أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خضر محجز - دكاترة السودان وكنز على بابا















المزيد.....

دكاترة السودان وكنز على بابا


خضر محجز

الحوار المتمدن-العدد: 2005 - 2007 / 8 / 12 - 10:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن أسوأ ما في نظامنا التعليمي، هو منح أصحاب الدرجات الدنيا، في التحصيل الثانوي، فرصة الالتحاق بالكليات الشرعية، ومن ثم الحصول على درجات جامعية، تؤهل حاملها للتخصص في شؤون الفتوى.
ولنا أن نتصور كيف أمكن لتلميذ راسب، أو متخلفٍ، أو معانٍ من عاهة نفسية، أن يحمل لقب (دكتور)، ليرقى المنبر، ويعظ الناس، ويتدخل في آخر أمر يمكن له أن يحسنه: السياسة وعلوم الاجتماع. وإنه لمما يثير الغثيان حقاً، ويُزهد كل نابه في هذه الحياة، أن ترى خطيباً يحمل درجة الدكتوراه في الحديث النبوي، ثم ـ رغم أنه لا يعرف في تخصصه إلا أقل القليل ـ تراه يتكلم في وسائل بناء الدولة، مستثيراً الغوغاء والجهلة، وموجهاً لهم لاقتراف أبشع جرائم القتل، ثم تنصيب نفسه قاضياً يحكم بـ(شرع الله) على الناس، على اعتبار أن الدين له سلطة مهيمنة على الحياة السياسية والمجتمعية!. فهل قدر لنا حقاً أن نقع تحت طائلة هذا النوع من (القضاة)!.
لقد رأيت أحد هؤلاء القضاة، الغوغائيين، يشرح ما ورد من رواية ابن إسحق، حول خيانة الصحابي (حاطب بن أبي بلتعة) لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإفشائه أخطر الأسرار العسكرية للأعداء. لقد شرح الخطيب الغوغائي هذه الحادثة، بطريقة تشجع الناس على الخيانة الوطنية!. أي والله!. لقد جرى الأمر برمته على هذا النحو، ذات يوم أغبر، حملتنا فيه فريضة الجمعة على رؤية رجل يصعد المنبر ـ مستعيناً بشهادته الشرعية من السودان ـ ليقول لجموع المصلين البسطاء، بأن الخيانة الأولى مغفورة!.
ولنسق الحادثة كما وردت في كتب السيرة أولاً:
عندما نقضت قريش عهدها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لابد لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأمر جيشه بالمسير إلى مكة لفتحها. ورغم أن وجهة الجيش ظلت سراً على المقاتلين، لضمان المفاجأة الاستراتيجية، إلا أن الصحابي (حاطب) أدرك المقصود، فبادر إلى إرسال رسالة لقريش، يحذرهم من الهجوم، مرتكباً بذلك جريمة الخيانة العظمى. ولولا أن الله أعلم نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخيانة، فتدارك الأمر، لحدثت أمور لا تحمد عقباها.
المهم أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، طالب بإعدام الواشي. ورغم أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم ينكر على عمر مطالبته هذه ـ في إشارة إلى أن المتهم يستحق هذه العقوبة بالفعل ـ إلا أنه رفض إعدام الرجل، لكونه ممن شهدوا بدراً. ثم علق قائلاً: "ما أدراك يا عمر! فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم: افعلوا ما شئتم، قد عفرت لكم".
إذن فالرجل يستحق العقوبة على خيانة عظمى. ولولا أن الله قد عفا عنه مقدماً، لنفذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه العقوبة بحقه. فكيف قرأ خطيبنا الدكتور الديماغوجي هذه الحادثة:
قال الدكتور ـ الذي حصل على شهادته من السودان، ثم انتمى لجماعة المسلمين ليضمن وظيفة مريحة في إحدى مؤسساتها، وليصبح من ثم عضو مجلس تشريعي ـ بأن في هذه الحادثة دليلاً على أن من خان وطنه يستحق العفو والشفقة، بشرط أن تكون المرة الأول. أي والله! لقد قال الخطيب المُصْقِع هذا بالضبط. ونحن بالطبع ندرك أن هناك من ضعفاء الأنفس من سيستفيد من هذه الفتوى السودانية، ويفشى أهم الأسرار للعدو الصهيوني، واعداً نفسه أن لن يكررها مرة أخرى، ثم لا بأس بعد ذلك من أن يكون من المرضي عنهم، المستحقين للمديح!. فهل رأينا جهلاً أعظم من هذا؟. وهل رأينا أحداً من (جماعة المسلمين) يشجب ما قال هذا الدكتور، الذي حصل على شهادته من السودان، ويبين أن الخيانة هي الخيانة، وأن من خان وطنه أو دينه يستحق العقوبة، خصوصاً وأنه ليس من أهل بدر!.
وهل غاب عن علم ـ أقصد جهل ـ الدكتور، الذي حصل على شهادته من السودان، أن خصوصية أهل بدر لا تتكرر لأحد من بعدهم، لأنه قد جاء فيهم نص خاص، بمغفرة خاصة، لا تتكرر لأحد غيرهم!. أم أن نوع الشهادة التي حصل عليها الدكتور، وبلاد منشئها، هو العامل الحاسم في إصدار هذا النوع من الفتاوى؟!. ثم كم سيكون حجم الإساءة إلى الدين، حين يتاح لمثل هذا النوع من الدكاترة الأغبياء، أن يفتوا في جواز قتل المؤمنين، بشبهة مخالفتهم لـ(جماعة المسلمين)!. ألا نكون نحن، بهذه السطور، ممن يستحقون مثل هذا الحكم؟!.
لقد سمعنا عن محاكمات شوارعية يعقدها بعض المنتسبين إلى هذا الدين. ثم سمعنا عن عدد من أحكام العفو، بعد (الاعتراف بالجرم) تصدر عن هذه المحاكم الشوارعية. ولقد رأيت من رأى فعلاً في هذه الأحكام رحمة بذلها القاضي الشوارعي، لأنه كان بإمكانه أن يصدر أحكام إعدام أو صلبٍ أو تقطيع أيدٍ وأرجلٍ من خلافٍ أو ما شابه. لكن النص المضمر لمثل هذه المحاكمات هو أخطر ما فيها. وهذا النص يقول: بأن من أصدر حكم العفو، قادر على أن يصدر حكم (القصاص). ولمثل هذا فإن علينا أن نحمد القاضي الشوارعي، لأنه كان بنا رحيما.
أمر آخر يمكن الإشارة إليه، من مجمل هذا الركام البائس، المسمى نصراً للحق على الباطل، وهو أنه قد قيل لنا دائماً بأن الدين حاكم على السياسة. فكيف سيفعل الدين ذلك في المرحلة القادمة؟. فلا جرم أن غدا واضحاً لدي، أن من سيحكم على السياسة، هو مثل هذا الدكتور الذي أباح الخيانة الأولى، بصفته واحداً من كبار مفسري الدين والمستنبطين لأحكامه. ولقد كان المثالان السابقان علامتين دالتين، على أن من سيحكمنا في المرحلة القادمة هم هؤلاء الدكاترة من السودان. فما حاجتنا منذ الآن إلى كل هذا القانون، وكل هذه المحاكم؟!. وما حاجتنا إلى المحامين؟!. وما حاجتنا إلى كل الكتابات التي تُكتب، وكل الإبداعات التي يبتدعها المخترعون، إذا كان من سيتحكم فيهم مجرد طالب تدنت علاماته فاختار دراسة الدين، ثم اكتشف أنه قد وقع على كنز علي بابا!.
في السابق كان يحكمنا عقيد يطلق العنان لصفارة سيارته لشراء ربطة خبز. والآن يحكمنا دكتور يحمل شهادة في تفسير القرآن ثم يزعم أنه الأقدر على استنباط الحكم (الإلهي). فمن من الشخصين أكثر خطورة؟.
كنت أقول للعقيد بأنه مخطئ، ومتجاوز للقانون، وأؤكد له أنني سأناقش خطيئته مع مسؤوله. فينحني ويتصاغر، ويتراجع، ثم يرجو. أعلم أنه كان يعود إلى ما كان عليه، لكنني لا أستطيع مقارنته بحامل شهادة (شرعية) مستعد لأن يشهر في وجهي نصوصاً قادرة على ذبحي.
العقيد كان يصغر أمام سطوة المثقف. أما حامل الشهادة (السودانية) فيرغب، من صميم قلبه، في قتل المثقف، بصفته يناقش في النصوص، التي حمل بواسطتها الدكتور الشرعي شهادته.
نحن الآن أيها السادة في مواجهة دكاترة يدافعون عن تفسيراتهم الأيديولوجية. وأظن أنهم، تبعاً لذلك، سوف يكونون أكثر خطورة على تنوع المجتمع ونسيجه الاجتماعي.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,324,183,743
- متشابهون في غزة
- الأيديولوجيا والسلطة: النص، والواقع، وكبار المفسرين
- الواقع الإعلامي وصناعة الحقيقة
- في العلاقة بين الثقافة والاستبداد


المزيد.....




- رئيسة الوزراء البريطانية تدين الهجمات “المروعة” ضد الكنائس و ...
- بالتزامن مع الأعياد اليهودية... مستوطنون يقتحمون المسجد الأق ...
- بابا الفاتيكان يدين هجوم سريلانكا الإرهابي ويحث على عودة الل ...
- السياح يتوافدون إلى القدس مع تزامن عيد الفصح اليهودي والمسيح ...
- شاهد.. اللحظات الأولى بعد تفجير استهدف إحدى الكنائس في سريلا ...
- صحف بريطانية تتناول الثورة السودانية و-معاناة- المسيحيين بال ...
- مسلمون مقيمون في الدنمارك يحتجون ضد الإساءة إلى القرآن
- مسلمون مقيمون في الدنمارك يحتجون ضد الإساءة إلى القرآن
- رصد -معجزة- بعد إخماد حريق كاتدرائية نوتردام في باريس
- ملك المغرب يتخذ خطوة هي الأولى من نوعها منذ نصف قرن بشأن الي ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خضر محجز - دكاترة السودان وكنز على بابا