أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المطير - مسامير جاسم المطير 1385















المزيد.....


مسامير جاسم المطير 1385


جاسم المطير

الحوار المتمدن-العدد: 2077 - 2007 / 10 / 23 - 07:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بمناسبة التهديدات التركية : العقلانية وحدها يصنعها العقل ..!!
وردتني الرسالة التالية من القارئة هناء داود – السويد تقول فيها : (
أظن أن القراء بحاجة في هذه الأيام إلى معرفة بعض الأمور المتعلقة بالحياة التركية وبطبيعة الدولة التركية لان العراقيين عربا وأكرادا وتركمانا صاروا يسمعون بأخبار التهديدات التركية في احتلال العراق لضرب قواعد حزب العمال الكردستاني . .)
استجابة لطلب القارئة هناء أقول في مسامير اليوم أن ثمة معلومات عن الدولة التركية متوفرة بين أصابعي أضعها بيد القارئة هناء ومن خلالها الى القراء الأعزاء آملا أن أضع يوم غد معلومات عن حزب العمال الكردستاني الذي ترصده الدولة التركية للقضاء عليه ..!
في تركيا دولة واحدة وهويات عديدة. أهل اسطنبول، غير أنقرة، غير قونيا، غير أزمير، غير ديار بكر، غير ماردين، غير بورصة، غير إزميت. لكل مدينة ومنطقة في هذه الدولة المعقدة جغرافيا وتاريخيا شخصيتها وهويتها، والكل فخور جدا بخصائصه. وإذا أردت أن تفهم الأتراك يجب أن تبدأ من مسلمة أن الأتراك شعب فخور جدا. ليس فخورا بإسلامه فقط وبحضارته فقط او بمعماره وتاريخه وفنه واقتصاده وديمقراطيته وانفتاحه الثقافي والاجتماعي وتوجهه نحو أوروبا فقط. هو فخور بكل هذه الأشياء دون أن يعطي لأي منها الأفضلية. اسطنبول هي «قلب» تركيا وعاصمة تاريخها كله، فهي كانت عاصمة الدولة العثمانية (1299- 1922)، وقبل ذلك كانت بتسميتها الأولى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. وهي حاليا عاصمة الاقتصاد والأعلام والسينما والفن والموسيقي والعمارة. والأتراك مختالون بها وهي مدينة مختالة بنفسها، وبموقعها الاستراتيجي النادر فهي تضع قدما في اسيا وقدما في أوروبا، ويقسمها مضيق البوسفور الذي يفصل البحر الأسود عن بحر مرمرة، وبالتالي أينما وليت وجهك ترى البحر في كل مكان.
مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا وأبوها الروحي، من حبه لاسطنبول وخوفه عليها، قرر ان يحميها من محاولات القوى الكبرى للاستيلاء عليها، فاختار أنقرة عاصمة بدلا منها، وكان هو ومساعدوه في حال حزن عندما وضع أمامه خريطة تركيا، ثم نظر ووضع خطا بالقلم عند أنقرة لتكون هي العاصمة الجديدة. أنقرة باتت «العقل»، العاصمة الرسمية ومركز الوزارات ومؤسسات الحكم. أما ديار بكر فتحولت من مجرد مدينة في جنوب شرقي تركيا الى «العاصمة السياسية للأكراد» في العالم. وعلى الشمال منها مدينة «تونسيلي» التي قصفت بالصواريخ على يد الجيش التركي عام 1938 من اجل قمع تمرد أهالي المدينة، ومنذ ذلك الحين أصبحت المدينة مركزا لليسار التركي، ومنها خرجت الحركات اليسارية بكل أشكالها وأطيافها، كما خرج منها أبرز الكتاب اليساريين في تركيا. على الجانب الآخر، مدينة أزمير، التي تعد رمزا للعلمانية والحياة على الطريقة الغربية والتحديث. وإذا كانت هناك مدينة تركية واحدة يمكن ان تعبر عن «الإسلام المحافظ»، فإن قونيا هي هذه المدينة. فسمعة أهالي قونيا أنهم متدينيون حريصون على ممارسة شعائر دينهم. اما المدينة نفسها، فإنها مشهورة بكونها معقل نفوذ للحركات والأحزاب الإسلامية. في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كانت المدينة معقل حركة نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه وأول رئيس وزراء إسلامي في تاريخ تركيا. وفي السنوات الأخيرة، أثبتت قونيا مرة أخرى انها معقل للمحافظين، إذ أن 65% من سكانها صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في يوليو (تموز) الماضي. وهي مدينة مولانا جلال الدين الرومي الذي خرجت من أفكاره التصوفية طريقة «المولوية» إحدى أهم الطرق الدينية في تركيا، والذي أثر في فهم الأتراك للإسلام كما لم يفعل احد من قبله او بعده، ففي منازل الأتراك ومتاجرهم ومؤسساتهم الخاصة ستجد دائما أشعار الرومي معلقة على أحد الحوائط، وأكثرها شعبية بيته الشعري الذي يلخص كل فلسفته في التسامح وقبول الآخر والاحتفال بالتنوع «تعالى.. تعالى.. بغض النظر عن من انت». الكثير من الأتراك عندما تتحدث إليهم يقولون لك: من غير الرومي لم يكن لتركيا بكل هذه الأعراق والطوائف والديانات ان تتعايش معا بكل هذا القدر من الانسجام. فبحكم امتداد الدولة العثمانية على 3 قارات، تتنوع أعراق تركيا بين الاتراك الذين يشكلون نحو 70% من السكان، والأكراد الذين يشكلون نحو 20% من السكان، والأرمن والتركمان والآشوريين واليونانيين والألبانيين والبوسنيين والبلغار والجورجيين والشركس والشيشان والعرب وغيرهم من الأعراق. ومع ان لكل مدينة تركية أثنية أو عرق هوية خاصة بها، إلا أن الجميع في النهاية أتراك. لكن الأتراك عندما يتحدثون عن أنفسهم لا يقولون إنهم أتراك بل «أهل الأناضول» أو «الأناضوليين». فالأناضول هي شبه الجزيرة الجبلية بغرب آسيا التي تشكل معظم أراضي الدولة التركية وتسمى «آسيا الصغرى»، وهي المركز الذي هاجر اليه الأتراك الأوائل وكونوا دولتهم. كان يكفي تركيا تركيبتها الجغرافية المعقدة والثرية والتي جلبت لها على مر التاريخ خيرات وويلات كثيرة. فهي تقع بين آسيا وأوروبا (97% من أراضيها في آسيا و3% في أوروبا). في جنوبها العراق وسورية والبحر المتوسط، وفي غربها بحر ايجة واليونان وبلغاريا، وفي شرقها جورجيا وإيران وأرمينيا وأذربيجان، وفي شمالها البحر الأسود، أي تحدها 8 دول، لكل دولة تأثيرها الاستراتيجي على تركيا بحسب المصالح والعلاقات، كما تحدها 3 بحار، من كل بحر يأتي أعداء وأصدقاء. كان يكفي تركيا التعامل مع خصوصية كونها ايضا موزعة الهوية بين أوروبا من جهة والإسلام والشرق من جهة أخرى. لكن تركيا الجمهورية التي ولدت من رحم الحرب والصراع الدولي للاستيلاء عليها خلال السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية اعتادت على الأزمات. فلم يكن مفجعا ان تستيقظ خلال الاشهر الماضية على نزاع مفتوح بين العلمانيين والإسلاميين على هوية الجمهورية (مقترحات لبس الحجاب وتخصيص مساجد صغيرة في المؤسسات الحكومية للصلاة مثلا). كما لم يكن مفاجئا ان تجد نفسها في مواجهة مفتوحة داخليا (مع الأكراد) وخارجيا (مع أميركا والعراق والمجتمع الدولي) بسبب خططها للدخول الى شمال العراق لتصفية معاقل حزب العمال الكردستاني. هذه الأزمات الداخلية والخارجية تجعل تركيا اليوم في مهب رياح الشرق الأوسط، ومهب أوروبا، ومهب أميركا ومهب آسيا. لكن لا يخشى الأتراك المواجهات، كما يعرفون مقدار تأثيرهم. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح القومية التركية، لا ينتظر الأتراك سماع ما تريده او تفضله أميركا او غيرها من القوى الدولية او الإقليمية. المزاج اليوم في تركيا مزاج تحد ومواجهة، فهناك شعور بأن تركيا في وضع داخلي واقليمي ودولي صعب، وهي لن تقف متفرجة على احتمال انفصال أكراد العراق بدولة مستقلة مثلا، ولن تسمح بأن تظل قواعد حزب العمال الكردستاني موجودة في شمال العراق بدون تدخل عسكري اميركي او عراقي واضح للتصدي لهم. ولا يخشى الاتراك غضب اميركا. «نحن لا تهمنا اميركا. اذا قررنا الدخول لشمال العراق لمصالح تركيا العليا سنفعل هذا. الاتراك لا يهمهم استياء اميركا»، يقول أكرم دومانلي رئيس تحرير صحيفة «زمان» التركية لـ «الشرق الاوسط». ويتخوف الاتراك من ان في هذا المناخ الاقليمي المفتوح على كل الاحتمالات، بما في ذلك تحول ايران الى قوى عظمى في المنطقة اذا ما طورت اسلحة نووية «في هذه الحالة ستكون تركيا من الخاسرين الكبار، ان لم تكن الخاسر الأكبر»، كما قال لـ«الشرق الأوسط» سيرهات اركمين الباحث في معهد «اسام» التركي للأبحاث الإستراتيجية. وفي خضم هذه التطورات الاقليمية والدولية ينظر الأتراك للتاريخ طويلا، ويعطون اهتماما خاصا للطريقة الاستثنائية التي تطوروا بها كأمة وكدولة. ويقول المفكر التركي شريف ماردين لـ «الشرق الاوسط» في هذا الصدد: «عندما يفكر المرء في كل الظواهر في تركيا.. عليه ان يفكر في ماض صاغ خصوصية تركيا، وجعلها استثناء عما حولها». فمثلا مفهوم الدولة كان حاضرا لدى العثمانيين منذ القرن 13 إذ أن أنها سميت «دولت عالية عثمانية»، أما شعارها فكان «دولت أبد مدت» أي «الدولة الابدية». وبالتالي اذ يشعر الأتراك بخطر على مصالحهم لا يشعرون بخطر على وجودهم. فتاريخهم يحميهم، فأتراك تركيا اليوم تعود اصولهم الى العرق التركي الغزى او الاوغوز، وهؤلاء يعتبرون اجداد الأتراك الجنوب غربيين الذي يضم أتراك تركيا وقبرص والبلقان واليونان وبلغاريا وتركمانستان وايران، ويعتبر الأتراك الاوغز مؤسسو امبراطوريات كبيرة منها السلجوقية والعثمانية والصفوية. وقد اعتبرت الدولة العثمانية نفسها امتدادا للامبراطورية البيزنطية الرومانية. فعندما فتح محمد الفاتح القسطنطينية في 29 مايو (أيار) 1453 وسقطت الإمبراطورية الرومانية، اعتبر محمد الفاتح الدولة العثمانية وثقافتها وتقاليدها مزيجا بين الإسلام وبين الثقافة الرومانية، وبالتالي تميزت الدولة العثمانية بتنوع عرقي ولغوي وديني كبير منذ بدايتها الاولى، كما تميزت بإعطاء الأقليات الدينية والعرقية حرية في تنظيم شؤونهم بعيدا عن التدخلات المركزية. ولمدة 6 قرون كانت الدولة العثمانية موزعة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بين الشرق والغرب. والمكون الغربي في ثقافتها اصيل وجزء حقيقي من تكوينها. وبينما لم يحتك العرب بالغرب الا بوصفهم مستعمرين، احتك الاتراك بالغرب لستة قرون بوصفهم حكاما لهم، ومن هنا شعور الاتراك بالفخر وشعورهم بالأهمية. فهم يعرفون ان دورهم وتأثيرهم في الشرق الأوسط مهم جدا للغرب ولاميركا، ومهم لدول المنطقة. كما يعرف الأتراك حجم الضغوط عليهم، «تركيا هي الدولة المهمة للغرب ولاميركا في الشرق الاوسط .. اذا خسروا تركيا، خسروا كل شيء»، كما قال نجم الدين اربكان, أبو الاسلام السياسي التركي لـ «الشرق الاوسط». وبالتالي تتجه أعين القوى الإقليمية والدولية الى تركيا اليوم. اما قرارات تركيا فتصنع في مدينتين تتقاسمان السلطة والنفوذ، فالقرارات السياسية تصدر من العاصمة الرسمية أنقرة. فيما القرارات الاقتصادية تصدر من اسطنبول, العاصمة الاقتصادية.


اسطنبول تنفتح على «ميدان تقسيم» الذي اسس عام 1928 للاحتفال بإقامة الجمهورية التركية، كما تنفتح على «مدرسة جلطة سراى» التاريخية، مدرسة النخبة منذ الدولة العثمانية وحتى اليوم. هي اذا مدينة القوى الاقتصادية والاعلامية والثقافية.


وفي وسط المدينة التاريخي جامع محمد الفاتح وآيا صوفيا والمسجد الأزرق. يحب الاتراك اسطنبول وأي تركي مولود في اسطنبول يبدأ اولا بعبارة «انا اسطنبولي». واسطنبول هي بابل العصرية، ففي «شارع استقلال» اكبر شوارعهــا تسمع عبــارات بالعربي والعبري والانجليزي والايطالي والاسباني والياباني والصيني والتركي والفارسي في الوقت نفسه. وعلى المحلات التجارية تجد لافتات صغيرة مكتوب عليها: لدينا متحدثين بالعربية، او متحدثين بالفرنسية او بالفارسية، ودائما بالعربي عبارة «لدينا مقاسات اكس لارج». «ميدان تقسيم» هو «شانزليزيه» اسطنبول فيه كل المحلات التجارية الراقية، والمكتبات والمقاهي والمطاعم والفنادق. وعندما تسير في الميدان، الذي لا يهدأ ولا ينام، تسمع الموسيقى من كل اتجاه، فالمحلات والمكتبات ترفع أصوات الموسيقى داخلها لجذب السائحين، بينما يقف دائما عدد من الشباب الذي ربما لم يعثر على عمل يعزف الموسيقى بالجيتار أو بالناي، ولن تعدم مشاهدة شباب يأخذهم الجذل يرقصون في الميدان. ولهذا يهرب الفنانون والكتاب والصحافيون والموسيقيون والرسامون إلى اسطنبول. «هذه مدينة بوهيمية جميلة. يكفى الموسيقى، لن تجدي مكانا على الأرض تصدح فيه كل هذه الموسيقى في وقت واحد»، تقول أديبة سوزان إحدى نائبات حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي. وتوضح سوزان، التي كانت ترتدي سترة زرقاء أنيقة ولا ترتدي الحجاب، لـ «الشرق الاوسط»: «اسطنبول هي المدينة التي تعبر عن كل تركيا. الانفتاح والتاريخ جنبا الى جنب».

تتميز اسطنبول بجدرانها البيزنطية وكنائسها التي تعود لفترة الإمبراطورية الرومانية، كما تمتاز بمساجدها العثمانية وقصور السلاطين العثمانيين، وبناطحات السحاب التي بنيت حديثا، ففي المدينة عصور وأزمنة كثيرة تتعايش كلها جنبا الى جنب، وبالتالي الى جانب ناطحات السحاب، تجد المتسولين والكلاب والقطط الضالة بكثرة في شوارعها.
المساجد القديمة في اسطنبول هي التي تعطيها مذاقها كعاصمة إسلامية، ففي الواقع لم تبن أي مساجد كبيرة في اسطنبول منذ الحرب العالمية الثانية، ويوجد في اسطنبول 2500 مسجد، أي بمعدل مسجد لكل 4 آلاف شخص. أما الكنائس الارذوكسية فهى كثيرة بسبب الوجود اليوناني والأرميني الذي تناقص خلال العقود الماضية من أكثر من 300 ألف الى عدة آلاف فقط الآن. وبالنسبة للأتراك فإن اسطنبول هى المثال الذي يتطلع إليه باقي السكان، فيقال «أكل اسطنبول»، و«فاكهة اسطنبول»، و«أزياء اسطنبول»، و«محلات اسطنبول»، و«طريقة كلام أهالي اسطنبول»، حتى باتت كلمة «اسطنبولي» وصفا لكل ما هو جيد وراقي المستوى.
اسطنبول، أكبر المدن التركية، عدد سكانها يزيد على 14 مليون نسمة، وهذا العدد ربما لن يرتفع كثيرا خلال السنوات القليلة المقبلة، إذ أن الصناعات بدأت تنتقل من اسطنبول الى مدن أخرى، على رأسها أزمير. وهي عاصمة السينما والفن والمسارح والموسيقى والرواية والإنتاج الثقافي الشعبوي والنخبوي، وعاصمة السياحة والاقتصاد. ففيها 13% من سكان تركيا، و21% من سكان الحضر، و11% من اليد العاملة، و30% من الاستثمارات الصناعية، و40% من حجم التجارة، و21% من الناتج القومي التركي . على الرغم من الجمال الطبيعي الذي تتميز به اسطنبول، إلا أنها مدينة قاسية، والحياة فيها صعبة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فمتوسط الأسعار فيها يزيد بنحو 4 مرات عن متوسط الأسعار في أنقرة. والحياة الاجتماعية فيها غربية الطابع، فالناس تشتكي من انتشار مفاهيم الأنانية والفردية، وضعف الروابط العائلية، وارتفاع نسبة الجريمة ربما بسبب كونها ملتقى العمالة الوافدة من المدن التركية الفقيرة. ولذلك وبالرغم من كونها أكثر المدن كوزموبوليتانية، إلا أن فيها مجموعات من الأكراد وباقي المهاجرين الذين يأتون إليها.

أحيانا يشتكي اهالى اسطنبول من ان أنقرة بسبب تمركز البيروقراطية والوزارات المختلفة فيها أخذت الكثير من حصة اسطنبول المالية، وأن هذا سبب الفقر في أحيائها والعشوائيات التي ما زال الكثير منها موجودا حتى الآن بالرغم من كل المحاولات. فعندما تم إقرار أنقرة كعاصمة عام 1923، كانت اسطنبول في حالة سيئة، وبنيتها التحتية متعبة ومرهقة من الحرب. وخلال حكم أتاتورك وبسبب الانهماك في حرب الاستقلال، ثم الانهماك في بناء الدولة التركية الحديثة لم تبن في اسطنبول إلا منطقة سكنية حول المنطقة التي عاش فيه أتاتورك، بخلاف هذا ظلت المدينة كما بناها العثمانيون بكل بنيتها التحتية. وظل الوضع هكذا خلال الأربعينيات، فبسبب الحرب العالمية الثانية، لم يتم الإنفاق على البنية التحتية، ولم تتغير أوضاع المدينة إلا في الخمسينيات، عندما تزايدت هجرة الأتراك من القرى المختلفة الى اسطنبول، فاتسع حجم البناء والتعمير والمساكن العشوائية التي بناها المهاجرون والتي يطلق عليها «جيشكوندو» اي «أقيمت في الليل» لأن المهاجرين كانوا لابد أن يضعوا سقوفا على بيوتهم العشوائية خلال 48 ساعة، وإلا كان من حق السلطات المحلية إزالة هذه المباني بدون أمر قضائي. ولان السياسيين كانوا حريصين على أصوات المهاجرين في الانتخابات، فقد أحجموا عن هدم المباني العشوائية، وبدلا من ذلك مدوها بالمياه والكهرباء، وساعد انتشار مافيا الأراضي الذين كانوا يستولون على أراض تتبع للدولة ويبيعونها للمهاجرين على انتشار العشوائيات. وحاولت الحكومات العديدة في تركيا إيلاء اسطنبول الاهتمام المناسب، وكثيرا ما تردد أن عمدة اسطنبول السابق، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، قال ان خدمة المدينة وسكانها «نوع من العبادة». لكن المدينة أيضا «كعب أخيل» البلد ونقطة ضعفه، فالعشوائيات كانت في السبعينات والثمانينيات سببا في الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية، وفي التسعينيات خرج منها إسلاميون متشددون وآخرون أكثر اعتدالا مثل اردوغان، لكنها تظل نقطة حساسة. في عام 1960 ارتفع عدد سكان المدينة الى مليون ونصف وقام عدنان مندريس بأول تحسينات كبرى في اسطنبول، وتم بناء أول جسر على مضيق البوسفور والذي انتهى العمل منه 1973. ووصفت أحزاب اليسار ساعتها بناء الجسر بأنه إهدار للمال العام، لكن الحقيقة هي أن الجسر أدي الى تنمية الجزء الأسيوي من اسطنبول والذي يعيش فيه ثلث سكان المدينة، وكان مهملا وفقيرا مقارنة بالجزء الذي يقع في الجانب الأوروبي. التحولات في اسطنبول التي بدأها مندريس أخذت دفعة خلال حكم تورغوت اوزال الذي انتخب رئيسا للوزراء عام 1983 وعمدة المدينة النشط آنذاك بدر الدين دالان الذي أزال كل ورش العمل من منطقة الخليج الذهبي على البوسفور، وبدأ مهمة تطهير المنطقة وتوسيع الساحل وبناء طرق جديدة على البوسفور، كما بني جسرا ثانيا يربط بين ضفتيه. بعد دالان تم انتخاب نور الدين زوزان كعمدة، وبدأ العمل في مشروع مترو الأنفاق. واسطنبول مدينة ملوثة بسبب عدد سكانها الكبير، الا انه في التسعينيات دخل الغاز الطبيعي الذي يأتي من روسيا عبر البلقان المدينة، مما أدى الى تحسين نظافتها، فهناك مليون ونصف المليون سيارة، ونصف مليون أتوبيس وشاحنة ودراجة بخارية تسير في الشوارع يوميا.
يعتمد اقتصاد اسطنبول على الخدمات، فهي المركز الرئيسي للبنوك والشركات، وبسبب هذا تعد المدينة مركز جذب كبير للمهاجرين بشكل دائم او للمسافرين بشكل دوري، فمحطة الباصات الرئيسية في اسطنبول والتي تقع على الخليج الذهبي سجلت عام 2002 حوالي 80 الف مسافر في اليوم، فالباصات لا تربط اسطنبول بباقي المدن التركية، بل اسطنبول بالبلقان وروسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا والشرق الأوسط. وتعد السياحة سببا أساسيا لكون اسطنبول مركزا للسفر، ففي صيف 2002 مثلا مر على اسطنبول 20 مليون مسافر. أما العاصمة أنقرة فهي تعيش على هاجس عبارة «أجمل شيء في أنقرة هو أن تخرج منها»، وهي عبارة للشاعر التركي يحيى كمال قالها معبرا عن شعوره حيال أنقرة في السنوات الأولى بعد اختيارها عاصمة، ففي ذلك الوقت كان بها فندق واحد جيد هو «أنقرة بالاس» وكان بها مطعم واحد جيد هو كاربش، الذي كان جنود الحلفاء يأكلون فيه، وملهى ليلي واحد جيد هو «ثريا». اليوم في أنقرة أفضل فنادق الخمسة نجوم وأفضل المطاعم بسبب وجود كل السفارات فيها، والمؤسسات الحكومية. لكن هناك أشياء لا يشتريها المال ومنها التاريخ، فمليارات الدولارات التي أنفقت على أنقرة من اجل بنائها وبناء بنيتها التحتية، جعلت منها مدينة حديثة نظيفة، لكنها ظلت مدينة بلا تاريخ طويل، وفي نظر الكثيرين بلا روح. ففي وسط انقرة ستقع عينك على ما يعتبره الأتراك واحدا من أهم معالمها التاريخية وهو مبني البرلمان القديم الذي أسسه أتاتورك وشهد إعلان الجمهورية 1923. في أنقرة مقر الحكومة ومقرات الوزارات، والبرلمان والجيش والسفارات الأجنبية ويزورها 10 آلاف شخص كل يوم لإنهاء معاملات مع الحكومة. لكن المجال الذي تتقدم فيه انقرة هو استضافة الجامعات. ففيها 6 جامعات 4 حكومية و2 خاصة وتضم 140 الف طالب جامعي اي 9% من الطلاب في تركيا ومن افضل الجامعات فيها جامعة «الشرق الاوسط التكنولوجية» وهي جامعة تستخدم اللغة الانجليزية، و«جامعة بيلكنت» الخاصة وأدى وجود طلاب الى زيادة المكتبات والمقاهي والمطاعم في منطقة كيزيلاي وينيشهر بوسط انقرة. في عام 1940 ومع اجراء اول تعداد سكاني كان عدد سكان انقرة 188 الفا، واعتقد هرمان جانسين المهندس الألماني الذي اختاره اتاتورك بنفسه للتخطيط لانقرة كعاصمة ان عدد سكان انقرة يمكن ان يرتفع الى 300 الف في غضون خمسين عاما لكن عام 1980 كان عدد سكان المدينة وصل الى مليونين و200 الف وبحلول عام 2000 وصل عدد السكان الى 3 ملايين و200 الف لتصبح ثاني اكبر مدينة في تركيا. وتعتمد انقرة على شبكة مواصلات من القطارات الحديثة التي تعمل وسط المدينة (انقري) والعربات واخيرا الجسور التي سهلت عدم اختناق الطرق، والمترو الذي يسير من غرب المدينة الى شرقها ومحطتة الأساسية بوسط انقرة في «كيزيلاي». ويحب اهالي انقرة ان يقال عنهم أنهم أطيب واهدأ وأكثر تحضرا من أهالي اسطنبول لكن أنقرة مملة ايضا. ويطبق الأتراك والأجانب عبارة: «اجمل شيء في انقرة هو ان تغادرها»، فما ان ينهي السياسيون والدبلوماسيون فترة خدمتهم، حتى يتوجهون الى اسطنبول رغم تلوثها وازدحامها. وللمفارقة، فإن تركيا اليوم التي تنقسم حول نفسها في الكثير من القضايا، يتفق أبناؤها سواء كانوا علمانيين او إسلاميين على أنهم جميعا «كماليون»، فالجميع يريد تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي. تركيا دولة عصرية حديثة، متسامحة، ومنفتحة على ماضيها وحاضرها، امة متعلمة، فالتعليم شيء مهم جدا لدى الأتراك, لكنهم يختلفون على كيفية تحقيق ذلك.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,843,339
- مسامير جاسم المطير 1384
- مسامير جاسم المطير 1383
- مسامير جاسم المطير 1381
- مسامير جاسم المطير 1379
- مسامير جاسم المطير 1378
- برقيات رمضانية أهدهدها إلى السادة المذكورين أدناه مع التحية. ...
- مسامير جاسم المطير 1376
- مسامير جاسم المطير 1374
- مسامير جاسم المطير 1372
- هوايات الرئيس جلال الطالباني ... مسامير جاسم 1371
- قراءة في كتاب المستبد لمؤلفه زهير الجزائري
- مسامير جاسم المطير 1370
- كل مخصصات مالية لها ما يبررها إلا مخصصات الحماية ..!!مسامير ...
- المؤمنون في كل مكان حلويون إلاّ في البصرة فالمؤمنون نفطويون ...
- سكت العقل وتكلم الحظ أمام عبد الصبور ..!!مسامير 1367
- مسامير جاسم المطير 1366
- مسامير جاسم المطير 1365
- مسامير جاسم المطير 1363
- مسامير جاسم المطير 1362
- العراق لم ينجب بطلا غير نوري المالكي ..!! مسامير 1361


المزيد.....




- كيف كان التفاعل على رد الوليد بن طلال حول -طموحاته السياسة- ...
- -سوريا الديمقراطية- تعتقل داعشيين -على علاقة بتفجير منبج-
- وزيرة العدل الإسرائيلية تتعطر بـ-الفاشية-
- توكايف يؤدي اليمين الدستورية رئيسا لكازاخستان
- تناول البيتزا يوميا لمدة 37 عاما وهذا ما حدث ليلة زفافه
- محمد بن سلمان يفاجئ ناديين سعوديين بقرار -غير مسبوق-
- مسؤول حزبي: لم تكن لدينا الشجاعة لرفض ترشح بوتفليقة... وتصرف ...
- زلزال قوته 5.6 درجة يهز غرب تركيا
- -كاديلاك- تطلق سيارة فارهة لرجال الأعمال
- الجزائر بمأمن من السيناريو الليبي رغم توافر كل الأسباب


المزيد.....

- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ
- الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر / مجدى عبد الهادى
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2018 - الجزء السابع / غازي الصوراني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- كتاب خط الرمال – بريطانيا وفرنسا والصراع الذي شكل الشرق الأو ... / ترجمة : سلافة الماغوط


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المطير - مسامير جاسم المطير 1385