أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد السلطاني - ثمانينية قحطان المدفعي :التعقيد ... والتعبيرية في العمارة *















المزيد.....



ثمانينية قحطان المدفعي :التعقيد ... والتعبيرية في العمارة *


خالد السلطاني

الحوار المتمدن-العدد: 2073 - 2007 / 10 / 19 - 11:28
المحور: الادب والفن
    


تستدعي المناسبات الخاصة بالمعماريين العراقيين النظر ثانيةً في مسارالعمارة العراقية الحديثة وتقييم منجزها ، تقييم يمكن له ان يفضي الى قراءات متجددة بحكم ما يكتنزه ذلك المنجز من دلالات مفاهيمية مركبة ، بمقدور آليات النقد الحديث الان كشفها وتحديدها . ومناسبة " ثمانينية " المعمار " قحطان المدفعي " التى تصادف في هذه السنة ، ( ولد في عام 1927 بالاعظمية ببغداد ) ، تتيح فرصة مواتية لقراءة ناتج العمارة العراقية ،كرةً اخرى ، ممثلا بعمارة صاحب الاحتفالية الذي شكل منجزه الابداعي ومافتئ يشكل مساحة مميزة ومؤثرة في عموم المشهد المعماري العراقي والاقليمي على حد سواء ، المنجز الذي ظل دائما ينطوي على اهمية خاصة ان كان لجهة تحديث العمارة او لناحية تنويعات ذلك التحديث .
ودراستنا الحالية عن عمارة " المدفعي " تمثل استمرارا لما بدأنا به الكتابة عن ناتج العمارة العراقية الحديثة في دراسات سابقة شملت عمارة "رفعة الجادرجي " ( 1926) و" قحطان عوني" (1926 -1972 ) وقبلهما عمارة "جعفر علاوي " ( 1915- 2005 ) و"عبد الله احسان كامل " ( 1919-1985 ) و"محمد مكية " ( 1914 ) وغيرهم من المعماريين العراقيين الذين ابدعوا ما يعرف الان بمنجز العمارة العراقية الحديثة . ويظل التعاطي المستمرمع هذا الموضوع ، الذي ازعم باني احد متابعيه ، يمثل هماً مهنيا وشخصيا ، اتطلع من خلاله ، وبمشاركة بقية المهتمين الذين ساهموا ايضا بكتابات وتقيمات جادة ، الى تأسيس لما يمكن ان نسميه الخطاب النقدي المعماري العراقي ، حضوره الذي يفترض ان يكون موازيا للعملية التصميمية ومواكبا لها منذ بداياتها ولحين الوصول الى مراحلها التنفيذية النهائية . ان بواعث هذا الاهتمام الشخصي لكثيرة ومتشعبة . منها احساسي بان هذا المنجز لم يحظ َ بعناية الكثيرين وظلت انجازاته الحقيقية مغرّبة وغريبة عن انظار اوساط اجتماعية واسعة ، ومنها طبيعة عملي الاكاديمي الذي مارسته لفترات زمنية طويلة في جامعات بغداد ومدن مختلفة اخرى ، ما طبع اهتماماتي المهنية بطابع خاص . وربما كانت ندرة ما كتبه المعماريون المصممون انفسهم حافزا آخرا لهذا الاهتمام . اذ ان بخلاف كتابات " رفعة الجادرجي " الرصينة والمتنوعة والمستمرة والمقالات المبكرة " لسعيد علي مظلوم " وبعض مداخلات " معاذ الالوسي " ، فان ماتناوله المعماريون المصممون عندنا يعد شأنا قليلا ، نسبة الى ماهو جارٍ او متعارف عليه في الاوساط المعمارية العالمية . وقد يضاف باعثا آخرا لذلك الاهتمام منبعه وضعية اقامتى الحالية وخصوصيتها بمنأى عن وطني وشغفي الحماسي الحالي بامور بلدي وانهماكي باعادة قراءة ما تحقق هناك تكريسا للوصل والتواصل ؛ " فكل انسان اقام بعيدا عن اصله ، يظل يبحث عن زمان وصله " كما يقول " عمنا " المتصوف " جلال الدين الرومي ".
واياً يكن ، فان مهمة الحديث عن العمارة العراقية الحديثة ، وبالطبع عن مبدعيها المميزين ، تكتسي اهمية خاصة ، من حيث انها مهمة مفيدة ومطلوبة .. وواجبة ايضا . على ان جدوى طروحات نقـّاد العمارة الذين انبروا للكتابة عن تلك المهمة ، وانا واحدا منهم ، متروك للاخرين تقيمها فيما اذ كانت تلك الطروحات مفيدة فعلاً او ان تلك الكتابات مطلوبة حقاً . وعموما فان مهمة النقد المعماري عندنا يعتريها كثير من الغموض وتشوبها كثير من عدم الدراية , فالجميع بضمنهم المعماريين العاملين متفقون على حاجة النقد لتقويم العملية التصميمة الجارية ؛ لكن كثر من المصممين لا يكترثون للنص النقدي ، ويطمحون ، داخل قلوبهم ، ان يكون النقد الموجه لهم مفعما بالاطراء ومترعاً بحسن التقريظ ؛ بل ويشعر بعضهم بضيق اذا كان الاطراء مخصص الى آخرين . واعتقد بان هذه الحالة ستظل سائدة في الاوساط المهنية ، وحتى شائعة فيها ما لم يتحدد بصورة واضحة ومقنعة دور الفعالية النقدية وواجبها واهميتها في العملية التصميمية. من هنا ، في اعتقادنا ، يتعين بدءا الاقرار بصوابية مقولات " الرابطة العالمية للنقاد المعماريين " Comite International des Critiques d’ Architecture (CICA ) بان " النقاد ليسوا بقضاة ، كما ان المعماريين المصممين ليسوا بمتهمين !" فللنقد المعماري دور مهم يتخطى بالطبع مثل هذا المفهوم . انه معني اساسا في تفكيك ونزع كل انواع " التابوات " ، انه تواق الى اقتحام كل انواع التقاليد وازالة تأثيراتها السلبية عن العملية التصميمة ؛ انه يسعى وراء تطور الفعل المعماري التائق الى تحسين نواحي الحياة المختلفة ، كما انه يحرص على استنهاض قوة الجهد الابداعي للوصول الى تخوم تصورات فردية وجماعية معبرة وساطعة . عدا ذلك ، وخارج اطار تلك المناخات ، فان كل ما يقال سيكون بعيدا عن مهام النقد الحقيقية . ليس انا وحدي من يؤمن بتلك المنطلقات ، انها جزء من " مدونة " معرفية وحتى اخلاقية ، يطمح الناقد الجاد التمسك بها كمرجعية قيمية ، معلنا تعاضده الفكري معها .
لكن مفهوم " الفعالية النقدية " ، رغم وضوح تلك المنطلقات ظل في كثير من الاحيان مجالا لتأويلات عديدة افضت في النتيجة الى تعددية ذلك المفهوم والى تنوع مساراته . يذكرنا الناقد المعماري الروسي " فجيسلاف غلازيتشيف " بان كثراً من الذين يعتبرون انفسهم منظرين ، بضمنهم رواد عمارة الحداثة ، يطمحوا ان يكونوا " مصيبين " اكثر مما ان يكونوا " موضوعيين " ؛ " اوائل " بدلا من ان يكونوا " متجردين" و " غير محابين " . وفي رأيه بان " ... اذا كانت النظرية تتقصى ايجاد تفسيرات للراهن ، فان النقد معني في رسم هيئة المستقبل انطلاقا من شكل الحاضر . واذا كانت النظرية تنشد التأثير على العمارة مستعينة بافكار المعمار / المصمم ، فان النقد يحث على استفزاز المخيلة .. " (V. Glazichev , Zodchestvo 3,{In Russian} Moscow, 1989, pp. 74-75)
كان لا بد من هذا الاستطراد ، في بدء دراستنا المكرسة لثمانينة المعمار، حتى لا يكون ثمة مكان لتأويلات خاطئة لما يمكن ان نشير لاحقا اليه ، في تناولنا بعضاً من مباني" قحطان المدفعي " ولغتها المعمارية . واذ نعي تماما فحوى المقولة الصينية " بعدم جواز الخصام في الاعياد ! " فاننا نعلن باننا سنظل اوفياء لمغزاها رغم كل ما ننوي قوله في هذه المناسبة الاحتفالية ، مقدرين سعة صدر معمارنا المحتفى ، وصديقنا العزيز قحطان ، وكذلك نباهة قرّاء نصنا .

ثمة مسار ابداعي طويل حافل بالانجازات المعمارية ، اختطه المعمار قحطان المدفعي منذ رجوعه الى بلده عام 1952 بعد ان انهى تعليمه المعماري في كارديف من اعمال ويلز في المملكة المتحدة . ولا يزال هذا المسار يغتني باضافات تصميمة مهمة ، نتمنى ان تكون مدار دراسة واهتمام العديدين كجزء من دراسة الانجاز الابداعي العراقي متعدد الاجناس والمنطلقات . ولئن حجبت المحنة المأساوية التى يمر بها العراقييون الان ، ادراك اهمية ماتم اجتراحه سابقا ، اوما يمكن ان يقدمه ابناء العراق المبدعين لبلدهم وللانسانية ‘ فان ذلك لا يعني البته نكران قيمة ما تحقق وتناسي تأثيراته العميقة على مجرى الاحداث الثقافية المحلية والاقليمية . فما تم عمله من قبل مبدعي العراق ، وقحطان المدفعي احدهم ، يعد عملا تحديثيا رائدا وبطوليا ، رغم ما اكتنف ذلك العمل من محددات كثيرة وما جابهة من عراقيل متنوعة . واذ نقرّ باهمية ما ارتبط باسم المدفعي من اعمال معمارية مختلفة وعديدة ضمن مساره الابداعي الطويل ، فان دراستها او في الاقل اعادة قراءة ماتم اجتراحه ، تجيز لنا اجراء تقسيمات تحقيبية تساعدنا في النظر بترو الى ما تحقق ، من دون اسقاط فكرة باننا نتعاطى مع منجز متكامل غزير التنوع في مواضيعه وشديد التباين في تقييماته . ونرى ان انجازه في عقد الخمسينات اتسم بخصوصية متميزة ، وهو يختلف عن ما تم تحقيقه من مقاربات معمارية في عقدي الستينات والسبعينات ‘ في حين خلى عقدا الثمانيات والتسعينات من اية اعمال مؤثرة بسبب انكفاء النشاط الاستشاري بالعراق اثر الحملة الظالمة التى شنها النظام التوتاليتاري ضد المكاتب الاستشارية العراقية جميعها محاولة منه تدجين مصادر الابداع المحلي والاستحواذ عليها ، ما افضى الى ردة ثقافية حقيقية ، لا يزال العراق يعاني من تأثيراتها الكارثية ، ومن نتائج ما " زرعته " الديكتاتورية الغاشمة من " قيم " عنصرية حاولت بها اطفاء جذوة الابداع العراقي وحرف مساره باتجاه طرق لا تفضي الى اي افق معرفي جاد اومفتوح ، وكرست غربته بالنأي به بعيدا عن تقاليده الحداثية واهتماماته الطليعية .
بالطبع لا يمكن فصل نتاج قحطان المدفعي الخمسيني عن " جيشان " الافكار التحديثية الموار بها الخطاب الثقافي العراقي وقتذاك . كانت " لوثة " التجديد الشغل الشاغل لكل مبدعي العراق ابان تلك الفترة ؛ التجديد المقترن دوماً بالافكار الطليعية والتقدمية . وكان نجاح الافكارالتحديثية في جنس ابداعي معين ينتقل تأثيره بسهولة الى اجناس آخرى ، مكونا متوالية من تأثيرات متبادلة تبدو حركتها المصطخبة وكأنها دفق لا يريد ان ينقطع .
تكاد تكون حادثة فوز قحطان المدفعي في المسابقة المعمارية التى نظمت في خريف 1952 ، لاختيار احسن التصاميم الخاصة بدور موظفي مصفى الدورة ببغداد ، الشرارة التى اشعلت " هشيم " التطلعات المختزنة لديه والتائق الى تحقيقها . كما ان هذه الحادثة التى تبدو وقائعها امرا معتادا ومألوفاً ، استطاع المعمار ان يحّول تداعياتها وتبعاتها الى ما يشبه الحدث الاكثر اثارة في الوسط المعماري حينذاك ، جاعلا منها متكأًً لانطلاقاته التصميمة القادمة . والحال ان مفارقة فوزه يومذاك ، وهو المتخرج تواً ( تقاسم معه الفوز المعمار جعفر علاوي ) ، والعائد الى بغداد قبل فترة قصيرة ، اكسبته ثقة عالية بمقدرته المهنية وحفزته لارتياد " مغامرات " تصميمية آخرى ، تحضر فيها ، كما في دور مصفى الدورة ، واقعة القطيعة التامة مع تقاليد المكان البنائية في لغة مباشرة تدفعه لتوظيف " موتيفات " تكوينية خاصة تبدو لنا ، الان ، من الصعب تبرير استخدامها والتعاطي معها ضمن محددات طبيعة الظروف المحلية السائدة . اذ كيف يمكن على سبيل المثال ، ان نجدا تعليلا مقنعاً لاستخدام مفردة " السقف المائل المزدوج " Double-pitched Roof الموظفة بشكل صريح في عمارة تلك الدور والتى تذكرنا هيئاتها المائلة بالاجواء الماطرة اكثر بكثير من ان توحي الى جو بغداد الشحيح الامطار ؟. في حين مثلت الفتحات الواسعة للنوافذ ، المحمية بتعريشات خشبية ، عنصرا مفاجئا وجديدا في سياق عمارة الدور السكنية العراقية . وعلى حين غرة ، بات المعمار الشاب الاتي من مناطق "ويلز" البعيدة " نجما " معماريا واسما حاضرا في الوسط الثقافي ، معززا وجوده بتمسكه بلقبه الطويل " قحطان حسن فهمي المدفعي " الذي يشي الى انتمائية معينة .
وكما كان متوقعا فان المعمار الشاب انغمس في نشاط تصميمي زاخر، مثيرا ذهول النخبة البغدادية المثقفة ودهشتها بسلسلة من تصاميم متفردة ذات لغة معمارية استثنائية وقوية التعبير، انطوت على تنوع تكويني شديد ، بحيث لا يماثل تصميم احدها الاخر! . بيد ان عمارتها مع ذلك اتسمت على حضور هاجس مزدوج تنشد به تخطي تقاليد الماضي باستمرار والانفتاح على مقاربة طليعية تستفز الذائقة الجمالية المعتادة وتتجاوزها باساليب مبتكرة وصادمة . ولعل تصاميمه لبعض الدارات السكنية ببغداد عكست بوضوح ما كان يتطلع اليه المعمار ،مثل تصميمه " لدارة المنصور " (1955 ) التي مزج فيها بصورة غير متوقعة التراكيب الانشائية المتنوعة كالرافدة Truss الحديدية المكشوفة مع نظام الجدران الحاملة وتلوين اجزاء المبنى بالوان متعددة ، فضلا على ادخال القطع النحتية في التكوين كجزء من الاخراج التصميمي العام ، ما منح واجهته هيئة مميزة حافلة بالاحساس التعبيري ، جاعلا منها مفردة تصميمية متفردة لا تشبه بالمرة واجهات المباني السكنية المألوفة . في احد تصاميمه لبيت سكنى آخر تاق المعمار الى اضفاء قيمة تشكيلية خالصة له بمنح صديقه فنان العراق الموهوب " جواد سليم " فرصة تزيين سطح جدار الدار برسوم تجريدية مشغولة من السراميك الملون . لم يتسن لي مشاهدة هذا البيت ولا اعرف اين موقعه ، لكن " الين الايوبي " وفي مقال نادر نشرته في مجلة " التصميم المعماري " اللندنية ( Architectural Design March,1957.pp.79-80 ) تشير اليه كاحدى تمثيلات الحداثة في العمارة العراقية . ورغم تواضع مقياسه وكتلته فاني ارى فيه نوعاً من اعادة لتقليد عراقي قديم يسعى الى مشاركة المعمارمع الفنان لانتاج صنيع معماري / فني جديد بمواصفات مختلفة .
في سنة 1954 صمم قحطان المدفعي مخططا نموذجياً لمجموعة دور سكنية متماثلة لحساب شركة المنصور ، التى نفذتها لاحقا في حي المنصور ببغداد . في عمارة هذه الدور يحرص المعمار الى تضمين التكوين لمفردة الفناء المكشوف الشائع في عمارة البيوت التقليدية ويمنحه اهمية العنصر الاساسي فيه. لكنه ( اي الفناء ) يتبدى هنا في شكل آخر ، شكل ناتج عن فعالية التأويل التى اجراها المعمار على تلك المفردة التقليدية . في فترة السبعينات قدر لي ان اسكن بالقرب من تلك المجموعة السكنية وعندما كنت امر بجانبها كنت اشعر بان لغتها التصميمية ما برحت تؤكد اختلافها عن سياق ما كان يتاخمها من بيوت عادية ، كانت هيئات فتحات نوافذها وابوابها وطريقة رصف الطابوق فيها واستخدام المناسيب المختلفة كلها تشي بالنأي المتعمد عن اشكال مثيلاتها في بقية البيوت السكنية الاخرى . في جميع مبانية ولاسيما في فترة الخمسينات وخصوصا في الابنية السكنية ظل هاجس التغيير والتوق الشديد لاجتراح تصاميم تنطوي على تعبيرية مفرطة ذات اشكال معقدة ،ومخالفة لسياق ما هو مألوف من ذائقة بصرية وفنية ، ظلت احدى السمات الواضحة في عمارة المدفعي. ولم يخفف من غلوائها او يقلل من نزوع الافصاح المباشر عنها سواء بمناسبة او غير مناسبة ، عمله مع مكتب " قنسطنطين دوكسيادس" ( 1913-1975 ) C. Doxiadis ، (المكتب الذي اضطلع بمهام انجاز المشاريع الاسكانية في العراق يومذاك) ؛ والمتسم نتاج عمارته ، كما هو معروف ، على تكريس الوظيفية المباشرة واستخدام الهندسية الصافية لتحقيق تلك الاهداف . على عكس ما تأثر به على سبيل المثال ، المعمار المصري " حسن فتحي " ( 1900-1989 ) الذي كان وقتها ضمن العاملين مع مكتب دوكسيادس وقدم مشروعا اسكانيا لبغداد عاكساً بعمارته كثير من تطلعات المصمم اليوناني ذي المنحي الوظيفي العاري ، والمهوس باستخدام الاشكال الهندسية البسيطة بالضد ما معروف عن المعمار المصري الشهير تبنيه وولعه توظيف العناصر الشعبية التقليدية ! .
لقد تعززت مكانة المدفعي التصميمة كثيرا جراء اشتراكه مع معمارين عراقيين بضمنهم "عبد الله احسان كامل " وفوزهم لاحقا في مسابقة معمارية لتصميم مصرف الرهون ( 1957 ) على شارع الجمهورية حاليا . واعتبر المبنى بمقياسه الهندسي الضخم احد الاحداث المهمة في المشهد المعماري العراقي ، كما انه امتاز على لغة معمارية صافية ومقنعة في مفرداتها . وعدّ قرار تجزئة فراغات المبنى الادارية الى كتلتين مختلفتين في السعة ومتصلتين فراغيا من القرارات التكوينية الرائدة التى يشتغل المصممون العراقيون عليها . ووفقا لحديث سابق اجريته مع المرحوم "عبد الله احسان كامل " في بداية الثمانينات ، اخبرني بان الكتلة الصغيرة المخصصة لاجتماعات ادارة مجلس المصرف كانت في الاصل مكعبة الحجم ، بُدلت الى اسطوانية تماشيا مع شكل الساحة القريبة التى " ظهرت " فجأة ، بعد تنظيم المسابقة ، عندما استحدث شارع " الملكة عالية " في 1957 ، الذي تغير اسمه لاحقا الى " شارع الجمهورية ".

ثمة مبنيان آخران متعددا الطوابق صممهما قحطان المدفعي قبل وبعد اشتراكه في مسابقة مصرف الرهون ؛ وهما المبنى المتعدد الطوابق الواقع في منطقة " باب المعظم " ببغداد ، والذي شغلته لفترة طويلة مديرية الاشغال العسكرية . والثاني يقع على شارع قريب من ساحة النهضة. لا يمتاز الاول بجهد تصميمي ملموس او مميّز ، عدا " ضخامة " مقاساته ( اربعة طوابق ) وفقا لمعايير بغداد البنائية وقتذاك . انطوت واجهة المبنى على حضور لافت لشرفات " بالكونات " خدمية وضعت فيها اجهزة "المبردات " الوسيلة الشائعة لتبريد المبنى وقتذاك . وقد استطاع المعمار ان يشتغل على وجود تلك المفردة التصميمة فنياً ، ما اكسب واجهته لمسة جمالية متواضعة . عدا ذلك لم تحمل عمارة المبنى مفاجأت تصميمة ، متوقعة من معمار باتت مقاربته التصميمية قرينة للتجريب وللتعبيرية الصارخة . لكني كمتلقي ، اظل اتعاطف كثيرا مع حلول واجهات المبنى الاخر في شارع النهضة ، الحلول الحافلة بحضور " النفس " القحطاني " المتمرد ، بالمعنى الايجابي للكلمة ، والتائق لان يكون عمله حدثاً في المشهد المعماري المحلي ، والرافض لان يكون مجرد اضافة عادية تضاف الى شواهد البيئة المبنية . ثمة ايقاع منتظم لمنطقة سطوح محيط فتحات النوافذ شكل " الموتيف " الرئيس لاسلوب معالجة الواجهة الامامية ، ايقاع يسعى المعمار الى تأكيد حضوره بوسائل متنوعة منها تعاقب بروز وارتداد السطوح المحددة لمحيط تلك الفتحات ، ومنها استخدام اللون المختلف المشغول فسيفسائيا . وتبدو عمارة المبنى او بكلمة ادق واجهته حدثا مميزا شديد التعبيرية ضمن السياق البنائي المحيط . واذ اشير الى واجهته فقط ، فانني يصعب عليّ اطراء اسلوب المخططات الافقية التى لم يستطع المصمم ان يرتقي بها الى مستوى حدث الواجهة الامامية . وما يتعين ذكره في هذا المقام بان حيوية الجهد التصميمي للمعمار وقوة نشاطه الابداعي احياناً تستنفذان بالاشتغال على عنصر تكويني مختار ومحدد ، في حين تبقى العناصر التكوينية الآخرى التى قد تكون اهميتها غير قاصرة عن اهمية ذلك العنصر المختار ، نهباً لعجالة القرار التصميمي المنطوي غالباً على مداخلات صدفوية .
لقد توافق نزوع قحطان المدفعي نحو تمّيز لغته التصميمة ، التى بدت ظاهرة جدا منذ فترة الخمسينات ، مع ثيمة عمارة " المعارض " ؛ الثيمة التى تنحو كما هو معلوم نحواً باتجاه تبجيل الحل التصميمي المتفرد المثقل بالمفاجاءات . ولعل هذه الخاصية هي التى اسهمت في اختياره ، وهو المعمار المتخرج قبل فترة قصيرة ، كمصمم لجناح العراق بمـعرض دمشق الدولي سنة 1958 . الذي تبدو فيه الانتقالات السريعة والمفاجئة في ترتيب الاحياز وهيأتها وكذلك اختلاف مسارات انظمة الحركة Circulation المنتخبه أمراً واضحاً ومتعمداً لجهة تكريس المفهوم الأستعراضي " لثيمة" المبنى الرئيسية. في عمارة الجناح يوظف المعمار التأثيرات الناجمة عن استخدام تضاد سطوح المبنى الصلدة مع المفرغة، وتعاكس خطوط تقسيمات الكتل العمودية مع الأفقية، كما يلجأ إلى الأسلوب الحرّ في توقيعات كتل " الجناح" في الموقع المخصص، ليزيدنا إحساس بكثافة " الجرعة" التعبيرية للمنشأ المصمم . وفي وقت لاحق صمم المعمار كثير من اجنحة المعارض اتسمت عمارتها بالحركة القوية وحضور المعالجات التكوينية غير المتوقعة .
شهدت نهاية فترة الخمسينات وبداية الستينات تكريس ممارسة تصميمة اقترنت ظهورها بمنجز قحطان المدفعي لوحده مقارنة بزملائه المعماريين العراقيين ، واعني بها ممارسة تصميم الفضاءات الحضرية المفتوحة أو ما يسمى " بتصميم الحدائق " Landscape . لقد وجدت فعالية ( تصميم الحدائق) في شخص المدفعي مفسراً كفوءاً لها؛ بمقدوره أن يجعل من تلك الممارسة التصميمية غير المألوفة، ليس فقط ممارسة مستحدثة وطريّة في المشهد التصميمي المحلي، وإنما يرتقي بها لتكون ناتجا معماريا ، يشي باحترافيه مهنية عالية ، ومؤثرة في آن.
وتظهر احدى بواكير أعمال قحطان المدفعي الحدائقية وهي " حدائــق الجــوادين" في الكاظمية (1959) تظهر دراية كافيه ومعرفه جيدة لمفردات لغة التكوين الفضائي - الفني للمسطحات المفنوحة؛ فوضوح مسارات الحركة المؤطره بنوع خاص من الشجيرات والتوزيع المنطقي لمناطق الضوء والظلال الناتجه عن صوابيه غرس الشتلات والأشجار ؛ وأستخدام المناسيب المتباينه والتأكيد على العناصر " الفرتكالية" المهمة وتوظيف الرموز والكتابات والأرقام كل ذلك بجـعل من " مشروعه الحدائقي" الأول بمثابة " ديبو Debut " ناجح واستهلال موفق لنشاط المعمار التصميمي ضمن ذلك المجال . ويدللّ مشروع " حدائق الأوبرا" الذي نفده قحـطان المدفـعي فـي " العلويـة" ببغداد ( 1962-65) يدللّ عن نضوج القرارات التصميمية وحسن أصطفاء المعالجات التكوينية، تلك القرارات والمعالجات التي اسهمت في النتيجة لتجعل من مشروع " حدائق الأوبرا" حدثاُ مؤثراً ومميزاً في مجمل انجازات العمل الحدائقي لعموم منطقة الشرق الأوسط .

بانتقالنا زمنيا الى عقد الستينات سنلحظ كثيراً من بوادر النضوج المهني لدى المعمار وسنتلمس مقدرته المتمكنة في استخدام عناصر التكوين الممزوجة بالخبرة العالية لطبيعة المواد الانشائية التى يستخدمها مع نظم التراكيب التى يوظفها . لكن هاجس التعبيرية المتسمة على تعقيد كتلوي التى وسمت عمارة المدفعي بسمة خاصة ستكون حاضرة ايضا في هذه العقد المزدحم بالمشاريع المتنوعة التى طالما تطلع المعمار من خلالها ليكون " سولو Solo " المنجز المعماري العراقي ، صوتا معماريا منفرداً ومميزاً " كما اشرنا ، مرة ، في دراسة عنه سابقة . بالطبع ليس في نيتنا ان نجعل من هذه الدراسة سجلاً" لمؤلفات المعمار الكاملة " ؛ لكننا بالتأكيد سنتعرف على مشاريع محددة نرى فيها تمثيلا لتلك المقاربات التصميمية التى ارتبطت به ، والتى عبرها توصل الى بلوغ اهدافه في خلق منجز معماري ينضح ، ولا بأس من تكرارها ، يناعة وحداثة ، ومتسم على تعبيرية مكثفة قائمة على حرية التجريب ومعطى تفعيل المخيلة . على اننا هنا لسنا فقط بصدد تأشير ايجابيات التصاميم " القحطانية " ؛ وانما ايضا الى استنطاقها ومسائلتها ضمن المعايير النقدية التى ذكرنا بعضا ً منها في مطلع هذه الدراسة . وبمقدور مثل هذا الطرح النقدي ، كما نرى ، ان يؤسس خطاباً ثقافيا ومعرفياً تكون مهمته اخضاع ما تم انجازه معماريا للتقييم وما يمكن ان يتمخض عنه من دلالات قيمية قادرة للاقلاع نحو آفاق مستقبلية .
في بعض ( في كثير؟! ) مباني قحطان المدفعي تتعايش في تكويناتها قرارات تصميمية تبدو لنا متضادة ومتناقضة ، ان كانت لجهة دلالاتها ام لناحية اسلوب توظيفاتها . وقد يكون تجاور هذه القرارات المتباينة في التكوين هو الذي يمنح الاخير تلك القوة الآسرة من الحيوية والتشويق الذي يصل حد الغرابة . بيد ان الالحاح على هذا الجانب والتركيز عليه فقط ، احيانا ، يفقده في رأينا ، كثير من المصداقية التصميمة ويجعل منه حالة يصعب تبريرها او الاقتناع بجدواها. معلوم اننا ندرك اهمية الانزياحات المفاهيمية التى طرأت على آليات النقد الحداثي والتى تسوغ ما لم يكن تسويغه ؛ بل ونذهب بعيدا في تقبل ما يسميه " جاك دريدا " باطروحة " تدنيس العمارة " ، بمعنى " فك ارتباط " مفهوم العمارة عن ما ارتبط بها من قيم مثل الوظيفية ،والمتانة ،والجمال "الاستطيقا " ، والمنطق ، والتمثيل، والتاريخ ، كما تدعو الى ذلك استراتيجيات " التفكيك " على سبيل المثال . لكننا مع هذا نريد اخضاع التصميم للنقد وبالتالي فهمه وادراكه ، بدلا من اقصاءه او التعتيم عليه . ومبنى جمعية الفنانيين العراقيين بالمنصور ، احد التصاميم المثيرة للنقاش التى يحضر في تكويناتها " الشئ ونقيضه " : البساطة مع التعقيد ؛ الوضوح مع الابهام ، وايضا الحضور مع.. الغياب .
في الخمسينات ، وتحديدا في عام 1957 ، منح عاهل العراق السابق قطعة ارض في منطقة المنصور لتكون مقرا لجمعية الفنانيين العراقيين ، احدى جمعيات المجتمع المدني النادرة ايام الحكم الملكي . وظلت الارض شاغرة مذاك لحين الاتفاق مع مؤسسة كولبنكيان في سنة 1964 لتأمين مبالغ كلف انشائها لتكون مقراً ادراياً للجمعية مع تضمينها فضاءات عرض خاصة . تم تكليف قحطان المدفعي باعداد تصاميم الجمعية وبالفعل فقد انهى المعمار مهمته وافتتح المبنى مساء يوم 12 تشرين الثاني 1967 .
يثير القرار التصميمي للمبنى حالة من الدهشة جراء التناقض الكبيرالحاصل بين بساطة المخطط وتعقيدات التسقيف ، حالة يمكن ان يذكرنا " تناصها " الجليّ مع مناخات مبنى " اوبرا سدني " في اوستراليا ( 1957-73 ) " المعمار يورن اوتزن " . فـ " تجاور المتناقضات" سيدّ " اللعبة " التكوينية في كلا المبنيين . ثمة شكل هندسي منتظم في هيئة مستطيل ، هو " فورم " المخطط الافقي لمبنى الجمعية بالمنصور ، المتضمن احياز لوظائف متواضعة مقتصرة على فضاء واسع مخصص للعرض الفني ، وآخر مفصول عنه بحيز بهو المبنى يشتمل على فراغات لغرف ادارية بجانب مطبخ يخدم اساسا رواد فضاء المبنى المفتوح المتمثل بحدائق الجمعية . واذ لاحظ المعمار نشوء انطباع تبسيطي غاية في الصرامة ناتج عن سطوح الحيطان الصلدة الخالية من الفتحات عدا فتحتي البوابة الامامية والخلفية ، فانه لجأ الى توظيف قطع " البلوك " الخرسانية المبنية بها تلك الحيطان للخروج من مأزق التبسيط الصارم ، عاملا فيها افاريز لاشكال هندسية منتظمة كالمثلث والمربع والدائرة والمعين ، مستحضرا هذة المرة ، اسلوب معالجة جدران " البنك المركزي العراقي " ( 1959 ) بالرشيد ، المنقوشة فيها افاريز اشكال العملات العراقية في نسختها الجمهورية .
لكن ما يثير في عمارة المبنى ليس هذا ، فليس ثمة اثارة تذكر في امتداد سطوح جدران مشغولة بـ " بلوكات " خرسانية فاتحة اللون منقوش عليها اشكال هندسية . ما يثير هو الخطوة التالية في حالة اذا رفعنا بصرنا شاقولياً ، عندها ستصطدمنا اشكال لافتة لاقبية خرسانية معتمة مختلفة المقاسات ومتباينة في المقاطع ، ترتكز على ذلك العنصرالانشائي الفاتح . وحينذاك ندرك بواعث التعاطي مع الجدار بالصيغة المتقشفة اياها . اذ ان سكونية الاخير وحياده التام يهيئان المتلقي لفعل الحدث الدراماتيكي القادم المفاجئ والمترع بالتعبيرية الذي يولده ايقاع الاقبية الخرسانية المقطوعة بشكل مائل زيادة في ديناميكيتها . ويبدو ظاهرياً ان الهدف الاساس الذي وضعه المعمار لنفسه قد تحقق ، هدف التفرد الشكلي الممزوج بالحس النحتي . لكن السؤال ماانفك مطروحا ، هل ياترى ان المعمار اكتفى بما تحقق ، " نافضاً " يديه من تبعات اصطفاء مثل هذا النوع من التسقيفات ؟ واذا كان هذا صحيحاً ، فان المشكلة والاشكالية اللتين اوجدهما المعمار مابرحت ، اذن ، قائمة. ذلك لان الحيز الداخلي للمبنى ينوء تحت وطأة فائض الحرارة العالية المنتقلة بسهولة نحو الداخل عبر الاقبية المكشوفة ذات السماكة القليلة ، غير المسلحة باي نوع من انواع العزل الحراري المفترض توفره هنا . وفي النتيجة فنحن ازاء صنيع قد تبدو هيئته التسقيفية مشحونة بالحس الفني ، لكن ما ترتب على توظيف تلك الهيئة كان خليقاً بالمعمار ان يجد حلا ملائما له . حلاً يحافظ على جراءة الفورم المبتدع ، في الوقت الذي يُعنى بتأثيراته الجانبية . واذ نذكرّ بان مفهوم الوظيفة الان بالعمارة يحمل تفسيرات عديدة تصل حد اسقاطها من الفعالية المعمارية ، لكن ذلك لا يمنعنا من ان نتساءل فيما اذا كانت العمارة قادرة بالاحتفاظ على بُنيتها المفاهمية رغم ذلك المسعى ؟ او في الاقل ، طرح تساؤل فيما اذا كان مهام العمارة مقتصرا فقط على مثل ما اجترحه المصمم في مبنى جمعية الفناننين العراقيين ؟ كما اننا هنا وللاختصار ، لا نثير طبيعة الحركة الداخلية واتجاهاتها في فضاء العرض واسلوب تنظيم الانارة فيه ، اللتين تعتبران من الاحداث التصميمة ذات الاهمية العالية في الحل التصميمي لقاعات العرض الفني واللتين لم يوليهما المعمار اهتماما كبيرا. ومع ذلك فان عمارة مبنى الجمعية مازالت تعتبر من الاحداث الهامة في المشهد المعماري المحلي والاقليمي على السواء ، لنظارة المقاربة التصميمية وتمظهراتها بهيئة متفردة مفعمة بحضور الحس التعبيري والنحتى معا ً، فضلا على اكتنازها لدلالات تشي الى ثقافة المكان. ونرى ان خصوصية موقعها في ارض منزوية وبالقرب من محطة تعبئة وقود ، عمل سلبا لجهة تيسير وسهولة مشاهدة عمارتها وقلل بالتالي من امكانية قوة تأثيراتها التصميمة على المنتج المعماري العراقي .
يمكن اعتبار مشروع " مبنى متحف التاريخ الطبيعي " (1971 - 1976 ) في منطقة الوزيرية استمراراً " لثيمة " ما تم تحقيقه في مبنى جمعية الفنانيين العراقيين بالمنصور ، فالموضوع نفسه ، والاسلوب نفسه ، والمادة نفسها ، انها ذاتها الثيمة المفضلة لدى المعمار والمنطوية على اقتناص " لحظة التعارض " وتكريسها في الحل التكوينيى . فما بين هدوء القسم الاسفل المتسم هيئته على بساطة هندسية وبين القسم الاعلى الغاص بالاشكال الديناميكية التى تمثل سقف المبنى ، ثمة تضاد صارخ يستخدمه المعمار لانشاء تكوينه الحافل بالكثير من التفرد والتعبيرية . هنا تبدو فتحات الانارة المتشكلة ايقاعها جراء تموجات سطح السقف " زائديّ المقطع " Hyperbolic اكثر قبولا من تلك التى شاهدناها في مبنى الجمعية .
يوظف المصمم شعار المتحف الطبيعي و " ايقونته " ، الذي اصرّ رب العمل على ان يكون شكله حاضرا في الحل التصميمي ، لتأكيد منطقة المدخل التى سقفت باحته بدوائر خرسانية تمثيلا لتلك الايقونة . ان شكلها غير العادي وطريقة اخراجها بالاضافة الى نحتية " الواجهة الخامسة " لسقف المتحف تشيان الى رغبة المعمار العارمة لان يكون مبناه حدثا استثنائيا وجديدا ضمن شواهد البيئة المبنية التى اغتنى موقعها باضافات مهمة من انجاز معماريين عراقيين كثر كمبنى " مصلحة التبوغ " للمعمار رفعة الجادرجي الواقع غير بعيد عن موقع المتحف ومبنى كلية التربية لمحمد مكية القريب منه وكذلك مبنى القسم الداخلي للبنات للمعمار قحطان عوني فضلا على مبنى كلية الصيدلة للمعمار هشام منير . وجميعها متقاربة فيمـا بينها ولا تبعـد كثيرا عن مبنى المنحف .
ثمة مشروع آخر صممه قحطان المدفعي حظى باهتمام اوساط شعبية واسعة ، نظرا لخصوصية موضوعه وموقعه المتميز في وسط العاصمة ولضخامة ابعاده نسبياً وهو مجمع " جامع بنيّه " ( 1965-75 ) في منطقة " علاوي الحلة " بكرخ بغداد . وقد شغلت عمارته في اعتقادنا حيزا مؤثرا في مسار منجزه الابداعي ، كما انها ايضا تشير الى تبدلاته الاسلوبية. يتألف المجمع من عدد محدد من مبانٍ متباينة ان في مفرداتها او في كتلها ، فكتلة المسجد الضخمة والمهيمنة هي الوحيدة من بين حجوم صغيرة اخرى يتشكل منها المجمع كقاعة المناسبات والضريح والمدخل والسور المحيط ودكاكينه ، التى وجدنا ان المعمار لم يوليها اهتماما تصميما مميزا ، عدا مبنى الضريح ، الذي اعتبره من " اجمل " مفردات المجمع واكثرها تعبيرية . لكن ما يهمنا في هذه الدراسة هو عمارة المسجد الجامع ، ففيه ، كما اشرنا ، ثمة رسالة خاصة يبعثها المصمم لنا كمتلقين لعمارته ومستخدميها معا ؛ كما اننا نجد فيها تداعيات لتمثيل منعطف آخر من منعطفات مسار المعمار الابداعي.
ثمة قبة بيضوية الشكل تحيط بها من الاسفل مجموعة من اضلاع خرسانية متفرقة ترتكز على " طبلة " تنهض من كتلة مكعبة تحصر فضاء حرم المسجد ، وبجانب القبة يرتفع عنصر فرتكالي طويل مضلع المقطع كناية عن مأذنة الجامع . ويحيط بكتلة الحرم اروقة خارجية باقواس مدببة العقد . وقد تم اكساء بعض سطوح الجامع بالاجرالملون ذي البريق المعدني المسمى محليا " بالكربلائي " . هل ثمة شئ اخر مميز في عمارة المبنى ؟ كلا ، مع الاسف ، ونقولها بحسرة ، نظرا لما نراه من تمادي المعمار في سعيه وراء حل تصميمي مشوب برغبة قوية " لارضاء الجمهور " من خلال ترسيخ العناصر " الشعبوية " في تصميمه المقترح ، بدلا من قيامه باداء واجبه المنتظر منه والخاص في الانهماك بقضايا رفع المستوى الفني وتغيير الذائقة الجمالية السائدة. فالتكوين اجمالاً يكرر صيغة حل تصميمي ، تُستحضر فيه مفردات الصورة المتخيلة التى حفظتها الذاكرة الشعبية في تصوراتها عن مبنى ( المسجد ) . كما وتتبدى في هذه الصيغة ايضاً رغبة المصمم غير المفهومة في الحفاظ على تراتبية مألوفة وشائعة لتعاقب توقيعات تلك المفردات في الحل التكويني من دون تغيير هام يذكر . وتثير مقاربة المعمار هذه سؤالا جوهريا فيما اذا كانت الحداثة ، واقصد بها الحداثة المعمارية هي محض نزوة طارئة في تطبيقات المشهد المعماري المحلي ، بمقدور المعمار اي معمار التنصل منها بسهولة ، والتغاضي عن انجازاتها بمثل هذه السرعة ؟ ام انها ظاهرة لممارسة مهنية اكتسبت شرعية حضورها من منجز تصميمي واقعي ، اجتهد ، وحتى ناضل ، كثر من المعماريين العراقيين ، بضمنهم قحطان المدفعي ذاته ، في تكريسه وتوطينة في البيئة المبنية منذ عقود ؟. فالرسالة التى يرغب المعمار ايصالها لنا مربكة وغامضة الفحوى والمعنى . فهل يريدنا ان نصدق بان اشكال مفردات الحل التكوينى وتراتبيتها المكررة تاريخياً والمعادة بنائيا ً لا يمكن تغييرها او اختراق منظومتها الجاهزة ؟ هل نفهم بان مصداقية التعاطي مع موضوعة معمارية محددة وخصوصا تلك التى تهتم بتلبية الحاجات الروحانية والدينية تتمظهر فقط من ترديدها وتمثيلها " لنموذج" حل معماري معين : سابق وتقليدي وشائع .. واوحد ؟ هل فعلا " ليس بالامكان احسن مما كان " ؟ ! .
من ناحيتنا لا نرى قطعا ، ذلك ؛ كما لا نتلمسه في سياق الممارسة التصميمية العالمية والاقليمية وحتى المحلية ايضاً . لنتذكر " رونشان " – " كرة الثلج " التى اطاحت بمفهوم العمارة الحديثة ، ماهي الا مصلى ؛ وهل بمقدورنا عدم الاشارة الى تجارب المعماريين الالمان والطليان والاسكندينافيين في الخمسينات في اختيارهم الابنية الدينية على وجه التحديد ، لتكون موضوعا تصميما مفضلا لتغيير الذائقة المعمارية السائدة وقتذاك والتمهيد للانعطافات الكبرى التى سيشهدها المسار التطوري للعمارة . هذا بالاضافة الى ما اجترحه المعماريون الايرانيون والاتراك واليوغسلافيون في تقصى "اميج " آخر معاصر وحداثي لمبنى المسجد. بل وهل بالامكان التغاضي عن ذكر المحاولة الرائدة والجريئة وبالغة الاهمية التى قام بها المدفعي نفسه في ايجاد صورة مخالفة وحداثية لمبنى المسجد على خلفية التقلبات الاسلوبية الحاصلة في منجز العمارة المحلية ؛ واعني بها تصميمه " لمسجد ست نفيسه " بالكرخ ببغداد في الخمسينات ، والتى رأى فيها الاصوليون " تفكيكا " عاصفاً لتصوراتهم الثابتة عن ما يمكن ان تكون عليه هيئة مبنى المسجد ، ما حملهم لشن حملة ظالمة ضد عمارة المبنى التى وجدوا فيها عملا خارجا عن التقليد يصل حد " الهرطقة " ! ( والهرطقة هنا بين هلالين ، كناية عن وجل " المحافظين " ورعبهم من تأثيرات الحداثة ) .
وعلى العموم فان رسالة عمارة " جامع بنيّه " الغارقة في " شعبويتها " تظل ملتبسة ، تعكس الاضطراب الدلالي الذي تعاني منه فئات اجتماعية متنوعة . ان قبول عمارته والترحيب بها من قبل اوساط شعبية واسعة ، لا يعفي المعمار ، في نظرنا ، من مسوؤليته المهنية للطريقة التى " يتحدث " بها الى جمهور عريض عندما يواجه بعضا من قضايا ذلك الجمهور الثقافية اويصطدم مع ذائقته الجمالية الراسخة .
في عام 1978 ينهي قحطان المدفعي تصاميمه لمبنى " وزارة المالية " في منطقة الوزيرية ببغداد والذي نفذ في وقت لاحق . يتكون المبنى من برجين مزدوجين بارتفاع 14 طابقا ، يتصلان مع بعضهما بجسور خرسانية معلقة وموقعة على ارتفاعات مختلفة . ويشابه القرار التصميمي الخاص في معالجة الواجهة الامامبة ( الخارجية ) للبرج الواحد مثيله الآخر فيما تتشابه ايضا طريقة معالجة الواجهتين الخلفيتين ( الداخليتين ). واذ جاءت معالجة الاخيرتين وكأنها تحصيل حاصل لمنظومة ترتيب الفراغات الداخلية ، المتشكلة من سطح مستوٍ بفتحات ذات ايقاع متماثل لنوافذ الفضاءات المكتبية ، اتى اسلوب معالجة الواجهتين الامامتين على قدر كبير من الرهافة التعبيرية المتسم على تغييرات دائمة ناجمة عن تنوع حركة التشكل الواجهاتي . ومنبع هذه الحركة هو الاسلوب المتفرد لتشكيلات وضعية القطع الخرسانية الثابتة لمنظومة كاسرات الشمس " اللوفرات " Louvers والمغطية لكل سطوح الواجهة . لكن المعمار ومن اجل خلق مشاهد بصرية متنوعة ، لجأ الى تغيير متعاقب ومتدرج لفورم المسقط الافقي لجميع طوابق المبنى . وهذا التغيير يتحقق جراء تثبيت نقطة بارزة في منتصف واجهة الطابق هي في الواقع رأس مثلث ، يمتد منها ضلعان يقل طولهما كلما ارتفعنا الى الاعلى . ويعمل الفرق في طول الضلعين على انشاء منطقة بسطح مستوي في اطراف الواجهة تزداد مساحتها كلما ارتفعنا نحو الاعلى ؛ اي كلما قصر الضلعين المنطلقين من النقطة البارزة الوسطية لرأس المثلث .
وفي النتيجة فان وضع اعمدة " الكاسرات " بارتفاع طابق واحد في سطوح الواجهة وبزويا مختلفة خلق تغييرات متنوعة لتلك الواجهة التى يمكن رصد تشكيلاتها المتعددة كلما رفعنا بصرنا نحوها او كلما تحركنا حول المبنى . وبهذه المعالجة الفريدة فان المعمار ينضم الى قلة من المصممين الذي حاولوا كسر حدة الهيئة العادية للمبنى المتعددالطوابق ، المتجسد " بصفيحة " هندسية منتظمة متوازية الاضلاع والتى ابتدعها يوما ما لوكوربوزيه ، وحظي نموذجها التصميمي على تكرارات متعددة ، اوصل هندسيتها الصافية ، لاحقا ‘ " ميس فان ير رو ّ " الى منتهاها في مبناه " سيغرام بيلدينغ " بنيويورك ( 1958 ) . من هنا ، من النأي بعيدا عن جاهزية الشكل المعماري يتعين تقييم محاولة قحطان المدفعي التصميمية المميزة هذه في مبنى وزارة المالية ، كاحدى المحاولات الجادة في الاشتغال على ثيمة الابتعاد عن الشكل الصفائحي الملازم للمبنى المتعدد الطوابق . انها ، في اعتقادنا ، تتساوق باهميتها في هذا المقام مع اجواء مداخلة " جيو بونتي " التصميمة بمبناه " بيرلي تاور " ( 1956 ) في ميلانو وعمل " فالتر غروبيوس " في " بان امريكان " ( 1963 ) بنيويورك ، وكثير من اعمال " لويس كان " الاخيرة المتعاطية مع تلك الموضوعة ، وكلها محاولات جريئة تتطلع الى ابتداع تصورات جديدة عن " فورم " المبنى المتعدد الطوابق الذي اضحت هيئته عادية وجاهزة ومكررة .
ان الحديث عن عمارة قحطان المدفعي لا يمكن له ان ينتهي من دون الاشارة الى مشروعين ضخمين نوعا ما ، يفصلهما اكثر من عقد . كلاهما لم ينفذا ، وكلاهما يدلان عن مدى الفضاء الواسع الذي يتحرك به هذا المعمار ذوي المرجعبات المتنوعة . احداهما مبنى " سكريتارية الطاقة الذرية " ببغداد ( 1976 ) ، والمشروع الاخر " دار ضيافة " ( 1989 ) . الاول مثير لجهة تعبيريته وغرابة لغته التصميمية غير المألوفة ، والثاني مثقل بتماثلية صارمة تشي الى نـَفَس كلاسيكي لم نشهد له حضورا مماثلا من قبل في مسارالمعمار الابداعي. واذ نقدر تنوع الآفاق الابداعية المتجددة التى يمكن لمبنى السكريتارية ان يخلقها في حالة تنفيذه ، نحسّ بان عمارة " دار الضيافة " سوف لن تضيف شيئا كثيرا الى رموز المشهد المعماري المحلي المبنية.

من الصعب اختزال مسار ابداعي طويل وغنيّ ومتجدد ، كما هو الحال في مسار قحطان المدفعي المعماري في دراسة واحدة ؛ هو الذي اخترق سقف الفضاء الابداعي بموهبة معمارية متوهجة وبطاقة تعبيرية كانت دوما محتدمة وفي احيان ..مستفزة . ان تعدد مواضيع مشاريعه وتنوع مقارباتها التصميمية ، تجعل منه حالة عصية على " النمذجة " او التصنيف . لكن الامر الاكيد بان عمارة المدفعي شكلت ولا زالت تشكل حدثا مميزا في الخطاب المعماري العراقي والاقليمي ، حدثا يستمد اهميتة الكبيرة من تجاوزه لسابقيه ، وتميزه عن اقرانه ، وتأثيره الحاسم على لاحقيه : من خلال خلق فضاءات معمارية تجديدية وحداثية ظل المعمار دوما مسكوناً بها. ولئن اشرنا في دراستنا هذه ، وهي المكرسة لثمانينته ، الى انجازه المعماري فقط ، فاننا نعرف تماما بان المدفعي " متورط " بالحداثة ، كمبدع له حضوره المميز في نتاج اجناس ابداعية اخرى غير المعمارية ، فهو رسام جيد ، وشاعر غير عادي ، ومثقف رفيع الثقافة ، واكاديمي كفء، ومحدث لبق، ودائم الدأب في الحصول على المعرفة ( وليس من دون مغزى انهماكه في الدراسة مجددا ومن ثم نيله لشهادة الدكتوراه بالعمارة سنة 1984 بعد 32 عاما من تأهيله المهني الاول !!).

واخيرا ، قد تثير آرائنا النقدية الواردة في متن نصنا ، جدلاً حول مصداقية الاسس المعتمدة في تقييماتها ، فهي قد تحظى بالقبول مثلما ، نعترف بانها قد تكون عرضة لغير ذلك . بيد ان الامر الاكثر اهمية من كل هذا ، وهو الذي حفزّنا لاعداد هذه الدراسة ، هو الرغبة لابداء شعورالاحترام لصاحب الاحتفالية ، وتوظيف مناسبتها لارسال تحية ..الى ثمانينيته !
عمراً مديداً لك ، ايها المعمار المجدّد ، ... والمتجدد ! . □□

*عنوان الدراسة مستوحى من عنوان كتاب روبرت فنتوري : " التعقيد والتناقض في العمارة ".
* * ادخلنا في هذه الدراسة بعض مقولاتنا من دراسة سابقة عن المعمار.

د . خالد السلطاني
مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
كوبنهاغن ، ايلول 2007






الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,325,012,011
- عمارة قحطان عوني :المفهوم الخاص للمكان
- الطليعة المفقودة : عمارة الحداثة الروسية
- تداعيات ، في طريق الى معبر- ربيعة -
- عمارة دار الاوبرا في كوبنهاغن - نقد تطبيقي
- مسرحية الشاهد : الممثل ، حينما يتماهى مع نصه
- مسرح في لبنان :النظّارة والممثلون في - قفص - واحد
- تيارات عمارة ما بعد الحداثة : التفكيكية
- تيارات عمارة مابعد الحداثة : تيار - الهاي – تيك -
- فعل العمارة.. ونصها
- - رسالة خاصة جدا ..الى سعدي يوسف -
- العَلم العراقي : مرة اخرى
- العمارة الاسلامية : التناصية وفعاليات التأويل
- ثمانينية رفعة الجادرجي : الحداثة اولا ... الحداثة دائما
- تيارات معمارية معاصرة :- سليك – تيك -
- اسبوع المدى : لقاءات المثقفين العراقيين
- عراق 9 نيسان و - المحيط - العربي
- في وداع الشيخ جلال الحنفي - البغدادي -
- اشكاليات تعاطي الاخر مع - الاخر - : العمارة نموذجا /القسم ال ...
- اشكاليات تعاطي الاخر مع -الآخر- : العمارة نموذجا
- جبرا ابراهيم جبرا : المثقف رساما ً


المزيد.....




- لإنعاش حلم العودة.. ذاكرة فلسطين على جدران مخيم بلبنان
- الممثل الكوميدي فولوديمير زيلينسكي يحقق فوزا كاسحا في الانتخ ...
- أوكرانيا: الممثل زيلينسكي رئيسا للبلاد وفق استطلاع للرأي وبو ...
- الشاعر والإمبراطور.. لقاء استثنائي بين غوته ونابليون غيّر حي ...
- وفاة الشاعر والمترجم بشير السباعي عن عمر ناهز 75 عاما
- جامعة المنوفية تحقق مراكز متقدمة في الفنون التشكيلية بمسابقة ...
- العدل و الاحسان تسطو على مسيرة الرباط الباهتة و العلم الوطني ...
- بالصور: احتفالات المصريين بأحد الشعانين
- الخرق العثماني.. شاهد حي من -سكة حديد الحجاز-
- نجوم الأوبرا الروس يغنون -آفي ماريا- تضامنا مع كارثة نوتردام ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد السلطاني - ثمانينية قحطان المدفعي :التعقيد ... والتعبيرية في العمارة *