلوم الإنسانية واللسانية المعاصرة في تفسير النصوص الدينية، وهو توجّه اكتنفه خلاف شديد بين الباحثين المسلمين، والخشية في هذا التوجه هو الانسياق مطلقا إلى منظومة معرفية نشأت في سياق ظروف علمية خاصة وإسقاطها على النصوص الإسلامية التي تتميّز بمنظومتها الخاصة.
في سياق خاص ونُسقطها على النصوص الإسلامية التي لها منظومتها الخاصة المختلفة .وأخيراً، فإن هناك توجها يسمح بحركة الاجتهاد داخل النصوص الإسلامية من غير ممانعة تذكر، وهو ما يتجلى في المدرسة الاجتهادية في الإسلام، والتي تقوم على قراءة اجتهادية منضبطة للنص الإسلامي بغرض استخراج حكم الشريعة، وهذا العمل الاجتهادي يتطلب إحاطة شاملة بالاعتبارات كافة والعناصر ذات الصلة بعملية استخراج الحكم الشرعي، سواء ما ارتبط مباشرة بالنص أو ما تعلق به من ظروف خارجية. وبناء على ذلك فإن هناك حاجة ماسة لفقه الواقع لكي تتكامل عملية تكوين الرأي الفقهي.
وما يُميّز الاتجاه الرابع هو أنه لا يدّعي احتكاراً للحكم الشرعي أو لمعنى النصّ الإسلامي، إذ أنه ‘’لا يوجد كهنوت تشريعي’’ في الإسلام وفق تعبير محمد محفوظ. والمشكلة أننا قد لا نجد منْ يُصرِّح بالاحتكار هذا، إنما المشكلة تكمن في أن النزعات النصوصية وغيرها من النزعات الاستصحابية تنتهي إلى هذا الموقف عملياً وفي ساحة النتائج والمحصلات."
ومن هنا في الفكر لا يوجد طرف عالة على طرف آخر . الفكر حق إنساني ، ومتى كانت الفكرة مفيدة وصالحة وجيدة ، فهي ملكى مهما كان مصدرها ، ليس لها علاقة مع المصدر إلا من حديث الإحالة العلمية الضرورية التي تقضيها الأمانة العلمية .لكن الفكر ،والفكرة ملك للجميع . الفكر ليس له جنسية ، وهو أيضا ليس له هوية . الفكر هو فكر إنساني ينتمي إلى الإنسانية ، لذلك فإن الفكر العربي باستفادته من المعطيات البشرية الأخرى يقدم على تصرف صحيح من جهة ،وضروري من جهة ثانية ، ولابد منه ؛ لأن البديل عن ذلك هو الانغلاق ، كون حالة من العمى الثقافي العام ،.وهذاالسرد الحواري يمثل عملية مماهاة تامة خالية من الاختلاف والتعارض فهي تؤدي الى انغلاق حضاري وإرهاب فكري عبر الاقصاءات الفكرية .
وهذا لا يليق بثقافتنا ولا يليق بنا كمثقفين نريد أن نتجاوز الفجوة الحضارية عبر إدامة أفق التلقي بين الماضي والمعاصرة انطلاقا من الواقع وإشكالاته وحاجاته الفكرية والاقتصادية .؛ فالتحول نحو التفكير العلمي يعد ضرورة قصوى لتأسيس رؤية ثقافية قائمة على المعـــرفة الدقيقة والطاقة الخلاّقة للكشف عن مختلف ميادين الحياة ولابد من أن ينعكس هذا الوضع على طبيعة النظام المعرفي بفعل حتى نتمكن من تجاوز العوائق الفكرية والحضارية التي حالت دون أن الاستيعاب العام للأخر" من جهة والذات التراث من جهة أخرى أي التراث بوصفه التأويل المسبق للعالم الذي نحيل عليه ، مادمنا لا نصدم بالعالم في صورته الطبيعية ،" فالنظام يتغير بقدر تغير طبيعة المفاهيم ، وبقدر تغير المشكلات التي يفترض في المفاهيم أن تجيب عنها "إذن ثمة حاجة إلى القيام بعملية نقد شاملة لمختلف الوحدات المكونة له من خلال الرجوع إلى الأصول العربية الإسلامية ومحاولة إعادة ترتيبها بفكر متفتح يتجاوز حقب الضعف وانكماش الحضاري التي عاشها العرب إذ نجد أن الجدل الإنساني الذي حدث في الماضي الإسلامي في لحظات القوة مثل أهم التفاعلات الفكـــرية العربية الإسلامية وهو من أهم مميزات الفكر العربي بالمقابل فان ظهور المشروع النهضوي العربي في القــرن التاسع عشر، بل هي حالة بقيت مستمرة عقودا" عديدة، وما تـزال آثارها فاعله وقائمه. أما الفكر العربي فقد بقي متحصنا" بالموروث، ولا يزال يتخذ موقـف المتلقي غالبا"إن شيوع الفوضى المعرفية في الفكر العربي المعاصــر حتى أواخر القرن العشرين، ونكوصه عـن تحقيق مشروعه الحضاري، وضعـف آلياته عموما" لا يتعلق بمـدى معرفته بأنظمة البنى التي تواجهه في الحاضر وكذلك البنى الموروثة ؛ لكنــه يتعلـق على نحـو أكثر خطورة في التخطيط لثقافة المستقبل التي تعـد واحدا" من أهم المقترحات بنجـاح الاستيعاب. فيلاحـظ إن علاقة جدليـة صحيحة بين محتوى الفكر العربي وقدرته على الاستيعاب وقابليته على إنتاج نماذج للنهـوض الفكري والحضاري في المستقبل.
وهذا يقودنا إلى نقد النموذج الذي هيمن على الواقع العربي وأضفى
الشرعية على التفرد والشمول في الحياة الثقافية العربية حتى عده احد المفكرين وليد نسق معرفي ألا وهو "المثقف ".
2- نقد مقولة "نخبوية المثقف الملتزم ":
فالتفكير الذي يمارسه المثقف يكون تفكيرا بوساطة ثقافة ما . ومعناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظر إلى المستقبل بل والنظر إلى العالم ، والى الكون والإنسان . كما تحددها مكونات تلك الثقافة وهكذا ، فإذا كان الإنسان يحمل معه تاريخه شاء أم كره ، كما يقال فكذلك الفكر يحمل معه شاء أم كره أثار مكوناته وبصمات الواقع الحضاري الذي تشّكل فيه ومن خلاله
عبارة تحيل إلى مفهوم حديث للكاتب صانع الأفكار ومروجها والى وعي هذا الأخير ودوره عن المفهوم الحديث للكاتب ، باعتباره حاملا للحداثة ، ابتداء من صناعة الكتابة التي عليها إن تتطلع مع التقليد في المعارف والطريقة التي تشير إلى التحديث الاجتماعي والسياسي ...فهو ذو فكر فلسفي نقدي لم يعد منفصلا عن العالم بل يحلل بنية المجتمع ونظام السياسة تحليلا نقديا ويعيد بناءهما . وهو قد أصبح يعي قوة الرأي العام ، ويتحدث عنه ، ويعول عليه ليدعم به سلطته الفكرية .
وهكذا يظهر المثقف بوصفه معبرا عن ثقافة ومنضويا تحت سلطتها الرمزية من حيث هي القدرة على تكوين المعطى عن طريق العبارات اللفظية ، ومن حيث هي قدرة على تحويل التأثير في العالم إلى تحويله والتأثير فيه بقدرة سحرية تمكن من بلوغ ما يعادل ما تمكن منه من القوة الطبيعية والاقتصادية بفضل قدرتها على التعبئة . أن هذه السلطة لا تعمل عملها إلا إذا اعترف بها بوصفها قوة اعتباطية
الخطاب النهضوي العربي، بكافة أطيافه وتنويعاته، كان ولا يزال خطابا نخبويا، يؤمن بأن التحولات النوعية الضرورية في المسيرة النهضوية لا تتأتى إلا من خلال الشريحة المثقفة، التي ستنساق الجماهير خلف مقولاتها ورؤاها التقدمية، وستنفعل بشعاراتها الواعدة، بمجرد أن تطل عليها تلك الشريحة من أبراجها العالية، وسيتزامن ذلك التجاوب الجماهيري المفترض مع ثقة السياسي بخبرتها؛ فيضعها في المفاصل الحيوية للمؤسسة المدنية؛ لتصبح من خلال هذا وذاك، فاعلة في الإنسان والكيان.
وبالتالي فان هذه المنظومة سواء كانت أصولية بطابعها التبشيري أو ثقافة الستينات المشبعة بهواجس التعبئة والتجييش والمجردة عن الرغبة في الموضوعية والهدوء المعرفي وتوازن الفكر ناهيك عما ابتليت به من منطق الحسم والنهائيات والأخلاقيات التي تعوم ألازمة الحقيقية وتنشغل بالتصفيق لشعارات أنصاف الآلهة بينما لا تكاد تجد أي أزمة سوى إن الآخرين لا يشاركونها التصفيق للمزاعم المقدسة
قبالة هذا النمط اخذ اتجاه أخر يغالب عزلته ويراغم وحشته تغريده المنفرد خارج الأسراب فرفض آلية الجاهزية وثار على منطق الحتميات السحرية وطالب بالافاقة من أحلام اليوتوبيا والتعامل بجدية اكبر مع الحقائق كي يتاح للتصور إن يتحرر من مثل وأوهام وهذا يتحقق بفعل القراءة النقدية التي تقوم على الكشف من اجل إعادة تشكيل الفكر والواقع."إننا إزاء صناعة للذات تتيح للمثقف ، المشتغل في ميدان الفكر، الخروج من عجزه بإزاحة المشكلات العالقة وتعدي الثنائيات الخادعة ، للمشاركة الفعالة في صناعة المشهد الفكري " عراقيا وعربيا وحتى عالميا ..بحسب هذا الحال لم يعد المثقف اليوم حسب منطق ما بعد الحداثة مرتبطا بنموذج جاهز مهما حاول تخطيه لا يجد سوى التقهقر عنه لأنه يعمل على التماهي مع الأصول لإحيائها والتماهي معها أكثر مما يعمل على التجاوز لهذا يرتد ويسقط في الاستلاب لان الإبداع بنظره لا يتأسس ألا على منطق المطابقة والمشاكلة .فيما المنطق الجديد لتشكيل نص يكتسب مشروعيته ، لا من كونه يخبرنا عن الحقيقة ، بل من حقيقته بالذات"فقد أصبح "المثقف اليوم يهتم بالنصوص بقدر ما يهتم بالوقائع،كما يساهم في صنع الحدث بحدثوية أفكاره. وهو إذ يشتغل بخصوصيته وانطلاقا من مجال عمله ، إنما يمارس عالميته بقدر ما ينجح في خلق واقع فكري يترك أثره في مجرى الأفكار والواقع". وكما يقول نتشه :"هنالك أضواء فجريه كثيرة لم تشع بعد" وهي المراد من المنطق الجديد والمثقف الجديد مثقف الديمقراطية والشرعية الدستورية.وفي استعاره لهيجل يمثل" البزوغ الرائع للشمس" الذي يقطع مع النمط القديم الذي أفسح المجال لأنظمة متسلطة تحل محل أخرى وراثة تسلطا وتفردا عريقا . خلقة الشروط السياسية والاجتماعية والثقافية والإيديولوجية في المجتمع وفي مؤسساته وفي الدولة الشروط التي تعطيه الشرعية. فالاستبداد السياسي والاجتماعي والعقائدي يمثل جانب سلبيا ويقول حسن حنفي : من هذا التصور المركزي للعالم جاءت فكرة الزعيم الأوحد ، المنقذ الأعظم والرئيس المخلص الملهم يأمر فيطاع . فقد تحولت سلطوية التصور إلى تسلط النظم والإعلاء من شأن القمة على القاعدة فاهم شخص في الدولة هو الرئيس واهم فرد في الجيش هو القائد وفي هذا يقول الفارابي: سواء قلت الملك أو الرئيس أو الإمام أو الله فأنني أقول شيئا واحدا .
وهذا يقودنا إلى ضرورة أخرى لابد من إعادة النظر فيها ألا وهي الدولة.
2- نقد مهيمنة الدولة ودورها في التحديث.
إن الواقع العربي بين تخلف أنظمته السياسية والثقافية والاجتماعية وهيمنة الأخر عليه , في ظل هذه الإشكالية ظهرت حداثة الثقافة العربية التي تقلب التقليدي وتستبدله بنظام مغاير يقوم أساسا على التعاقد الاجتماعي والشراكة وتدشين مؤسسات المجتمع المدني وحرية الرأي والاعتقاد .
إلا أن الحداثة قد ولدت غربياً في المصنع إلا أنها ولدت عربياً، وعالماً ثالثا في السوق , أي في ظل توحيد الرأسمالية للعالم كونيا ليا , ومن ثم دمجه احتكارياً ، لهذا فان الثقافة الوطنية هي ثمرة التقاطع التاريخي بين الثقافة المحلية والتقليدية من جهة وثقافية الغرب المستعمرة من جهة أخرى ,فهي بقدر ما تشير إلى هوية " ألانا " المحلية الخاصة بنا بوصفنا عرباً بقدر ما تنطوي على مفهوم الذي أيقظ الوعي بالهوية الوطنية في الوقت الذي كان يطمح إلى انتهاكها وتدميرها .
فلقد كان من الطبيعي أن تؤدي المجابهة مع الاستعمار والتفاعل معه إلى إن يكون الهدف القريب والمباشر للاستغلال هو استرجاع الدولة وإعادة بنائها على قاعدة قطرية؛ أي الاحتكاك بالأخر مرغوب نظراً لتقدم الأخر العلمي والحضاري ومكروه لما تركه الأخر من أثار نلمسها في تخلفنا بسب الاستعمار الااننا في دراستنا لظاهرة الدولة والمشروع السياسي إمام أمرين :
الأول: أنها ليست وليدة فعالية داخلية أنتجتها الظروف ألداخليه بل هي وليدة فعالية خارجية هيمنت على المنطقة عسكريا وفكريا بإنتاجها المفهوم الحديث للدولة .
الثاني : أنها تنتمي إلى بعد اجتماعي وتاريخي واقتصادي هي وليدة هذا الأمر وهذا جعلنا إمام نظامين اجتماعين وحضاريين .
الأول : المتمثل بالحداثة الوافدة من الغرب فهي تقدم حداثة سياسية تقوم على التعاقد الاجتماعي القائم على أساس إن الأفراد المكونين للمجتمع متساوون في الحقوق والواجبات ،وتظهر الديمقراطية بوصفها نظاماً يشكل "بؤس" الإطار الدستوري والقانوني للحرية التي هي انفتاح مسؤول على الإنسان بالسلوك في إطار الايثارية , وهو الشق الأول منها , أي من الديمقراطية للحرية وللتناوب الإيديولوجي الحر على السلطة والحكم من اجل تغير الواقع والإنسان سلميا استجابة لتحقيق حاجاته المادية والمعنوية وهو الشق الثاني منها . والديمقراطية , بقيمها المتحررة ألمبدعه لتحريرها إياه من قيم العصبية المتزمتة ألمعيقه لكل أبداع . فالمجتمع الديمقراطي نقيض المجتمع العصبوي . في الوقت الذي نرى المجتمع الديمقراطي ينظر إلى الحرية مقترنة بمسؤولية الالتزام بقيم المساواة والديمقراطية والعدل والحياة الانسانيه واحترام شخص الإنسان وحريته والحفاظ على المجتمع وعلى وجوده نظيفاً صحيحاً خاليا من كل تلوث تسعى إلى تغير الواقع عقلانيا فهي لا تطلب السلطة لذاتها, بل لأجل انماءالانسان وتحقيق أهدافه . بالمقابل المجتمع العصبوي الذي ينطلق من مفهوم العصبية وهي شعور فئوي بوحدة ألجماعه المتميزة , بشوكتها يكونها سلطة واحده وجسما واحداً , ومصلحة واحدة , قوية التضامن والتماسك , يشد أفرادها بعضهم إلى البعض , شعور بالانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات وشعور الانتماء هذا يولد في افرادها التزاما قيما فئويا نحوها , بكل مالها وما عليها التزاما واجباً ومسؤولا يجعل الأخ ينصر أخاه ظالما أو مظلوما ويجعل جماعة العصبية ترى " أشرارها أفضل من أخيار غيرها " وان وحده الشعور بعصبية الجماعة هي في أساس التعصب الديني والوطني والقومي والعرقي , والتميز بين الناس والشعوب والتقارب بين الهوية والعصبية كبير " فالعصبية " إنما تكون من " الالتحام بالنسب اوما في معناه " ومن الولاء والتحالف والصحبة . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له , ونفعه إنما في هذه ألوصله والالتحام في الوقت الذي يبدو النسب أمر وهمي كذلك الهوية فهي تخضع للاختلاق والتلفيق عبر تغييب الأصول في العملية , تقصى كل فرص الاعتقاد بأن هذه العملية من صنع الإنسان . وتعي الجماعة خصوصيتها واختلافها عن الجماعات الأخرى . عندئذ تبدأ هذه الجماعة في تشكيل إطار ثقافي وتتموضع فيه إي تبدأ في تشكيل هويتها الثقافية ثم تحول تلك العصبية أو الهوية إلى بنية قيمية توجه السلوك وتخلق تصورات ألجماعه حول ذاتها وعلاقتها مع الآخرين .
فالعصبية بداية ’، نعرة فئوية ، دموية ، رحمية ، ملازمة ، لنمو النوازع الاوليه يتربى عليها الطفل , وتبدأ مع ألام في الاسره .. وهذه الفئوية وقوتها تشكل شوكة الجماعة الفئوية وقوتها، ثم تسحيل
, بفعل التطور إلى فئوية طائفية ، دينية أو عرقية تستمد نعرتها لا من الدم فحسب ، بل أيضا من الشعور الديني أو المذهبي أو العرقي الفئوي ، ثم تستحيل إلى فئوية إيديولوجية من الفكر الطائفي والعرقي والانتماء الحزبي وعلاقات تنشأ منها فئوية متعددة في مجتمع العصبية يقوم على ولاء فئوي أهلي بالمقابل فان المجتمع الديمقراطي إنتاج الحداثة السياسية القائمة على التعاقد وفكرة المواطنة بوصفها علاقة بين المواطن" مجتمع ـ دوله" هو تميز المجتمع عن الدولة بالمقابل المجتمع العصبي ينظم اجتماع الجماعة على أساس الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة على أساس قرابة الدم أو الاشتراك في الدين أو في المذهب و العصبية كما لاحظنا هي الدرجة الدنيا والأولية في البناء العصبوي ، وقد لا تكون دائماً مبعث مشاكل اجتماعيه أو سياسية طالما بقيت في حدود التضامن الذي يؤسسها بوصفها علاقة طبيعية وليست مدنية وتبدأ بالظهور من بنية إلى سلوك عندما يبدأ ولاء الناس للكيان الوطني للدولة بالاضمحلال يغدو ولاؤهم لعصبياتهم أعلى اشد من الأول.
ومن ملامح المجتمع الذي تسوده الو لاءات العصبية المتصارعة إن يتصف بأنه " بلا إجماع سياسي " منقسم على ذاته بفعل هيمنة احد العصبيات على الحكم وتحويلها إلى سلطة تحكم بفعل القوه والإكراه تعمل على فرض أرادتها على غيرها بالقوة بعد إن تحول إلى السلطة .
لكن الملاحظ في سلوك تلك الأقليات أنها على المستوى السياسي والفكري تعيش انفصالا على مستوى العقيدة أو المذهب أو الدم .إما على المستوى الاقتصادي حيث يزول ذلك الانفصال حيث يحدث تعاون وتبادل المصالح لهذا نرى الفئة فيما بينها تفاوت اقتصادي يحولها إلى طبقات لكن الفكر يوحدها اتجاه غيرها . .
لذلك نلمس الدول في الوقت الذي تعيش اغترابا عن واقعها المنقسم إلى عصبيات طائفية وفئوية وقومية تحاول إن تتغلب علية باعتمادها أحدى العصبيات المهنية التي تعتمد الإكراه مع غيرها فان الدول رغم عصبيتها إلا أنها تعمل على تمويه الخطاب الديمقراطي وتزيف التجربة الديمقراطية .
سعياً إلى كسب الشرعية التي يراها الكثيرون في إما بالهيمنة القانونية التي هي ذات طابع عقلي , والهيمنة التقليدية طبعاً للعرف ( أو العصبية ) والمهيمنة الكاريزما نية أي ذا القدرة الخارقة على سحر الجماهير التي هي ذات طابع انفعالي وتتطلب الثقة الكاملة برجل استثنائي
ألملاحظه إن سعي الحكومات العربية أنها تحاول إن تحوز على الشرعية عبر انتسابها الاجتماعي ذي الطابع العصبي سلوكاً وطريقة تفكير عصبوية تقوم على التمركز حول ألذات وإقصاء الأخر.
ومن ناحية ثانية تحاول إسباغ الشرعية عليها عبر ادعائها الديمقراطية ولتحقيق هذه الشرعية لكن الملاحظ من تلك التجربة في تطبيق الديمقراطية أنها تتصف
1ـ اختزال التجربة الديمقراطية بعزلها عن العمق الشعبي وجعلها مجرد تجربة لا تجد أي تأثير لدى القاعدة الشعبية .
2ـ سطحية وهشاشة التجربة الديمقراطية بوصفها نظرية سياسية في الواقع العربي، مما حولها إلى مجر ديمقراطية شعارات استهلاكية .
3ـ غياب المؤسسات الدستورية ، تحت وطأة الدول السلطوية الاستبدادية ، التي تكرس حكم الفرد في مقابل حكم الأغلبية ، وقانون الرئيس أو الزعيم أو القائد على حساب حكم ألجماعه آو المؤسسة ، أو الأحزاب .وهذا ما ظهر في الشكل الثالث " الكاريزما نية ".
4ـ تأسيس الثقافة الديمقراطية وجعلها ثقافة تبشيرية للنظام الحاكم ، بدل تثقيف السياسة الديمقراطية ، بإسناد مهمة تطبيقها ورعايتها وتعميق مفاهيمها لدى أبناء المجتمع كي تنمي فيه روح ألحاجه إلى الديمقراطية الصحيحة وتخليص الديمقراطية من كل أساليب التزييف
5ـ تكريس غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية هو استبعاد منطق التعددية السياسية بحجة إن هذه التعددية تؤدي إلى تكريس الخصوصيات في حين المطلوب دمج هذه الخصوصيات في ورقة ألدوله لكن كل المحاولات القسرية لم تؤد إلى انصهار الخصوصيات في بنية ألدوله وبالتالي العجز عن تحقيق دوله ألمواطنه
6ـ إن أدق تعريف للنظام السياسي الممارس في أدبياتنا السياسية ،انه نظام لا عنوان له . فهو مزيج من العشائرية ، والطائفية والقبلية والجهوية ، والمذهبية ، والسلطوية ،والديمقراطية والإسلامية والجمع بين هذه فالاستبداد آفاقه ممثلة في السلطوية ، وغياب المراقبة على الحاكم ، ومزاجية الحكام وتهمش الكفاءات وإقصاء النزهاء ، إضافة إلى الاعتقال والاختطاف والتعذيب وغير ذلك من آفاق الحكم المستبد .كما إن للديمقراطية عناوينها من الدستور ومؤسسات ومحاكم وانتخابات ونواب وحكومات وصحافة ولكنها عناوين أفرغت من محتوياتها وهذا الأمر انعكاس إلى تلك البنية العصبيويه التي تقوم على الإقصاء والتمويه وإبقاء الكل في حالة صراع فالهدف السلطة لذتها داخل العصبية الواحدة ،أو مع باقي العصبيات، عبر خلق تحالفان مع بعضها ضد بعضها الأخر وسرعان ما ينتهي هذا التحالف بمجازر دموية تعمق الصراع حول المناصب وتوغل في الإقصاء لقد أقامت تلك السياسة الاقصائية بإنتاج الرفض الفكري من الكثيرين " المفكرين "الذين تم زجهم في المعتقلات لأنهم يعارضون أفكار السلطة،هذا قاد السلطة إلى إنتاج العنف المضاد الذي كان يشكل رفضا لسياستها لعل التكثيف الذي قدمه المفكر "حسن حنفي" البليغ في وصفه العلاقة بين الدولة والموطن " فالدولة في ذهن المواطن هي الشرطة والمواطن في ذهن الدولة هو العاق أو الخائن أو العميل ".
ولعل هذا ما عبر عنه- الماغوط -
" فاهربي أيتها الغيوم
فأرصفة الوطن
لم تعد جديرة حتى بالوحل."
لكن هذا الواقع الذي يتسم بذهنية العصبية له وجود في العالم وقد استطاع العالم في الكثير من التجارب أن يخلق تجارب تقوم على التعدد بدل الإقصاء ألان الأخير يبدد الطاقات ولا يفضي إلى نتيجة سوى إقرار التعدد السياسي يقابل التعدد الثقافي ولاثني. بالتأكيد هذا يتحقق من خلال إقرار "منطق التسامح" و"الاعتراف"باعتباره يقود إلى بدايته تعايش وإقرار سلم أهلي جديد .الذي يقوم على :
الإيمان بالحرية الفردية
والإيمان بالاعتقاد ودوره في تحقيق الانسجام الداخلي
والإيمان بالتسامح الديني والمذهبي وحرية التفكير
والإيمان بان الأخر جزء من الذات .
(ألحله‏‏15‏.8‏.2007)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حفريا المعرفة في الحدث الحضاري العراقي
- الأسطورة والأدب
- قراءات في المتن الابداعي الحلي
- شعرية السرد
- قراءة في ديوان (ايماءات بعيدة)
- انطولوجيا الموت والحياة في العراق القديم
- نقد النقد ام نقد تهافتي؟
- المخيال السياسي في الآداب السلطانية
- أخلاق الطاعة في ظل مهيمنة الدولة
- الموت غدا رائجا
- قراءة في رسالة شفرة دافنش
- الموت في الفكر المصري القديم
- حوار مع ثلاثة فنانين
- الوجودية في الفكر الفلسفي المعاصر
- النص الرشدي في القراءة الفلسفية العربية المعاصرة
- القراءة الابستمولوجيه لتراث ابن رشدعند محمد عابد الجابري
- المثقف بين خانقي التخوين والتهميش
- ظاهرة القراءه ورهانا الوعي
- الكتاب وقيم القراءة
- الفرد وروح التعايش والأمل


المزيد.....




- 30 قتيلاً في غارات على معسكر اعتقال للحوثيين في اليمن
- مسؤول أممي: أميركا تواصل تعذيب معتقلي غوانتانامو
- إسرائيل تواصل غاراتها على غزة.. وموجة اعتقالات جديدة بالضفة ...
- اعتقال 20 ضابطا إسرائيليا بتهمة السرقة
- مجلس النواب الليبي يناقش تعديلات في مواد السلطة التنفيذية اق ...
- الأمم المتحدة تدعو إلى توفير 1.72 مليار دولار لمتضرري الحرب ...
- الأمم المتحدة: التعذيب لا يزال يستخدم في السجون الأمريكية
- موغيريني: أوروبا تأخرت بالتعامل مع أزمة المهاجرين بليبيا
- الملك سلمان يؤكد على دعم لجنة مكافحة الفساد في السعودية
- عباس: سنطالب الأمم المتحدة بعضوية كاملة لفلسطين


المزيد.....

- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة
- العمل الخيري: بين تسعير حياة الإنسان ومحاولة إنقاذه / ماثيو سنو
- يعني إيه كلمة وطن ؟ / محمد دوير
- الضمير الانساني يستيقظ متأخراً متعاطفاً مع مذبحة اطفال هيبان ... / ايليا أرومي كوكو
- منظمات المجتمع المدني في البحرين / فاضل الحليبي
- دور المفردة والسياق في بناء المشهد الجنسي / سلام عبود
- مدخل الى الاتصال و الاتصال التنظيمي / بن النية عبدالاله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عامر عبد زيد - الحداثة العربية الناقصة