أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فاضل سوداني - الآلهة عشتار و طقوس الحزن الجماعي لقيامة تموز العراقي















المزيد.....

الآلهة عشتار و طقوس الحزن الجماعي لقيامة تموز العراقي


فاضل سوداني

الحوار المتمدن-العدد: 2012 - 2007 / 8 / 19 - 10:40
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يعتبر موت وقيامة الاله تموز (دموزي ) احد الطقوس التراجيدية المهمة بسماته الاسطورية والطقوسية والفلسفية ، فهو الخزين التراجيدي في روح الإنسان القديم في وادي الرافدين . ولحجم الاضطهاد والعذاب الذي تعرض له الإله ( دموزي ـ تموز ) و علاقة حبيبته الآلهة إنانا – عشتار ودورها الملتبس بهذا الموت المأساوي أدى الى أن تمتلئ المثيولوجيا والآداب السومرية والبابلية بمناحات واساطير وملاحم وطقوس تعزية خاصة بمآسي آلهة الخصب الشهيرة هذه وغيابها عن الحياة ، ومن ثم قيامتها من جديد ، و يعتبر كل هذا حتى الان من أرقى وأغنى ما كتب في مثيولوجيا شعوب وادي الرافدين .
ومن خلال هذه القصائد واللتورغيات والاساطير والطقوس تكثفت معرفتنا عن إختطاف إله الخصب دموزي السومري ـ تموز (في الحضارة البابلية )، من قبل شياطين العالم الاسفل ونواح الالهة السومرية إنانا على زوجها وحبيبها وأخيها بعد ان سلمته هي للموت . لكن الالهة عشتار ( الامتداد البابلي للآلهة إنانا السومرية ) أرادت ان تكفر عن خطئها حيث بدون تموز لا يتم أي إخصاب بمختلف أشكاله سواء في الطبيعة او لدى الانسان ، وهذا يعني القحط والجفاف والموت في الحياة مما دفعها للهبوط الى عالم الموت للبحث عنه وتحمل المآسي والصعوبات التي رافقت رحلتها . وتعبيرا عن ضرورة الخصب في الكون مارس شعب وادي الرافدين الحزن الجماعي على دموزي السومري ـ تموز البابلي و مشاركة الالهة إنانا ـ عشتار في مصابها على حبيبها او نصفها الاخر. ويعد هذا الطقس نقيض طقس الزواج المقدس ،ولكنه مكمل له في ذات الوقت . فعندما سلمت الالهة إنانا السومرية الاله دموزي كبديل لها ، فان الالهة عشتار في النسخة البابلية هي التي هبطت من جديد لإنقاذه و يعد هذا إنقاذاً لحياة الكائنات والطبيعة وكل مايمت بصلة بالخصب .
وقد بدأت مأساة الاله تموز عندما وقع بين أيدي شياطين ( الجلا ) وهي مخلوقات لاتعرف الرحمة وتقتات على االطين ( انتم العفاريت الذين لا ام لهم ولا اب ولا إخت ولا زوجة ولا ولد / الذين يرفرفون حائمين في السماء والارض مثل رؤساء الحرس /انتم العفاريت الذين يتشبثون بجنب الانسان /الذين لا يعرفون ما الفضل ولا يعرفون الخير و الشر /) وتنفيذا لتطبيق قاموا بشد وثاقه في الحال وعذبوه تمهيدا لنزوله في جحيم الموت ، وبعد توسلات كثيره من قبله لجميع الالهة لمساعدته ، و توسلاته الى صهره إله الشمس :
( ايه أوتو ، أنا صديقك ، أنا الفتى الذي تعرفه /إتخذت اختك زوجا / إستبدلتني لأكون عوضا منها في العالم الاسفل / إيه أوتو ، انت القاضي العدل ، لاتدعني أموت ، / غير يدي / بدل صورتي / دعني افلت من شياطيني ، فلا يمسكوا بي ، / مثل حية ساجال سوف اجتاز مروج الروابي ، / سوف أنقل روحي الى بيت اختي جشت نانا ) ويستجيب إله الشمس أوتو لإنقاذه ويحوله الى ثعبان يختفي في الحقول . الاله المنفي تموز مطاردا ، بدون سقف يحميه او زاوية يركن اليها ، مامن دكة يتكأ عليها ، مامن باب يصدر عنه الريح ما من مكان يحتمي فيه . منفي ، مطارد وحيد هو ، لا يملك سوى جذوة روحه ، هو ومصيره هذا الاله المنفي سيد البلاد المعذب. ويضل هائما حتى يصل الى بيت اخته ، وعندما تراه تصدر نواح مر ، نواح لا مثيل له لانها كعرافة ترى نهايته المستقبلية الاليمة .( جشتي نانا حدقت في اخيها ،/ خدشت وجنتيها ، مزقت فمها /…… شقت ثيابها /صدر عنها نواح مر على السيد المعذب / اواه يااخي ، أواه ،أيها الفتى الذي لم تكن ايامه طويلة /أواه يااخي الفتى الذي لازوج له ولا ولد /أواه يااخي الفتى الذي لاصديق له ولارفيق / أواه يااخي الفتى الذي لا يجلب العزاء لأمه /)
وأثناء نوم الاله الهارب من قتلته ، يرى كابوسا مخيفا له دلالاته الرمزية كما يحدثنا الشاعر السومري ـ البابلي بكلمات شعرية معبرة و موجزة وذات بعد تراجيدي ، فمن خلال اللقطة الخاطفة ذات الايقاع السريع كما في السينما المعاصرة ، يكثف لنا الشاعر الصورة الدرامية التي تعبر عن مأساوية النهاية الحتمية لمصير الاله ( استيقظ ، كان حلما / اضطرب ، كان رؤيا ،/ فرك عينيه ، انتابه دوار )
وكما يرى الاله في حلمه فان الأسل يتكاثف من حوله فقط هنالك حزمة من القصب تحني راسها امامه . وعلى مثواه المقدس لايسكب ماء ، وطاسة اللبن المقدسة المعلقة الى وتد تسقط وتنكسر ، ومحجنة (عصا ) الراعي دموزي تختفي ، وبازا يمسك حملا ببراثينه ، وماشية الاله تجرجر لحاها اللازوردية على التراب وتدب على الارض بقوائم ملتوية . ومامن لبن يسكب والطاسة محطمة . دموزي لن يعيش الهدوؤء بعد الان ، فحضيرة الغنم في مهب الريح .
ان رموز هذا الحلم تدلل جميعها على صفات الاله باعتباره راعيا ، ولذلك فان الشاعر استخدم كلمات مكثفة الصورة وترمز لطبيعة مثل هذه الحياة . وحلم الاله يظهر لنا الحالة التراجيدية والحزن الذي يلف شغاف قلبه . وعندما تبدأ (جشتي نانا ) بتأويل حلم أخيها وتفسيره يكون التأويل أكثر رعبا وتراجيدية من الحلم ذاته . حيث تنبئه بان الاسَل الذي يلتف من حوله هو سفاحون سينقضون عليه والأشرار سوف يرعبونه وحظيرة الغنم سوف تغدو خرابا . ولكن تمسك الاله دموزي ـ تموز بالحياة يدفعه الى الاختباء في مكان سري آخر لايعلم به سوى اخته بعد ان يستحلفها ألا تدلهم على مكان مخبئه ،( سوف اختبئ بين النباتات الكبيرة ، لاتقولي اين أنا / سوف اختبئ بين أخاديد " أرالي "، لاتقولي اين أنا ) فتعده بذلك . ( إذا قلت اين مخبؤك ، فلتاكلني كلابك .)
لكن شياطين الجلا يتشاورون فيما بينهم عن مكان اختباؤه(من ذا الذي يرى انسانا تملكه الخوف يعيش بسلام /ألا، فلنمتنع عن الذهاب الى بيت صديقه ،وعن الذهاب الى بيت صهره/فالنمضي باحثين عن الراعي في بيت جشتي نانا) وعندما يصلون الى هناك يعذبونها من اجل ان تدلهم عليه ، لكن دون جدوى (دلينا أين يختبأ أخوك ، قالوا لها ، لكنها لم تدلهم ،/ جاءوا بالسماء قريبا منها ، ووضعوا الارض في حجرها ، لكنها لم تدلهم ./ جاءوا بالأرض قريبا مزقوها ، لكنها لم تدلهم ، / جاءوا بها قريبا …… بعثروها فوق ملابسها ، لكنها لم تدلهم / صبوا في حجرها قاراً ، لكنها لم تدلهم / لم يجدوا دموزي في بيت جشتي نانا / ) وهكذا تفي أخت الاله بوعدها . إلا ان تموز يشعر بالذنب بسبب الآلام التي عانتها اخته ( إن اختبأت في المدن ، أكون جلبت نهاية لأختي ./ ) فيسمح لمطارديه ان يمسكوا به بطريقة ما . وعندما يتم هذا يشعر بالخوف من الموت فييتوسل الاله أوتو من جديد كي يحيله الى غزال ، غير ان الشياطين الاشرار لديهم مهمة تنفيذ قانون العالم الاسفل ولابد ان يجدوه فيطاردونه ةيفلت ايضا منهم وهو دلالة على الصراع بين قوى الاخصاب وقوى الموت . وفي الختام يمسكون به وهو مختبئ في حظيرته في الصحراء . يعذبونه من اجل ان يرسلوه الى عالم الموت الابدي . وبهذا يتحقق كابوسه . لكن اخته تقوم بالتضحية الكبرى عندما تعرض على شياطينه ان تحل محله في عالم اللاعودة كبديل عنه . وعقابا لدموزي الذي حاول الهرب من قدر العقاب يتم الحكم عليه بان يقيم نصف سنة في عالم الاموات وتأخذ أخته مكانه في النصف الثاني . وعند موت دموزي يعم الجفاف في الكون . عندها يمتلأ قلب الالهة إنانا ـ عشتار حزنا على حبيبها فتصاب بالندم على كونها هي السبب لهذا الجفاف والخراب الذي عم مدينتها ، بتسليمها اله الخصب الى الموت . فيبدأ شعب وادي الرافدين بممارسة طقوس الحزن مع آلهته إنانا ، وطقس الندم الجمعي على الاله دموزي ـ تموز حتى تتم قيامته من جديد ، عندها يبدأ الخصب في الربيع والصيف بعد الموت والجفاف وهكذا تبدأ دورة الحياة .
ومن خلال هذه الوقائع السردية لموت وقيامة الاله يمكننا القول بان :
الاختلاف الجوهري لهذا الطقس يكمن في كونه يعالج فكرة اساسية وهي الصراع المستميت بين الحياة والموت أضافة الى التطرق لبعض المشاكل الانسانية الاخرى مثل الدهاء والمكر في التخلص من الاعداء ، والغيرة والتضحية والحب العميق بين الاخت والاخ ، وقد لاحظنا تنوع المكان الذي حدثت فيه الاحداث ، كالمعبد ومجمع الالهة والحقول والصحارى وعالم الموت . التباين في سلوك ومصائر الشخصيات ، وقد اتسمت شخصية الاله تموز واخته جشتي نانا بالتمسك برباط الاخوة القدسي والحنان والرقة مما اضفى عليهما بعدا انسانيا عميقا .
كم تبدو معاناة الاله دموزي ـ تموز متشابه في الكثير من فصولها مع عذابات الانسان العراقي في جحيمه المعاصر سواء كان في فيافي وسهوب وطنه ام في منفاه .






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,677,387
- تصورات العراقيين القدماء عن متاهات العالم الأسفل
- بصريات الممثل ..الى فاضل خليل
- برشت و التراث الشعبي في المسرح العراقي والعربي
- مات الفريد فرج لكن صدى حواره مازال يتردد
- الرحلة الضوئية .. طقس مسرحي عن العنف وأمل الانسان
- المسرح العراقي و مفهوم المسرح الملحمي
- هيمنة المراكز الثقافية وإلغاء ثقافة الآخر
- هل مازال العراق يلتهم شعراءه
- الفردوس المفقود في لوحات الفنان العراقي عباس الكاظم
- تحولات الاشياء في فن المنفى
- خمس ساعات فقط في ظهيرة الزمن
- لورنا سليم زهرة الأسرار تتألق في الشمس العراقية
- د. سوداني :بيان حول ذاكرة الجسد في المسرح البصري
- ظهيرة الخروج
- سرية الإبداع بين المخرج والمؤلف في المسرح العربي
- شكسبير و الوجه القبيح للطاغية (ريتشارد الثالث وصدام حسين ) ...
- الضفة الأخرى من الجريمة والعقاب
- همس الليالي البيضاء في العرض المسرحي البصري
- المفكرون العرب لا يمتلكون الاحساس بالزمن
- المخرج المسرحي العراقي د.فاضل سوداني .....الحضارة الشرقية غن ...


المزيد.....




- اليمن.. -المجلس الانتقالي الجنوبي- يتمسك بإدارة المحافظات ال ...
- فرقة أنفاس تشارك بالمهرجان الدولي للمسرح بالإسكندرية
- فيديو: تجدد الاشتباكات على حدود كشمير وباكستان تتضامن مع الإ ...
- شاهد: كنيسة ألمانية نوافذها قطعة فنية صممت من صور الأشعة الس ...
- فيديو: تجدد الاشتباكات على حدود كشمير وباكستان تتضامن مع الإ ...
- تأجيل توقيع اتفاق جدة بعد رفض الحكومة مقترحات إماراتية على ا ...
- اختصاصية نفسية: يا ضحية التنمر دافع عن نفسك
- خبيئة العساسيف.. الكشف عن أكبر كنز أثري بمصر منذ قرن
- المواطن مصري.. من المستفيد الحقيقي من غنائم حرب أكتوبر؟
- ?ما المشروبات المناسبة للأطفال؟?


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فاضل سوداني - الآلهة عشتار و طقوس الحزن الجماعي لقيامة تموز العراقي