أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان - أثر التشريعات الإسلامية في النظام القانوني السوداني















المزيد.....


أثر التشريعات الإسلامية في النظام القانوني السوداني


أحمد عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 2084 - 2007 / 10 / 30 - 10:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بلا شك أن مصطلح النظام القانوني كسائر المصطلحات القانونية شائك ومعقَّد ويستعصي على التعريفات المبسَّطة والتسطيحية. ولكن تطوُّر العلوم القانونية بالإستناد إلى تجارب الشعوب والحاجة الموضوعية لوجود صيغة للنظام القانوني، جعلت تعريف هذا المصطلح على أساس تبني نموذج مستحدث يدمج ما بين نظريتي القانون الطبيعي والنظرية الوضعية أمراً ممكناً. والواضح أن النموذج الذي ينبني عليه التعريف هو نموذج أمريكي النشأة ذو صلة وثيقة بظهور الدستور المكتوب وتبني مبدأ دستورية القوانين وفصل السلطات. ومن الجدير بالإهتمام أن ننوِّه إلى أن هذا النموذج الذي يؤسس لدولة ذات شخصية إعتبارية منفصلة عن شخص الحاكم وعن شخصيات مواطنيها، قد درج الفقه السياسي على إعادة اللحمة والإرتباط بينه وبين هؤلاء المواطنين عبر عملية الإنتخاب للمجالس التشريعية. فالنظام القانوني الذي هو دولة سيادة حكم القانون ، يعتبر في تقديرنا الحد الأدنى الذي يؤسس لإحترام حقوق الإنسان وحرياته مع توفير الإستقرار الإجتماعي. لذلك لا يعني وجود هذا النظام أن هذا الإحترام للحقوق والحريات قد تم بشكل كامل ومتقن. إذ أن هنالك عوامل أخرى سياسية وإقتصادية قد تقود لتهديم النظام القانوني وتؤسس لقيم إجتماعية تتعارض تعارضاً جوهرياً مع هذا النموذج. فعلى سبيل المثال لم يمنع وجود نظام قانوني بالولايات المتحدة الأمريكية الإستغلال الإقتصادي والنعرات العنصرية والتفرقة المستترة غير المعلنة. ولكن من الواجب أن ننوِّه إل أن تكامل العناصر الإقتصادية والسياسية والإجتماعية مع نموذج النظام القانوني الحديث يعطي نظاماً قانونياً متقناً وخالياً تماماً من العيوب، وهذا أمر غير متصور في ظل وجود إستغلال إقتصادي ومجتمعات منقسمة على ذاتها إجتماعياً. لذلك نصر على القول بأن النموذج الحديث للنظام القانوني هو حد أدنى للحفاظ على كرامة الإنسان من الممكن إغناؤه بمضامين إنسانية وإعمال آليته بشكل إيجابي وكذلك يجوز التحايل عليه بطرق متعدِّدة لسلبه ميزاته المعلنة.و بالرغم من ذلك يبقى نموذج النظام القانوني الحديث المعروف بدولة سيادة حكم القانون حدّاً أدنى للحفاظ على كرامة البشر، وخطَّاً أحمراً وضعته البشرية بعد نضالات مضنية من يتجاوزه سلباً ليس له بأن يدَّعي بأن له نظاماً قانونياً. بمعنى أنه إذا كان من الممكن التصور بأن وجود نظام قانوني أفضل من نموذج دولة سيادة حكم القانون يتبنّى آليَّتها ويضيف إليها ، فإنه من المستحيل تصوُّر وجود نظام قانوني يهدر آلية هذه الدولة جملةً وتفصيلا ويسلب الإنسان قدرته على حماية حقوقه وحرّياته. وعلى هذا الأساس يمكن عرض جميع نماذج الدول في عالمنا اليوم على المعيار المذكور، ورؤية ما إذا كان لديها نظام قانوني – أي آلية حقيقية لتحقيق العدالة – أم لا؟؟. والسودان بالطبع ليس إستثناء لهذه القاعدة، ولذلك توجب محاكمة نماذجه المتعددة للدولة وخصوصاً نموذج دولته الدينية بهذا المعيار.

وبالبحث في تاريخ السودان، نجد أن فترة ما قبل الدولة المهدية بمجملها لم تشهد وجود نظام قانوني. إذ غلبت عليها مسحة دينية قدَّست السلطة وجمعت السلطات الثلاث في يد الحاكم بحيث لا يجوز القول معه أن هناك نظاماً قانونياً. وفي نفس السياق جاءت الدولة المهدية، حيث تركَّزت فيها جميع السلطات في يد المهدي وخليفته من بعده وأضافت لذلك تضييقاً في نطاق التقاضي. وبالإنتقال إلى فترة الحكم الثنائي الإستعماري، نجد أنها شهدت غيبةً تامّة للدولة المؤسسة، وذلك بجمع جميع السلطات في يد الحاكم العام وبالتالي غابت دولة القانون وهذا أمر طبيعي في ظل نظام إستعماري. ولم يكن الحال بأفضل من ذلك بعد الإستقلال فيما عدا فترات الديمقراطية الثلاث وهي فترات لا يتجاوز مجموعها العقد الواحد، حيث شهد السودان فيها وجود نظام قانوني ودولة مؤسسات فعلية دون إنكار وجود بعض التجاوزات فيها.

ولعلّنا نصيب إذا قلنا بأن غياب دولة سيادة حكم القانون، قد تلازم مع وجود الأنظمة العسكرية الشمولية على دست الحكم، وهي أنظمة بطبيعة نشأتها لا يمكن أن تنتج نظاماً قانونياً يتحرّى تحقيق العدالة ويحافظ على كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته. وما يهمّنا هو رصد الأثر الذي تركته التشريعات الإسلامية التي سنّتها أنظمة عسكرية شمولية على نظامنا القانوني. ولا مناص من القول بأن هذه التشريعات ما كان لها أن تنتج نظاماً قانونياً لطبيعة مشرِّعها ولطبيعة هذه القوانين المفارقة بالأساس لدولة سيادة حكم القانون حديثة النشأة. فبالنظر إلى جوهر سيادة حكم القانون وضماناته الأربعة، نجد أن التشريعات الإسلامية قد هدمت المبدأ من أساسه وأجهزت على جميع معالمه. فقبل وثوب العسكر من دعاة الدولة الدينية للسلطة في العام 1989م، وإستناداً إلى سابقة أصدرتها المحكمة الدستورية ، وُضعت الشريعة الإسلامية، وهي مصدر مادّي وتاريخي فوق الدستور. وعند حدوث الإنقلاب تمّ الإجهاز على الدستور نفسه، ومن ثمّ إستكملت الحلقة بصدور دستور العام 1998م الذي قنّن، ولأوّل مرّة، سيادة الشريعة الإسلاميّة على الدستور. فالمادّة (65) من هذا الدستور ساوت ما بين الشريعة الإسلامية والدستور وإعتبرتهما مصدرين متكافئين للتشريع. وهذه المكافأة تعني أن للمشرِّع العادي الحق في التشريع إستناداً للشريعة الإسلامية وبالمخالفة للدستور، ممّا يعني عملياً إمكانية إهدار الدستور وأحكامه بتشريع عادي يصدره المشرِّع وينال الحماية بإعتبار أن مصدره الشريعة الإسلامية. أي أن الشريعة الإسلامية كمصدر مادي أصبحت من الناحية العملية فوق الدستور، ممّا يهدم مبدأ الدستورية ويؤسس لعلاقة مقلوبة وخاطئة بين المصدر والتشريع. ولم يقف مشرع القوانين الإسلامية عند حد تهديم مفهوم دستورية القوانين فقط، بل قام على مستوى القوانين العادية بالإنتصار للشريعة الإسلامية وحسم التناقض لمصلحتها واعتبرها المصدر الأساسي والأوّل عند غياب النص في المواد المدنية. أي أن مشرِّع التشريعات الإسلامية بسلوكه الموصوف قد قام بإهدار كل ما عدا الشريعة من مصادر من ناحية عملية، وألغى بذلك تنوّع مصادر التشريع القائمة على تنوّع المجتمع السوداني نفسه وتعدُّد مصادر قيمه وشرائعه.

تلازم إهدار مبدأ دستوريّة القوانين بإعلاء مصدرٍ ماديٍ على الدستور نفسه مع إهدار شامل لمبدأ شرعية القوانين العقابية وثيق الصلة بمبدأ سيادة حكم القانون، إذ أعطى قانون العقوبات لسنة 1983 في مادّته رقم (458) القضاة سلطة تطبيق العقوبات الإسلامية حتّى وإن لم يكن منصوصاً عليها في صلب القانون. وبقراءة هذا النص مع نص المادة (3) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م، أصبح الأمر فوضى شاملة سمحت بإدانة بعض المواطنين بجرائم سياسية غير موجودة بقانون العقوبات وإعدامهم. ولم تقتصر مخالفة مبدأ الشرعية على إعطاء القضاة سلطة تشريعية في المواد الجنائية، بل تعدّتها لتشمل تعريف الجريمة المؤسس للعقاب، ومثال ذلك جريمتا القتل غيلة والإغتصاب في قانون العقوبات لسنة 1983م وجريمتي السرقة والدعارة في القانون الجنائي لسنة 1991م. ومأزق المشرِّع الجنائي كان دائماً هو محاولة المزاوجة ما بين العقوبة الإلهية والتعريف البشري للجريمة الذي يحدد نطاق التجريم. يضاف إلى ذلك الصعوبات السياسية التي أجبرت هذا المشرع على جعل بعض الجرائم الحدية لا تقع إلاّ خارج الولايات الجنوبية في مخالفة صريحة لإجماع فقهاء الشريعة الإسلامية. كذلك قادت التشريعات الإسلامية إلى تغيير جوهري في فلسفة العقاب التي مالت إلى التشدد واستهدفت الردع والزجر دون الإصلاح. ويتّضح ذلك من أن معظم الجرائم الواردة بقانون العقوبات لسنة 1983م كان لها ثلاث عقوبات هي الجلد والسجن والغرامة. أيضاً يؤكّد ذلك التوسُّع في إدخال العقوبات الحدّية ووضعها لجرائم تعزيرية كجريمة النهب وإعتبار حقوق العباد مساويةً لحقوق الله من حيث العقوبة. وبالإضافة إلى ذلك خالفت القوانين المذكورة مبدأ شخصية العقوبة حين أوجبت الدّية على العاقلة، هذا في حال إعتبرنا الدية عقوبة. أمّا إذا أخذنا بالرأي القائل بأن الدية تعويض وليست عقوبة، فإننا لا محالة قائلون بأن التشريعات الإسلامية قد أضفت طابعاً مدنياً محضاً على جريمة القتل. ويؤيد ذلك إعتماد حق أولياء الدّم في المطالبة بالقود أو الدية أو العفو مما يجعل من جريمة القتل الخطأ بالذات نزاعاً مدنياً في جوهره.

وبالطبع لم تكن القوانين الخاصة والإجرائية بمنأى عن رياح التغيير العاتية التي أطلقتها التشريعات الإسلامية. فقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م كأوّل تقنين للقانون المدني، إستحدث قواعد غيَّرت فلسفة القانون المدني برمّتها. فهو لم يكتف بقصوره الممثّل في عدم وضع نظرية عامة للتقادم مثلاً، ولا بخلطه في تعريف المصطلح كتعريف الشركة أو الملكية والحيازة مثلاً، بل تمادى في قلب مبادئ وفلسفة القانون المدني دون توضيح للأسباب. ومع غياب مذكّرة تفسيرية تشرح ضرورة ذلك التحول. فالقانون المذكور تبنّى مبدأ حريّة التعاقد وألغى القوانين التدخلية مثل قانون تقييد الإيجارات لسنة 1982م( حل محله لاحقاً قانون إيجار المباني) ولم يستبق سوى قانون علاقات العمل الفردية لسنة 1981م الذي أعيد إصداره بإسم قانون العمل. وذلك إستناداً إلى مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين دون النظر للآثار الإجتماعية التي قد تنتج عن مثل هذا السلوك. كذلك قام القانون بتغيير الفلسفة العامة للمعاملات بحيث أصبح المبدأ العام هو حماية حقوق الأفراد وتقديمها على مبدأ إستقرار التعامل. ويتبين ذلك من تبني نظرية عامة للصورية في العقود وإبطال العقد للجنون وأيضاً في إلغاء قاعدة ”Caveat Emptor“ وتبنّي معكوسها تماماً. ولم يتمكّن من السير في هذا الطريق إلى نهاياته المنطقية حين عكس هذه القاعدة بإشتراطه لوجود غرر حتى تنفذ أحكام الغبن الفاحش وخلوه من نظرية عامة للإستغلال. وكذلك إنتقل من نظرية المقابل المعدّلة عبر الممارسة القضائية والتشريع وتبنّي نظرية السبب مع نظرية محل العقد، ممّا كان له أثر سالب على مجمل فلسفة القانون المدني وعلى مبدأ التطوّر عبر الإستمرارية والتعديل. فالقانون المذكور أجهز على تراثنا القانوني الثر وسلبنا نظامنا المتميز، ومنحنا نظاماً كامل التطابق مع أنظمة دول أخذت عن القانون اللاتيني كمصر والأردن. ولكن هذه الدول تميزت قوانينها عن القانون المذكور بالإتساق وعدم التناقض وعدم الوقوع في أخطاء لا مبرر لها مثل التي نوّهنا عنها آنفاً. وبكل تأكيد لا يستطيع أحد إستكناه غرض مشرِّع هذا القانون من تجريدنا من تراثنا القانوني وتبنّي تراث آخر مع تغيير شامل لفلسفة المعاملات، وذلك لأن المشرّع المذكور لم يتكرّم بوضع مذكِّرة تفسيرية لهذا القانون تنتقد التجربة السابقة عبر تفسير النصوص وتوضيح الحاجة للإنتقال من الوضع السابق.

وبالمماثلة لنظام المعاملات المدنية، شهد نظام الإثبات في القانون السوداني بعد صدور قانون الإثبات لسنة 1983م تحوُّلاً أساسياً. حيث راوح هذا النظام بين الثبات والتحوّل، وذلك بتحوّله جزئياً إلى نظام الأدلّة الجنائية المتمثِّل في إثبات جرائم الحدود، برغم أنه أبقى جرائم التعازير وهي تمثّل غالبية الجرائم الواردة بقانون العقوبات خاضعة لنظام الإثبات الحر السائد في النظم القانونية الحديثة. وأكثر ما تبدو هذه المراوحة في إثبات جرائم القصاص التي أخضعت لنظام الأدلّة الجنائية أحياناً، وتم ترجيح نظام الإثبات الحر في شأنها في مواضع أخرى. وخير مثال لذلك إشتراط توفّر البينة الشرعية لإثبات جريمة القتل العمد وتراجع موقف بينة المحتضر في الإثبات فيما يخص أسباب وفاته. ولا مراء في أن الأخذ بنظام الأدلّة الجنائية يعتبر تراجعاً بالنسبة للنظام السوداني الذي كان رائداً في إمتلاك نظام إثبات حديث يقوم على حرية الإثبات نقلاً عن أعرق الدول في هذا المجال (إنجلترا) وبالتطابق مع ما هو سائد في الأنظمة القانونية منذ الثورة الفرنسية. ولا شك في أن تبني نظام الأدلة الجنائية في الحدود يتسق مع منظومة عقوباتها حتى يتسنى حماية المتّهمين. لذلك لا سبيل إلى العودة إلى نظام إثبات حر كامل إلاّ بالتضحية بحقوق المتهمين أو إلغاء نظام العقوبات الحديّة. والواضح من كل ما تقدَّم أن نظام الإثبات في السودان قد تحوَّل من نظام إثبات حر إلى نظام إثبات مزدوج الطابع بفضل التشريعات الإسلامية. وبذلك فقد السودان نظام إثباته الحديث لصالح نظام إثبات تمّت القطيعة معه دولياً منذ الثورة الفرنسية.

أمّا قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م، فهو بصفة عامّة تبنّى كل ما كان وارداً بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م. ولكن ما إستحدثه من قواعد قليلة كان ذا أثر مباشر وكبير في تحوّل النظام القانوني. وأهم مثال لذلك هو تحريمه الحكم بالفوائد بجميع أنواعها ومنع المحاكم من إنفاذ أي إتِّفاق على الفوائد بالمواكبة مع إلغاء القواعد الموضوعية التي تسمح بتقاضي الفوائد. وبالتأكيد أثر هذا المنع حاسم لأن إباحة الفوائد موضوعياً – إن حدثت – تصبح بلا حماية بمستوى يجعلها غير قابلة للإنفاذ إلاّ عبر التراضي في حال إستمرار هذا المنع. وهذا المنع، على موافقته للرأي الراجح عند رجال الدين الإسلامي المعاصرين، إلاّ أنه قد تجاهل آراء معاصرة صادرة عن فقهاء لهم وزنهم تبنتها بعض الدول الإسلامية مثل مصر وقطر وإمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. لذلك فهو لا يسلم من الغرض لأنه أسس لسيطرة مؤسسات مصرفية بعينها على النشاط المصرفي في البلاد، واستبدل نشاط التمويل المصرفي التسليفي العالمي بصيغ الشركة التاريخية كما عرفها الفقه الإسلامي مع بعض التحريف. والأمر الثاني الذي يظهر ما تم من تحوّل في مجال الإجراءات المدنية هو الإستثناء الذي أورده المشرّع على قاعدة عدم جواز مراجعة المحكمة العليا لأحكامها، حيث أعطاها حق المراجعة في حالة وجود مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية،إذ أن هذا الإستثناء يمثل سقطةً تشريعيةً وقصوراً واضحاً في فن التشريع. فغموض الإستثناء المذكور سمح للمحكمة العليا بإستخدام منهج التفسير الواسع، وجعل الإستثناء هو الأصل وهدم الغرض من وضع قاعدة عدم جواز مراجعة الأحكام. وسلوك المحكمة الموقَّرة يوضِّح مدى الحاجة لإباحة المراجعة وإلغاء القاعدة الأصلية التي ورد عليها ذلك الإستثناء.

وبكل تأكيد لم يكن أثر التشريعات الإسلامية بالنسبة لقانون الإجراءات الجنائية عابراً. فقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م، قنّن التحوّل التدريجي من نظام الإدّعاء المباشر إلى مجال الإدّعاء العام وإن كان قد سبقه في التاريخ. وبالمثل تغير دور المحكمة التنقيبي ليصبح دوراً تحكيمياً خالصاً. ولكن هذا التحول إقترن في بعض الأحيان بتمييز سلبي ضد النساء المسلمات حين ترك النظام الشعبي يتحكم في جريمتي الزنا وإغواء إمرأة متزوِّجة بحيث أصبحت المرأة غير المسلمة أقرب إلى الستر. وهذا التحوّل جعل نظامنا الإجرائي شبيهاً بالنظام اللاتيني بصفة عامّة، ولكنه يتميز عنه ببقاء سلطة النائب العام في وقف الإجراءات المستمدّة من القانون الإنجليزي والتي قصرت مؤخّراً على جرائم التعازير فقط. وبالمماثلة لذلك قيّدت سلطة رأس الدولة قي العفو في جرائم الحدود وبموافقة المضرور في جرائم القصاص والجرائم التي يجوز فيها التنازل الخاص. بالإضافة إلى ذلك شهدت سلطة الفحص المكفولة للمحاكم الإستئنافية تحوّلاً بموجب قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م، حيث تم تقييدها تقييداً معيباً بمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية. لذلك إضطر مشرّع قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م إلى الرجوع لتبني موقف قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م الوضعي الموروث عن نصوص سنّها المستعمر الإنجليزي الذي جعل هذه السلطة مطلقة.

وبالرغم من كل ما تقدم من أثر تركته التشريعات الإسلامية على النظام القانوني السوداني، إلاّ أن هناك آثاراً أخرى لا تقل أهميّة إن لم تكن أكثر جوهريةً مما سبق ذكره، إذ أن دستور العام 1998م، تماماً كرصيفه مشروع دستور العام 1968م، سكت عن النص على مساواة الناس أمام القانون. أي أنه لم ينص صراحةً على مبدأ سيادة حكم القانون في مفهومه العام الواسع. وعضّد ذلك تنبه مشرّع القانون الجنائي لسنة 1991م الذي حذف ما يخالف طبيعة الدولة الدينية وتفادى الإشارة إلى حظر تعريض أي شخص لعقوبة قاسية، وهو المبدأ الذي نصت عليه القوانين العقابية السابقة وكرست عبره قاعدة سيادة حكم القانون في مفهومها الضيّق. وبلا شك أسس هذا الحذف والسكوت، مقروءاً مع نص المادة (65) آنفة الذكر، إلى شرعية العقوبات الواردة بالقانون الجنائي وشرعية قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م الذي يميز بين الرجل والمرأة على أساس الجنس. وهذه الشرعية مُنحت برغم مخالفة هذه القوانين لمبدأ سيادة حكم القانون بمفهوميه الواسع والضيّق بإعتبارها متّسقة مع الشريعة الإسلامية الّتي تقف على قدم المساواة مع الدستور نصّاً، وتتفوّق عليه من الناحية العملية. والنص على التكافؤ بالنص آنف الذكر هو أحد الأساليب التي تم اللجوء إليها لتفادي التضاد ما بين مبدأ سيادة حكم القانون والدولة الدينية، حيث إستخدمت المحكمة الدستورية أسلوبين آخرين هما:- إصدار سابقة وضعت الشريعة الإسلامية فوق الدستور دون لبسٍ أو غموض والتواري خلف عدم إستيفاء شرط المصلحة للهروب من التصدّي لهذا المأزق غير القابل للحل.

ولعلنا نصيب إذا قلنا أن أهم ملمح واكب التشريعات الإسلامية، هو الإنتقاص من إستقلال القضاء بإيجاد قضاء إستثنائي موازٍ للهيئة القضائية سُمِّي بمحاكم العدالة الناجزة في 1983م وبمحاكم النظام العام والمحاكم الخاصة بعد إنقلاب العام 1989م. أيضاً تمّ تسييس تعيين وعزل القضاة وإلغاء مبدأ تكافؤ الفرص بعدم تعيين النساء كقضاة مع تعيين رئيس للقضاء من خارج السلطة القضائية. كذلك تمّ دمج القضائين المدني والشرعي ممّا أثّر بشكل واضح على مستوى أداء القضاة بحكم ضعف تأهيل القضاة الشرعيين وإنعدام خبرتهم في المواد المدنية والجنائية. وبالإضافة إلى كل ذلك تغيّر مفهوم الحصانة القضائية ورفعت عنه صفة الإطلاق تأثُّراً بالفقه الإسلامي. وفيما يخص حق التقاضي تراوح موقف الدساتير الدينية بين السكوت عنه وبين تقييده بالقوانين ممّا يعني تفريغه من محتواه عملياً. لذلك حفلت القوانين الإسلامية بالنصوص التي تنتقص من حق التقاضي.. وقام رئيس القضاء بإحياء نصوص سبق وأن قُضي بعدم دستوريتها واعتمدت المحكمة الدستورية نظرية الظروف الإستثنائية لتستبعد إعلان حالة الطوارئ من نطاق الرقابة القضائية. وتمادى رئيس الجمهورية في الإنتقاص من نطاق حق التقاضي وسلب المحاكم بموجب قرار جمهوري إختصاص النظر في دعاوى الديون الخارجية للحكومة. وهذا القرار سلب المحاكم ضمناً حقّها في متابعة تنفيذ الأحكام التي قد تصدر في مواجهة الحكومة في مثل هذه القضايا. كذلك كافأ نص المادة 4(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م الجهاز التنفيذي تلاعبه بأحكام القضاء بالتراخي في تنفيذها بحيث جعل التراخي في التنفيذ شبهة تقادم تسقط الحد وتجبر المحاكم على تغيير أحكامها النهائية الصادرة قبل صدور ذلك القانون.

وفي تقديرنا أن كل الخروق السابق الإشارة إليها، والتي يمكن إعتبارها معاولاً هدمت النظام القانوني من أساسه، لا يصح تصنيفها كإجتهاد خاطئ لمشرِّع فشل في تطبيق الشريعة الإسلامية كما يحلو القول لبعض الساسة السودانيين من قانونيين وغيرهم. فالأمر بكل تأكيد أعمق من ذلك ويمكن أن يتم إسناده إلى طبيعة الدولة الإسلامية نفسها وإلى القواعد الأصولية لإستنباط الأحكام الشرعية. فالدولة الإسلامية قامت تاريخياً وفي عهد مؤسسها النبي (ص) على الدمج التام بين شخصية الحاكم الذي يجمع السلطات الثلاث بين يديه، ويحتكم إلى وازعه الديني ،ويستند إلى هداية السماء، وبين الدولة. ولم يتمكن المسلمون من بعده من فصل السلطات ولا تكوين الدولة ذات الشخصية الإعتبارية المنفصلة عن شخص الحاكم. لذلك ظل نموذج دولة المدينة هو النموذج الحاضر في الفقه والتراث الإسلاميين، وهو نموذج يقوم على نظرية المستبد العادل التي تعرَّض لها جمال الدين الأفغاني والإمام محمّد عبده. وغياب الدولة المؤسسة يعني غياب فصل السلطات وإستحالة القول بوجود دستور لسقوط شق أساسي في الدساتير الحديثة هو شق المؤسسات. أما الشق الثاني من الدستور وهو الحقوق والحريات الأساسية التي يقوم عليها مبدأ سيادة حكم القانون وضمانته المتمثلة في مبدأ الدستورية، فلا نرى إمكانية لوجوده في الدولة الإسلامية أيضاً. وذلك لأن الدولة الإسلامية لم تعرف طوال تاريخها التمييز بين القواعد القانونية والدستورية. فالنصوص المقننة للحقوق والحريات الأساسية تقف على قدم المساواة مع النصوص العقابية والمدنية بحيث يصح أن تقيِّدها الأخيرة أو تنتقص من عمومها بالتخصيص، بل وحتّى من الممكن أن تلغيها عبر آليّة النسخ. فمبدأ المساواة أمام القانون مثلاً تنتقصه قواعد قوانين الأحوال الشخصية والميراث وقواعد إثبات الحدود والعديد من القواعد الأخرى التي تميز بين الرجل والمرأة على أساس الجنس وبين المسلم وغير المسلم على أساس الدين. فالخلاف بين النظام القانوني وبين الشريعة الإسلامية لا يتقوم في وجود أم عدم وجود الحقوق والحريّات الأساسية، بل في مكانة هذه الحقوق في النظام القانوني ومدى إمكانية المساس بها ومخالفتها مباشرةً من عدمها. فمبادئ الشريعة الإسلامية كلها متساوية القيمة يرد عليها ما يرد على القوانين العادية من قيود وقواعد تفسير، بينما مبادئ النظام القانوني تنقسم إلى مبادئ دستورية وقانونية. لذلك لا يمكن ترفيع مبادئ الشريعة الإسلامية ووضعها في دستور، لأن ذلك إذا تمّ سوف يقود لبطلان القوانين العقابية وقوانين الأحوال الشخصية والإثبات لا محالة. وهذا يعني أن تقنين دستور لدولة الشريعة الإسلامية أمر دخيل عليها لا تتسع له مبادئها مما يحتّم أن يعتور تقنينه خلل يدمر مبدأ الدسـتورية مثل الخلل الوارد بالمادّة (65) من دستور العام 1998م. وبالتأكيد أن القواعد الكلية في الفقه الإسلامي التي تستخدم في إستنباط الأحكام وتلك الملحقة بالأحكام تقف حجر عثرة أمام إبتداع نظام قانوني من الشريعة الإسلامية. فقواعد مثل "لا إجتهاد مع النص" و "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" و "صلاحية النصوص لكل زمان ومكان"، تمنع من تشريع قانون عقابي يتفق مع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية الواردة بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان، كما تمنع تشريع قانون أحوال شخصية مماثل. فهذه القواعد تنفي تاريخية النص وتنتزع النصوص من سياقها التاريخي، وتتناقض مع قواعد كلية أخرى تتبنى تاريخية النص مثل "الأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً" و "تتغير الأحكام بتغير الأزمان". إذ أن الإصرار على صلاحية النص لكل زمان ومكان مع تحريم الإجتهاد في حال وجوده، لا يعطي الفرصة لتطوير القوانين. وبلا شك ليس هنالك أي شبه بين منع القانون القضاة من الإجتهاد في حال وجود النص وبين هذا المبدأ الكلي،وذلك لأن المنع الخاص بالقضاة خاص بقوانين قابلة للإلغاء بواسطة المشرِّع وللتعديل، وصلاحيتها مربوطة بمشيئة المشرِّع، بمعنى أنها تقيّد القضاة فقط ولا تقيد المشرّع وفقاً لمبدأ فصل السلطات. ولكن القاعدة الكلية المذكورة تقيد الجميع بما في ذلك المشرِّع الدستوري الذي لا يستطيع أن يضع مبدأً يناقض ما هو ثابت بنص مهما كان ذلك النص تفصيليا ًو من المفترض أن قوته أقل من الدستور.

لذلك يظل ما ذكرناه سابقاً سليماً، من حيث أنه لا يمكن تحويل الشريعة الإسلامية لنظام قانوني حديث إلاّ بمفارقة قواعد إستنباط الأحكام والقواعد الكلية البشرية التي وضعها الفقهاء إبتداء من الإمام الشافعي. وهذا يتم إما بالتصريح بالإجتهاد مع وجود النص تأسياً بالفاروق عمر ، أو بإعمال مبدأ المصالح المرسلة وفقاً لرأي الإمام الطوفي الحنبلي الذي غلَّب المصلحة على النص إستناداً إلى الحديث النبوي "لا ضرر ولا ضرار"، وإما بقلب قاعدة الناسخ والمنسوخ والإنتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول وتغليب الأخيرة على الأولى كما قال الأستاذ المجتهد محمود محمّد طه. بدون ذلك يصح القول بأن تبنّي التشريعات الإسلامية ودولة الشريعة لا محالة سوف يقود إلى تهديم مبدأ سيادة حكم القانون وتدمير النظام القانوني من أساسه حتّى وإن جاء إجتهاد متبنيه مبرّأ من كل عيب.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,126,279
- مسائل لا تحتمل التأجيل-التحالفات وقضايا المشاركة في السلطة
- الشريعة الإسلامية وغياب مفهوم النظام القانوني الحديث
- أزمة شريكي نيفاشا- محصلة طبيعية لبداية وحسابات خاطئة


المزيد.....




- قطر: الإخوان المسلمين قصة تم اختلاقها
- طهران: الروح السائدة بين النخب السعودية قائمة علي إزالة التو ...
- هيومن رايتس ووتش تحذر من نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية م ...
- هيومن رايتس ووتش تحذر من نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية م ...
- وزير الخارجية القطري: لا ندعم الإخوان المسلمين ولا جبهة النص ...
- كاميرا للتعرف على الوجوه عند مداخل المساجد في الصين
- أحكام بالسجن بين 20 و30 عاما بحق المتهمات في قضية السيارة ال ...
- -لا أعلم أين هو-... حفتر يكشف موقفه من ترشح سيف الإسلام القذ ...
- فرنسا.. أحكام مطوّلة ومؤبد لأربع مدانات ومدان بالشروع في تفج ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى بحجة الأعياد اليهودية


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان - أثر التشريعات الإسلامية في النظام القانوني السوداني