أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - غازي الصوراني - دور القوى والجماهير الفلسطينية في مجابهة تحديات الحاضر والمستقبل















المزيد.....


دور القوى والجماهير الفلسطينية في مجابهة تحديات الحاضر والمستقبل


غازي الصوراني
الحوار المتمدن-العدد: 623 - 2003 / 10 / 16 - 03:15
المحور: القضية الفلسطينية
    


تشرين ثاني 2001


حينما نتحدث عن المستقبل ، فإننا جميعا ندرك أننا نتحدث عن أحوال ومتغيرات أو مستجدات لم تتحقق بعد ، ولكنها ستحدث بالضرورة ، انسجاما مع مسيرة الحياة وصيرورتها التي لا تتوقف عن الحركة والنشاط ، صعودا في هذا الجانب، وهبوطا في الجانب الآخر ، يحددهما في الظروف السياسية والاجتماعية ، طبيعة الدور الإنساني وإرادته وموقفه تجاه عمليات التغير والمستجدات ، وبالتالي فإن السؤال هنا ، ما هو دورنا فيما يحدث من حولنا ، وما سيحدث ؟ مدركين أن هذا الدور مرهون دوما بالزاوية التي ينظر إليها كل منا نحو عملية التغيير والظروف المحيطة بها ، وهي زاوية يحددها –بصورة موضوعية- الموقع الطبقي (الاقتصادي-الاجتماعي-الفكري) أولا رغم أهمية العامل الذاتي ودوره في تفاصيلها .

المسألة الثانية ، التي أرى وجوب الإشارة إليها ، هي أننا لا يجب أن نتحدث أو نتناول قضايا الحاضر عموما ، والمستقبل خصوصا، بصيغة الإنباء أو التوقعات الافتراضية التي لا تستند على الواقع وحركته ، أو بصيغة التنبؤ بالغيب ، فهذه مهمة ساحر القبيلة أو كاهنها في عصور سابقة مضت ولم يعد لها دور في الظروف المعاصرة ، أو في المستقبل رغم كل ما يتبدى – هنا أو هناك- من علامات أو مظاهر أتاحتها ووفرت مقومات صعودها عوامل التخلف والهزيمة والواقع المأزوم .

لذلك فإن الحديث عن المستقبل في ظروفنا المعقدة ، هو في جوهره رؤية تقوم على قاعدة الاستشراف الملتزمة بالمنهج العلمي الذي لا يترك مجالا واسعا للاحتمالات وتنوعها ، ويوفر القدرة على تفسير الظواهر والأحداث استنادا الى أسبابها الواقعية الملموسة المحددة بعيدا عن أية عوامل لا تمت لهذا الواقع أو ترتبط معه بصلة . وهذا لا يعني إحداث القطيعة مع الماضي والحاضر ، بل بالاستناد الى الدروس والعبر والمعطيات التي يوفرها كل منهما ، مدركين أن الحاضر دوما هو محور المستقبل ومرآته ، بالرغم مما يتضمنه هذا الحاضر ويعبر عنه في ظروفنا الراهنة من عدم الاستقرار في هذه المرحلة التي قد تطول أو تقصر ، وفق دورنا وإرادتنا ووضوح أهدافنا وكيفية تعاطينا مع ظروف هذه المرحلة وعواملها المؤثرة في الداخل والخارج على الصعيد الوطني والقومي ، من جهة والعالمي من جهة ثانية ، وهي عوامل كانت دائما موحدة ومتداخلة في الماضي ، وهي أكثر توحدا وارتباطا وتفاعلا في ظروف العولمة الراهنة . وبالتالي فإن دورنا وتعاطينا مع عملية استشراف المستقبل ، لا يحدده فحسب وعينا بالتاريخ أو الحقوق المشروعة المترتبة عليه ، ولكن أيضا عبر وعينا لضرورات التغيير في الوقت الراهن ارتباطا بالمستقبل ، وما يعنيه ذلك من امتلاكنا لعوامل ومقومات التطور السياسي والاجتماعي وآلياته العلمية والتكنولوجية في مناخ تسوده العقلانية والتنوير والحرية الفكرية والديمقراطية والروح النقدية ، إذ أن هذه الأسس هي التي تحكم شكل المجتمعات وتحدد حاضرها ومستقبلها ، فهي التي توفر للتعددية الحقيقية مناخها الطبيعي ، بمثل ما توفر للإرادة الجماعية المنظمة في أوـساط الجماهير الشعبية حوافز التوحد والانصهار صوب فكرة توحيدية تندمج فيها عوامل التحرر والبناء الاجتماعي الديمقراطي على الصعيدين الوطني والقومي بصورة تنقل مفهوم المشاركة الشعبية من إطارها النظري الى إطار الفعل العملي عبر حركة شعبية منظمة ومدركة لمصالحها وأهدافها وقادرة على تحقيقها عبر تجاوز الواقع القائم وتغييره .

فبدون العمل على بلورة هذه الرؤية المستقبلية ، سيظل القلق المشروع من المستقبل سائدا في أوضاعنا الراهنة ، إلى جانب ما أنتجته وما ستنتجه هذه الحالة من مخاطر جدية تتراكم بصورة متسارعة في مسار الهبوط السياسي-المجتمعي الذي ساد وتعمق في بلادنا طوال السبع سنوات العجاف الماضية التي أفرزت هذه الحالة من القلق المشروع ، في أوساط مختلف الشرائح الاجتماعية عموما ، والفقراء وأصحاب الدخول المحدودة بصورة خاصة ، وكذلك الأمر في أوساط المثقفين والقوى السياسية بمختلف تلاوينها ، بحيث باتت هذه الحالة ، عشية الانتفاضة ، سمة من سمات مجتمعنا الفلسطيني ، خاصة مع الانتشار غير المسبوق لعوامل الاستبداد السياسي ، والفساد الاقتصادي والانحطاط الاجتماعي ، والإفلاس المعرفي والحضاري ، والانهيار الأخلاقي ، الى جانب المأزق المسدود الذي وصلته المفاوضات بعد أن تبين بوضوح حقيقة الموقف الصهيوني ومخططاته العدوانية المستندة الى الدعم الأمريكي الصريح والثابت عبر رؤية استراتيجية لا تتوقف عند شطب حقوقنا الوطنية التاريخية، بل تخطط وتعمل على إلغاء قرارات الشرعية الدولية ، ليس قرار 181 فحسب ، وإنما أيضا قرار 194 وحق العودة ، وقراري 242 و 338 وكافة قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقدس وعروبتها وبحق تقرير المصير لشعبنا ، بحيث بات من الواضح أن العدو الصهيوني ، بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية يسعى الى الحصول على شرعية الوضع القائم أو شرعية المحتل ، بديلا لكل شرعية وطنية أو دولية .

في هذا المناخ الذي تعمق فيه التناقض الأساسي التناحري مع العدو الصهيوني من جهة ، وتراكمت فيه عوامل التناقضات الداخلية من جهة أخرى ، كان لا بد من تزايد عوامل التدهور في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمعنا الفلسطيني ، وهي عوامل استثارت حالات التوجس والحيرة والخوف من الاضطراب وعدم الاستقرار .

في مثل هذا المناخ ، جاءت انتفاضة أيلول 2000 تعبيرا عن عمق الأزمة التي عاشها المسار السياسي-المجتمعي الفلسطيني عبر مؤشرين رئيسيين :
-  المأزق التفاوضي مع العدو الإسرائيلي .
-  المأزق الداخلي بكل ما حمله طوال السبع سنوات المنصرمة من مظاهر الخلل والفساد والهبوط الاجتماعي والاقتصادي .. الخ

وبالرغم من كل ما تقدم ، فإن الانتفاضة خلقت وعيا شعبيا بضرورة اشتقاق مسارات ورؤى ومقومات جديدة للعملية السياسية من جهة ، الى جانب الوعي بضرورة تغيير مسار الأوضاع المجتمعية الداخلية صوب مصالح الجماهير الشعبية من جهة أخرى ، وارتباط هذين المسارين معا بمفهوم وحدة الشعب الفلسطيني كله عبر جدلية الوطن والشتات أو الداخل والخارج وفق أسس وآليات مغايرة بصورة كلية عن تلك التي سادت وتحكمت منذ عام 1994 الى اليوم ، خاصة وأن الاستراتيجية الإسرائيلية –في إطار نظام العولمة الأمريكي الراهن- تسعى الى وأد هذا الوعي الشعبي ، على الصعيدين الوطني و القومي قبل أن يتمكن من تأطير نفسه في حركة شعبية موحدة على قاعدة البرنامج الوطني وثوابته في العودة والتحرر والدولة من جهة ، و ارتباطاً بالمشروع القومي من جهة ثانية، وهو أمر لم تستطع قوى الانتفاضة أن تبلوره حتى اللحظة حيث بقيت المشاركة الشعبية محدودة في إطار المظاهرات والجنازات وأماكن العزاء .

وفي هذا السياق فإن ضعف المشاركة الشعبية وعدم الارتقاء بها الى إطار الحركة الشعبية المنظمة ، هو في أحد جوانبه ناتج عن عوامل عديدة ، أبرزها ضعف قوى المعارضة الديمقراطية في مقابل قوة السلطة وأجهزتها التي نجحت في إضفاء الطابع العسكري على الانتفاضة وتجييشها ، الى جانب استمرار بقاء عوامل وعناوين الخلل والفساد في ظل غياب المناخ الديمقراطي الذي يلتزم بالإقرار الشعبي للقواعد الدستورية المستندة الى حقوق الإنسان الفلسطيني –في كل الظروف- في الحريات العامة وحرية الفكر والرأي والتعبير وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون ، وكل ذلك لا يمكن أن تتوفر له إمكانات التحقق والفعل بدون إدراك قوى المعارضة الوطنية والإسلامية عموما ، والديمقراطية بصورة خاصة ، إداركا واعيا وشجاعا بضرورات الخروج من المأزق الراهن ببعديه الوطني التحرري ، والديمقراطي الداخلي ، لأن استمرار بقاء الوضع على ما هو عليه راهنا ، سوف يذهب بشعبنا ومجتمعنا الى مهاوي الانحطاط ، والمسافة الى ذلك قصيرة ، وهنا تبرز –وبصورة ملحة- أهمية البدء بالخطوات الفعالة للخروج من هذا المأزق ، صوب تشكيل إطار الحركة الشعبية الديمقراطية ، وفق الرؤية الوطنية السياسية والمطلبية ، بحيث تمتلك هذه الحركة –عبر قواها المنظمة- من القوة والاتساع والعمق ما يمكنها من الضغط السياسي الديمقراطي، وصولا الى تغيير هذا المسار المشوه والخطر الذي تتعرض له قضيتنا الوطنية ومجتمعنا في هذه المرحلة ، خاصة وأن الظروف الموضوعية أكثر من ناضجة لقبول هذا التوجه، يعبر عن ذلك ، طبيعة النضال والصمود الشعبي الراهن بكل أشكاله ضد الاحتلال ، هذا النضال هو في أحد جوانبه الجوهرية، تدخلا شعبيا –مباشرا وغير مباشر- يستهدف تغيير أسس و قواعد و مسار العملية السلمية منذ مدريد و أوسلو حتى تقرير ميتشل و تينت، بمثل ما يستهدف تغيير المسار الداخلي بصورة ديمقراطية من أجل توليد المؤسسات الدستورية للدولة الفلسطينية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و بناؤها وفق أسس تستلهم و تأخذ العبر من تضحيات جماهيرنا الشعبية طوال مسيرتها منذ بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا .

أمام هذا المشهد ، بكل آلامه و آماله ، و أمام وجوب وضرورات الخروج من الأزمة المعقدة الراهنة ، و حتى لا يصبح المستقبل كأنه قدر محتوم تفرضه علينا ، أو تسوقنا إليه العولمة الأمريكية و ركيزتها و أداتها العدو الإسرائيلي، في منطقتنا ، ينبغي الاعتراف بحقائق الواقع و نتائجه الملموسة المتمثلة في :

أولاً : الفشل في تقديم المعالجة الحقيقية للجوانب السياسية ارتباطاً بقواعد و أسس اتفاق أوسلو و ما تلاه ، خاصة و أن إسرائيـل جسدت بالممارسة المفهوم القائل بأن "السلام الحق هو السلام المبني على الردع الإسرائيلي و هو موقف سبق أن عـبر عنه جابوتنسكي حين قال "ليس ثمة ما يدفع العرب إلى قبولهم بإسرائيل سوى الهزائم و القوة" .

ثانياً : الفشل في النهوض بعملية تطوير المجتمع الفلسطيني على الصعيد الداخلي ، ضمن معطيات و موارد الحد الأدنى المتاح و الممكن ، فمنذ قيام السلطة في أيار 1994 ، بدأ في التشكل واقعاً اجتماعياً/اقتصادياً جديداً ، هذا الواقع أو المجتمع "الجديد" ، رغم أنه ولد من رحم الإطار العام للحركة الوطنية الفلسطينية ، إلا أنه سرعان ما تحول عبر دور مرسوم –حددته نصوص الاتفاقات و غيرها من العوامل- و عبر رموزه و تعبيراته و أجهزته البيروقراطية و الطبقية ، إلى إطار ضيق و أحادي انفرد –عبر السلطة- بدوره بعيداً –في الجوهر و الممارسة الفعلية- عن الإطار العام للحركة الوطنية و برامجها سواء على مستوى العلاقة في مؤسسات م.ت.ف أو على مستوى العلاقة مع هذا الفصيل أو ذاك ، بمثل ما انفرد بوضع و صياغة العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية الداخلية وفق رؤى أحادية "جديدة" أشرفت على تنفيذها أجهزة السلطة المتعددة و بأساليب متباينة ، في سياق نهج و ممارسات اختلطت فيها –أو غابت أحياناً- الأدوار و الصلاحيات و المهام المحددة للسلطات الثلاث ، التشريعية و التنفيذية و القضائية ، بصورة منفره و محبطة عززت العوامل المؤدية إلى التباعد و فقدان الثقة بين السلطة و المجتمع .

و في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن هذا التردي في الأوضاع الداخلية ، رغم اتساعه و عمقه ، لم يؤثر على طبيعة الموقف الوطني العام ، المشترك بين الشعب من ناحية و السلطة و قوى المعارضة من ناحية ثانية ، في مواجهة التناقض الأساسي مع العدو الصهيوني ، و هو موقف تفرضه ظروف الصراع و الأساليب العنصرية الهمجية العدوانية الصهيونية اليومية ضد شعبنا بالدرجة الأولى ، مما يحتم بالضرورة من أجل رفع سوية المشاركة الشعبية و تفعيل دورها ، إعادة النظر ، بصورة نقدية و بمنهج تغييري ، في كل  الممارسات الضارة و مظاهر الخلل التي سادت مجتمعنا منذ عام 1994 إلى اليوم ، ذلك لأن إلغاء عوامل القلق المشروع من المستقبل السياسي المرتبط بطرد المحتل و الاستقلال و الدولة ، مرهون بإلغاء هذه الحالة من الهبوط و التفرد و الضعف السياسي و المجتمعي الذي نعيشه، و هنا تتجلى العلاقة الجدلية بين عملية التحرر الوطني من جهة، و الديمقراطي الداخلي من جهة ثانية، في بوتقة واحدة ، بدونها يصبح الخروج من المأزق صعبا ان لم يكن مستحيلا .

ان الإقرار بدور وتأثير العاملين المشار إليهما ، والاعتراف بحقائق الواقع المرتبطة بهما ، يقودنا الى الإقرار بأن هذه الانتفاضة التي أكدت من جديد على شعار وحدة الأرض والشعب والقضية ، من أجل الحرية والاستقلال والنهوض ، كشعارات توحيدية عامة، إلا أنها، كفعل مقاوم ، قدم آلاف الجرحى ومئات الشهداء ، ظلت محكومة بعوامل الأزمة أو المأزق السياسي بسبب العدو الإسرائيلي من جهة وبعوامل الفشل أو الإخفاق في خلق نظام ديمقراطي عصري يقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية و سيادة القانون من جهة ثانية ، و بالتالي كان لا بد من تغلب الطابع العسكري عليها –على أهميته و ضرورته- كطابع أحادي مهيمن ووحيد تم استخدامه بهذه الصورة أو تلك لغايات الخروج من المأزق المتفاقم و العودة إلى التفاوض بدلاً من استخدامه في إطار الحركة الشعبية ، في خدمة برنامج الطوارئ بقيادة وطنية جماعية لمعالجة القضايا الوطنية ومعالجة الأوضاع الداخلية ،  و هو أمر ليس مستغرباً في ظل بقاء مظاهر الخلل الداخلي و استمرار تغييب أدوار و فاعلية السلطات التشريعية و القضائية و التنفيذية ، إلى جانب تزايد مظاهر الشلل و الفوضى التي أصابت الدوائر و الوزارات ، وفي ظل هذا الواقع ، وانسجاما مع معطياته و أدواته ، لم يكن مفاجئا استمرار سياسة التغييب ، أو التأجيل والتسويف الدائمين ، فيما يتعلق بإقرار "قيادة الطوارئ الجماعية" ومشروع والبرنامج الوطني الديمقراطي العام الذي يأخذ بعين الاعتبار تقاطعات كافة القوى الوطنية والإسلامية في السلطة والمعارضة ، كبرنامج حد أدنى يستهدف تطوير أداء الانتفاضة في الأوساط الجماهيرية وتعبئة القوى والموارد الفلسطينية لإحداث تحولات ديمقراطية في المجتمع الفلسطيني ، تخدم الانتفاضة وأهدافها ، بحيث لا تبقى أسيرة لمسارها الضيق وآفاقه المحددة بالعودة الى "حدود" 28/9/2000 ، أو كحركة احتجاج على المأزق التفاوضي الراهن وثباتها بالتالي على أرضية العملية السياسية و اتفاقاتها ، كما هي عليه بالفعل منذ الشهر الثالث لانطلاقتها ، أو كما هي عليه في ظل الضغوط الأمريكية الراهنة و مستجداتها الخطيرة على قضيتنا الوطنية و مستقبلها بعد إعلان القيادة الفلسطينية استعدادها للدخول في إطار "التحالف الأمني العالمي" ضد ما يسمى بالإرهاب ، الذي دعت إليه الولايات المتحدة الأمريكية بعد 11/9/2001، من أجل بسط هيمنتها الأمنية و العسكرية على شعوب و بلدان العالم عموماً و البلدان الفقيرة خصوصاً و ذلك من أجل تأمين كافة مقومات و عوامل السيطرة اللازمة لرأس المال المعولم بأبعادها الثلاثة الاقتصادية و السياسية و الأمنية العسكرية ، تحت ذريعة أفغانستان و أسامة بن لادن .

إن المشاركة الرسمية الفلسطينية في هذا التحالف تحت عنوان "مقاومة الإرهاب العالمي" بصورة مطلقة وفق وجهة نظر أحادية التزمت بالتعريف الأمريكي /الغربي –الرأسمالي ، لهذا العنوان ، و تم فرضها بدواعي القوة و الإكراه دون أي سند شرعي أو قانوني دولي و دون أي اعتبار لمصالح و حقوق شعوب العالم المضطهدة و في المقدمة منها شعبنا الفلسطيني ، ستعني تراجعاً عن حق شعبنا في النضال و مقاومته للاحتلال الاستعماري و الاستيطاني الصهيوني  لبلادنا من أجل حق تقرير المصير و العودة و الدولة المستقلة .

و بالتالي فإن دورنا و تعاطينا مع عملية استشراف المستقبل ، لا يحدده فحسب ، وعينا بالتاريخ أو الحقوق المشروعة و القانونية المترتبة عليه ، و لكن أيضاً عبر وعينا لضرورات التغيير كفعل يمارس في الواقع الراهن ، ارتباطاً بالمستقبل ، و ما يعنيه ذلك من الحرص على أن نمتلك –كل حسب زاويته- عوامل و مقومات و آليات التطور السياسي الاقتصادي و الاجتماعي في مناخ تسوده الحرية الفكرية و السياسية ، و الديمقراطية و الروح النقدية ، تقوم بصياغته و فرض أسسه ، كافة القوى السياسية الفعالة استناداً إلى قوة الجماهير و بمشاركتها ، إذ أن هذه الأسس هي التي ستحكم شكل مجتمعنا –الفلسطيني و العربي- في المستقبل و هي التي يمكن أن توفر للتعددية الحقيقية مناخها الطبيعي و حراكها الصاعد ، بمثل ما توفر للإرادة الجماعية الشعبية المنظمة حوافز التوحد و الانصهار صوب فكرة توحيدية تندمج فيها أهداف التحرر الوطني و البناء الاجتماعي الديمقراطي بصورة تنقل مفهوم المشاركة الشعبية من إطارها العام –الهلامي- إلى إطار الفعل العملي ، و أقصد بذلك عملية انتقال هذه الانتفاضة –كضرورة ملحة – من حالة الانفصام و غياب المشاركة و الأحادية في الرؤية و الفعل و العسكرة ، إلى حالة الحركة الشعبية المنظمة المدركة لمصالحها و أهدافها الداعمة و المعززة لآليات الانتفاضة و أدائها اليومي سواء في ميدان المواجهة الكفاحية المسلحة و الجماهيرية الشعبية ضد العدو الصهيوني ، أو في عملية المواجهة الديمقراطية المسؤولة لكافة مظاهر الخلل و الفساد و تجاوزها وصولاً إلى متغيرات الواقع المجتمعي الداخلي بما يوفر عوامل القوة و الصمود و استمرارية المقاومة ، كمنطلق وحيد يحول دون وقوعنا أو خضوعنا أسرى لسياسة الأمر الواقع المذلة التي يحاول أن يفرضها العدو الصهيوني علينا .

فبدون العمل على بلورة هذه الرؤية المستقبلية الجماعية سيظل القلق المشروع من المستقبل سائداً في أوضاعنا الراهنة ، إلى جانب ما أنتجته و ما ستنتجه هذه الحالة من مخاطر جدية تتراكم بصورة متسارعة في مسار الهبوط السياسي-المجتمعي الذي تعمق في بلادنا طوال السبع سنوات العجاف الماضية ، و التي أفرزت هذه الحالة من القلق و التذمر و الانفصام ، بحيث أصبحت هذه المظاهر –عشية الانتفاضة- سمة من سمات مجتمعنا الفلسطيني تعرضه لمزيد من عوامل التفكك و الانهيار و العزوف عن المشاركة سواء في قضاياه الوطنية التحررية أو في القضايا الديمقراطية و المطلبية في آن واحد 

أمام هذا المشهد ، بكل آلامه الدامية و آماله العظيمة المرتبطة بارادة شعنا وقواه الحية ،  ينبغي الاعتراف بحقائق الواقع و نتائجه الملموسة ، سواء في الفشل في تقديم المعالجة الحقيقية للجوانب السياسية و أهدافنا و ثوابتنا الوطنية ، ارتباطاً بقواعد أوسلو و ما تلاه حتى تقرير ميتشل و تينت ، أو في الفشل في النهوض بعملية تطوير مجتمعنا الفلسطيني و مأسسته بصورة ديمقراطية فعالة تطال كافة المؤسسات بدءاً من المجلس الوطني و التشريعي و البلديات والنوادي ، وصولاً إلى إعادة تشكيل و تجديد مؤسسات م.ت.ف –وفق أسس ديمقراطية محددة- بما يجعل من هذه المنظمة مرجعية سياسية و دستورية و قيادية أولى لشعبنا في الوطن و الشتات .

إذن ، ينبغي الاعتراف بالفشل –بهذه الدرجة أو تلك- في تقديم المعالجة الحقيقية لكل هذه التحديات ، كما ينبغي الاعتراف بأن محصلة هذا السلام المزعوم ، لم تكن سوى مزيد من تراكمات العداء التاريخي المتصل و المتواصل عبر هذه الهجمة الصهيونية الأشد قساوة على شعبنا من كل ما سبقها .

و هنا بالضبط تتبدى ضرورات التداعي الجاد و الضاغط من القوى السياسية الوطنية و الإسلامية ، اعتماداً على الجماهير و إيماناً بأهدافها و مصالحها اليومية و البعيدة و ذلك من أجل وضوح البرنامج ، و تفعيل الحركة الشعبية و دورها القيادي من أجل تطوير و اتساع الحالة الجماهيرية و الطابع الشعبي النضالي للانتفاضة كصمام أمان و شكل رئيسي لضمان عملية الصمود و الاستمرار و تحقيق أهدافنا في التحرر و الاستقلال و العودة ، و تحقيقاً لهذا الهدف ، يجب العمل على تشكيل قيادة طوارئ وطنية تمتلك كافة الصلاحيات بصورة استثنائية لإدارة الصراع بكل أبعاده :

1. المجابهة مع العدو ووقف التفاوض معه و المراجعة النقدية لكل المسار التفاوضي في ضوء ثوابتنا الوطنية، و قرارات الشرعية الدولية و في المقدمة منها قرار 181 .
2. التغيير الديمقراطي الداخلي لتجاوز سلبيات الواقع الراهن و البدء ببناء مؤسسات المجتمع و تعبئة الجهود الشعبية وفق محددات إدارة التقشف في الظروف الراهنة .
3. تفعيل العلاقة مع الأطر السياسية العربية ، خاصة على المستوى الشعبي .
4. التعامل مع الوضع الدولي و متغيراته من منطلق المصالح الوطنية و القومية .

و في هذا السياق لا بد من الاعتراف و الإقرار بأن التباين في الأهداف الاستراتيجية البعيدة بين مختلف القوى السياسية الفلسطينية لا يلغي الإمكانية المتاحة في الظرف الراهن صوب تشكيل قيادة الطوارئ ، و ذلك انطلاقاً من إدراكنا بإمكانية التوافق على ثوابت الحد الأدنى لهذه المرحلة ، كضرورة تفرض نفسها ، عبر النقاط أو الأبعاد الأربعة التي أشرنا إليها ، و التي يمكن أن تتجمع القوى حولها و تتفق على قواعدها بمثل ما يمكن أن تشكل حافزاً للتنظيم و العمل المحفز للروح الجماعية و الصعود و التقدم ، دون أية أوهام بالتماثل أو التوافق المطلق ، ذلك لأن الحديث عن قضايا النضال الوطني، و النضال الديمقراطي المجتمعي، ارتباطاً بالقاعدة الشعبية و الجماهير ، لا يلغي التحليل الموضوعي للفعل و الممارسة السياسية الذي يشير إلى أن لكل طبقة أو شريحة اجتماعية ممارستها السياسية عبر حزبها أو أحزابها ، و هذا يعني بوضوح أن لكل فعل سياسي مرجعه الاجتماعي أو الطبقي إلى جانب مرجعه و ثوابته الوطنية ، التي لا تتناقض جوهرياً مع ثوابت الحد الأدنى و برنامجها المشترك الذي ندعو إلى بلورته عبر وثيقة فلسطينية تُعتَمد من جميع أطراف الحركة السياسية الفلسطينية .

لقد آن لشعبنا أن يتخذ من الديمقراطية هدفاً ووسيلة في الحاضر و المستقبل ، و إدراكه لنتائجها الإيجابية عليه ، و بدون ذلك سوف تتحول الديمقراطية إلى شكل باهت –كما هي عليه اليوم- يُسخَّر فقط لخدمة فئة قليلة من أصحاب الثروات و المصالح القديمة و المستحدثة ، و في هذه الحال بدلاً من أن تكون الديمقراطية مهداً للتغيير من أجل التحرر الوطني و البناء الداخلي تصبح لحداً أو قبراً لتلك الأهداف .

إن حديثي عن الديمقراطية ، و المشاركة الشعبية ، و القيادة الجماعية ، كضرورة في هذه المرحلة إنما يستند إلى أنها أصبحت شرطاً لا بديل عنه من أجل التحرر الوطني و بناء الدولة و تقرير المصير و حق العودة و إلا سندخل في مأزق كبير قد تضيع معه و فيه معالم الطريق .
 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- المرأة الفلسطينية ودورها في التاريخ الحديث والمعاصر
- الواقع الراهن للاقتصاد الفلسطيني وآفاقه المستقبلية
- التنمية والمقاومة بين التناقض والتكامل
- الأوضاع الفلسطينية في ظل الانتفاضة الثانية والعلاقات الدولية ...
- المجتمع الفلسطيني في انتفاضة الأقصى
- العولمـة وطبيعة الأزمات السياسيـة/الاقتصاديـة/الاجتماعيـة في ...
- أزمة حركة التحرر القومي العربي الراهنة وآفاق المستقبل
- ورقة مقدمة للحوار حول : مشروع منتدى الفكر الديمقراطي الإشترا ...
- العولمة وطبيعة الأزمات السياسية الاقتصادية الاجتماعية في الو ...
- التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني والأزمة الاجتماعية في ...
- التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني والأزمة الاجتماعية في ...


المزيد.....




- ما هي قصة سفن الأشباح على شواطئ اليابان؟
- إسطنبول تغير أسماء شوارعها بسبب غولن
- ما الذي دفع ترامب لشكر نظيره بوتين هاتفيا رغم خلافاتهما؟
- برّي و-خبرته- ببحصة الحريري!
- أسر ضحايا الماليزية المفقودة يوجهون أصابع الاتهام إلى بوينغ ...
- لكزس تطرح نسخة خارقة من -LC500-
- مجلس الاتحاد الروسي يحدد يوم 18 مارس المقبل موعدا لإجراء الا ...
- أنباء من اليمن: العميد طارق صالح على قيد الحياة!
- الحوثيون: إتهام إيران بإمدادنا بصاروخ لاستهداف السعودية محاو ...
- اليابان توجه ضربة جديدة لنظام كوريا الشمالية


المزيد.....

- بلغور وتداعياته الكارثية من هم الهمج ..نحن ام هم ؟ / سعيد مضيه
- 100 عام على وعد بلفور / غازي الصوراني
- ملامح التحول والتغير في البنية الاجتماعية في الضفة الغربية و ... / غازي الصوراني
- كتاب التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلس ... / غازي الصوراني
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني / غازي الصوراني
- مخيم شاتيلا : الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- الصديقان العزيزان أ.د ناجي صادق شراب و أ.د أسامة محمد أبو نح ... / غازي الصوراني
- نقد الصهيونية / عبد الرحمان النوضة
- هزيمة حزيران 1967 وتطوّر حركة المقاومة الفلسطينية / ماهر الشريف
- لا… إسرائيل ليست ديمقراطية / إيلان بابيه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - غازي الصوراني - دور القوى والجماهير الفلسطينية في مجابهة تحديات الحاضر والمستقبل