أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جورج حداد - العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي















المزيد.....


العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 2024 - 2007 / 8 / 31 - 10:11
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


إن الامة العربية المعاصرة هي نتاج حضاري تاريخي عريق. وهي تمتاز بالتعددية العرقية والثقافية والروحية، ضمن البوتقة الحضارية القومية الواحدة، وبالاستعداد الكفوء للانفتاح على مختلف الحضارات والثقافات العالمية، في الشرق والغرب، والتفاعل الخلاق معها، لمصلحة الانسانية جمعاء.
وبهـذه الخاصية، فإن الامـة العربية، وبمختلف روافدها الاتنية والاقوامية والدينية ومكوناتها الاقليمية، اضطلعت، خـلال تاريخها الطـويل، بدور مزدوج:
اولا، كأم حقيقية، حضاريا وروحيا، للعالم القديم؛ ومن ثم كمنارة حضارية أصيلة وكجسر تواصل وتفاعل حضاري متوازن بين آسيا وافريقيا واوروبا.
وثانيا، كحصن رئيسي متقدم، بوجه كل الغزوات اللاانسانية واللاحضارية، من الغرب او من الشرق.
وبهذا الدور الرسالي، نهضت الامة العربية، لآلاف السنين، بمهمة رعاية وحماية خط التطور الحضاري المتوازن للعالم أجمع، وهو ما كان يتيح لكل شعب ان يمتلك خط تطوره الحضاري المستقل، بامكانياته الوطنية الذاتية، من ضمن التفاعل الحضاري الحر مع "الآخر".
ولقد تبادل العرب القدماء، منذ أيام الفينيقيين، التفاعل الحضاري مع الاغريق القدماء وغيرهم من الشعوب الاوروبية الناهضة، ورفدوا الحضارة العالمية بالعلم والمعرفة، لما فيه خير الانسان ومستقبله الأفضل، في ما يشبه سباق التتابع الحضاري، ضمن الفريق الانساني الواحد. فكان البحر الابيض المتوسط منارة للأمم قاطبة، والمعين الذي لا زالت الحضارة مدينة له بالفضل والعرفان.
واستنادا الى هذه القاعدة الحضارية الاصيلة والعريقة استطاع الشرق العربي ان يحتوي بسرعة الطابع العدائي لحروب الاسكندر الكبير، وان يستوعب "الفاتحين" الاغريق، ويدخل معهم في عملية تفاعل حضاري. وقد نشأت عن هذا التفاعل اكبر عملية تزاوج حضاري في التاريخ، ظهرت على اثرها الحضارة الهيلينية، التي امتدت بين القسطنطينية والبلقان وما بين النهرين ووادي النيل، مرورا بفينيقيا، وطبعت بطابعها ولا تزال التاريخ العالمي بأسره، وهي لم تتشوه وتسقط الا بفعل النزعات الاستعمارية القادمة من غرب اوروبا.
وأسطورة قدموس الفينيقي الذي نقل الأبجدية الى الاغريق، وشقيقته أوروبا التي تزوجها زفس سيد الآلهة الاغريقية، والتي تحمل القارة العتيقة اسمها، تبين عمق التواصل الحضاري العربي ـ الاوروبي منذ أقدم العصور.
وبفضل هذا التفاعل، وضعت المقدمات الاساسية لبناء الحضارة العالمية على اسس اخلاقية، قدمت المنظومة الفكرية والروحية الانسانية اولا، ورفعت من مقام الانسان والفكر الانساني في وجه النظرة الاستغلالية، التي لا تقيم للتسامح والتعايش والتعاطف بين الامم الاهمية الضرورية لاستمرار وتطور الحضارة البشرية.
ولكن سقوط توأمي الحضارة العالمية، القسطنطينية والاندلس، وما أعقبه من وقوع الوطن العربي تحت اقدام الاحتلال العثماني، الذي زيف الاسلام السمح، ومنح الامتيازات الاجنبية للاحتكاريين الغربيين، قد أديا الى فقدان الامة العربية لدورها التاريخي العالمي. فأدى ذلك بدوره حكما الى اختلال التوازن الحضاري العالمي برمته، لصالح اقلية مهيمنة، وعلى حساب اكثرية شعوب العالم. وهكذا ساد عصر القرصنة. وتحول "درب الحرير" الى درب البؤس. وتحول الشرق العظيم، مهد الحضارات الكبرى، كما تحولت منطقة البلقان الزاهرة، الى بقاع منهوبة، متخلفة، مهانة وجائعة.
ومنذ ذلك الحين تدور المعركة التاريخية الكبرى، التي تخوضها الأمة العربية ضد قوى الهيمنة والاستبداد العالمية. ويتضح اكثر فأكثر أن مصير العالم بأسره يتوقف على هذه المعركة بالذات، بوصفها تمثل الحلقة المركزية في طموح جميع الشعوب لتأكيد وتطوير هويتها الحضارية، وللاسهام الخلاق في إغناء الحضارة الانسانية الشاملة.
ولا شك أن أخطر وجوه هذه المعركة هو وجهها الثقافي. ذلك أن أخشى ما تخشاه قوى الهيمنة العالمية هو تفعيل دور الثقافة العربية، وتفاعلها الانساني الخلاق مع ثقافات كافة الشعوب الاخرى، المتقدمة منها، كما الفقيرة والمظلومة، باتجاه إعادة التوازن الحضاري للعالم.
ومنذ التباشير الاولى للنهضة العربية الجديدة، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقفت قوى الهيمنة العالمية، المعادية للجوهر الانساني للحضارة، ضد هذه النهضة، لأنها أدركت الخطر الذي تمثله بالنسبة لها امكانية استعادة العرب لدورهم الرسالي الحضاري العالمي.
وفي ايامنا الراهنة، في ظروف الثورة الجديدة في العلوم والمعلوماتية والوعي الذاتي الانساني العام، التي يتحول فيها العالم الى "قرية كونية" واحدة متعددة المنازل، تسعى قوى الهيمنة العالمية الى اعطاء محتوى لاانساني للعولمة، يتم فيه الُقضاء على التفاعل العالمي الحضاري الحقيقي، وتحويل الاكثرية الساحقة من البلدان والشعوب والامم الى اطراف تابعة وخاضعة، تتحكم بحياتها ومصائرها قلة من الاحتكاريين العالميين القابعين خلف المحيط الاطلسي.
وفي محاولاتها المستميتة لفرض الصيغة الاحتكارية اللاانسانية للعولمة، تضع قوى الهيمنة العالمية في رأس أولوياتها مهمة طمس وتشويه الوجه الثقافي العربي، بما في ذلك بالاخص الدور التاريخي للحضارة العربية ـ الاسلامية. وهم يحشدون جيوشا كاملة من "المثقفين" والاعلاميين، وينفقون مئات مليارات الدولارات، على الجبهة "الثقافية" المعادية للعـرب. فيدعون جهـارا الى "صراع الحضارات"، ويعملون لقلب الحقائق، وتصوير العرب والمسلمين بأنهم قتلة وارهابيون ومستبدون ومتهتكون ورجعيون وما الى ذلك، ليقيموا حاجزا عدائيا بينهم وبين الشعوب الاخرى.
ولكن مهما كانت القوة التي تقف خلف "كلمة" الاعلام الاحتكاري، الديماغوجي في مظهره، العنصري في جوهره، فإن كلمة الحق والحقيقة والحرية هي الأقوى.
والفعاليات العربية الصادقة لا ينقصها الايمان بعدالة قضيتها. وهي قادرة، اذا ما وعت الاهمية الحاسمة للاعلام والثقافة، ووحدت صفوفها وامكانياتها وجهودها، أن تضطلع بجدارة بالدور الرسالي الموضوعي الملقى تاريخيا على عاتق الامة العربية، والذي تتوفر له المقدمات والمقومات الضرورية للنجاح، وأهمها:
ـ حضارية وعالمية القضية العربية.
ـ العلاقات التاريخية والتعاطف المتبادل بين العرب وغالبية شعوب العالم.
ـ الموقع الجغرافي الاستثنائي للوطن العربي في وسط العالم، والثروات والامكانات الطبيعية غير المحدودة المتوفرة له.
ـ الارتباط الروحي بحوالى المليار ونصف المليار مسلم في العالم.
ـ الدور الخاص للمسيحيين العرب، كجسر تواصل وتفاعل حضاري قومي عربي ـ عالمي.
ـ وأخيرا لا آخرا انتشار عشرات ملايين العرب في كافة ارجاء المعمورة، وتفاعلهم الخلاق مع مختلف الاوطان.
الردة الظلامية القروسطية
في اعقاب عصر الحضارة ـ الام، الشرقية القديمة، ظهرت الحضارة الاغريقية ـ الهيلينية ـ الرومانية، التي انبثقت خلالها المسيحية والاسلام، وتوّجت بظهور الحضارة العربية ـ الاسلامية، كحلقة متوسطة بين الحضارة الاغريقية والنهضة الحضارية الاوروبية الحديثة.
وقد جاءت القرون الوسطى ليس كحقبة زمنية في المسيرة الحضارية للعالم، بل كردة ظلامية معادية للحضارة، دشنت بدايتها بعملية صلب عيسى المسيح، بكل ما ترمز اليه هذه العملية من سعي قوى الشر الاستغلالية ـ الاستعمارية للتسلط على الجنس البشري. وقد تمخضت الردة الظلامية القروسطية عن النتائج السوداء التالية:
أ ـ تبلور النزعة الاستعمارية ـ العنصرية الاوروبية الغربية، التي استغلت الدين المسيحي، على ارضية نمو البذرات الاولى للرأسمالية المتوحشة و"حمى الذهب" في أحشاء النظام الاقطاعي البطريركي القديم. وعلى هذه الارضية جرى انطلاق الموجة "الصليبية" الاولى، التي ضربت القسطنطينية والبلاد العربية من الغرب، محولة الصليب من رمز للمحبة والتضحية الذاتية في سبيل الانسانية، الى رمز للحقد والاستعباد، وذلك قبل حوالى الف سنة من ظهور الصليب المعكوف لهتلر.
ب ـ ظهور التدرن السرطاني "الاسلامي"، بشخص النزعة الاستعمارية العثمانية، المنبثقة من تقاليد الاقطاع العسكري التركي الذي لم يكن يمتلك اي ميزة اخرى سوى القتل والنهب والسلب فقط، وذلك في ظروف نشوء الظاهرة الاستعمارية في اوروبا الغربية، المعادية بشكل خاص للعالم الشرقي المسيحي والعربي الاسلامي. وقد عمل السرطان العثماني على تقويض الحضارة العربية ـ الاسلامية من داخلها، ومهاجمة القسطنطينية والبلاد العربية من "الشرق"، كما عمل لتحويل الاسلام من ظاهرة شعبية تحررية الى ظاهرة تسلطية استعمارية موجهة، في انسجام تام مع "الصليبية" الاوروبية الغربية، ضد الشعوب المسيحية الشرقية، ومنها الشعب البلغاري، وضد الشعوب الاسلامية ذاتها وعلى رأسها الشعوب العربية.
ج ـ القضاء على المنارة الحضارية، المسيحية الشرقية، التي كانت تمثلها القسطنطينية، وتحويلها الى قاعدة ظلامية عثمانية لاستعمار البلقان والبلاد العربية.
د ـ انطلاق الموجة "الصليبية" الثانية، التي قضت على المنارة الحضارية العربية ـ الاسلامية في الاندلس، وفتحت الطريق لانطلاق النظام الرأسمالي المتوحش، بأبشع اشكاله الكولونيالية والامبريالية، وحولت اوروبا الغربية (ومن ثم اميركا) الى قاعدة انطلاق لاستعمار العالم شرقا وغربا.
هـ ـ طرد العرب (الذين كان يطلق عليهم هزؤا اسم "الموريين"، وجمهورية موريتانيا تحمل اليوم اسمهم الغريب هذا) من اسبانيا، ومعهم اليهود العرب "السفارديم" الذين عاد القسم الاكبر منهم الى المغرب العربي، بينما لجأ قسم آخر الى اوروبا الغربية والوسطى والشرقية ومنها بلغاريا. ولكشف الاصل "الموري" لذلك القسم من العرب (بمن فيهم اليهود) الذين كانوا قد "تنصروا" في اسبانيا، ظهرت "محاكم التفتيش" (ومعها "المحارق") التي اصبح اسمها رمزا لظلامية القرون الوسطى.
و ـ ظهور حمى الحملات "الاستكشافية" الاستعمارية لاستعمار الشرق، ومنها حملات القراصنة الاستعماريين كـ"ماجلان" للالتفاف حول افريقيا وآسيا، و"كولومبوس" لاكتشاف "الطريق الغربي" الى الهند.
ز ـ "اكتشاف" اميركا، انطلاقا من الدوافع الرأسمالية ـ الاستعمارية ـ العنصرية، وابادة سكانها الاصليين، والشروع في عملية صيد البشر الاحرار (الزنوج الافارقة)، وبيعهم كالدواب وسوقهم بالملايين للعمل كعبيد في بناء "جنة الرأسمالية" التي سميت "العالم الجديد"، بدون حرمانهم طبعا من بركة وصلوات الكنيسة "المسيحية" الغربية. واذا اخذنا الجزء الشمالي فقط من القارة الاميركية، يمكننا القول إن الامبريالية الصاعدة حينذاك قد نجحت نجاحا "نموذجيا" كاملا في اقامة كيان سياسي (دولة) جديدة، على حساب السكان القدماء، وعلى قاعدة الاستعمار الاستيطاني الكامل. وبالرغم من كل المساعي المحمومة، وآخرها محاولة زرع اسرائيل بديلا لفلسطين التاريخية، فإنها ـ اي الامبريالية ـ فشلت في ان تكرر "النموذج الاميركي" الاستئصالي في افريقيا وآسيا. ولكن دماء الهنود الحمر والزنوج الذين قامت "الولايات المتحدة الاميركية" فوق جماجمهم لن تذهب هدرا. وارواح عشرات ملايين الضحايا تسكن في ضمائر جميع المظلومين وجميع الناس الاحرار والشرفاء في العالم. وهي لن تهدأ اذا لم يتم التكفير عن هذا "الخطأ التاريخي المميت" وتصحيحه. والا فإن الانسانية بأسرها ستدفع غاليا ثمن "السماح" بقيام المستعمرة الاستيطانية الخالصة المسماة "الولايات المتحدة الاميركية"، التي هي ابشع منتوج مستدام لظلامية القرون الوسطى. وها اننا نرى بالعين المجردة كيف اصبح وجود هذه المستعمرة اليوم يمثل نقيضا تاما للوجود الانساني الحر بأكمله، حيث أنه يهدد بالعبودية التامة الانسانية بأسرها، وبالفناء التام كينونة الحياة على الكرة الارضية.
ح ـ تبلور التدرن السرطاني الذي تمثله الطغمة المالية الربوية اليهودية العليا، بكل ميولها الاستغلالية ـ العنصرية البشعة، المعادية للانسانية جمعاء. وقد نشأ هذا التدرن السرطاني كنتيجة لاتحاد الطغمة المالية الربوية اليهودية العبرية "السفارديم" (الآتية من اسبانيا) مع الطغمة المالية الربوية اليهودية الخزرية "الاشكناز" (الآتية من محيط بحر قزوين). لقد قام هذا الاتحاد على قاعدة "روحية" وهمية هي قاعدة "الاخاء الديني"، وعلى قاعدة مادية واقعية هي قاعدة النزعة الرأسمالية ـ الاستعمارية ـ العنصرية المتفاقمة في اوروبا القرون الوسطى. وفي الازمنة المتأخرة تمخض هذا التدرن الاحتكاري ـ الاستعماري ـ العنصري اليهودي عما يسمى سياسيا "الصهيونية"، التي نجد ابشع صورة لها الان في ما يسمى اسرائيل، آخر وافظع شكل من اشكال العنصرية والكولونيالية التقليدية البائدة.
الدور الحضاري المميز لبلغاريا والعلاقات العربية ـ البلغارية
ولكن بالرغم من كل سلبيات الردة الظلامية القروسطية، فإننا نقرأ في تاريخ الشعب البلغاري، علامات مغايرة تماما لهذه الردة:
ان بلغاريا الحالية هي بلد اوروبي شرقي صغير، عدد سكانه حوالى ثمانية ملايين نسمة. ولكنه، في موقعه، وفي انتمائه القومي والديني الرئيسي، وتركيبته السكانية، وتاريخه القديم والحديث، يمتلك اهمية حضارية اكبر من حجمه السياسي والجغرافي والديموغرافي.
فالقسم الاكبر من الشعب البلغاري هو من الاصل السلافي، ويعتنق الديانة الارثوذكسية (المسيحية الشرقية). وبهذه الصفة، فإن بلغاريا كانت ولا تزال تاريخيا على علاقة حضارية ودينية وثيقة بالشعوب السلافية الاخرى (كالروس والاوكرانيين وغيرهم)، وبالارثوذكس غير السلافيين (كاليونانيين والارمن)، وبالمسيحيين الشرقيين عموما، وخصوصا المسيحيين العرب.
ان المكتشفات الاثرية الغنية في تراقيا وغيرها من المناطق البلغارية، والمدونات التاريخية، التي تغطي آلاف السنين تكشف العلاقات الوثيقة، الثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية، بين البلغار، والاغريق، والعرب، القدماء، في ما بين النهرين، وفينيقيا، ووادي النيل. ونشير بشكل خاص الى الكتاب الفذ "رسالة ابن فضلان"، للرحالة والعالم العربي احمد ابن فضلان، الذي زار بلغار الفولغا في 921م، على رأس بعثة كبيرة، بناء للرسالة التي وجهها القيصر البلغاري ألموش بن يلطوار الى الخليفة العباسي المقتدر بالله طلبا للارشاد الديني والدعم ضد مملكة الخزر اليهودية المعادية. وكانت بعثة ابن فضلان تتألف من 5000 رجل من الفقهاء والمعلمين والصناع والحرفيين ومعهم 3000 دابة حمولة.
ونجد من الضروري ان نتوقف هنا عند بعض المحطات البارزة، التي تسلط الضوء على الدور الحضاري البلغاري المميز والعلاقات الحضارية العربية ـ البلغارية القديمة:
1 ـ ان التاريخ "الروحي" (الديني) للبلغار القدماء، يماثل التاريخ الديني لسكان ما بين النهرين (ميزوبوتاميا). فالديانة القديمة للبلغار القدماء كانت في احدى المراحل تقوم على الزراديشتية، التي كانت الديانة المنتشرة في ما بين النهرين وايران، ولا تزال الى اليوم تجد امتدادا تاريخيا لها في الديانة اليزيدية التي يتبعها حتى الان قسم من ابناء الشعب الكردي في سوريا والعراق.
2 ـ في لغة البلغار القدماء، التي لا تزال محفوظة في الاثار التاريخية، يوجد الكثير من المفردات ذات الاصل السومري والاكادي (= العراقي).
3 ـ في مرحلة تاريخية لاحقة تبنى البلغار القدماء الدين الاسلامي، كخيار حر، وقبل ان يصل الفتح العربي الاسلامي اليهم. ومن الملفت انهم ـ اي البلغار القدماء ـ قد سبقوا الاتراك في تبني الديانة الاسلامية. وانهم عادوا فتخلوا عن الديانة الاسلامية، عندما قام الاتراك بتبنيها. الا ان البلغار تبنوا اخيرا ديانة اخرى، عربية (سورية ـ فلسطينية) الاصل ايضا، هي الديانة المسيحية. (ونذكر هنا مقولة المؤرخ العلامة الكبير البريطاني ارنولد توينبي، بأن كل شعب مسيحي في العالم له "انتماءان قوميان": الاول، انتماؤه القومي الخاص، والثاني، انتماؤه "السوري"، من خلال انتمائه المسيحي. حيث يعتبر توينبي، مثله مثل الكثير من العلماء الغربيين والشرقيين، ان الديانة المسيحية هي "ديانة سورية"، وان "العائلة المقدسة" كانت عائلة "ارامية = سورية" وان عيسى المسيح كان يتكلم ويبشر باللغة "الارامية = السورية").
4 ـ من الملاحظ ان احمد ابن فضلان، وفي رسالته الشهيرة عن بعثته التاريخية الى بلغار الفولغا وشعوب الشمال، يسمي الروس روسا، بينما يسمي البلغار القدماء بالذات "سلافيين" (بالتعبير العربي الكلاسيكي القديم: صقالبة). وهذا مع العلم ان الروس هم اكبر شعب سلافي. وقد يكون في ذلك دلالة على ان التسمية "السلافية" هي بالاساس وصف حضاري، وليست وصفا "قوميا = عنصريا". ودلالة على ان الروس، وغيرهم من الشعوب السلافية، هم الذين اخذوا التسمية "السلافية" من البلغار القدماء، وليس العكس. دلالة على ان البلغار القدماء كانوا يحملون تسميتين: بلغار، وسلافيين. وبعد ان تعممت التسمية "السلافية"، على الشعوب الاخرى، "المسليفة" حضاريا، احتفظ البلغار بتسميتهم "البلغارية" الخاصة. ومما يرجح هذا الاستنتاج التاريخي الاحتمالي هو واقع ان البلغار القدماء كانوا في تلك المرحلة اكثر تقدما حضاريا من الروس والشعوب الواقعة اكثر الى الشمال، وهو ما يجد تأكيده في ان البلغار هم الذين عمموا الابجدية السلافية (الكيريلية) على الروس وباقي الشعوب السلافية.
5 ـ عندما تبنت الدولة البلغارية بقيادة بوريس الاول ـ ميخائيل، الديانة المسيحية في اواسط القرن التاسع، كان هناك صراع كبير بين البابوية في روما والبطريركية المسكونية في القسطنطينية البيزنطية، لاستمالة البلغار الى جانب كل منهما. وقد لعبت العلاقات البلغارية ـ الشرقية، التاريخية، دورا اساسيا في الخيار البلغاري للاتحاد مع القسطنطينية والحضارة الهيلينية، وهو ما يجد انعكاسه لاحقا في انقسام الكنيسة الى "شرقية" و"غربية" في القرن الحادي عشر، واختيار بلغاريا الانتماء الى الكنيسة المسيحية "الشرقية" الارثوذكسية، مع ان القديس كيريل كان قد دفن في روما وطوب قديسا من قبل الفاتيكان.
6 ـ من المعروف تاريخيا ان ظهور الابجدية الفينيقية يمثل تجسيدا للارتباط القومي للاقوام القديمة التي تشكلت منها الامة العربية، حيث انها ـ اي الابجدية الفينيقية ـ ظهرت كنتاج لتزاوج نوعي خلاق (قام عبر الفينيقيين) بين "الابجديتين" الهيروغليفية المصرية والمسمارية العراقية ـ السورية، من جهة، والرمزية الرياضية الشرقية، من جهة ثانية. ومن الفينيقية أخذت الابجدية الاغريقية القديمة، التي يمكن اعتبارها بجدارة الابنة الشرعية للحضارة الفينيقية ـ الام. ومن الاغريقية اخذت الابجدية اللاتينية التي تفرعت عنها جميع ابجديات اللغات الاوروبية الغربية. وفي هذه العملية الحضارية التتابعية، أخذت ايضا من الاغريقية الابجدية السلافية (الكيريلية) التي كرست اللغة البلغارية القديمة والهوية القومية المستقلة للثقافة البلغارية. ومن الكيريلية أخذت ابجديات جميع اللغات السلافية الاخرى، بحيث اضطلعت الثقافة البلغارية بدور ام حقيقية لثقافة جميع الشعوب السلافية الشقيقة. وفي ايامنا تحتفل الشعوب السلافية بيوم 24 ايار، يوم ظهور الكيريلية، بوصفه يوم الثقافة السلافية. وهذا الدور السلافي المميز للبلغار لم يكن صدفة، بل هو تأكيد وتكريس للدور البلغاري المميز، كهمزة وصل قديمة وحضارية خلاقة بين العوالم الشرقية الكبيرة الثلاثة: العربي والاغريقي والسلافي.
7 ـ وبانتمائهم السلافي ـ الارثوذكسي، فإن البلغار، مثل اليونانيين والروس وغيرهم من المسيحيين الارثوذكس، لم يشاركوا في الحملات الصليبية ضد العرب والمسلمين، بل كانوا ضحية لها، وحاربوا ضدها.
8 ـ وخلال مرحلة الاحتلال العثماني لبلغاريا، تعززت العلاقات المعنوية والروحية بين البلغار والعرب، بفضل ما كان ينقله المواطنون البلغار (ولا سيما الحجاج الى القدس، والمعتقلون والمنفيون من الاحرار البلغار في المناطق العربية) من انطباعات عن التعاطف الشعبي العربي ضد الظلم العثماني.
9 ـ وبعد الحرب العالمية الثانية، والقضاء على النظام الاستغلالي القديم الموالي للفاشية، أقامت بلغاريا علاقات وثيقة وواسعة جدا مع البلدان العربية، ربما اكثر من اي بلد آخر في اوروبا الشرقية. ودعمت القضايا الوطنية العربية، وفي طليعتها قضية الشعب الفلسطيني والنضال العادل ضد الاحتلال الاسرائيلي.
10 ـ وقد عمل في البلدان العربية عشرات الآلاف من خيرة أبناء الشعب البلغاري، من العمال المهرة والخبراء والمهندسين والاطباء والعسكريين والدبلوماسيين والصحفيين والمندوبين التجاريين والمهنيين الآخرين. والغالبية الساحقة من هؤلاء، وعائلاتهم، لا يزالون يحملون الانطباعات الايجابية عن المواطنين العرب الذين عاشوا وعملوا معهم، بصرف النظر عن طبيعة الانظمة السياسية المعنية في بلغاريا والبلدان العربية. وكان على رأس اهداف مؤامرة قضية الاطفال الليبيين المصابين بالايدز، واعتقال المتهمين البلغار في هذه القضية، تقويض علاقات الصداقة الشعبية البلغارية ـ العربية، واضعاف الجبهة الموحدة بين الشعوب العربية وشعوب المعسكر الاشتراكي السابق في النضال المشترك ضد سياسة الهيمنة الدولية للامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية. لقد كانت هذه المحاولة المشبوهة خطوة اولى على طريق استدراج نزاعات عنصرية متبادلة. وقد نسجت خيوطها اجهزة المخابرات الاميركية والاسرائيلية وحليفتها السرية: الليبية. ولكنها فشلت في تحقيق اهدافها السوداء، بفضل وعي الشعبين البلغاري والليبي وكافة الشعوب العربية.
11 ـ كما سبق لبلغاريا الصغيرة، والمحدودة الامكانيات، ان قدمت المنح الدراسية لعشرات آلاف الطلاب العرب. وهذا يعتبر دينا تاريخيا كبيرا في عنق الامة العربية بأسرها. ومن السخف المخزي وضع هذا الانجاز الحضاري الكبير تحت عنوان الاستغلال السياسي او الحزبي الضيق. فالسياسة والاحزاب تتبدل، ولكن العلم والبناء الحضاري يبقى ويتطور. والخريجون العرب من بلغاريا، مثلما هم دعامة اساسية للنهضة العلمية والثقافية في اوطانهم، فهم ايضا يشكلون جسرا متينا للصداقة وللعلاقات الحضارية العربية ـ البلغارية.
12 ـ وهناك قسم عربي قديم في الجامعة الوطنية البلغارية، تخرج منه العشرات من المستعربين. وهناك المئات من الاساتذة الذين اشرفوا على تدريس الطلاب العرب. وغالبية هؤلاء وأولئك اصبحوا اصدقاء أوفياء للعرب، ومؤيدين صادقين للقضية العربية.
13 ـ ويعيش في بلغاريا، كجزء لا يتجزأ من الشعب البلغاري، وبالاضافة الى الاكثرية من السلافيين الارثوذكس، مئات الالوف من المسلمين البلغار والاتراك والغجر والكاثوليك واليهود والارمن وغيرهم، في صيغة مميزة من التسامح والتعايش الديني والاتني. وهو ما يجد انعكاسه الايجابي على الجالية العربية التي تعيش حاليا في بلغاريا.
14 ـ الجالية العربية في بلغاريا الآن هي كبيرة نسبيا وتعد بضعة آلاف. وقسم كبير من أبنائها يحملون الجنسية البلغارية. وهناك الكثير من الزيجات المختلطة. وتضم هذه الجالية في صفوفها عددا كبيرا من المثقفين، غالبيتهم من خريجي بلغاريا. ويشغل بعض رجال الاعمال العرب مواقع اقتصادية هامة في بلغاريا. وتوجد ثلاث مدارس عربية يدرس فيها غالبية ابناء الجالية وعدد محدود من التلامذة البلغار. من وقت لآخر تقوم الجالية العربية ببعض النشاطات الوطنية والاجتماعية، مما يعزز السمعة العربية في بلغاريا.
15 ـ بعد الاحداث المؤسفة في 11 ايلول 2001، وإعلان الرئيس جورج بوش "حربه الصليبية" الجديدة، جرت في اميركا "الدمقراطية" خصوصا، وفي العديد من البلدان الغربية عموما، حملة قمع وتحريض عنصرية مخزية ضد العرب والمسلمين، تذكر تماما بالهتلرية. وخلافا لذلك، فإن الجالية العربية خاصة، والمسلمين عامة، في بلغاريا، لم يواجهوا أي وضع عنصري استثنائي. بل ان العديد من المراجع والقوى السياسية، في السلطة وخارجها، ابدت استعدادها للدفاع عن العرب والمسلمين من اي تعديات كانت. وهذا يؤكد بجلاء أصالة صيغة التعايش الحضاري في بلغاريا ورسوخ التقاليد القديمة للعلاقات الحضارية العربية ـ البلغارية.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
* كاتب لبناني مستقل






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,265,038
- حرب تموز 2006، والخطة -السلمية- الاميركية لاحتواء حزب الله
- الفتنة ليست طريق الخلاص لسوريا
- اغتيال الشيخ رفيق الحريري وصراع الكتل المالية الدولية للسيطر ...
- نحو جبهة أممية موحدة
- نحو بناء التنظيم الشيوعي الثوري العربي الموحد
- احمدي نجاد ليس معتوها، بل -العرب- متخاذلون!
- 1 العلاقة التناحرية الروسية الصهيونية،والمصير الملتبس لاسر ...
- اذا خضعت حماس، هل سيخضع حزب الله؟!
- الخطر الاعظم: هل يستطيع الشيطان الاكبر إخضاع لبنان الصغير ال ...
- حزب الله في الكماشة
- صدام حسين.. المثال النموذجي للسقوط التاريخي للبرجوازية الصغي ...
- النظام الليبي يدخل بامتياز في اللعبة الاميركية
- من ارتكب الجريمة الكبرى ضد الاطفال الليبيين؟ ولماذا؟
- الدور المتنامي لحزب الله ومحاذير الاندماج بالدولة اللبنانية
- مخاطر تجديد الحرب الاهلية في لبنان والمسؤولية التاريخية لحزب ...
- هل ينجح -حزب الله- في اجتياز حقل الالغام الداخلي؟
- دعوة حزب الله لانشاء -دولة قوية، قادرة وعادلة- وجامعة الدول ...
- اي -حكومة وحدة وطنية- يريد السيد حسن نصرالله؟
- السقف المنخفض للوطنية القطرية في مواجهة اسرائيل
- وليد جنبلاط... اعتذار كلامي لا يكفي!


المزيد.....




- حسني مبارك يتحدث عن ذكريات أكتوبر 73 في فيديو نادر: حتى يستع ...
- مشروع في مصر للأمن الغذائي والهدية -الإقامة مجاناً-
- مساعد وزير الخارجية الأمريكي يحمل رسالة إلى قطر حول إيران
- أردوغان يرفض وقف العملية العسكرية بسوريا ما لم يقض على -التن ...
- تبادل لإطلاق النار بين الأمن الهندي ومسلحين في كشمير
- بومبيو: انتخابات الرئاسة التونسية "علامة فارقة" في ...
- اليوم الثامن: آخر مستجدات العملية العسكرية التركية في شمال س ...
- عملية نبع السلام: المدنيون العالقون جراء القتال في شمال سوري ...
- بومبيو: انتخابات الرئاسة التونسية "علامة فارقة" في ...
- اليوم الثامن: آخر مستجدات العملية العسكرية التركية في شمال س ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جورج حداد - العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي