أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جمال محمد تقي - من يكتب التاريخ ؟















المزيد.....


من يكتب التاريخ ؟


جمال محمد تقي

الحوار المتمدن-العدد: 2006 - 2007 / 8 / 13 - 02:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هل تموت الحقائق مع اصحابها ؟
التاريخ الانساني في حقيقته ليس نواميس اجتماعية عامة او حوادث جزئية منفصلة عن بعضها البعض ولا افعال وردود افعال مزاجية ولا استجابات لتحدي الغرائز والطبائع ولا مهاترات فردية او نتاج تراتبي لتفاعلات بين الافراد والجماعات وبيئتهم ولا خط سير مرسوم بشيفرة يحملها ابناء آدم يكون من خلالها الانسان مسيرا لا مخيرا ، ولا البشر ذاتهم يحملون شريط تاريخهم جينيا وجنينيا حتى يتكامل عرضه مع نموهم المحدد سلفا وبتعاقبية مقدرة تكون انعطافاتها اختصارا لمساحة الشريط وزمنه حيث تنعطف شحناتهم ومخزونهم المفعم بالصبغات المرحلة ويخرج عن طوره شكلا ومضمونا بالطفرات الوراثية على طريقة ـ المكتوب على الجبين لابد ان تراه العين ـ التاريخ الانساني في حقيقته اكثر تعقيدا من هذا كله وسبر اغواره قد يتطلب الخوض في كل هذه المحددات ، فالحاجات الانسانية وتصاعدها واساليب تلبيتها هي القلب النابض لحركة التاريخ الانساني وبما ان هذه الحاجات ضرورية كانت ام كمالية هي ذاتها عامل اشتراك ووحدة بين بني الانسان وهي ذاتها ايضا عامل منافسة وصراع بينهم ، فانها تساهم بطغيان صفة الصراع والمنافسة على مدى امتداد التاريخ البشري المؤنسن وغير المؤنسن وتجعل كل التاريخ البشري ملون بالوانه التي غلب عليها الاحمر لون الدم ، حتى قيل ان التاريخ هو مرآة للصراعات البشرية وبكل اشكالها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية !

قيل في المأثور من الادب السياسي القديم والحديث ان من يكتب التاريخ هو المنتصر دوما !
لكن هل هذا التاريخ الذي سطره المنتصر واينما كان وفي اي زمان وعلى اختلاف مشاربه وحقبه التاريخية مقدس ؟ وهل هو عينه سجل للاحداث كما حصلت ام كما يراها المنتصر ذاته وبكل معانى الرؤية ـ الانحياز للذات ، ادلجة تفسير الحدث التاريخي ، اطلاق سراح الحقائق الناقصة ، تأصيل التحريف ، انتقائية التناول ، تشويه تاريخ المهزوم بطمس معالمه واعادت رسمها بمنحى متسق مع رؤية المنتصرـ ؟ وهل يلعب تطور المعرفة الانسانية ماديا وفكريا وروحيا دورا ما في تلمس تناقضات وملابسات ولا موضوعية تاريخ المنتصرين ، وكيف تساعد هذه المعرفة على كشف الستار عن الحادثة والواقعة ومجريتها ومواقف اطرافها افرادا وجماعات ليكتب التاريخ كما هو وليس كما يريده المنتصر؟

في الاجابة على الاسئلة اعلاه استقراء منهجي لاشكالية المنتصر والمهزوم كطرفي لمعادلة الصراع ، والمنهجية هنا تؤسس على تفكيك طرفي المعادلة وتحليلها كل على حدة ثم تركيبها وصولا لوصلها بالنتائج التي يستدل عليها من حل المعادلة ذاتها اي بمقارنات وبمطابقات ومقاربات مع حالة حسم الصراع ومعالمه ثم نتائجه واثارها ، اما عكس ذلك اي البدأ بتحليل المحصلة اي النتيجة ومن خلالها يجري النفاذ لطرفي المعادلة فهو استقراء ارتدادي لا يدخل في حسابه موضوعية المعرفة للمعرفة وانما المعرفة الانتقائية او التسطيحية التي تصل في حالات تطرفها الى منحدرات برغماتية تنفصل تماما عن جنس العلم والتعلم الى جنس السياسة والتسيس !
سنحاول هنا الاجابة على الاسئلة بمنهج المعرفة للمعرفة :
ـ لاتاريخ مقدس الا التسجيلي اي الذي يسجل الحادثة كما هي وبدون تحليل او تفسير او تغيير ، وعليه فان معظم المتيسر من التاريخ المكتوب والمتداول هو تاريخ غير مقدس ـ كلمة مقدس هنا بمعنى القطعي والموضوعي تحديدا ـ .
لكن يبرزهنا سؤال ضمني ملح : هل هناك تاريخ تسجيلي ؟ الجواب نعم ولا ، لا لانه لو كانت لكل حادثة من يسجلها حرفيا لما صار الامر اشكاليا ، ولكان المؤرخون في نعيم والمنتصرون في جحيم ، حتى السير الذاتية او المذكرات الشخصية لا يمكن ان تكون تسجيلية بالمعنى المحايد رغم انها تحوي على مسحة تسجيلية لكنها تبقى خاضعة لاهواء ومناخات صاحبها بحيث يحجب بعضها ويطلق الاخر ، صحيح هناك من كسر هذه القاعدة وتجرأ حتى على نفسه في تسجيل دوره كما هو بعيوبه وحسناته ، لكنها تبقى حالات منفردة ولها دوافعها الخاصة ايضا ، وهي استثناء وليست قاعدة ، ومن الامثلة الشائعة المفيدة هنا ـ انك اذا اردت ان تسلم من الخطأ في تحريك الكلام فسوف تسكنه ، واذا اردت ان تسلم من التكذيب فانك ستستشهد بالمتوفين ! ـ وعليه اصبح الذي يتناول الاحياء ويستشهد بهم في كتاباته عن الاحداث هو اقرب الى المتابعين والقراء من المعتمدين على شهادات المتوفين الذين لا يستطيعون نفي اواثبات هذا الاستشهاد ، خاصة اذا حمل الكاتب المتوفي مواقف واراء لا وجود لها اصلا ، ودوافعه لذالك اما تعزيز مايكتبه من تاريخ لغرض الترويج او الاساءة لغرض من الاغراض او التباهي بالاسماء المذكورة كي لا يحسب هو من النكرات ! اما النعم فهي مجازية اي ليست قطعية اذا اعتبرنا ان اغلب جزئيات ماحدث المسجل وغير المسجل هي موجودة في الواقع ويمكن البحث عنها كما يبحث المحقق عن حلول للغز جريمة ما ، ولا يمكن تسجيل ـ الجريمة ـ ضد مجهول الا لان المحقق ذاته قد حدد بوقت وبتكليف محددين وهناك تعقيدات موضوعية او ذاتية تحول دون تواصل بحثة عن حقيقة ما حصل ، لكن الامر مختلف مع المحقق التاريخي او المؤرخ او الباحث او الدارس في حقائق وخفايا التاريخ وبكل حقبه فلا وقت محدد وليس عمله مرهون بتكليفات رسمية ، ومازالت الحقائق موجودة ويمكن الاستدلال عليها بتتبع آثارها حتى لو غادرت ارواح اصحابها الارض فان معنى ذلك ان هناك نوعا من التسجيل غير المرئي او ـ الموضوعي ـ موجود في الواقع ويجب البحث عنه ، صحيح ان الاعتراف سيد الادلة في اي حادثة او موقف او جناية عند المحققين القانونيين ، وكذلك الامر بالنسبة للتحقيق التاريخي لكن الشهادة المتواترة المتسقة مع الدوافع والنتائج والاثار التي تحمل بصمات الادلة كلها كفيلة باستنطاق الحقيقة التي لا تقفل اي ملف من ملفاتها بانتظار جزئيات قد تظهر لاحقا !
ـ لا ليس التاريخ المكتوب والمتداول سجلا نزيها للاحداث وانما هو تاريخ المنتصر ورؤيته ، فيه جزء من الحقيقة التي تتسق مع مضامين خطابه وتعتيم على اجزاء منها !
ـ نعم يلعب تطور المعرفة وبكل اشكالها بما فيها المعرفة التاريخية ذاتها بادواتها ومناهجها وتراكم خبراتها دورا لايستهان به في تلمس تناقضات تاريخ المنتصر وفضحه سرا او علانية ، مما يساعد على فقدان مصداقيته بين المتلقين وبالتالي فقدان وظيفته التي يؤديها ، وهذا بحد ذاته سيكون دافعا معرفيا وموضوعيا للبحث عن التاريخ المفقود او حلقاته المفقودة ، بمعنى انه وبمجرد اكتشاف وشيوع تكذيب تاريخ المنتصر والتشكيك بمصداقيته بواسطة حقائق مخالفة تم التعرف عليها واكتشافها وليس اختراعها عبر منتصر جديد وانما عبر التطور المعرفي ذاته حينها يتم انجاز الخطوة الاولى في طريق اعادة كتابة التاريخ المعني برمته وبما ينسجم مع الحقائق المكتشفة وبروح موضوعية محايدة لا تنحاز الا للحقيقة ومعرفتها كما هي .
في حالات التاريخ القديم حيث تعاقب المنتصرين وحيث تضيق مساحة المصادر المكتوبة فان الاثار ودراستها والافتراضات العلمية التي تعتمد المقارنة تكون مفتوحة وعلى الدوام لاكتشافات جديدة بحكم الصدفة او الضرورة حيث اكتشاف آثار جديدة او العثور على لقيا فيها رموز معروفة وهذه ايضا يمكن ان توظف لخدمة المنتصرين في التاريخ المعاصر ، لكن المعرفة التاريخية لن توقفها حدود او شروط ، فالبحث العلمي في تاريخ الماضي السحيق والقديم جار ولاغراض شتى ، والدراسات التاريخية الرصينة في مختلف شؤون التاريخ البشري ما انفكت تطرق ابواب الحقائق التاريخية او تؤشر باتجاهها على اقل تقدير والشمولية المعتمدة على التخصص في الدراسات التاريخية وبمنظور معرفي جديد يتعامل مع كل المصادر الموثوقة وبمناهج مختلفة قد انجز مشوارا طويلا ، من آثار كلكامش وممالك نبوخذ نصر والفراعنة وامبراطوريات اسيا الى جمهورية اثينة وروما وقياصرتها الى هيرودوس الى الالياذة الى زرادشت والاكاسرة الى البيزنط الى دولة الاسلام الاولى !
اما في التاريخين الوسيط والحديث فان الامر اقل صعوبة لوفرة المصادر المكتوبة التي يرقى التعامل معها الى مستوى الوثيقة التاريخية اضافة للاثار التي مازالت تحتفظ بقيمتها المعرفية لكن امر التوظيف ينسحب عليهما بدرجة اكبر من السحيق والقديم ، كما في الحروب الصليبية مثلا وفي حركة الاكتشافات الجغرافية والتنافس الاستعماري !
اما التاريخ المعاصر فانه هو تحديدا ما يشغلنا في هذا الحيز حيث هو العينة التي نريد تسليط الضوء من خلالها على موضوعة رؤيا المنتصر في المكتوب من التاريخ رغم انه تاريخ حي ومعاش ووسائل المعرفة وادواتها قد احرزت ما لم تحرزه اي حقبة سابقة فهي ذروة الحقب في تطورها وشمولها وترابطها بحيث يلقب عصرنا بعصر الثورة الهائلة في وسائل الاعلام والمعلومات والاتصالات والمواصلات !
ان المعادلة لم تتغير جوهريا في عصرنا هذا ايضا فثقافة المنتصر وتاريخه وبصمته مازالت هي السائدة مع تغير مخملي في شكل مواجهاته واساليب وادوات هيمنته .
ان صراع الكبار يؤدي دائما الى كشف النقاب عن حوادث وفضائح هي حقائق تاريخية يريد اصحابها اخفاؤها وانكارها لانها تضر بمصالحهم وما يعلنوه من معطيات كاذبة ، فبعد قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 مثلا تم فضح معاهدة سايكس بيكو لان روسيا القيصرية كانت شاهدة عليها وعثرت عليها الثورة البلشفية ففضحتها ، وبفضحها كذبت ادعاءات اعداؤها المستعمرين البريطانيين والفرنسيين وحرضت الشعوب المشمولة بها على الثورة .
في فترة الحرب الباردة كان النظام الاشتراكي ندا للراسمالية الاحتكارية العالمية الذي تتزعمه امريكا وكان لكل منهما تاريخ يناقض الاخر حيث سعيا الى تجميل تصرفاتهما وتلبيسها صفات العدل والسلام والمساواة والديمقراطية وكل حسب طريقته ، وكان التنافس على اشده لكسب الاتباع والمريدين ، القضيتين العلنيتين والمهمتين اللتين لاقتا اتفاقا ودون مساومات بينهما هما 1 ـ عدم الانجرار لحرب نووية شاملة وتحت اي ظرف من الظروف 2 ـ تقسيم فلسطين !
حتى الان لم تجري معرفة حقيقة دوافع حادثة حرق الرايخشتاغ الالماني والذين قاموا بها فحسب الرواية الرسمية النازية ان تنظيم الشيوعيين كان المخطط لها وحسب رواية اعداء هتلر فانه هو الذي خطط ونازييه من نفذ لانه الوحيد المستفيد من هذه الحادثة استنادا الى المبدأ الجنائي فتش عن المستفيد من بين المتهمين وكلا الطرفين كان قد انبرى بتقديم ادلته على صدق دعواه !
حتى الان هناك غموض في موضوعة وعد بالفور الذي اعطي لزعماء الحركة الصهيونية الحق في اقامة وطن قومي لهم في فلسطين رغم مرور حوالي 90 سنة عليه ، خلفياته دوافعه وتفاصيله واجراءات تنفيذه نعم هناك ديباجة الوعد مسببة بعطف حكومة صاحبة الجلالة ، لكن ليس هناك تفاصيل موثقة عن الطرف الاخر اي الجهة المستفيدة من الوعد !
حتى الان هناك غموض مقصود في تناول حوادث قتل اعداد كبيرة من يهود اوروبا على يد النازية الالمانية ـ الهلوكوست ـ وهناك تشديد رسمي لدى الدول المعنية بعدم فتح ملفات هذا الموضوع وقوانين تجرم اي باحث او مؤرخ يحاول الاقتراب من الحقيقة ، والجهات المعنية تقول لا وجود لحقيقة غير حقيقة روايتها ، وما حصل للمفكر والباحث الفرنسي روجيه غارودي مثال صارخ على ان التاريخ المعلن لا يكتبه غير المتسلطون المستفيدون من طرح اجزاء من الحقيقة التاريخية التي حصلت !

حتى الان هناك اسرار كثيرة ومهمة وحساسة لم يرفع اللثام عنها وعلى مدى اغلب الحقب التاريخية المعروفة ، لكن المفارقة التاريخية الجديرة بالتامل ان الاكثر منها تأثيرا وتعقيدا هي اسرار وملابسات والغاز وقائع التاريخ المعاصر التي تزداد صعوبة سبر اغوارها بحكم احجبة المنتصر والمهيمن عالميا ومحليا ، وبحكم الامكانيات النوعية والمؤثرة التي يمتلكها ! رغم ذلك فان تحدي ومقاومة نهج تزييف التاريخ وخاصة المعاصر منه يزداد قوة وثقة بالنفس ومع اي تطور معرفي يساعد على كشف الحقائق ودون تحريف ! نعم هناك تراكمات من المساهمات التي تدحض التاريخ الذي تريد فرضه مؤسسات المنتصر الامبراطوري ومن يتبعه ، وفي كل مكان يقاوم اغراض هذا الفرض مقاومون بعلمهم ومعرفتهم التي لا ترضخ للتهديد والوعيد والتدليس ، اضافة للتلاميذ النجباء للمعرفة وبلا حدود ومن امثال هؤلاء لا تخلو ساحات العالم منهم حتى في عقر دار المنتصر نفسه !
سنذكر اخر الامثلة الحساسة والمعاصرة والتي اقامت الدنيا ولم تقعدها بعد ، احداث 11 سبتمبر 2001
التي تتمحور حول عملية هجومية متزامنة بطائرات مدنية مختطفة كان هدفها تفجير اعلى برجين في نييوروك اضافة الى بناية البنتاعون مما ادى لمقتل حوالي 3000 الاف شخص امريكي وغير امريكي وانهيار البرجين وجزء صغير من مبنى البنتاغون ، وذلك حسب التقارير الامريكية ، فهناك من يشكك بالرواية الرسمية ومن رجال العلم الامريكان انفسهم الذين لايسيسون الواقع بل يتعاملون معه كحقائق قائمة ، وحتى هذه اللحظة لم يجري تحقيق محايد وشامل وشفاف لهذه الحادثة الجسيمة وظروفها بل جرى تسطيحها برواية رسمية مازلت قاصرة وتثير الريبة !
اذكر هنا تصريح صريح لوزيرة العدل الفرنسية كريستين بوتان حيث اشارت الى احتمال ان يكون الرئيس جورج بوش وراء هجمات 11 سبتمبر ، فهو من يفسرها على هواه وهو المستفيد الاول من تداعياتها . . !
ان التعتيم والتدليس الحاصل على التقارير والوثائق السرية والهامة التي يمكن ان تفسر حدث 11 سبتمبر ، يشبه الى حد بعيد التعتيم والتدليس الذي جرى حول تقارير السي اي اية وما تعرضت له من فبركات قام بها فريق جورج بوش بمسألة اسلحة الدمار الشامل العراقية " عقود يرانيوم من نيجيريا + صور ومخططات لمعامل اسلحة دمار شامل متحركة كان كولن باول قد اعتمدها في محاولته استغفال اعضاء مجلس الامن لجعلهم يصوتون لصالح قرار شن الحرب على العراق " لقد كشف جورج كينت مدير الاستخبارات الامريكية السابق بعض من هذه الممارسات المخادعة للبيت الابيض في كتابه " في عين العاصفة" .

موقع الدراسات الواقعية من هذه الحسبة :

الواقعية عموما تلاقي هوى عند الاكثرية المتزايدة من الدارسين والباحثين والمتلقين وهي مطلوبة لانها تلامس اعمدة البناء كما هي وليس كما يتصور او كما يراد لها ان تكون ، لقد عادت الواقعية وعلى اختلاف اشكالها لتكون محور المناهج والادوات ومحور للمدارس والدراسات الفكرية والادبية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية ، بعد ابحار في محيطات عديدة منها الرومانسية والتجريدية والبنيوية والغرائزية والميكانيكية والعدمية والقدرية .
الواقعية بدورها تتفرع الى مدارس مختلفة منها : الواقعية البسيطة "المبتذلة" ، الواقعية الاشتراكية ،
الواقعية الاستهلاكية ، الواقعية التحليلية ، الواقعية التجريبية !
كل مدارس الواقعيات القديمة والجديدة تحاول اعتماد الواقع كوسيلة للوصول الى الحقائق المعرفية والواقع هنا محركاته واتجاهاتها وقوانينه الموضوعية والذاتية اضافة الى تناول الادوار المساعدة في سرعة وتباطوء حركة الواقع ذاته ، كدور الافراد والمعتقدات والصدفة والمعرفة !
البحث المعتمد على مناهج علمية لدراسة الواقع سينتج حتما معرفة علمية ، الواقع هو الارض والمنهج هوالمحراث ، لا وجود لمعرفة خارج الواقع ، اما اذا استخدمت مناهج غير علمية فانها سوف لا تنتج معرفة علمية بل تنتج فكرا مشوشا متهافتا .
مقدمة ابن خلدون واحدة من الامثلة الرائعة في مجال البحوث والدراسات التاريخية التي اعتمدت المنهج الواقعي في تحليل عصب الحركة المجتمعية فهي اعتمدت على العلة وليست نتائجها والعلة كانت عنده اسلوب المعاش ولم يسلم بفكرة ان التاريخ عبارة عن كتاب مكتوب !
توينبي حاول ايضا ان يجتهد في تفسير حركة التاريخ وعلى طريقته المتشعبة ففعل ، وكذلك فعل فيليب حتي في كتابه تاريخ العرب ، اما عبد الوهاب المسيري فانه نجح بشكل مدهش في وضع دراسة علمية عن اليهودية والحركة الصهيونية ونشأتها ومرتكزاتها التي لا تخدم الا خدم الاحتكارات الامبريالية من المتاجرين بقضايا اليهود من ارباب راس المال العالمي ، لقد كانت مساهمته فذة في تعرية البقع الحساسة بكل موضوعية وامانة علمية وواقعية .
ان استخراج واقعية انسانية من كل الواقعيات اعلاه سيكون فعل تاريخي معرفي لا يبتغي التفسير الواقعي فقط وانما يبتغي ايضا التغيير الواقعي .

اسئلة تنتظر اجابات منصفة :

من المعروف اننا نتعرف احيانا على اسرار بعض احداثنا المهمة وغير المهمة التي تجري في بلداننا العربية او عن علاقات بلداننا وخفاياها من خلال ما يتفضل به الاعلام الغربي او الاسرائيلي الذي يطلق بين الحين والاخر معلومات لم تكن متداولة محليا ، وتعودنا ان تكون مذكرات بعض كبار القوم عندهم مهمة لنا لانها تحتوي على تفاصيل تفيدنا في معرفة بعض الحقائق ، اخر الامثلة على هذه الامور ماكشف مؤخرا في الصحف البريطانية عن صفقة اليمامة وعمولتها ، وقبلها بسنوات ما نشر مجددا عن تفاصيل اغتيال المهدي بن بركة ، وايضا مذكرات بول بريمرفي العراق التي فضحت رموز عمليته السياسية الفاسدة ، واما اسرائيليا فان مذكرات وصحف اسرائيلية عديدة كانت قد نشرت اسرار علاقات الموساد وجيش الدفاع الاسرائيلي بالجيوب العميلة في شمال العراق وخاصة جيب البارزانيين وكيف تدربت عناصرهم في معسكرات اسرائيلية وكيف كان الخبراء الاسرائيليون يقيمون في قواعد عناصر التمرد البارزاني ويدربونهم ويزودوهم بالمعدات والاموال عبر ايران الشاه ، الملفت بالامر ان التوجيه الاسرائيلي كان يهدف الى اشغال الجيش العراقي وبقوة لمنعه من اي تحرك فاعل في المواجهة التي كان يخطط لها قبل حرب 67 ، لاحتلال كل اجزاء فلسطين واحتلال شريط استراتيجي توسعي من بلدان الطوق لاضعافها وجعلها تخضع لشروط القوة الاسرائيلية ، الملفت ايضا ان واحدة من هذه المشاغلات التي كلفت الجيش العراقي خسائر هي الاولى من نوعها في تاريخ المواجهات مع عصابات المتمردين كانت محط تطبيل وتزمير اليسار الانتهازي العراقي ممثلا بالحزب الشيوعي العراقي حينها واصفا اياها بانها معركة من معارك الكفاح من اجل الديمقراطية والمقصود هنا واقعة "هندرين" 1966 ان التجهيل المتعمد من قيادة هذا الحزب لقواعده جعلهم ايضا ينظرون لهذه الواقعة وكانها رمزا للوطنية المقاتلة ، لكن حبل الكذب يبقى قصير فانكشاف تبعيته الذيلية للعملاء في حركة التمرد الكردية ومتابعة الادلة الدامغة التي تكشف اسرار التواجد الاسرائيلي قبل الموقعة وفيها وبعدها كلها خيوط قد تكشف حجم المخطط وامتداداته الزمنية وارتباطاته التي قد لا ترحم قيادة هذا الحزب المنهار ايضا بمواقفه الاوطنية المسايرة للاحتلال الامريكي وعمليته السياسية في العراق اليوم !
اعتقد انه دليل جديد يدعم قادة ثورة 23 يوليو الذين يحملون اليوم كل مسؤولية هزيمة 67 وكأنهم هم من دعى اسرائيل لمنازلة غير محسوبة ولكن الامر ليس كذلك بدليل جديد وهو التخطيط الاسرائيلي المبيت ومنذ عام 1966 وعلى كل الجبهات بما فيها العراقية والدليل "هندرين" !

القضية المهمة الاخرى والتي تخص العراق ايضا هي حقيقة ماجرى في مدينة حلبجة الحدودية والتي تعرضت لقصف بالسلاح الكيميائي اثناء الحرب العراقية الايرانية فالحكومة العراقية تتهم الايرانيين والحكومة الايرانية تتهم العراقيين وعملاء ايران من العراقيين الذين كانوا يرافقون قواتها التي كادت تحتل المدينة يصرون على اتهام الجيش العراقي وحده ، لكن المحايدون من خبراء السلاح الكيميائي الدوليين يؤكدون ان النوع المستخدم تملكه ايران ولا يملكه العراق ، وقد نفى سفراء الدول الكبرى وقتها 1988 من ان يكون العراق هو المدان بهذه الفعلة ، ولم تستطع المحاكم الصورية في بغداد من تثبيت التهمة على الجيش العراقي ، فكيف ستظهر الحقيقة اذا كان المنتصر ذاته هو الخصم والحكم !





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,653,015,578
- اعضاء منتخبنا واللجوء !
- الوطنية العراقية أم المنجزات !
- الافتتان الطائفي ينخر عظام الوطنية العراقية !
- بعد خراب البصرة اكتشفوا : لا سلاح للدمارالشامل في العراق!
- من يصارع امريكا في العراق ؟
- العراق ملجأ كبير للأيتام !
- حزب ش ي ع ي بدون هوية وطنية ولا طبقية !
- غزة تحك ظهرها !
- نفس العضّة
- مدارات متشابكة
- يا عمال العراق اتحدوا بوجه محتليكم !
- اهتمام اعلامي رسمي ملفت بذكرى هزيمة حزيران !
- ملاحظة حول عنوان الكتاب الشهري 4 للحوار المتمدن !
- قصائد ارهابية
- المرأة وطن
- الاول من ايارعيد للطبقة المقاومة
- مؤتمرات عراقية للتوطئة الواطئة !
- عدوان -فلسطيني- على غزة !
- الاحتلال يؤسس لنظام الاقطاع النفطي في العراق!
- لا تشيني ديك ولا العراق دجاجة تبيض ذهبا اسود !


المزيد.....




- 10 أخطاء في رعاية الأطفال يرتكبها الوالدان مرة على الأقل في ...
- تلفزيون إسرائيلي: البحرية التركية اعترضت سفينة إسرائيلية شرق ...
- اليمن... التحالف يشن 3 غارات جوية على محافظة صعدة
- إيران… الولايات المتحدة تنهي إعفاءات العقوبات المتعلقة بمنشأ ...
- الداخلية اللبنانية: نقل 20 عنصرا من قوى الأمن بينهم 3 ضباط إ ...
- 7 أمراض يسببها ?التوتر النفسي
- -فروزن 2- يتصدر مبيعات شباك التذاكر الروسي
- السفارة الليبية في القاهرة تعلن تعليق أعمالها ابتداء من اليو ...
- البحرية التركية تعترض سفينة إسرائيلية شرق المتوسط
- السودان.. هل تطوى صفحة البشير؟


المزيد.....

- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جمال محمد تقي - من يكتب التاريخ ؟