أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم الحلوائي . عادل حبه - كفى خداعاً للنفس وخداعاً للآخرين















المزيد.....



كفى خداعاً للنفس وخداعاً للآخرين


جاسم الحلوائي . عادل حبه

الحوار المتمدن-العدد: 2005 - 2007 / 8 / 12 - 11:00
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    



ليس من الشائن أن يترك المرء حزبه أو أن يغير معتقداته ومواقعه السياسية. كما أنه ليس من الغريب أن يتناول بالنقد أفكار وسياسة الحزب الذي عمل فيه. ولكن يكتسب مثل هذا الإنتقال مصداقيته عندما يرافقه نقد ذاتي مع تحديد حجم المسؤولية الذاتية لهذا الفرد أو ذاك في صياغة السياسات والمواقف. فليس هناك من هو معصوم من الخطأ، أحزاباً وأشخاص، خاصة ممن نشطوا وينشطون في المجال السياسي البالغ التعقيد، ناهيك عن كل ميادين الحياة قاطبة. ولكن وللأسف لا تجري الأمور كما يتوخاها كل إنسان حريص ومنصف، حيث لا يقر بخطإهم العديد ممن كتبوا مذكراتهم أو سطروا المقالات، في حين أن "الإعتراف بالخطأ فضيلة" كما تنص الحكمة المعروفة. وتسود هذه الظاهرة حركات سياسية كثيرة بما فيها الحزب الشيوعي العراقي، حيث ينحو بعض من كان على رأس الحزب، وما أن يترك هذا المنصب أو لم يٌختار أو لم يُنتخب من جديد ليتولى المسؤولية فيه، منحاً شاذاً. وتتفتح قريحة هؤلاء بالذم والشتم والسباب، وبعيداً عن التهذيب واللياقة والإلتزام بأدب الحوار وإحترام الرأي الآخر ومناقشته بشكل حضاري وبهدوء وبإستدلال، على هذا الحزب وقيادته "المنحرفة". أما ما كان قبل ذلك وفي عهد تبؤ هؤلاء المسؤولية، فإن كل شئ بنظرهم كان على ما يرام والأمور زاهية، وإن دور هؤلاء وأفكارهم خالية من العيوب والأخطاء، بل هي وحدها التي تتقيد "بمسطرة" الضوابط والقيم. أما الآخرون فهم أما ذيليون أوتحولوا بقدرة قادر الى عملاء وتحريفيون وخونة وغيرها من الإتهامات العجيبة. ويضاف الى كل هذه النعوت سيل من كل أسباب الشتائم والتحريض ضدهم الى حد إباحة قتلهم وبتهمة الخيانة العظمى، على غرار تكفير محاكم التفتيش القروسطائية. هذا المنحى ليس بالجديد، ومن أبرز مخاطره أنه يجري الترويج له في بلد ملتهب تعوّد صدام حسين وبطانته على مخاطبة الشعب بالشتائم التي أصبحت جزءاً من تراثهم البالي. كما يلجأ إلى هذا الإسلوب كل من أحتفظ ويحتفظ إلى الآن بالتراث الستاليني أو التطرف والتكفير والتعصب القومي أو بالأثنين معاً، والذي لا يعبر إلا عن الإفلاس وفقدان القدرة على المحاججة النزيهة والبناءة.
ومن اللافت للنظر في هذا الإطار هو أن سدى ولحمة هذا الهجوم والسباب المنظم ينطوي على حقد أعمى وغريب، والذي إشتد من قبل البعض ضد الحزب الشيوعي وقيادته في الآونة الأخيرة. ويتسابق البعض في ممارسة هذا المنحى الغريب مع القوى التكفيرية الظلامية التي تسعى هي الأخرى الى ضرب وتحجيم قوى التنوير والحداثة في بلادنا. ويبدو لنا أن من بين الدوافع الأساسية لكل هذه الإساءات التي تتصدر كتابات هؤلاء في الآونة الأخيرة هي بوادر قدرة الحزب الوقوف على قدميه وإستعادة عافيته. فقد أنهى الحزب مناقشاته الواسعة وعلى الملأ للوثائق المقترحة على المؤتمر الوطني الثامن. ومما يغيظ البعض أن يتوج هذا النقاش الحيوي بنجاح الحزب في عقد مؤتمره الوطني الثامن وفي بغداد وفي ظل الوضع الإستثنائي المعروف للجميع ورغم المخاطر الجمة. وليس من قبيل الصدفة أن يصف المحايدون عقد المؤتمر بأنه أكبر تحدي للإرهابيين والعابثين بأمن البلاد. ويعرف كل من تابع المؤتمر أنه جاء حصيلة لنقاشات وآراء متنوعة ومتضاربة أحياناً، ونشرت في صحف الحزب أو على المواقع العراقية المتنوعة، وليس من خلال إملاءات مسبقة. كما لوحظ تنوع كبير في الآراء لم يعهده الحزب قبل عام 1993، وهو عام إنعقاد المؤتمر الخامس مؤتمر الديمقراطية والتجديد للحزب. وكان حصيلة كل هذه النقاشات هو إتفاق المؤتمرين وبالتصويت الديمقراطي على ما يعتقدون أنه نهج مناسب لمعالجة الحال المعقد للعراق. ولم يكن ذلك إستجابة لرغبة هذا أو ذاك من قيادة الحزب، بل لقناعات المندوبين المنتخبين عن طريق منظماتهم، ولم يفرضوه على أحد ويكفروا ويوجهوا الشتائم لمن يخالفهم في الرأي. ولقي هذا الأسلوب الإستحسان من قبل وسط واسع من أعضاء الحزب وأصدقائه. ولقد كان ينتظر من كل هؤلاء إستحسان هذا الأداء الديمقراطي بسبب تأثيره الإيجابي على الحياة السياسية المشوهة في العراق، وليس كيل الشتائم وهذا الحقد والغيظ وتوجيه إتهامات رخيصة "بالخيانة" تذكرنا بما كانت توجهه أجهزة صدام البوليسية عندما تنعت الحزب الشيوعي العراقي بالحزب "العميل". فقرارات المؤتمر جرت ضمن قواعد الديمقراطية، ومهما كان رأي هذا العضو أو هذا الشخص بها. ولذا كان من اللياقة إحترام آراء هذه الجمهرة الحزبية بل و مناقشتها، وأن لا يطعن هؤلاء بوطنيتهم وهم يضعون يومياً حياتهم على أكفهم من أجل دفع العراق الى جادة الأمان واللاعنف.
ولكن هناك من يصر على ممارسة شاذة وبعيدة عن اللياقة وآداب الصراع بين الأفكار والسياسات. ويلاحظ التكرار والإصرار على هذا السلوك في كتابات البعض من أمثال باقر إبراهيم الموسوي وحسقيل قوچمان ومن تبع خطاهم، والتي إنعكست في مقالاتهما وبياناتهما وخاصة في المقال الأخير لباقر إبراهيم والذي نشر على الإنترنت وتحت عنوان " المرتدون عن الشيوعية وعن الوطنية ذيليون دائمون للأسياد الكبار.. اليسار الشيوعي البديل موجود في ساحات النضال". ثم من تنافس معه والذي إعتاد على كيل الشتائم وهو حسقيل قوچمان، والذي سطّر مقالاً إعتبره بمثابة مناقشة وجواب على مقال الأول وتحت عنوان" تعقيب على مقال الأخ باقر إبراهيم". وينصّب هؤلاء أنفسهم وبدون الحد الأدنى من التواضع وصيّان و "مرشدان" على تفكير الناس أو قضاة لتفسير الأنظمة المعرفية حسب هواهما وقناعاتهما، وتقمصا دور أرباب الفتاوى وتكفير كل من يحمل آراء أخرى دون مناقشتها، بل وببساطة الإكتفاء بتخوينهم. وربما يلتقي معهما نفر آخر يسير على نفس الطريق سواء من منطلق يساري متطرف الى منطلق يميني هو الآخر متطرف. وهنا لابد من الإقتناع بصحة المقولة التي تشير الى تناغم التطرف اليميني واليساري المتطرف، وهو شهر عسل عرفته الحركات السياسية في كل أصقاع العالم.
إن ما يثير الإنتباه هو تركيز هؤلاء على التحريض ضد الحزب الشيوعي وقيادته ويستهدف في الواقع وجود الحزب بالذات، و لا يبادرون الى أي بديل له. ومما يميز هذا الهجوم أيضاً هو دفع البعض لأتباع لهم بالتطاول على مناضلين كل "ذنبهم" إنهم يتشرفون بمواصلة المشوار مع الحزب، ومازالوا أوفياء له يحترمون تاريخهم وتاريخه بما فيه من إخفاقات ونجاحات، وبصرف النظر عن مدى تطابق أو إختلاف وجهة نظرهم مع سياسة الحزب في هذه القضية أوتلك. إن مثل هذا الوفاء إزاء الحزب يلمسه المرء لدى الآلاف ممن كانوا يوما ما في صفوف الحزب. ولا يعيب هؤلاء المناضلون على أحد خروجه من الحزب أو تحوله الى حزب آخر، فالإنسان حر في تغيير معتقداته وقناعاته السياسية. ولكنهم يربأون بأنفسهم من أن يحملوا، كما حمل البعض، المعاول لهدم الحزب الشبوعي العراقي خدمة لأعدائه من كل صنف ولون، شاء هذا البعض ذلك أم أبى، هؤلاء الأعداء الذين تحولوا اليوم بقدرة قادر الى حلفاء حميمين لهذا البعض.
ويتميز هذا الهجوم أيضاً بالتطاول الشخصي على مناضلين لم يرتكبوا أية "معصية" سوى أنهم وقفوا الى جانب الحزب الشيوعي العراقي في تضميد جراحه وبسبب مشاركته في العملية السياسية الجارية في العراق والتي بدأت بعد الإطاحة برمز التجبر والبطش الديكتاتور صدام حسين. ومن الملاحظ أيضاً أنه من النادر أن يتناول هؤلاء في تطاولاتهم أطرافاً كثيرة أخرى شاركت وتشارك في العملية السياسية منذ بدايتها أو لاحقاً. فلا نجد على سبيل المثال أية إشارة لهم حول مشاركة الحزب الإسلامي العراقي أو مقتدى الصدر أو عدنان الدليمي وصالح المطلك، الذي يعد عملياً ممثل حزب البعث في العملية السياسية، أو صالح العليان أو مشعان الجبوري أو أيهم السامرائي والكثير من الحركات السياسية قديمها وحديثها والشخصيات ممن شارك أو يشارك أما بوزراء أو ممثلين في مجلس النواب أو في المؤسسات الرسمية وخاصة في القوات المسلحة (في الجيش العراقي الحالي ينخرط الآن 80% من ضباط الجيش السابق)، وغالبيتهم ممن كانوا أعضاء في حزب البعث. ولا يشار أيضاً ولا تتعرض للهجوم أطراف سياسية أخرى مثل الحزب الوطني الديمقراطي وأحزاب أخرى معروفة على الساحة العراقية. فالتركيز من قبل هؤلاء ينصب على الحزب الشيوعي فقط، ولربما بسبب فشل رهانهم على نهاية هذا الحزب وتشرذمه، في حين أثبت المؤتمر أن الحزب قادر، كما كان في السابق، على تضميد جراحه وعودة الشباب الى صفوفه والإستمرار بنشاطه مستفيداً من تجربته السياسية الغنية بنجاحاتها وإخفاقاتها، وبسلبياتها وإيجابياتها، وسبحان من لا يخطأ.
ومن اللافت أيضاً ان هؤلاء لا يهاجمون من يتسبب في قتل العشرات من الشيوعيين قادة وكوادر بعد الإطاحة بالنظام، ولا يدينون من يتسبب يومياً في قتل المئات من العراقيين البسطاء في شوارع بغداد وشوارع المدن العراقية الأخرى من شمالها الى جنوبها، ولا يفضحون من أرتكب القتل الجماعي في كل محلات بغداد كالصدرية والشورجة ومدينة الثورة والكرادة وغيرها ولا تدمير شارع الثقافة في بغداد، شارع المتنبي، والمئات من الحوادث التي طالت عشرات الآلاف من الناس الابرياء وعمال المسطر والأطفال والشيوخ. ولا يقوم هؤلاء بتعرية من تسبب بتدمير كل خدمات المياه والمجاري والكهرباء والخدمات الطبية وفرضوا الهجرة الجماعية على العراقيين والعقول العراقية الى بلدان الجوار، وعرقلوا بذلك إعادة بناء ما دمر من أرض الرافدين. ولم يسلم من هذه الأفعال الإجرامية حتى من يقوم بتنظيف الشوارع وجمع النفايات أو من يقوم بإعادة تعمير جسر الصرافية كما حصل أخيراً بإغتيال المهندس المشرف على تعمير الجسر. إن هؤلاء يركزون ويدينون الضحية القديمة الجديدة، أي الحزب الشيوعي العراقي، ويتسترون على قتلة الشعب العراقي، ويدافعون عنهم وبإصرار يثير التساؤل حول مدى علاقة هؤلاء بتربة هذا الوطن وحرصهم الكاذب على أرواح العراقيين وسيادتهم على بلادهم، أو تمسكهم بأي مثل أو مبدأ إنساني.
إن الحزب الشيوعي العراقي هو طرف من أطراف كثيرة تعمل على تكريس العملية السياسية واللجوء الى صناديق الإنتخاب لحل الخلافات ومشاكل البلاد الجمة تحت قبة البرلمان بدلاً من اللجوء الى الهاونات والسيارات المفخخة التي تطال الأبرياء من العراقيين فقط وتخوين هذا الطرف أو ذاك أو التطاول الشخصي. وعلى الرغم من أن الثقل التمثيلي للحزب الشيوعي العراقي حالياً هو محدود قياساً الى أحزاب طائفية وقومية حصلت على مقاعد في مجلس النواب أو في مجالس المحافظات نتيجة للتشوه الإجتماعي الذي سببه النظام السابق الذي يترحمون عليه، إلا أن ما قدمه الحزب الشيوعي العراقي من ضحايا من قادته وكوادره بعد إنهيار النظام وعلى يد الإرهابيين وفلول صدام حسين قد يفوق ما يقابله عند الأحزاب الأخرى قياساً لحجمه. وهنا يطرح السؤال المشروع التالي: هل أن كتابات هؤلاء والقائمة على التحريض والتخوين ضد الحزب الشيوعي العراقي ومناضليه تصب في، أو هي جزء من مخطط أوسع للمزيد من قتل وإبادة أعضاء الحزب وغيرهم والعراقيين عموماً، وهو ما يعني المشاركة في هذه الجريمة؟ من المعروف للقاصي والداني إن ما ينادي به الحزب الشيوعي الآن ويطالب به هو توفير الأمن ووقف العنف والتدمير وإستتباب الديمقراطية واللجوء الى الحوار وإرساء قواعد المجتمع الحديث في العراق والوصول بالعراق الى شاطئ السيادة الوطنية وخروج القوات الأجنبية من أراضيه. فهل يستحق كل ذلك قتل الشيوعيين أوالتحريض على إستباحة دمهم وخاصة من قبل من يدّعون أنهم من المتمسكين بفكرهم أو ممن كانوا على رأس هذا الحزب في فترات تاريخية سابقة الى أن تخلوا عنه أو طردوا منه؟ إنه سؤال نطرحه على القارئ اللبيب كي يبدي رأيه وبإسلوب ديمقراطي بعيداً عن الإسلوب التكفيري والتحريضي.
إن الذريعة الوحيدة التي يلجأ إليها هؤلاء في تحريضحهم المسموم ضد الحزب الشيوعي هو مشاركته في العملية السياسية في العراق في ظل وجود القوات المتعددة الجنسيات على أراضيه بقرارات دولية وبإشراف من الأمم المتحدة وبموافقة الحكومة المنتخبة من الشعب. ويضيف هؤلاء بعض التوابل على هذا التحريض لغرض الإثارة أو المتاجرة لا أكثر ولا أقل. ويُغلف كل هذا الهجوم بستار أيديولوجي ماركسي أو لينيني وطبقي ووطني كاذب وغيره، في الوقت الذي يٌعرف البعض منهم بأنه من أشد الناس معارضة "للقولبة الأيديولوجية" أثناء وجوده في أعلى المناصب في قيادة الحزب ومنهم باقر ابراهيم. وهنا تطرح الأسئلة التالية إستناداً الى التجارب التاريخية: فهل أن مساهمة الحزب الشيوعي الإيطالي في العملية السياسية بعد إحتلال بلاده من قبل القوات الأمريكية-البريطانية بعد الإطاحة بقرين صدام حسين بنيتو موسيليني في عام 1945، ومشاركته في الحكومة وفي تدوين أكثر الدساتير ديمقراطية في العالم وفي ظل الإحتلال المذكور، هو ضرب من ضروب الذيلية للأمريكان وخيانة للوطن، مما يستدعي التحريض ضد الشيوعيين الإيطاليين وقتلهم كما يدعو السادة كتاب هذه المقالات عند التطرق الى سياسة الحزب الشيوعي العراقي؟ وينطبق هذا المثال على كل البلدان الأوربية التي كانت خاضعة للإحتلال النازي-الفاشي أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم تحررت على يد القوات الأمريكية. وكانت جميع هذه البلدان تدار جميعها ولفترة من قبل الإدارة العسكرية الأمريكية وبمشاركة جميع الأحزاب. وإضافة الى ذلك فهل أن التعامل السياسي للحزب الشيوعي الياباني مع الإحتلال الأمريكي وموافقته على إزالة الطغمة العسكرية اليابانية وتحديد صلاحيات الإمبراطور الياباني، وحتى بعد أن أرتكبت جريمة رمي القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، إضافة الى موافقته على الدستور الياباني الديمقراطي والذي تم تدوينه بالأساس من قبل الإدارة العسكرية الأمريكية ويجري العمل به حتى الآن وفي ظل حكومات تتغير وفقاً لأصول التبادل السلمي للسلطة عبر الإنتخابات وليس عبر الإنقلابات العسكرية التي عهدناها في العالم العربي، هو ضرب من خيانة الحزب الشيوعي الياباني للوطن والذيلية للأمريكان؟ إن موقف الحزب الشيوعي الياباني والقوى السياسية اليابانية من اليسار والى اليمين قد فتح المجال بعد ذلك أمام اليابان الخربة أثناء الحرب أن تنفض عنها غبار النظام السابق وآثار الحرب الرهيبة وتتبوء مواقع متقدمة في شتى ميادين الحياة لاحقاً. كما إنه كيف لنا أن نصف تعامل حزب توده ايران مع الإدارة التي شكلتها قوات التحالف المعادي للنازية (الأمريكية-البريطانية-السوفييتية) بعد الإطاحة بنظام رضا شاه الديكتاتوري، القرين لنظام صدام في بلادنا، والموالي لدول المحور، ثم مساهمة الحزب في الحكومة الإئتلافية والإنتخابات؟ هل هو ضرب من خيانة الطبقة العاملة الإيرانية والتنصل عن الخيار الأيديولوجي للحزب؟ وهل أن الغزو الفيتنامي لكمبوديا وإسقاط زمرة بول بوت، المشابهة لزمرة صام حسين، هو عمل ينبغي إتخاذ موقف سلبي ضده وتحريم تعامل الشيوعيين الكمبوديين مع القوات الغازية الفيتنامية؟ وهل أن إنخراط منظمة التحرير الفلسطينية في العمل السياسي السلمي من أجل التفاوض مع المحتلين الإسرائيليين، الذين شفطوا ثلاثة أرباع الأراضي الفلسطينية، هو الآخر خيانة من قبل المرحوم عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية التي تضم الغالبية العظمى من التنظيمات الفلسطينية؟ أم ماذا؟
هذه الأمثلة هي غيث من فيض. ولا نرمي عند الإشارة اليها، ولا يجب أن يفهم القارئ العزيز من ذلك أنها من باب "تزيين" و "تجميل" الغزو والإحتلال...وأي إحتلال أو أي مبرر لوجود قوات أجنبية على أرض بلادنا. فلا يوجد من يرتضي بوجود هذه القوات، ولم يرحب الشيوعيون العراقيون بها. ولا يمكن تبرير أو إقناع أحد بالإتهامات الموجهة الى أي طرف عراقي ومنها الحزب الشيوعي بالترويج والقبول بالإحتلال. فهذه الإتهامات هي من باب "فش الخلق" وتصفية الحسابات والتلويح بها لأغراض أخرى لا علاقة لها بالحرص على سيادة بلادنا وعلى شعبنا. فهي أحد مصادر "المتاجرة بالأيديولوجيا" ودليل إفلاس من يطلقها، كما أنها محاولة من قبل فلول النظام السابق لعودة طغيانهم، أو محاولة متخلفي الطالبان والقاعدة بزرع"دولتهم الإسلامية" البائسة في ربوع بلادنا.
إننا نشير الى ذلك كي نوضح أن السياسة هي فن الممكن كما يقال، ولكل حادث حديث كما يشير أجدادنا. فالزعيم مهاتما غاندي إختار الأسلوب السلمي ودخل في صراع شديد مع من كانوا يطالبون بالأسلوب العنفي لتحرير الهند من الإستعمار البريطاني. ونجح غاندي في خطته وإستقلت الهند، في حين فشل الآخرون ومنهم الحزب الشيوعي الهندي أيضاً في إجتهادهم بالدعوة الى الحلول غير السلمية. بالطبع إن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال إهمال الشكل الآخر من النضال، ونقصد الشكل العنفي، وهذا ما مارسه الحزب الشيوعي العراقي في فترات مختلفة من تاريخه. كما لجأت شعوب وحركات أخرى وفي ظروف مناسبة الى حمل السلاح من أجل تحرير بلادها من الغزاة. كما ينبغي أن لا يغيب عن بالنا الموقف الذي إتخذه الحزب الشيوعي العراقي خلال الحرب العالمية الثانية، إضافة الى كل الأحزاب الشيوعية، حيث ركز الحزب بالأساس على مكافحة الفاشية التي أعتبرها التهديد الأساسي على الشعوب، ووضع جانباً وبشكل مؤقت قضية المواجهة مع النفوذ الأجنبي في العراق حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وفي ظل قيادة الرفيق فهد لا غيره. إن أي حزب سياسي يجب أن يحدد المهمة الأساسية التي تواجه البلاد، وأن يحرص على أرواح العراقيين عند تحديد سياسته لا أن يرميهم في جادة الهلاك وبدون نتيجة. فالشعب العراقي ومنذ إنقلاب شباط الدامي عام 1963 يعيش دوامة نزف الدم والإنهاك المفرط والإنقلابات العسكرية الدامية والأنظمة الديكتاتورية المتعاقبة وصولاً الى ديكتاتورية صدام البشعة التي أفقرت البلاد وقتلت ما قتلت من الآلاف من العراقيين. وجراء ذلك تبددت ثروات البلاد وتشوه الواقع الإجتماعي وتشتت العراقيون، وتحولت المواطنة الى ولاءات طائفية وعشائرية وعائلية وتأليه للديكتاتور. كما زجت البلاد في دوامة العدوان على دول مجاورة الى حد إلحاق دولة مستقلة مثل الكويت بشكل قسري ورغم أنف الكويتيين لسيطرة حكامنا، مما وضع العراق لقمة سائغة سهلة الإبتلاع للتدخلات الدولية بعد أن إرتهن صدام حسين البلاد لإرادة الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين الذين ساندوه بقوة أثناء الحرب العراقية الإيرانية وإستخدموه كأداة لتنفيذ سياساتهم في المنطقة. وهذا هو الذي أفقد العراق منذ ذلك الوقت أي مظهر من مظاهر السيادة. وتعرضت البلاد الى الدمار الإقتصادي والإجتماعي والهزائم العسكرية الخطيرة بضحاياها وآثارها المدمرة على العراقيين مما شل كل عوامل الإستقرار في المنطقة، ومكانة العراق على النطاق الإقليمي. إن كل هذه الأمور الخطيرة هي التي شكلت الممهدات لكل الكوارث التي تعرض لها العراق، والتي توجت بالغزو الأجنبي للعراق وإحتلاله في عام 2003. إن هذه الأمور الخطيرة لا تطرأ على بال هؤلاء السادة ويجري تجاهلها، ولا يتحدثون عن دور حلفائهم الحاليين من فلول النظام السابق و "حزب عودتهم" في كل هذه الكوارث، بل هناك من راح يكيل المديح لصدام حسين ويرثيه علانية. لقد خرج الشعب العراقي من مغامرات صدام وبطشه الدائم منهك وغير قادر على زجّه في "كونات" جديدة لتحقيق أوهام ومشاريع عنترية. كما يتعرض هذا الشعب الآن الى موجة قتل وإبادة شرسة من تيار متوحش خطف الدين ويحرق الأخضر واليابس ويثير النزاعات الدينية والطائفية في البلاد، ولا يشكل خطراً على العراق فحسب بل وعلى شعوب المنطقة والعالم. ولا يستطيع العراق لوحده وفي وضعه الراهن مواجهة هذا الطغيان وبمفرده، وهو خطر جدي وبالغ الخطورة.
وهكذا وضع الحزب وعموم الحركة الوطنية العراقية أمام خيارين لا ثالث لهما:
1- فأما أن يتحولوا الى ذيليين الى التيار الديني الطائفي الإرهابي المدمرالقادم من وراء الحدود، وذيليين لحركة ظلامية أجنبية ببرنامج قائم على الهدم والإبادة وبناء "دولة الخلافة المزعومة"، والتي شاهدنا ممارساتها في أفغانستان والجزائر، وجل أفرادها جاؤوا من السعودية ومصر وسوريا والمغرب واليمن والشيشان..وغيرها، و السير تبعاً لذلك بركاب فلول النظام السابق الذين يسعون الى إعادة الديكتاتورية البغيضة، وعلى غرار ما يتحالف الآن أو يتعاطف مع "مقاومتهم" كل من باقر إبراهيم وحسقيل قوچمان ومن يدور في فلكهم.
2- أو السير على طريق يستجيب لإرادة الشعب العراقي في التصدي لهذا الطاعون الخطير وفي الإنخراط في العملية السياسية السلمية وصولاً الى تحقيق أهداف الشعب العراق بإرساء دولة ديمقراطية فدرالية تحترم القانون، وبضمنها تحقيق السيادة الوطنية وخروج القوات الأجنبية.
إن هؤلاء الكتاب يقترحون في الظاهر على الحزب الخيار المدمر الأول الفاشل والتحالف مع أكثر القوى ظلامية ورجعية في عالمنا المعاصر، وإلا فإن الحزب وقادته هم خونة وتحريفيون وذيليون للأجنبي!!، متناسين أن أكثر من 70% من الشعب العراقي وبكل أطيافه إختار الخيار الثاني وساهم في إنتخابات رجحت خيار العملية السلمية والتصدي للأرهاب الخطير وبناء دولة المؤسسات...الخ، ووقف الحزب مع الشعب وإحترم إرادته. فهل أن الشعب العراقي هو الآخر تحريفي وذيلي وخائن وتنطبق عليه كل الإتهامات التي تكال الى الحزب الشيوعي والى كل من يساهم في العملية السلمية؟ أنه الهذيان بعينه. وليس من باب الصدفة أن ينحاز باقر إبراهيم ويهلل لعرّاب الوهابية والقاعدة، حارث الضاري، عندما أرسل له رسالته الأخيرة ووصفه بـ"الشيخ الجليل..ونضاله الوطني.. وبإعتباره من رفض الطائفية البغيضة .. ويختمها بتحية الى الضاري أين حل وإرتحل؟"، متناسياً أن هذا الضاري هو أحد رموز التطرف الطائفي الوهابي في العراق، وأحد من ساهم مع المتطرفين الأفغان في تدمير أفغانستان وتحويلها الى ساحة للتطاحن الديني والطائفي.
ولابد لنا من التوقف عند مصداقية هؤلاء في الدعوة لإنقاذ الحزب من القيادة "العميلة الذيلية"؟؟. إن الأمر لا يحتاج الى كل هذه الشتائم، فهما يدّعيان أن غالبية الجمهرة الحزبية سواء تلك التي تعيش في إسرائيل عبوراً بالعراق وبجزر القمر ثم أستراليا، كما يشير حسقيل قوچمان، تدين بالولاء لطروحاته. فإذا كان الأمر على هذه الشاكلة وقيادة الحزب معزولة فما عليهم الا أن يرشحوا على عجل أنفسهم أو أنصارهم لتولي قيادة الحزب والسير بالحزب على هدى طروحاتهم، بما في ذلك التحالف مع "المقاومة" المزعومة، ورفع السلاح الى جانبها، ولا يحتاج الأمر الى كل هذه العصبية والشتائم. هذا هو السلوك المنطقي الذي لا يحتاج الى مقالات مشحونة بالتحريض على قتل مخالفيهم في الرأي. إن كل من حسقيل قوچمان، الذي ترك الحزب في الخمسينيات "لإنحراف" الحزب عن "النهج الستاليني"، وباقر إبراهيم الذي إبتعد عن الحزب عام 1985 بسبب نزوعه الى التحالف من جديد مع حزب البعث ، وبعد كل هذه العقود لم يبادرا الى تشكيل حزب خاص بهما رغم توجيهاتهما ومحاضراتهما التي ينشرونها على مواقع الإنترنت، ورغم إنهيار مقولة "حزب شيوعي واحد في بلد واحد". فهل إن هذا الإستنكاف عن تأسيس حزب خاص بهما هو جزء من "النظرية الماركسية اللينينية" التي يتشدقون بها بمناسبة أو غير مناسبة دون أن يطبقوها خلال عقود من تنظيراتهم. كما أنهم وآخرون مثلهم لم يبادروا الى الآن الى تشكيل حزب حتى في ظل ظروف مناسبة لهم. إن الدعوات الى تشكيل الأحزاب عبر المراسلة ومواقع الإنترنت أوالشتائم، كما يشير قوچمان نفسه في جوابه على باقر إبراهيم، لا تشكل حزباً سياسياً. ولا يسمع العراقيون المحرومون من الكهرباء أصلاً هذه الدعوات بسبب التدمير الذي تحدثه بالمرافق المدنية "المقاومة المزعومة" "حبيبة" باقر ابراهيم وحسقيل قوچمان. فبدلاً من إرسال البرقيات من لندن وإستوكهولم، فعلى هؤلاء التوجه الى العراق، وإن تعذر عليهم إقامة هذا الحزب في بغداد أو في كردستان، فهناك مناطق يستطيع فيها كل من حسقيل قوچمان وباقر إبراهيم فتح مقرات لحزبهم المنشود و"المنتظر" في نواحي أخرى مثل الحصوة وجرف الصخر وعامرية الفلوجة والحويجة والعوجة حيث تسيطر عليها فلول النظام السابق، وحيث أقيمت فيها "دولة العراق الإسلامية"، التي يدافع عنها ويفخر بها باقر إبراهيم ويصفها بـ "الإسلام المقاوم"، كما جاء في مقالة باقر إبراهيم المذكورة، هذا "الإسلام المقاوم" الذي لا يعادي الا الأطفال والنساء والشيوخ ويقطع رقابهم، أو يفجر المحطات الكهربائية وأنابيب النفط والماء ويفجر حفلات الزواج والمآتم!!.
ومتى كان باقر إبراهيم بأفكاره وممارساته حريصاً على دوام الحزب وبقائه؟ وإذا كان لديه هذا الحرص في فترة من فترات نشاطه في الحزب فإنه لم يواصل ذلك؟ أليس هو من أصبح من تصدر النهج، الذي شارك فيه أعضاء آخرون في قيادة الحزب، وكان يمكن أن يؤدي إلى حل الحزب بفعل توجهه للإنخراط في "الإتحاد الإشتراكي"، وبما عرف آنذاك بخط "آب" الذي أقره إجتماع اللجنة المركزية في براغ عام 1964، والمدان في تاريخ الحزب، والذي إتّهم خلاله باقر إبراهيم كل من يعارض ذلك "الخط" بأنه من "المتخلفين"!!. هذا "الخط" الذي لم يستمر الا فترة قصيرة بسبب مقاومة الجمهرة الحزبية له. وبهذا الخصوص من المناسب الرجوع الى ما كتبه الرفيق كريم أحمد في مذكراته " المسيرة" حيث يقول :" وطلبت منه( عمر علي الشيخ) أن يزودني بالمذكرة التي كتبها باقر إبراهيم وقدمها الى الإتحاد الإشتراكي ... وكان مضمونها توحيد جميع المنظمات والأحزاب ذات التوجه الإشتراكي في منظمة الإتحاد الإشتراكي- ص 178". وأليس هو، أي باقر إبراهيم، من دوّن قبلئذ البيان الذي أصدره بإسم الحزب في 14 تموز عام 1964 حول التأميمات التي قام بها عبد السلام عارف، حيث وصف البيان حكومة عبد السلام عارف بالوطنية وإجراءاتها بالتقدمية، وهي الشريكة بجريمة شباط، والتي إستقال على أثر صدور البيان المئات من أعضاء الحزب. وأليس باقر إبراهيم هو من كان وراء إصدار النشرة الداخلية في النصف الثاني من السبعينيات والتي تنص على قطع العلاقة مع المندسين من مخابرات صدام في السبعينيات وإعتبارهم مستقيلين، ورفض أن تنص النشرة على طردهم من الحزب. إنه هو نفسه الذي أعتبر هذا الإندساس لا يشكل مشكلة بالنسبة للحزب، إذ لا خوف من تغلغل وكلاء مخابرات صدام في الحزب، إذ ليس لدينا ما نخفيه!! *.
لقد حاول باقر إبراهيم أن يؤسس لتنظيم جديد في منتصف الثمانينيات، ولكنه إنهار أما لإدراك بعض من سار معه أن هذا التنظيم ما هو إلا رديف لحزب البعث الذي يتحمل وزر الجرائم التي إرتكبها بحق الشعب والوطن، أو لأن من أرسلهم باقر إبراهيم الى العراق بالإتفاق مع صدام حسين وهم كل من المرحوم حسين سلطان وماجد عبد الرضا والمغدور خليل الجزائري سرعان ما تخلى عنهم باقر إبراهيم ولم يتبعهم بالسفر الى العراق، بل وحتى لم يستجب الى الطلب المتكرر للمرحوم حسين سلطان بضرورة توجه باقر إبراهيم الى بغداد تنفيذاً للإتفاق معه. كما إصطدم هؤلاء المساكين بواقع مرير هو أن نظام صدام هو نظام في قمة الإرهاب والبطش، ولا يتحمل حتى"منبرهم"، ولم يسمح لهم بأي نشاط الى حد أن النظام غدر بخليل الجزائري لمجرد إبدائه بعض الملاحظات النقدية أثناء محاضرة له لطلاب جامعة بغداد. والغريب أن يصر باقر إبراهيم في مقالته، وهو الذي يدّعي تمسكه بالماركسية اللينينية ومن باب الضحك على الذقون، على الإكتفاء بالجلوس في صومعته في ستوكهولم، ولا ينصح أتباعه وبعد أكثر من عقدين بتشكيل حزب "بروليتاري نقي"، حيث يقول في مقالته ما يلي:
"ان تجنب التسرع في التحزب، في بلاد المهاجر، وفي ظروف العراق الاستثنائية، كان جانباً من مأثرتهم الواعية، وليس عيباً فيهم. وحين تنضج الظروف لقيام كيان يوحدهم، داخل الوطن، وبين جمهورهم، فلا أحد مهما كانت مكانته، يستطيع اعاقة التعبير عن تلك الحاجة"؟؟. ولا ندري كم من العقود على الشعب العراقي الإنتظار كي تتفتح قريحته في بناء الحزب؟؟.
كلمة أخرى بشأن ما يردده الإثنان وبملل في كل مقالاتهم ذلك الإطراء لـ "المقاومة" في العراق، والتي يصفها باقر إيراهيم في مقالته بالعبارات التالية:
" لو تفحصنا مسيرة اربعين شهرآ مضت، منذ بدء المقاومة للأحتلال حتى اليوم، نجد إنها حققت إنجازاتٍ هائلة في إلحاق الهزائم بالمحتلين واعوانهم، وفي تعزيز ثقة الشعب وأمله بالخلاص من الأحتلال"!!.
لقد تابع الالاف من جيلنا المقاومة التي خاضتها شعوب من أجل تحرير بلادها. ولنا في مثل الشعب الروسي والاوكراني والبيلوروسي واليوغسلافي والفرنسي وشعوب أوربية أخرى أمثلة رائعة على تلك المقاومة. إن أحدث مثال على تلك المقاومة هي المقاومة البطولية التي أبداها الشعب الفيتنامي ضد المعتدين الأمريكان والتي أدت الى هزيمة القوات الأمريكية في النهاية. ولم نسمع أن هذه المقاومات إرتكبت جرائم ضد شعوبها، بل كانت تحميها من غدر الغزاة وتشيد المدارس والمستشفيات تحت الأرض، وتقدم الخدمات لشعوبها في تلك الفترات العصيبة من تاريخها. ولم تُفجر محطات الوقود ولا المستشفيات ولا الجامعات ولا كل ما يخدم مواطنيهم، ولم تقطع رؤوس الناس البسطاء ولم تغتصب الفتيات وتدق أعناقهن، وإكتفى المقاومون بالتركيز على مواقع عسكرية، وحتى ليست مدنية، لخصومهم. ولكن ماذا شهدنا من "الإنجازات الباهرة للمقاومة" المزعومة التي يتغنى بها باقر إبراهيم وحسقيل قوچمان، نعم يتغنون بها ولم يكلفوا أنفسهم وأتباعهم المشاركة المباشرة بها، ولم يتجرأوا حتى بالذهاب الى العراق خوفاً من "مقاومتهم" وفضلوا البقاء في بريطانيا والسويد كي يبثوا "فتاويهم" التي لا تغني ولا تسمن ولا تضمد جراح العراقيين؟ إن هذه "المقاومة" يا سادة إستهدفت بالدرجة الرئيسية خلال هذه السنوات العجاف المدن والمراقد المقدسة ودور العبادة بكل أطيافها. فقد بدأت بالتفجير الكبير لمرقد الأمام علي وراح ضحيته المئات، ثم أستمر هذا العبث الدموي ليطال جميع دور العبادة بدون إستثناء مساجد وحسينيات إسلامية، وكل الكنائس تقريباً في بغداد ومدن أخرى، إضافة الى دور العبادة التابعة للطائفة المندائية والايزيدية، وآخرها جريمة تدمير مرقد العسكريين في سامراء والنبي دانيال في ديالى. وتنفذ هذه "المقاومة بنجاحاتها الباهرة" أفعالاً شريرة لم تجرأ عليها حتى مافيات الجريمة في أي مكان في العالم. إن إغتصاب النساء وقتلهم والقتل على الهوية الطائفية والتصدي للمسافرين على الطرق الدولية وسلبهم وقتلهم وأخذ الخاوات وغيرها هي أفعال مشينة مخجلة لم يشهدها العراق في فترات سوداء من تاريخه، وهي تكرار أكثر بشاعة لما قام به أسلافهم بعد ثورة تموز عام 1958 في نفس محلات تقوقعهم الآن. لقد قامت هذه الزمر بتفجير دور التعليم وغلقها حيثما سيطروا على مناطق معينة في العراق، ودمروا المراكز الطبية وفرضوا على النساء عدم الخروج من البيوت على غرار ما جرى في أفغانستان وفرضوا حتى زياً خاصاً من البراقع الباكستانية والخليجية، وهي جزء من "نجاحات المقاومة الباهرة". ويقع الإنسان في حيرة، فأي مقاومة هذه التي تقضي بقتل "الروافض" والمرتدين "النواصب" و "الخونة الأكراد" و"الكفار المسيحيين"، وهؤلاء يشكلون تقريباً كل الشعب العراقي؟ إن سلوك هذه المافيات الإجرامية تضع علامات إستفهام وعار على من يمجدها من أمثال باقر إبراهيم وحسقيل قوچمان وأقلام مشبوهة أخرى. لقد أدت أفعال "المقاومة" الى تغيير مواقف جمهرة واسعة من بعض العراقيين أزائها، وأدركوا أهدافها الإجرامية المدمرة التي لا تسعى الا لتدمير البلاد وإرساء نظام ظلامي أو إرجاع حزب البعث الى السلطة بكل جرائمه وشروره. وهكذا جرى تحول من السكوت الى حد التعاطف أو المشاركة مع "المقاومة" المزعومة الى عملية مطاردات لها في كل بقاع العراق من قبل أهالي تلك المناطق. ولاندري لماذا يصر هؤلاء وبسماجة على تسميتها بالمقاومة في حين من يقوم بأعمال القتل انفسهم يؤكدون على أنهم يستهدفون بالدرجة الرئيسية طوائف وقوميات و"مرتدين"، وتؤكد بياناتهم وأفعالهم إنهم لا يستهدفون الا القليل من أفراد القوات المتعددة الجنسيات العاملة في العراق، وهم يستهدفون العراقيين بالدرجة الأولى. وخير دليل على ذلك إن هذه التفجيرات أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين بين العراقيين.
إن الشارع العراقي يقذف أحياناً الجنود الأمريكان بالحجارة ويحمّلهم مسؤولية التقاعس والتردي الأمني والمعالجات الهوجاء لقواتهم وهم محقون بذلك، ولكنهم لا ينسون المجرم الأساسي وهو الإرهاب وحلفائه من فلول النظام السابق والجريمة المنظمة الذي يعدونهم العدو الأساسي للبلاد وليسوا غيرهم. ويرتفع شعار إدانة الإرهاب وفلول العهد السابق في جميع النشاطات والفعاليات السياسية للعراقيين بمختلف أطيافهم وفي كل نواحي العراق شرقها وغربها شمالها وجنوبها وبما فيها المناطق التي سيطروا عليها في فترة من الفترات. ولا يشذ عن هذه الإدانة سوى الغرباء القادمين من وراء الحدود والإنتحاريين والذين قتل منهم الى الآن ما يزيد على 6000 وألقي القبض على 3000 آخرين. كما يشذ عن هذا الدرب فلول صدام وميليشيات العبث، وخاصة جيش المهدي وجيش عمر وفرسان الجريمة المنظمة، إضافة الى من يتعاطف معهم " بالحروف فقط" من الذين يسطرون المقالات الصفراء على شبكات الإنترنت. وللأسف لم نسمع لا من حسقيل قوچمان ولا من باقر إبراهيم ولا من أتباعهم وجميعهم قابعين في الدول الأوربية، التي أما شاركت في غزو العراق أو تعاطفت مع الغزو، أي نعي لأي شخص من أنصارهم ممن كان "يناضل" مع "المقاومة" ضد "الإحتلال الامريكي الصهيوني"؟؟ وينكم؟؟. والغريب كل الغريب أن يضع هؤلاء المدافعون عن نقاوة "الماركسية اللينينية" كل بيضاتهم في سلة الزرقاوي والظواهري وأبو حفصة المصري وجيش عمر وكتائب حارث الضاري، ويكيلون الشتائم لضحايا هؤلاء. هي ذي أحدى عجائب القرن الواحد والعشرين!!.
ولابد من الإشارة الى أن مثل هذه الشخصيات لا تتحمل أو لاتتصور أن يكون للحزب أية مكانة أو وجود الا بوجودهم على رأسه، وإلاّ فإن هذا الحزب "تحريفي" و"ذيلي"، ويستحق أفراده كل العقوبات. إننا لو تخيلنا أن ماركس ولينين كانا على قيد الحياة في هذه الظروف، وإنخرطا في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، فإنهما سيواجهان بنفس اللعنة والتشهير والسباب. كما إننا لو إفترضنا إعلان الحزب الشيوعي العراقي إنضمامه الى "المقاومة" ورفع سلاحه بشكل "غير ذيلي" تحت قيادة الظواهري وحارث الضاري، فسيبقى الحزب "مداناً" من قبل هؤلاء، ويواجه بإتهامات جديدة مثل التطرف اليساري أو إصابته بمرض الطفولة اليساري، وعندها ليس من الصعب إختيار أي فقرة من فقرات كتاب لينين "مرض الطفولة اليساري" لصب لعناتهم وتكفير الحزب. وهذا ديدن كل من سار على نهجهم وهو أمر ليس بالجديد.
وهنا نكتفي بالإشارة الى ما يطرحه حسقيل قوچمان في مقالاته من دلائل وبكرّات حول سبب إنفراط عقده مع الحزب بعد الكونفرنس الثاني في عام 1956. ويشير حسقيل الى ذلك ويوعزه الى تبني الحزب لطروحات الخيار السلمي الذي أقرته قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي في المؤتمر العشرين الذي أدان جرائم ستالين، متخيلاً أنه كان من الممكن في ظروف طغيان الاسلحة النووية والهيدروجينية الإصرار على الخيار العنفي فحسب. ولكن بقدر ما يتعلق الأمر بالحزب فإنه رجح في الكونفرنس الثاني خيار التحول السلمي في العراق، ولكن ما أن خاض الحزب والعراقيون تجربة إنتفاضة 1956 حتى توصلت قيادة الحزب نفسها الى ضرورة إختيار الخيار الآخر، وعبأت قوى الحزب في القوات المسلحة لتغيير النظام القائم آنذاك ونجح في ذلك. وهنا فإذا ما "إستجاب" الحزب لـ"فتاوي" حسقيل قوچمان، فلماذا لم يكف عن مهاجمة الحزب؟ كما لجأ الحزب الى الخيار المسلح مرات أخرى سواء بعد إنقلاب 8 شباط وحتى عام 1970، ثم من عام 1979 وحتى عام 1990 ضد ديكتاتورية صدام حسين، دون أن يكف حسقيل قوچمان عن مهاجمة الحزب ولو للحظة واحدة. وهذا أمر يدعو للإستغراب ويدل على أن هؤلاء مصابون بمرض "معارضة الحزب" فحسب، وليس الموقف المتجرد النزيه والمنطقي أزاء الحزب وسياسته. كما إن إصرار حسقيل قوچمان على الدفاع عن الأخطاء والإنتهاكات ضد "الإنسان الذي هو أكبر رأسمال"، والتي إرتكبت من قبل ستالين في سنوات إرهابه، نقول لا يمكن لهذا الإصرار و التمسك بمثل دموي فاشل أن يرفع مكانة من يحمل هذا الرأي ويشرفه لحد الآن أو يزيد من قبول الناس بآرائه. فمن الأجدر بحسقيل قوچمان أن يطوي صفحة على هذا التاريخ المرير المدان الذي يستعيد الروس ذكرى ضحاياه الآن في 8 آب من كل عام، بإعتباره تاريخ محنة وطنية للشعب الروسي وكل الشعوب التي عاشت في الإتحاد السوفييتي. وكان هذا المنهج الذي يستخف ويضطهد الإنسان وبوحشية السبب القاتل الذي أدى الى إنهيار التجربة السوفييتية.
وأخيراً نقول لهؤلاء أن من حقكم إنتقاد سياسة الحزب الشيوعي والأحزاب الأخرى أيضاً، فلا يوجد حزب بمنأى عن الخطأ، ولكن أن لا تقفوا الى جانب صف القوى الأكثر رجعية وظلامية ودموية، الى صف من تتلطخ أياديهم بدماء العراقيين ويلحقون الدمار ببلادنا. فذلك لا يدخل في باب المواقف المبدأية ولا بالحرص على سيادة البلاد وإخراج القوات الأجنبية. وفي الختام نقدم نصيحة لهؤلاء، علهم يتعضوا بها، وهي أن يكفوا عن خداع أنفسهم بالتشدق بالماركسية اللينينية وخداع الآخرين و تحريضهم على التشهير والتكفير والشتائم فهو سلاح المفلسين. وعليهم بدل ذلك أن يسلكوا السلوك الحضاري البناء والمجدي ويدقوا أبواب الحياة ويؤسسوا حزباً خاصاً بهم ليرى الرأي العام العراقي مدى صدقهم وقدرتهم.

11/8/2007

* عندما إطلعت على مسودة النشرة الداخلية إعترضت عليها. ولم أوافق على إعتبار المندس مستقيلا، وإنما يجب أن يطرد من الحزب. وعند عودتي من سفرة كنت فيها خارج الوطن، علمت بأن النشرة أرسلت الى اللجان المنطقية لإبداء رأيها فيها قبل مناقشتها وإقرارها في سكرتارية اللجنة المركزية التي كنت عضوا فيها. ولم تناقش لاحقاً لتسارع تدهور العلاقة بين الحزبين. جاسم الحلوائي





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,574,159





- كيف يساعد علاج الملح الجاف المسافرين قبل رحلاتهم؟
- مواجهة قريبة بين سمكة قرش عملاقة وقارب.. ماذا حدث؟
- نسرين طافش: شاهدة على عصر -سلطان العارفين-.. في رمضان
- الناشطة منال الشريف لـCNN: سفيرة السعودية بواشنطن تحتاج لإذن ...
- إطلاق سراح 7000 سجين في ثاني عفو في ميانمار
- الصين: جدل بسبب زرع أدمغة بشرية في رأس قرود
- دراسة: "الخرافات" عن النوم قد تضر بالصحة
- هل يمكن أن تتغلب الحياكة على الاكتئاب؟
- وزارة اللامستحيل الإماراتية تثير جدلا في الصحافة العربية
- هجوم نيوزيليندا: الأمير وليام يزور مسجد النور في كرايست تشير ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم الحلوائي . عادل حبه - كفى خداعاً للنفس وخداعاً للآخرين