أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - وحدة المصفدين















المزيد.....

وحدة المصفدين


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 2051 - 2007 / 9 / 27 - 07:05
المحور: الادب والفن
    




من ناحية الجنوب كان هواء ينبعث حاملا معه رائحة نتنة من جنود تكدسوا في شق قتالي موازي لربايا العدو ، لحظة كنت اتغاظى عن مراقبتها ، كانت تقع عيناي عليه بين الحشود المحشورة داخل بدلات متخشبة بفعل العرق والغبار .. نبتسم معا بود . وكثيرا ما كانت ابتساماتنا ونظرتنا تحمل في طياتها رسائل قصيرة بعناوين نوطئها برمزية ندركها معا . مرة كتب أحدهم تقريرا ضمنه شكواه وتوجسه من تلك الرسائل الرمزية خاتما تقريره بأن صاحبيها يلمزان بها السلطة والحزب داعما رأيه : " لكونهما غير منتميّن لحزب الدولة !! " كدنا ندفع بسببه ثمنا غاليا لولا حيرة موقف رجل الأستخبارات بين التقرير ودفوعنا . عدا ذلك كنا دائمين على تناول طعامنا سوية وغالبا مع افراد الحضيرة او حين يشاهدنا الآخرون نمارس عداءنا القاسي مع الجرذان من بين جموع الفئران التي تأخذ طريقها جيئة وذهابا بين فواصل وأسطح أومن خلال ثقوب أكياس الجنفاص المليئة بالأتربة او عندما تنام معنا داخل يطغاتنا وأحيانا حين تأكل مما نأكل .
فوضى ترقب المعركة كان يترشح من صمت الجنود ودبيب الفئران وسقوط القيظ والأتربة المالحة ومن روائح الخوف الممزوجة بماء حار ينزه الجنود من حافات خوذهم وآباطهم وثنيات أفخاذهم .
كانت للوطن حافات كثيرة تجعلنا نفكر بأنفسنا أكثر ما نفكر فيها . قال لي مرة هازئا ببعض تلك الحافات : " هو ليس وطني ، تركته للرئيس ولولديه وأبناء عمومته ومومساتهم " .
كنت اتخيل أوضاع تلك النسوة اللواتي يقتلهن الضجر حين يفترشهن أزلام يختلط لعابهم بروائح الخمرة وبقايا نتانة اللحوم ، وبسبب خشونة وصلابة أضلاف ومخالب يخفيها حملة نياشين وأوسمة داخل جواريب وقفازات ملونة ، يتأوهن ملولات حينها يزهون فرحا لحظة يتصورونها منّة من فحولتهم عليهن . اتخيل وأياه ذلك فنصاب بنبوة من الضحك الذي ينتهي دائما بحبل من مسد الكآبة .
لم يكن من شيء يدعو أي منا للضحك في تلك الساعة عدانا . فحين تلتقي نظراتنا المشتركة في نقطة ما كنا نتقاسم سوية أبتسامة غائمة ، لا لشيء محدد الا لكي نتبادل أجزاء من الوحدة . جميعنا كان ينازع نفسه داخل برزخ تماس الحاضر والمستقبل ، وكان لكل منا حاجته لشيء من تلك الوحدة ، فالعروة التي كنا نتمسك فيها لم تكن سوى قشة غيرمعصومة من الحريق المنتظر .

لم أسمع قوله لي لحظة أنتبهت اليه .. في تلك اللحظة بالذات كانت مطحنة الموت قد دارت رحاها على غير عادة . الرحى لم تثر الغبار والحصى وقطع الحديد ورائحة البارود فقط ، انما كانت لها فوهات بحناجر جهنمية أحالت المكان الى غابة متوحشة أختلطت فيها الزمجرة بالعواء بالنباح بالزئير بالهمهمة بالرطانة . أصوات تلفظ شواظا وقطعا حادة وحارقة تنبش الأرض عن أصوات متأوهة واخرى مستغيثة .. الرحى التي كانت تدور بدون وعي أو هدى كانت تهرس النسل والحرث.
لم تعد السماء كما كانت عليه قبل هذا الوقت وهي تغطي مساحة الجنود والأشياء زرقاء صافية ، كان سخام خانق قد لوث لوحة القيامة . شيء من اللامعقول .. خارج المألوف والتوقع كان يندفع خلف كتل مرعوبة ومشوهة وآنّة وفاقدة لرشدها كانت تأخذ طريقها صوب نهر " الكارون " مستغيثة من جهنم لم يسلم الماء ولا جسر " الحالوب " من شواظها ، فكان الموت بطلا يصطادها زرافا ووحدانا يفرقها شيعا نتفا بقايا .. يأخذ المد القاسي قياد بعضها ويمتص حديد المعبرجنان وأجساد بعضها الآخر . حدود وهمية بين النجاة والوقوع في الهاوية .. لم يكن الطريق سالكا لأي خيار قد يختاره بعضنا . كان الصياد على دراية تامة فيما يفعل ، فهو من المهارة والدقة بحيث كنا أمام ماسورة مدفعه كطيورأثقل زيت الرعب أجنحتها فكان يختارها على مهل .

يمتد الضوء أمامك .. يستقطبك نحو جهة مجهولة ، علك تجد فيها موطنا بديلا تنزع فيه دواعي الهموم والقلق ، لكنني رأيتك الساعة أكثر توترا ما عهدتك فيها من قبل . كنا على طاولة واحدة نراقب مشهد سقوط التأريخ الرئاسي من فخامته المرعبة نحو حفرة مظلمة كان قد أختارها قبل أشهر بأنتظار أن تفقس حجارتها من تحته عن طير النجاة . ثوبك كان ما يزال موشما ببقع العرق والتراب تنز منك رائحة البارود والمحنة .. تفتح عيناك على وسعها لترشدك الى نقطة ضوء ساطعة داخل نفق الفخامة المرعبة التي تحولت بداخلك الى وجوم ونظرمريب يتحقق في الحركة الممطوطة . وكأنك في مسرح فخم خلا من الجمهور الاك .. تراقبه يتحرك مخدرا ، ربما بفعل الغي المستمرأوالنشوة التي فاقت على كذبة حلمــه . كان هو بذاته يتحرك بمساعدة سواعد أخرى لم يألف وجودها من قبل تدفعه نحو حقائق أشد رعبا .. التاريخ الرئاسي كعادته كان ثقيل الخطى يتفرس الوجوه من خلال عين حسيرة ، ربما بسبب قشعريرة النهاية دفعته لأختيار كفنا أسود ثقيل ولفافة حول العنق سوداء هي الأخرى . . ينحسر ثقب نظرك أتجاه تلك العينين اللتين كانت قبل الآن تسبربالنظرالجاحظ ضمائر القادة والوزراء وطاقم الحاشية فتوصله مداركه الى أبعد نقطة بين ثنايا شحوم أجسادهم . كان الجميع ، تحت قبة البيت الرئاسي وخارج ثكنته ، على يقين من ملكته الألهية بمعرفة ما يخططونه أحيانا في أحلامهم أو حتى بما يفكرون به تحت ملاحفهم أو داخل مباولهم الخاصة ، قبل أن يأتيه تقرير المخابرات اولا بأول عنهم .

بيننا ساد صمت ، كانت له رائحة بطيخ فاسد . انحبس صوت الجنود داخل صدور أغلقت برؤوس مهطعة . وكان لكل منا قصة ملوثة بالعفن الفاسد . تلك الرائحة هي كل غنيمة السلام المبلول الموزعة بالتساوي على الجميع .
سلام صغير كسول فاقع اللون يترهل ممدودا كجنازة ثقيلة بين حضور متيبس .. كنا متيبسين على قرار مغاير لم يصدقه المتخطي لأول وهلة . وحين أطرفت عينيك بدلا عنه فاتتك لقطة تعثرالرئيس بشيء ما .. علقت أنت عليها بالقول : " آخر عثرات الرجل ! " . كانت أول أعتراف منك بأنه ليس حيوانا مجهول الكينونة ، ولا كائن بأضلاف ومخالب ، انما مجرد انسان أخطى الطريق السوي .
كان يدفعني لساعة نوم في البيت هاجس للحياة تشبثت بأذيالة بقوة لحظة فقده الكثيرون من الجنود فضاعت هواجسهم بين رحى المطحنة . شاركتني بهاجس القيلولة . وكانت لك في الأمر أطاريح مشوقة . قلت معقبا حين وجدت ان ماتمنيته منجا من بقع شيخوخة اللحظة : " هل ستأخذ زادك قبل القيلولة ؟ " أضفت الى حلمك زادا دفعك خارج طنين أذنيك لعالم من الزمرد المعطر برائحة الغبش . كنت تحرص على ان تكون لأفكارك نبرة أيحائية عالية : " امرأة نشيطة .. تعرف كواهين روحي ! تأتيني في عز ظهيرة قحطي ، كماء سهل المجرى عفيفا ، وكحورية تروح تعزق أرضي بردائها الصالح للنهل ، المثيرللسغب الأبدي ، وحين تنضيه شقاوة جسدينا ، يترك غبارا مخدر مثير للجنون " .
كنا كتوئمان سيام نملك ذات الصيغ والمشاريع والنبرة أيضا ، كلانا يعرف نبرة الآخر ويعرف مقداركثافة صدقها وحلاوتها لم يكن بمقدور غيرنا أن يميزلغتينا كما نميزها نحن . ولا ان يقولها بالود نفسه . كان لهمومي وهمومك طريق نعرف جداول مساراتها ، طريقك .. كلانا ننشد وحدتنا قبل مسيرة الضعون أو عندما تحط الرحال . لكل منا ثقة جامحة وأصيلة بتلك الوحدة ، لكننا ما كنا نفكر ولو بخيالنا اننا سنفترق داخل تلك الملهاة المبكية .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,515,052,884
- شهادة أخرى
- لكي لا نفاجىءبالموت أيضا
- قصة قصيرة
- بين نازك وأمي سراط لمواصلة الانسان
- الفوضى الخلاقة .. لماذا ؟
- خطوة في الفراغ الجميل
- خطوة في الفراغ الجميل
- خطوة في الفراغ الجميل
- لقاء مع الدكتور ميثم الجنابي
- لقاء مع المناضلة والكاتبة المعروفة سعاد خيري
- السلام العادل.. بين الأصالة والثورية
- لقاء مع الاستاذ سعيد شامايا ـ عضو سكرتارية مجلس كلدوآشور الق ...
- مع عيسى حسن الياسري رفيق الرحلة في منزل الاسرة العالمية


المزيد.....




- خديجة الكور : تبا لمن اعتبروا البام لقمة صائغة..
- بوريطة..الحوار بين المغرب والإكوادور سيتواصل وسيتعزز أكثر
- جاكي تشان يعترف بحبه لروسيا والروس
- الموت يغيّب الفنان السوداني صلاح بن البادية
- المغرب والكيبيك يوقعان اتفاقية تعاون
- الشاعر والمشترك الإنساني.. بحث عن التأثير أم عن عالمية مزيفة ...
- وفاة ابن الممثلة البريطانية ديانا دورس
- فايا يونان لـ-سبوتنيك-: أنا سفيرة لسوريا... مستمرون بالغناء ...
- لأول مرة... كواليس الإطاحة بإسماعيل ياسين من عرش الكوميديا ل ...
- الاحالة والمقاربة في قصص ما لايتبقى للنسيان للقاص والروائي ا ...


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - وحدة المصفدين