أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - جاسم المطير - قراءة في كتاب المستبد لمؤلفه زهير الجزائري















المزيد.....


قراءة في كتاب المستبد لمؤلفه زهير الجزائري


جاسم المطير

الحوار المتمدن-العدد: 2049 - 2007 / 9 / 25 - 12:24
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


قراءة في كتاب ( المستبد ..صناعة قائد .. صناعة شعب ) ..
صناعةُ شخصية " المستبد " بين البنية السياسية الهرمية والعوامل الاجتماعية الميكانيكية ..
بقلم : جاسم المطير
كثير من الكتب صدرت خلال ربع القرن الماضي تناولت تأثير ودور نظام صدام حسين في السياسة العراقية والإقليمية والدولية ، وقد عمل بعض المؤلفين على تشخيص مشكلات العمل الذي مارسه صدام حسين خلال 35 عاما ، وتناول بعضها الآخر وصف الحالة التي كان يعاني منها شعب العراق .
بعض تلك الكتب ــ العربية خصوصا ــ حاول تلفيق المعطيات والممارسات والهزائم التي مني بها نظام حزب البعث العراقي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية ، وكان هدف هذا البعض تلبية رغبات النظام في إخفاء الحقائق وفي محاولة تأسيس منطق مزيف عن قواعد مادية تعكس " ديناميكية حزب البعث " كما أشار إلى ذلك صدام حسين نفسه أكثر من مرة ليمنح القارئ غير العراقي صورا من القوة المتواصلة التي يمتلكها " المستبد " في ميادين الإنتاج والثقافة والتجارب السياسية القومية .
أنهيت للتو قراءة كتاب زهير الجزائري المتضمن محاولة هادئة قائمة على نموذج في البحث السياسي لتفسير ظاهرة نظام حزب البعث في العراق والأزمة السياسية الخانقة التي امتدت 35 عاما تحت قيادة صدام حسين وقد ارجع مؤلف الكتاب زهير الجزائري تلك الأزمة بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية إلى نقص واضح في تركيبة أدوات حزب البعث خلال تلك الفترة وقيامها واستنادها إلى ممارسات نفوذ عائلة من عائلات العشائر التكريتية مما اوجد نماذج لظواهر سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية كثيرة أدت إلى إدخال المفاهيم السياسية لحزب البعث بالمفاهيم العشائرية خالقا التحول الذي حدث من نظام سياسي تجريبي مرتبك قائم على الفوضى والقمع السريع قبل تموز 1968 إلى نظام سياسي توليتاري من نوع خاص يريد بناء نموذج قومي تحت مسميات أخلاقية وديمقراطية ليست بعيدة عن أساليب الغش والتضليل وتلفيق المعطيات الاجتماعية والسياسية .
يمكن تأشير ثلاثة اطر عامة من النموذج التنظيمي المميز لتنظيمات حزب البعث وشكل دولته المتميزة بــ"الاستبداد " التي أشادها صدام حسين في العراق وفقا لما حلله وفسره زهير الجزائري بنظام فكري منهجي امتلك القدرة والحيوية في تحديد ما يلي :
(أ‌) بناء سلطة الحزب الواحد بمركزية شديدة كانت قراراتها ملك لفرد واحد امتلك ، أولا، النموذج الميكانيكي في القمع والسيطرة .
(ب‌) جعل السلطة المركزية جماعية الشكل في تنفيذ قرارات " الفرد المستبد " من قبل الهيكل التنظيمي لحزب البعث المنتشر في مدن العراق كافة .
(ت‌) تقسيم عمل أجهزة الدولة بأشكال عضوية لكي يسود النموذج القمعي الجمعي السريع والواسع .
تصاعدت في ممارسات هذا النظام فضائح في مجال العلم والبحث العلمي في الصناعات العسكرية والكيماوية المدمرة و كشفت فضائح في مفارقات المواقف السياسية الداخلية والخارجية التي قامت على تحليلات هزيلة لعدد من منظري حزب البعث العراقي وعلى رأسهم صدام حسين مسنودا " قوميا " بدفع نظري – عاطفي من ميشيل عفلق والياس فرح لتجارب مراحل العمل بالنظريات القومية التي فشلت عمليا في سوريا ومصر من قبل .
ركز المؤلف زهير الجزائري على قراءة التحولات والمكونات في العناصر المحورية الناظمة في آليات عمل وتفكير قيادة صدام حسين المبنية على إحساسات حكم الحزب الواحد والعائلة الواحدة والطائفة السياسية الواحدة والعشيرة الواحدة ، وهي الإحساسات والمشاعر التي تحولت جماهيريا وإقليميا ودوليا إلى رؤية بانورامية لهذا النظام باعتباره نظاما غير قادر على حكم المجتمع ديمقراطيا أو إنسانيا ولا على حل مشاكله ولا تلبية متطلبات تقدمه ، وقد استطاع المؤلف تقديم وصف موسع للمؤسسات البعثية كافة ( نظام الحكم .. دائرة العائلة وهيمنتها على أصول الحكم .. دائرة العشيرة وسيطرتها التنظيمية .. دائرة الانتهازية القومية .. ) رغم أنه لم يصف ما فعلته دائرة المصالح الدولية ضمن الحرب الباردة المعتمدة في أروقة الخارجية الفرنسية والأمريكية والروسية وهي الدائرة التي لا يمكن إغفال دورها في تعزيز استبدادية صدام حسين .
سلط المؤلف ضوءا بمنطق تحليلي سليم على الصراعات القائمة بين أنصار قوى غير مؤتلفة داخل دائرتي الأسرة والعشيرة اللتين نتج عنهما نوع خاص من التفكير باستخدام بشع للقوة كي ينتصر صدام حسين وفريقه المختار على كل الفرق الأخرى الاسروية والعشائرية والسياسية والحزبية بصورة عامة ومثاله الصراع بين الأخوان غير الأشقاء برزان ووطبان وسبعاوي مع آخرين من العائلة الحاكمة . كذلك دراما الصراع بين حسين كامل وصدام حسين وغيرها من الصراعات التي خاضها عدي وقصي وغيرهما داخل العائلة .
المعاينة التي قام بها المؤلف لــ 35 عاما من التحكم البعثي برعايا وطن اسمه العراق منح القارئ العراقي والعربي معطيات رقابة فكرية استنتاجيه ضمن برمجيات كتاب المستبد وهو كتاب حمل معنى وحيدا وضروريا في فترة تاريخية اتسمت في العراق بالانتشار الواسع للقمع السياسي وباختلال كبير في كيان المجتمع وباختفاء وعجز القوى المعارضة عن وقف نمو وسيطرة القوة المستبدة المتفردة . الحق أقول أن زهير الجزائري اوجد خلال صفحات الكتاب الــ340 فصلا واضحا بخطوط حمراء بين الخطاب الذي تضمنته برامج حزب البعث في أواخر أربعينات القرن العشرين وبين سلطة الخطاب القمعي الذي جاءت به تطبيقات صدام حسين . هذا ما دعا الباحث العراقي فالح عبد الجبار إلى وصف كتاب زهير الجزائري ، في تقديمه صدر الكتاب ، وصفا ثقافيا خصوصيا بالقول : ( هذا كتاب خاص ، بحرفية التعبير ، وبمجازيته أيضا . وهو خاص لأسباب عدة . فالكتاب محاولة لرؤية ما لا يرى : التنقيب في حقبة البعث التوليتارية وهي في عز جبروتها وذروة هوسها بالتكتم والأسرار . الكتاب خاص بالمعنى المعرفي : فهو يتجاوز منطق تعذر تحليل المعلومات في بلد ترتعد فرائص الدولة فيه من أي تداول للأخبار ومن أي افتضاح لبواطنها الملغزة ، ناهيك عن عسر التحليل بوسائل الملاحظة الروائية ..) .
بالتوازي مع هذه النظرة التي قدمها فالح عبد الجبار فأن زهير الجزائري حمل في مؤلفه قيما ً سياسية وفكرية عكست مفاهيم وامتدادات وعلاقات وممارسات ومعارف وسلطة البعث وقد اندرجت ضمن توجه القوى الثقافية العراقية لمحاصرة الاستبداد وتقييده بتقديم الأساليب المكثفة في وحشيتها التي مارسها نظام صدام حسين في حضوره بدولة احتضنت حزبا قوميا هو حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لا علاقة له بالديمقراطية غير الجانب الإعلامي الذي مارسته أجهزة الثقافة والأعلام البعثية التي ميزت معلوماتها بالتضليل وتشبيك أزمات الشعب العراقي بأزمات خارجية مفتعلة إلى الحد الذي جعل الشعب العراقي كله وبقواه الوطنية كلها عاجزين عن تغيير النظام وتحرير المجتمع من السلطة الاستبدادية الضخمة التي ظلت متواصلة بسبب وجود العقلية السكونية بين الناس الخائفين والمرعوبين من العمل المرجعي البعثي – القومي المستند إلى القمع اليومي المتواصل طوال 35 عاما .
قال فالح عبد الجبار عن فكرة الكتاب : ( تقوم فكرة الكتاب على استبطان التفاصيل التي قادت إلى نشوء النظام الشمولي البعثي وترسيخه واندماج نظام الحزب الواحد بالنظام القرابي او نظام العشيرة . وهي بمعنى ما سيرة النظام وسيرة شخصية لرأسه الأول صدام حسين . يرصد المؤلف القادة مثلما يرصد الروائي شخصياته بعين تراقب التفاصيل الحميمة ، رغبة في الكشف عن المستور ، بروح الفرجة .. ) فهل استطاع مؤلف " المستبد " زهير الجزائري أن ينجح في دراسة " كل " الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي لقراءة ظاهرة صناعة المستبد ..؟ هل استطاع أن يقدم دراسة عيانية واسعة راصدة فعلا لكل ما في و حول مختلف العوامل والظروف المساعدة في صناعة " المستبد " صدام حسين بل النظام البعثي الاستبدادي أيضا ..؟
إن استخلاصا مكثفا يمكن تأشيره بوضوح عند قراءة كتاب " المستبد " وقد قام زهير الجزائري بجهد تقريبي كبير لكشف " الثقب الأسود " في النظام العراقي الذي قاده المستبد صدام حسين والذي خرجت منه جميع شرارات الحروب الداخلية والخارجية .
مع هذا التكثيف المعلوماتي البانورامي في الكتاب – من إصدارات معهد الدراسات الإستراتيجية 2006 -- لكن خطوطا عريضة كثيرة ساعدت في خلق و نشوء " المستبد صدام حسين " وصناعة قدراته الاستبدادية العشوائية والمنظمة لم نجد متسعا في أمر ومسئولية صياغتها لا نظريا ولا تحليليا على غرار ما ذهب إليه المؤلف في الثيمات المحورية الأخرى داخل متن الكتاب وأحداثه ووقائعه .
أقول أن الحاجة ما زالت ماسة في تقديم اجتهادات نظرية حول كيفية وأسباب وعوامل نشوء المجتمع العراقي الاستبدادي 1968 – 2003 وحول العقل والسياسة اللتين مكنتا صدام حسين من أن يكون حاكما مستبدا لزمن طويل بل هو الأطول بالنسبة لأعمار أنظمة المستبدين الآخرين في العصر الراهن .
هناك حاجة لاجتهادات في قراءة ما يلي :
(1) تحديد اطر الفجوة الناجمة بين التخلف الاجتماعي وبين ضعف النمو في القوى الديمقراطية العراقية لان مثل هذه الفجوة قدمت إلى صدام حسين وحزب البعث الطاقة الذاتية لنمو الطبيعة الاستبدادية لدى الحاكم المستند إلى ( القوة والمال ) والى المبادرات الدموية و الشيطانية لقيادة حزب البعث عام 1963 وعام 1968 وهي المبادرات التي تناغمت مع صعود الاستبداد بكثافة لتحقيق الوحدة والسلام بين جميع المستبدين بالحزب والعائلة الحاكمة والعشيرة المساندة . تأسيسا على ذلك عمل صدام حسين وحزبه في المحيط السياسي الداخلي بعد نجاح انقلابه عام 1968 على سوق نشاطه نحو بعض القوى التي تعرضت عام 1963 إلى كثير من القمع الدموي وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي ولم يتوان البعث من السعي لإقامة الجبهة الوطنية بالكلمات والمقالات والبيانات المعسولة الهادفة إلى تحييد الحزب الشيوعي في بداية السبعينات تمهيدا لإقصائه وضربه في نهاية السبعينات . هنا وخلال خمس سنوات كاملة اوجد البعث جغرافيا سياسية عريضة عن طريق هذه الجبهة مهدت لــ" صلاحية " قيادة البعث للمجتمع العراقي . هذه الفترة تحتاج إلى دراسة عميقة لمعرفة إسهامها الفعلي في التحولات المجتمعية لصالح المستبد صدام حسين ولصالح حزب البعث كرافعة أساسية لمجمل الاستبداد اللاحق خاصة وان مرحلة الوعي النقدي للحزب الشيوعي العراقي ولبعض القوى الديمقراطية والوطنية الأخرى لم يستطع أن يتوصل إلى كشف المعنى التضليلي لخطاب حزب البعث 1970 – 1975 . يا حبذا لو يستكمل المؤلف زهير الجزائري كتابه بجزء ثان يتناول فيه طريقة نظام المخاطبة السياسية البعثية في بداية السبعينات التي أنتجت قدرة تضليلية في قيادة حزب البعث تراكمت داخله بحيث استطاع ضمن إستراتيجية وتكتك واعيين أن يحيط صدام حسين بنسق ثقافي – سياسي داخل أبعاد المستبد الصرف .
(2) من الممكن القول أن الاستبداد البعثي العراقي كان حلقة أساسية ضمن التطور السياسي القومي الذي أعقب هزيمة حزيران 1967 فقد حاول البعث أن ينقل الوضع السياسي العراقي من الفضاء " الانهزامي " في النظرية القومية إلى " الاقتحام " الذاتي للمجتمع العراقي بطرائق عمل استبدادية لم تكن معاينتها بعيدة عن تكيف المؤسسات السياسية العالمية في ساحة الحرب الباردة بالتجاوب مع شروط الخصوصية العالمية ، التاريخية والثقافية ، المتماثلة في قوة دعمها ومساندتها لــ" المستبد صدام حسين " ونظامه وعدم إغفال العناصر المشتركة التي تقاسمت ادوار هذا الإسناد من قبل الدولة السوفييتية الاشتراكية والدولة الأمريكية الرأسمالية عبر مواقفهما الواعية وعيا تاما ، مما يستلزم استكمال البحث الذي أقدم عليه زهير الجزائري بالتشديد على دلالة البعد السوفييتي باعتباره احد الدعامات السبعينية والثمانينية الرئيسية في تقوية البنى المؤسسية لدولة البعث العراقي وصياغة الفضاء العام أمام صيرورة صدام حسين قائدا مستبدا قويا .
(3) التجزؤ والانشطار في مواقف الدول العربية في تسويق صدام حسين ونظامه واعتبارهما عدّة منهجية ملائمة في صد المد الإسلامي الشيعي الناتج عن ثورة الخميني وعن الحرب الإيرانية – العراقية .نلاحظ بوضوح تام خاصة ً بعد قيام الحرب العراقية – الإيرانية الاستثمار الواسع لهذه المواقف من قبل صدام حسين حتى صار بعض دول الخليج مرجعية مالية – عسكرية – اقتصادية للحضور الاستبدادي المكثف سواء في القمع البوليسي داخل العراق أو في إطار قصف المدن الإيرانية بالصواريخ والمواد الكيماوية السامة . الضرورة تحتم استكشاف العلاقات الشبكية العربية التي كانت من مكونات التكنيك الصانع للمستبد الحاكم في العراق كأداة لمعالجة احتمالات تقدم الثورة الإسلامية الإيرانية نحو الخليج وبعض دوله كما اشار زهير الجزائري في كتابه أكثر من مرة . ( خلال الحرب مع إيران تركزت الفكرة العرقية البعثية أكثر وتمثلت في الجوانب الأكثر عدوانية والتي تفترض أن الأمة المختارة محاطة بعروق أدنى خلقت للبربرية والهمجية او هي في أحسن حالاتها متلقية وليست خالقة للحضارة .ص131 من كتاب المستبد ) .
(4) وفقا لبعض مقدمات الحرب العراقية – الإيرانية فقد انشطر حزب البعث إلى شطرين أفقيين لكل شطر بنية عقلية ومصلحية مختلفة عن الأخرى . فالشطر الأفقي الأول ضم عناصر "القيادة " الحزبية ( أعضاء القيادة القطرية + الكوادر الحزبية الوسطية + بعض أعضاء القيادة القومية ) التي تحولت إلى طبقة مالية كبرى بسبب الهبات المالية التي قدمها لها صدام حسين وصارت هذه الطبقة البورجوازية مالكة الأراضي والقصور والأرصدة المالية ، داخل العراق وخارجه ، والمزارع ومؤسسات تجارية كبرى مما جعلها ذات مؤثر اجتماعي كبير في صناعة المستبد والاستبداد خاصة وان أبناء وأقارب هذه الطبقة اتجهوا نحو الإمساك والسيطرة على أهم مقاليد الاقتصاد والتجارة الداخلية والخارجية بعد اعتقال وترحيل كبار تجار الشورجة من الشيعة عام 79 - 1980.
أما الطبقة الثانية فقد كانت تضم مئات الألالف من البعثيين في قواعد الحزب وهم " فقراء البعث " من المعلمين والموظفين والطلاب والكسبة وبعض أصحاب المشاريع الصغيرة ، يعانون من عوامل اجتماعية واقتصادية مختلفة . وقد اعتقد عناصر وأفراد هذه القاعدة أن ليس بإمكان احد من إنقاذهم من تلك المعاناة غير صدام حسين الذي تحول بنظرهم إلى أسطورة عراقية – بعثية بمقدورها وحدها تقديم الحلول لمعاناتهم فكانوا متطلعين دائما نحو مكرمة تأتيهم من الرئيس أو منحهم حصة تموينية إضافية . لذلك اندفعت هذه الطبقة الحزبية نحو نشر الأفكار الاجتماعية والأسطورية عن قدرات شخصية القائد صدام حسين بحيث أصبحت جهودهم الحزبية اليومية متجهة لنحت مفاهيم مختلفة حول القدرات الفذة المتميزة لصدام حسين بحيث تحولت القاعدة الحزبية إلى جهاز اجتماعي واسع يحيط بالحزب وقائده وله أهمية كبرى بمستوى الجهاز الإعلامي الذي انطلق بين أيدي غالبية مثقفي وأدباء وفناني حزب البعث لتمجيد الاستبداد والمستبد من دون وعي وضمن أيديولوجية غير منفصلة عن مضامين التوجهات العامة في القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث . من هنا يتضح أن المصالح الذاتية والعلاقات الحزبية لعبت دورا كبيرا في صناعة القائد والمستبد .
(5) لا يخفي على احد الدور الكبير الذي لعبه رجال الدين في العراق من السنة والشيعة في المساهمة بــ" صناعة " القائد وتزكيته من الاستبداد . فقد ظهرت النداءات والتفسيرات الدينية من مختلف أصوات رجال الأروقة والمرجعيات الذين كانوا يظهرون بشكل أو بآخر ضمن بلاط صدام حسين وهم في الغالب يظهرون بمناسبات حكومية مختلفة ليكونوا مساهمين بكيفية فكرية معينة أو بتعاليم الفلسفة الدينية والكتاب والسنة والحديث والفقه وكان الكثير منهم يستعين بالشعر والأدب وبمعان من القران الكريم لتوصيل آراءهم إلى الناس حول اعتبار صدام حسين ممثلا لمرحلة مهمة من مراحل العصر الديني الإسلامي الجديد الذي بإمكانه وحده إحياء الومضات الخلاقة للقرن الهجري الأول . من هذه اللمحات كان البعض من كبار رجال الدين يجمعون العدد الدينية الكافية لــ" صناعة " القائد صدام حسين . ( من الخطأ القول أن تقاليد عبادة القائد هي صناعة بعثية خالصة ، فقد استمدها البعث من تقاليد عريقة تمتد من الدين حيث يحيل الإنسان العاجز عن مواجهة الطبيعة وجور المجتمع إرادته لإمام معصوم يكون وسيطا بينه وبين الخالق ، وكذلك من تقاليد القبيلة التي تقوم على تعاقد ابدي بين الأفراد والشيخ الذي سيتصرف نيابة عن الجماعة ، كما تجد امتدادا في الحياة السياسية المعاصرة حيث تلعب شخصية القائد الحزبي دورا يفوق دور الأفكار في ضمان لحمة القائد، ويأخذ القائد مكان الأب في العائلة وله ينبغي أن يقدم الأبناء فروض الولاء والطاعة . كتاب المستبد ص 308 ) .
لا شك في أن التعليل الذي أورده زهير الجزائري هو ما يمكن اعتباره ضمن مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية حيث ساد في خطابات " المستبد المهزوم " بعض اللمحات الدينية والصوفية . نتج عن هذا رغبة حزب البعث في الاستناد إلى وعي ديني مجرد في محاولة منه إعادة الاعتبار لقيادة ٍ مهزومة ٍ في حرب ٍ وغزو ٍ معللين ببلاغة مرتبطة بالفكر الإسلامي تتوخى إبقاء صورة " القائد المستبد " في عيون الشعب العراقي باعتباره قائدا مؤمنا .
يتبين في هذه الفترة أيضا وجود جوانب أخرى تتعلق بانقسام صفوف الشعب العراقي إلى نصفين : النصف الأول وقع في ظلال الغش والخداع فصار يطبل ويساعد بتلفيق المعطيات البعثية حول مختلف الأمور وكثير من هذا النصف انتمى جبرا وقهرا إلى عضوية حزب البعث أيضا خاصة في المدارس والجامعات بقصد الحصول على مكاسب شخصية معينة . اما النصف الثاني فهو الغالبية الشعبية التي فضلت الصمت والانحسار بالعمل من اجل لقمة العيش من دون الحصول على ثقة او اعتراف الحزب القائد بسلامة المجتمع الصامت الذي عانى من القمع والتنكيل شيئا كثيرا . لكنني استطيع القول ان العلاقة بين الصمت ونمو الاستبداد تحتاج إلى كشف من قبل الباحثين الجادين لمعرفة حقيقة تبادل المنافع بين موقفين متناقضين يقف " الخوف " علامة سيكولوجية لازمة بينهما .
(6) الخوف من قوى اليسار التقليدي والمتجدد داخل المجتمع العراقي دفع الكثير من القوى القومية العربية إلى مساندة ودعم أنشطة صدام حسين الاستبدادية بحيث جاء الكثير من المواقف السياسية والثقافية العربية في المغرب العربي وفي الأردن واليمن ومصر وسوريا وغيرها الذين ساندوا ، بقصد أو من دون قصد ، القيم السياسية – الثقافية التي عززت الاستبدادية في شخصية صدام حسين وفي ممارسات حزبه ، مما جعل عددا من المثقفين العرب مندفعين بالمال الوفير وبالهبات المتنوعة لنحت مفاهيم مختلفة عن شخصية صدام حسين . فالبطولة والشجاعة في أفعال صدام حسين نحتها المخرج السينمائي المصري توفيق صالح في فيلم الأيام الطويلة . كما بادر الكاتب المصري أمير اسكندر إلى وصف غير موضوعي للعقلية المؤثرة في سلوكيات صدام حسين . كذلك فان الأفكار التي قدمها الصحفي اللبناني فؤاد مطر في كتاب خاص كتبه عن حياة صدام حسين راسما نزوع صدام حسين نحو الوقوف على أرضية أهلته وساعدته في الدخول إلى فلك الاستبداد . كما لعبت هدايا وزارة النفط إلى عدد غير قليل من أدباء وكتاب وصحفيين وفنانين وسياسيين ورجال أحزاب من العرب ( في الاردن والمغرب وجمهورية مصر ) وغير العرب ( في انكلترا وروسيا وفرنسا وايطاليا وغيرها ) الذين حاولوا جعل هزيمة صدام حسين من الأشياء العادية الميسورة في نوعها ومجالها بعد أن استعان الراشون بما سمي بــ" كوبونات النفط " لإفساد ذمم وضمائر المئات ودفع نشاطاتهم الثقافية والفنية والسياسية لإخفاء أخطاء وانحرافات سياسة صدام حسين الدولية بقصد إبقاء بلاغته الاستبدادية في السياسة المحلية .
من بين أكثر الكتابات التي تناولت استبداد نظام صدام حسين فان كتاب زهير الجزائري ربما يأتي ضمن الكتابات المتقدمة المالكة لحصافة التحليل والتدقيق لكشف النموذج المثالي الذي عمل وفقه صدام حسين لبناء احدث نظام استبدادي رغم قصوره البين في النظرية والتطبيق لخلق دائرة شعبية تعبوية بقصد الحصول على نوع أو قدر من الشرعية .
كتاب " المستبد " ناتج بحث علمي يدفع قراءه إلى الاعتراف بالقدرة المتميزة للكاتب زهير الجزائري فهو نموذج الذاكرة التاريخية المطلوبة وهو حقا نوع من أنواع المذاكرة والحوار النافع بين القراء والباحثين الجادين ــ من امثال الجزائري ــ الذين يعتمدون على مضامين النصوص الموثقة في التاريخ العراقي المعاصر .
ـــــــــــ
بصرة لاهاي في 20 – 9 – 2007





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,202,883
- مسامير جاسم المطير 1370
- كل مخصصات مالية لها ما يبررها إلا مخصصات الحماية ..!!مسامير ...
- المؤمنون في كل مكان حلويون إلاّ في البصرة فالمؤمنون نفطويون ...
- سكت العقل وتكلم الحظ أمام عبد الصبور ..!!مسامير 1367
- مسامير جاسم المطير 1366
- مسامير جاسم المطير 1365
- مسامير جاسم المطير 1363
- مسامير جاسم المطير 1362
- العراق لم ينجب بطلا غير نوري المالكي ..!! مسامير 1361
- دولت نوري المالكي يؤمن بأن حضارة العراق تبنى بقراءة دعاء كمي ...
- مسامير جاسم المطير 1359
- أيها الوزراء العراقيون تعلموا من الوزيرة الكويتية ..!مسامير ...
- حكومة الحيص بيص ..!!مسامير 1357
- مسامير جاسم المطير 1356
- وزير فاسد في الوزارة خير من عشرة مستقيلين ..!!مسامير 1355
- مسامير جاسم المطير 1354
- مسامير جاسم المطير 1353
- مسامير جاسم المطير 1352
- مسامير جاسم المطير 1343
- فتوى جديدة عن لبسان النسوان ..!مسامير 1342


المزيد.....




- الجزائر تغلق أجواءها أمام طائرات -بوينغ 737 ماكس-
- تونس: بلحسن الطرابلسي.. رجل الأعمال وصهر بن علي الذي يواجه ت ...
- مصادر لـRT: قناص من -جبهة النصرة- استهدف حافلة التلاميذ بحلب ...
- غواصة نووية أمريكية مجهزة بـ154 صاروخ توماهوك تجري دوريات شر ...
- شاهد.. متزلج يوثق لحظة إنهيار ثلجي في جبال الألب
- شاهد.. متزلج يوثق لحظة إنهيار ثلجي في جبال الألب
- شاهد.. سعودي يقود سيارته على حافة هاوية جبلية
- غضب بالأردن من تخلف شركة إماراتية عن دفع مستحقات بالملايين ...
- قانون جرائم المعلوماتية العراقي.. صفعة قاسية للحريات
- الجمعة المقبلة بالجزائر.. هل ستكون حاسمة لمسار الحراك؟


المزيد.....

- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم
- طائر الندى / الطيب طهوري
- قصة حقيقية عن العبودية / نادية خلوف
- توما توماس في اوراقه... مآثر رجل وتاريخ بطولة.. 2 / صباح كنجي
- نقد النساء مصحح / نايف سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - جاسم المطير - قراءة في كتاب المستبد لمؤلفه زهير الجزائري