أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زهْرُ الصَبّار 7 : مجاورو المنزل وغلامه















المزيد.....

زهْرُ الصَبّار 7 : مجاورو المنزل وغلامه


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 2081 - 2007 / 10 / 27 - 03:15
المحور: الادب والفن
    


1
ـ " لا تحص عددَ النجوم ، كيلا تملأ الدمامل يديكَ ! "
قالت لي أختي ، الأكبرَ مني سناً ، فيما كنتُ أمدّ بصراً ، حذراً ، نحوَ قبّة الليل الزرقاء ، المُنجمة ، المخيّمة على رقدتنا الصيفية ، المعتادة ، على سطح حجرة الحديقة ، الوطيء . عدّ الأنجم ، هوَ مختتمُ طقس السهرة ، اليوميّ ، والمستجلِبُ إغفاءة مؤكدة لجفوننا ؛ طقس ، يبتده في العادة ، أيضاً ، بحكايا خرافية ، مشوّقة ، من لدن " جينكو " ، يعقبها أسئلتنا له ، الملحاحة : " هل حقاً ، كما يقال ، أنه ثمة شبحٌ طيّب ؟ " ، أقذفُ كلمتي دفعة ً واحدة ، مستبقاً الآخرين . كنا آنذاك ، في محكية لساننا الأمّ ، نعرّفُ الطيفَ ، أو الشبح ، بالمفردة الكردية " بيْرعَبوكيْ " ؛ تعريف ، عَرَفنا بطبيعة الحال ما يقابله بالمحكيّة الدمشقية ، ( " الزيارة " ) ، والذي أضحى متردداً على لساننا ما شاءَ له منقلب الحال . " الشبحُ الطيّب ، هوَ من يحرسَ رقادنا ، ليلاً ؛ أما الشرير ، فإنه يكادُ لا يفارق الخرابات " : يجيبني أخي ، محاولاً كدأبه دوماً بثّ الطمأنينة فيمن حوله . " ولكنّ شبحَ خرابة " رَزيْ آنيْ " ، بمقدوره التسلل إلى دارنا عبرَ البئر القديمة ؟ " ، أعودُ للسؤال ثانية ً هارباً بعينيّ مما يتراءى لهما من أشباح أشجار الحديقة ، المحاذية لرقادنا . " وإذاً ، ما على الشبح الطيّب إلا التصدّي له وطرده ؛ وحينها ، سيقول ذلك الشبح الشرير متضرعاً : أرجوك دعني أذهب إلى أمّي ، وأقسم لك أنني لن أعود لإقلاق نوم الأطفال ، أبداً ! " .

قبل أن ينتقل يتامى خالتنا ، المرحومة ، إلى منزلهم الأول ، إتفاقاً مع خروج أبيهم من " القلعة " بعفو عام ؛ قبل ذلك بأشهر عشرة ، على وجه التقريب ، حلّ أناس آخرون فيه . ما كان مالك المنزل ، الحقيقيّ ، سوى إبن عمّنا ، الكبير ، والذي قسّمه إلى بيوتات عشوائية ، منذورة للإيجار ، محتفظاً لنفسه بالقسم العلويّ ذي الشرفة الوحيدة . أسرة من المستأجرين إذاً ، غريبة عن الحارة ، ربطتها بإبن العمّ هذا صلة قديمة ، ترجع لزمنه ، المهيب ـ كرئيس لمخفر " سَرْغايا " ؛ بلدة الإصطياف ، المعروفة في برّ الشام . هذه الصلة ، الموصوفة ، كانت من الحميمية أنّ الأسرة ، المستأجرة ، ما لبثت أن إنتقلت إلى رحمة القسم العلويّ ذاك ، من المنزل . وإلى تلك الآونة ، على كلّ حال ، تنحاشُ ذاكرتي في كلّ مرة ، متطلبة ، لإستعادة كابوسي ، الأول ربما ، والمتهيء لعمري فيما هوَ محتجلٌ على أطراف أعوامه ، السادسة : رأيتني مع " وليد " ، في فلاة ما ، وقد أغسى ليل بهيم على وحدتنا ؛ حينما باغتنا على حين غرةٍ ما يشبه الوحش أو الكائن الخرافيَ ، فيهربُ صديقي ، بسعد فأله ، وأبقى لوحدي بمواجهة الخطر المتجسّد ، خطوة َ خطوة ، بصورة مرعبة ، داهمة ، لأسدٍ مبين ! رفيق الكابوس ، ما كان سوى صبيّ جيراننا الجدد ، الوحيد . شقيقتاه ، اللتان تكبرانه سناً ، تصادقتا بدورهما وبنات أسرتنا . صغرى الشقيقتين ، كانت واثقة بنفسها ، حدّ إقتحام ألعاب أولاد الحارة . وهيَ من فجأتنا ، ذات مرّة ، بمديح قائد الإنقلابيين ، الجدد ، وتشنيع خلفه ؛ الرئيس " ناظم قدسي " ، بتحريف بذيء لإسمه ، قائلة بكل بساطة : " إنه ناظم كـ ... ـي !! " . بيْدَ أنّ هذه البنت ، الجريئة حقاً ، أصبحت علاوة على ذلك رفيقة تجربة العمر ، الأولى .

2
ـ " لنلعبَ هنا ، فما حاجتنا بالحجرة تلك ، الضيّقة ، تحت الدرج ؟ "
ـ لأننا سنجرب لعبة جديدة ، ممتعة ! " : ردّت عليّ البنتُ ذات الشعر الأحمر ، المنسدل على وجه بهيّ ، مرقش بالنمش . كانت دوماً متحفزة ومتوثبة للمجهول ـ كما يجدر بريفيّة متوطنة المدينة . عنادها في إقتحام الرفقة ، الذكورية ، تناهى حدّ فرضَ ألعابها علينا . من جهتي ، ما عدت وقتذاك أهتمّ بصحبة البنات ؛ وتحديداً ، على أبواب السادسة من عمري ، التي سبق أن جلبتْ لأمّي مفاجأة غير سارّة : فبعدما خلعوا عني ، أبداً ، ملبس الأنوثة ، المتعيّن عليه مماهاتي عن العين الشريرة ، إصطحبني والدي مباشرة ً إلى دكان قريبنا ، الحلاق . لما عدنا للمنزل ، وحالما وقع بصر الأمّ على هيئتي ، الجديدة ، صرخت برعب وإنفعال : " ويرَبّنيْ ! " ( ربّاه ) ، متبعة ً كلمتها ببكاء مرير . مغضباً ، صرخ أبي بها : " وهل سيذهب الغلام إلى المدرسة ، غداً ، بضفيرة مسترسلة على ظهره ؟ " . هكذا كان منقلب حالي ، في ذلك اليوم الصيفيّ ، القائظ ، حينما عُرضت عليّ لعبة ما ، جديدة ، من لدن شقيقة " وليد " تلك ، التي تكبرني بأعوام ثلاثة . تولعها بي ـ لو صحّ التعبير في حالة العمر ذاك ، المبكر ـ أضحى مبعثَ تندّر شقيقاتي الكبيرات ، مما كان يجلبُ بَرَمي وسخطي . وإذاً ، خلف بئر الدَرَج ، المؤدي إلى عليتهم والمشكل ما يشبه الحجرة الصغيرة ، المهمل فيه ما يتصرف عن لوازم المنزل الكبير ؛ هناك ، في عتمة يكاد لا يغشاها نور الظهيرة ، الفاضح ، جذبتني ذات الشعر الأحمر إلى وسطها ، في ضمّة شديدة ، مديدة ، لم أفقه معنىً لها .

في المرات الاخرى ، صار الأمر أقل مشقة وحرجاً ؛ بل وحلّ فيه نوعٌ من لذة شفيفة ، غامضة ، سَرَت رويداً في كياني جميعاً . إلى أن حلتْ ، وعلى عجالة من أمرها ، ظهيرة ذلك اليوم من أواخر الصيف ، المتحتم فيه على " لعبتنا الجديدة " ، الكفّ عن المضيّ إلى فصول اخرى : كنتُ ورفيقتي في مكان لقائنا ، السريّ ، معتنقيْن بلا أيّ نأمة ـ كما هيَ أصول لعبتنا ، الموسومة ، لمّا أُخذنا ، وعلى حين غرة ، بإطلالة رأس شقيقتها . فرتْ البنت الجريئة من المكان ، متضاحكة ، فيما لبثت بنفسي مطرقاً والخجل يمحق بلهيبه قسماتي : " أنتَ ؟ ونحن من كنا نقول ، أنك أكثرَ أولاد الحارة أدباً وتعقلاً ! " . ولكن أسرة " وليد " ، لم تمكث إلى أبعد من صيف الإكتشاف الأكبر ، هذا ؛ إذ إنتقلت مجدداً إلى منزل للإيجار يقع هذه المرة في الجهة الغربية من الحيّ . ما هيَ إلا أيام أخر ، وأطلّت على الزقاق جارة اخرى ، جديدة / قديمة . فمن بيت أهل زوجها ، الراحل للتوّ ، الكائن في " زقاق آلرشي " ، وإلى بيت أهلها ، في زقاقنا ، إحتملت إمرأة صبية بعد ، تركة ً من ولد وإبنة ، صغيرين . تركة ثقيلة ، بدا أنّ الأرملة تتعثر بها في مهبّ حياةٍ ، بالغة الصعوبة ، ما فتأ رجلُ آل " حج عبده " في مستهلّ أعوام حريته ، الأولى ، بعد خروجه من " القلعة " . منزل الجارة الجديدة ، " أمّ غسان " ، النحيل الدقيق ، كان قد إقتطعَ من بيت أبيها ذاك ، الوافر المساحة ـ كعلامة على إستحالة عيشها مع إمرأته .

3
ـ " كلّ يوم عيدٌ ! "
كان يهتف صاحبُ " الدويخة " ، المنصوبة على طرف " خرابة أبي رسلان " . العيد الصغير ، الخاتم بفرحته شهراً كاملاً ، كئيباً ، هوَ الأكثر حظوة ً لدينا . ثمة ، في البقعة المتربة تلك ، شبه الممهّدة ، المتاخمة لمدخل الحارة ، المرفوع جسراً على نهر " يزيد " ؛ هناك عيدنا ، الحافل ، أسطى على كل ما عداه ، ما فتأت ملاهينا ، العشوائية ، مرابطة بأراجيحها وقلاباتها ودويخاتها ومركباتها وعجلاتها ودكات بائعيها ومنصات مشعوذيها وسحارات مقامريها . عند هؤلاء الأخيرين ، إعتاد أخي الكبير على المرابطة بدوره . كان ماهراً في أصول ألعابهم ، وغالباً ما يغادر المكان وفي جيبه عراكٌ ، صاخب ، من عملة حديدية . بيدَ أنه ، وبالرغم من سنه المبكرة ، ما كان يتحاشى عراكَ المقامرين ، الأكبر سناً ، والباعث شياطينه الصغيرة من رقادها. ولا بدّ أنّ صرختي ، الثاقبة : " جينكووو ! " ، قد تناهت إليه مباشرة ً أو عن طريق آخرين ؛ إذ ما أسرعَ أنّ إنتصبَ أمامي بقامته المتينة ، كما وبدبسته المهولة : " ما الأمر ؟ " . أجبتُ ، متلعثماً ، على السؤال المشتعل : " إنه يبغي ... ضربَ " غسان " ! " . ملتفتاً إلى من عنيته بإشارتي ، إستلّ " جينكو " لمحة ً من سحنة شخص ينتحل مبلغ الرجال ، ويكبره بأي حال سناً . كانت سحنة قبيحة ، مفصحة عن خبثِ شرير ، فاسق ٍ . وفهمَ شقيقي " بغيته " ، على ما يبدو .

في دورةٍ من دورات لعبتنا ، الأثيرة ، التي تدور مثل رحى المطحنة ، كنت إذاً ورفيقي " غسان " ممتطين صهوة " الدويخة " ، حينما قفزَ هوَ من مقعده إلى الأرض ، لينهدّ هناك وعلى وجهه صفرة الدوار . لم يحرك صاحب " الدويخة " ساكناً ، وإنما أحد صبيَته ، المعاونين ، من بادر للإنحناء على رفيقي . كان هذا الشخص يحاول مساعدة ً ، كما تهيأ لي . ولكنّ صرخة " غسان " ، المتبوعة بدفعه لذلك الصبيّ الممعن في جرّه إلى جهة ما ، أيقظتْ على الفور إسمَ الشقيق الكبير على لساني ؛ " جينكو " ، المندفع الآن في حمأةِ عراكٍ طاحن ، إغبرّتْ بفعله البقعة المعيّدة بأسرها . بنتيجة المنازلة ، المنقضية ، كان لا بدّ أن يضحيَ " غسان " ، الذي يماثلني في السنّ ، من أقرب الأصدقاء إليّ . وكانت أمّه ، في عصر اليوم نفسه ، هيَ المحتفية بيَ بسكاكرها ، بعدما أُخبرتْ من لدن شقيقها بواقعة العراك ، نظراً لتصادف وجوده في مكانه وزمنه . ما كان بمقدور إشارات " غسان " ، يومذاك ، إحاطة أمّه بتفاصيل الواقعة تلك ؛ هوَ من كان لسوء طالعه أبكمَ وأصمّ ، بحكم الولادة . كان يتيماً ، إذاً . فوالده ، الضابط في الجيش ، سبق لجسده وتناثر مزقاً بفعل قنبلة يدوية ، أثناء إحدى التدريبات . باب بيت جارتنا ، الجديدة ، كان يقابلُ مباشرة ً باب دارنا . فمن حسن طالعي ، آنذاك ، أنّ تكون الإطلالة الدائبة للمرأة الشابّة ، هيَ أول ما يطالعني به اليوم ؛ الإطلالة ، الجهيرة الحسن ، المختتمة إياه أيضاً .

4
" أمّ غسان " ، خصتني إذاً بموّدةٍ وكرَم ، نادريْن في واقع الحال ؛ واقع حالها مع أهل الزقاق وأطفالهم ، الملتحم بخصام أزليّ . " إبني إسمُه " غسان " .. يا صعلوك ، يا إبن الحرام ! " : كانت الأمّ ، المغتاظة ، تهتف بحدّة لهذا الولد وذاك ، بين كلّ فينة من نهاراتها واخرى . من جهتي ، فلمْ أجار لداتي مرّة قط ، بما إعتادوه من إشارتهم للولد الأخرس ، المشنعة عليه بلقب " أوء " . ربما أنه سببٌ كاف ، فضلاً عما سلف من واقعة العراك ، المعيّدة ، لكي ترحّب " أمّ غسان " بحقيقة كوني الصديق الوحيد لصبيّها هذا ، الوحيد . ما جازَ لها ، على أيّ حال ، العلم بواقعة اخرى ، أدهى ، تفتقتْ للصديقيْن بعد عامين ، على الأثر : إذ كنتُ و" غسان " ، في صبيحة نهار ألق ، صيفيّ ، في جولة أثيرة ، معتادة ، خلل بساتين حارتنا ، الساحرة ، تأثراً خفياً لخطى " جينكو " وعصبته ، المتوغلة ثمة . ما أسرعَ أن رأيتنا نضيّع أثرَ جماعتنا الصديقة ، في خشوع نهمنا أمام تينة السبيل ؛ الحارس العملاق لمدخل " الباب الصغير " ، الحجريّ الواطيء . وأستعيدُ من تلك الأويقات ، السعيدة ، ما كان من مكوثنا هناك في القلب الأخضرَ لسلسبيل الجدول ، الضيّق والدافق في آن ، المشكل بدورانه حروفَ نعتِ " الدايرة " ؛ إسم بقعة الجنة ، هذه. بماء الجدول إذاً ، العذب المبترد ، راحَ كلّ منا يرطب شفته الرقيقة ، المتورّمة بالحساسيّة ، جزاءَ مجزرته بحقّ ثمار التين ؛ الماء نفسه ، الما عتمَ أن خالطته ظلالٌ ثلاثة اخرى ، دخيلة .

ـ " ولكنّ " أوء " ، يا هذا ، ليسَ قريبكَ ؟ "
ـ " مهما كانَ ، إذا لم تتركوه وشأنه لأشكونكم لأخي " جينكو " ! " : عبثاً بدتْ مجادلتي لأفراد من عصبة ، سرسريّة ، متنسّبة لزقاق " آلرشي " ، المجاور لنا ؛ هؤلاء اللاهثونَ بسفالة حلقتهم ، المحكمة ، المضروبة حول صديقي المسكين ، المستضعف . أمسكوا في الحال برفيقي ، طالبين مني بالمقابل أن أدع المكان من فوري . في وميض شفرات المدى ، المشهرة إرهاباً ، بدا وجهُ " غسان " ، الجميل ، حائلَ اللون ممتقعه . وَجلاً مرْجَفاً مُستعطِفاً ، أخذ صوتُ البائس يُصدر ما يُشبه ثغاء خروف ، صغير ، أمام ذئاب ضارية . تحركتُ أخيراً ، وببطء ، بإتجاه مدخل البستان . ولكنّ صيحة إستنجادٍ متطاولة ، مريرة ، جعلتني أتلفتُ بغير وعي حولي ؛ ثمّ ما لبثتْ حجارتي ، على الأثر ، أن إحتدّت بدورها . لحظة اخرى ، مرّتْ ؛ وبغتة ، إنفضّ جمعُ العصبة ، الغاشمة ، متهافتاً ومتهاتفاً للفرار : " ماذا تريدون من الولد ، يا حثالة ؟ " ، كان هذا صوتُ " جينكو " ، المميّز ، المفعم بالقوة والتحدّي . على الأثر ، ما كان لـ " غسان " إلا أن يشفقَ عليّ من ثورة أخي ، الموقعة على خدّي صفعة معاقبة . بدا إمتنانه لي ، جلياً ، في نظرة الإكبار ، الموسّعة عينيه المرسومتين بقلم الحسن ، كما وبدموعه المنثالة طوال طريق إيابنا . ولكنني ، بأيّ حال ، تجاهلتُ مبعثَ الصفعة تلك ، فيما أنا على إصراري في المضيّ بأثر " جينكو " ؛ هذا المنتهبة خطواته دروب البستان والجبل سواءً بسواء ؛ خطواته ، المنتعلة خفّ الحريّة ، الأكثر خفة ، مذ ذاك اليوم ، الربيعيّ ، الذي أفاقت في صبيحته عائلتنا على حقيقة إختفاء أثر الأب .

5
قبل شهور ستة من بلوغي سنّ المدرسة ، الإبتدائية ، أفاقت العائلة ذات صباح ، ربيعيّ ، على هدير صاخب ، من خطبٍ وموسيقى ، متأتّ خلل جهاز مذياع الجدّ ، القديم ؛ هدير ، ما عتمَ أن إتخذ شكل طلقات نارية ، خفيفة وثقيلة ، ملأت الفضاء وأسماعنا . " إنقلاب ! " ، صرخ أحدهم من أعلى سطح منزله ، فيما هوَ يمدّ يده جهة مركز المدينة ، زاعماً رؤية سحب الدخان ، الكثيفة . متأثراً خطى أختي الكبيرة ، المصّاعدة لتوها على الدرجات الإسمنتية ، الضيّقة ، مضيتُ من فوري نحوَ سطح دار العمّ ، وفي كياني فضولٌ يتراقصُ جذلاً وغبطة . ولكنّ صيحة شديدة ، مغضبة ، سمّرت خطوي : " إلى أين ، يا هذا .. يا قرد !؟ " . كان عمّي بنفسه ، يطلّ اللحظة بقامته ، الفارعة ، عبْرَ نافذة حجرة نومه ، العلوية ، المفضية للسطح ذاك ، المحارب . شقيقتي ، الشقراء ، دبّ فيها رعبٌ طاغ ، ما لبث أن قاد قدميها ، طائعتين مستسلمتين ، إلى حيث مصدر الصوت ، العتيّ . ما أن أصدى في سمعي ، على الأثر ، وقعُ الصفعة ، المُجزيَة عناء الفضول ذاك ، حتى وجدتني هارباً لا ألوي على أحد ، مندفعاً بإتجاه الباب المفتوح على دهليز دارنا . ثورة العمّ ، الموصوفة ، كان سببها ، على الأغلب ، شيئاً آخر ؛ غير غيظه المعتاد ، التقليديّ ، من جرأة الأنوثة : كان مجرّد تردد إسم " ثورة البعث " ، في بيانات الإذاعة الإنقلابيّة ، كفيلاً بإثارة هواجس عمّنا ، المُحالة إلى تلك الأنباء عن المجازر اليومية ، المريعة ، الحاصلة وقتذاك في عراق الثورة ؛ المجازر ، المرتكبة خصوصاً بحق الشيوعيين : ربما تذكر ، للحال ، شقيقه الأصغر وما يمكن أن يكونه مصيره .

ـ " إنه الآن في لبنان ؛ أو في الطريق إليه ، خفية ً "
همستْ السمراء لتوأمها ، المزعوم ، تخبرها بما سمعته من الكبار عن إختفاء الأب . يقظة اليوم التالي ، إذاً ، كانت محمّلة بمفاجأة اخرى لمنزلنا ، المتأزم أصلاً ؛ مفاجأة ، منذرة بالأسوأ ، بما إستجدّ خارجاً ؛ حينما هُرعنا عند الظهر على صيحات جزعة ، متهاتفة : " منع التجوّل ! " ؛ صيحات ، تبعها تدفق مركبات عسكرية ، مجنزرة ومدولبة ، زاحفة رويداً في جادات الحيّ . ولن تفارق ذاكرتي ، تلك الصورة الضبابيّة ، الغامضة ، التي إالتقطها بصري يومئذٍ للزقاق المهجور من أهله وكائناته جميعاً ؛ لجارتنا ، إبنة " عبده كَوتشي " ، المتوسّلة للجنديّ الشاك سلاحه ، رغبتها في تجاوز الخطوات الخمس ، الفاصلة بيتها عن بيت جارتها " زينه حوطيش " . غيبة رجل أسرتنا ، القسريّة ، إعتدناها في واقع الحال ؛ إعتيادنا للأناشيد القوميّة ، الزاعقة في طول وعرض بثّ الإذاعة المحليّة . إلى أن كان عصرُ ذلك اليوم ، الصيفيّ ، وفيه وجدتني قرب باب منزل " بديع ديركي " ، أناور ولداتي حول سيارته ، الجاثمة على أطرافها ، الأربعة ، وكما لو أنها هولة حارسة . " والدنا رجعَ ! " : هتفتْ إليّ أختي الكبيرة ، تدعوني إلى الإسراع في مرافقتها للمنزل . ثمة ، في أرض الديار ، كنتُ متردداً ، لابثاً على خجل ، في تطلعي ناحية نافذة الحجرة الكبيرة ؛ أين بدا الغائبُ متبسّماً ، متمعّناً فيّ بدوره .

للحكاية بقية ..

Dilor7@hotmai.com





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,225,176,100
- بابُ الحارَة ، الكرديّة
- فجر الشعر الكردي : بانوراما تاريخية
- أكراد وأرمن : نهاية الأتاتوركية ؟
- زهْرُ الصَبّار 6 : سليلو الخلاء وملاكه
- مظاهر نوبل وباطنية أدونيس
- جنس وأجناس 2 : تأصيل السينما المصرية
- زهْرُ الصَبّار 5 : قابيلُ الزقاق وعُطيله
- إنتقام القرَدة
- زهْرُ الصَبّار 4 : زمنٌ للأزقة
- شعب واحد
- زهْرُ الصبّار 3 : بدلاً عن بنت
- جنس وأجناس : تأسيس السينما المصرية
- هذا الشبل
- زهْرُ الصَبّار 2 : طفلٌ آخر للعائلة
- وداعاً ، إسكندريّة كافافيس / 3
- يا نائب وَحِّد القائد
- وداعاً ، إسكندريّة كافافيس / 2
- زهْرُ الصَبّار
- وداعاً ، إسكندرية كافافيس
- الأرمن والعنصرية اللبنانية


المزيد.....




- المنظمة الديمقراطية للشغل: ابن كيران ترك مآسي إنسانية في حق ...
- الخلفي للأساتذة المحتجين : هناك هيئات وطنية لقضايا حقوق الإن ...
- في الفيلم الموثق.. تصريحات فاضحة تهدد سمعة مايكل جاكسون بـ - ...
- معرض "فن جدة 39-21" رؤى معاصرة بين الحداثة والأصال ...
- معرض "فن جدة 39-21" رؤى معاصرة بين الحداثة والأصال ...
- رفض رؤية كاتب معاد للإسلام.. الكوميدي بلعطار يستقيل من قناة ...
- المجلس الحكومي يصادق على مشروع المرسوم المتعلق بدعم الصحافة ...
- رحلة أمينة علي.. راقصة شرقية تونسية بين حفلات الزفاف والمسرح ...
- منتدى برلماني يوصي بإحداث مرصد وطني للحماية الاجتماعية
- شاهد.. بالكتابة المسمارية.. نحات عراقي يتحدى البطالة


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زهْرُ الصَبّار 7 : مجاورو المنزل وغلامه