أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ابراهيم ازروال - الأخلاق والعقل-التسويغ العقلاني للأخلاق






















المزيد.....

الأخلاق والعقل-التسويغ العقلاني للأخلاق



ابراهيم ازروال
الحوار المتمدن-العدد: 1995 - 2007 / 8 / 2 - 11:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


غدا إحلال أخلاق التعقيل والاستصلاح محل أخلاق المواضعة والاصطلاح تطلبا راهنيا ، لا يقل في جدواه المعرفية عن فتح فضاء جديد للتمثلات الرمزية والدلالية ، بعيدا عن الاعتصام بالمعرفة التراثية ، والطهرانية الذاتية والانسياق الأرعن مع مقتضيات العقل الأداتي والواحدية النرجسية الأخلاقية والفكر الامتثالي . فأمام استرسال سيرورة اللاتخليق واضطراب حقيقية العالم المعولم ونقص الشعور بالقيم الوجودية ( محمود المسعدي ) والاحتكار الطائفي للمقاصد الغائية الكبرى وقصور التثاقف الاجتيافي ، يصير استيفاء لوازم المثقفية الكونية المبنية على الانتقال من الوظيفة التقريرية التأيدية التوضيحية التيمية للعقل إلى الوظيفة الجوهرية – المعيارية للعقل ، لا زما . والواقع أن هذا الاستهداف الابستيمي يستوجب التحول من ثقافة اللفظ والبيان والتدبر والاعتبار إلى ثقافة الاستدلال والبرهان والسبر والأداء ، بمعزل عن كل تقويم ميتافيزيقي للوجود الإنساني وعن كل تعلق بالتماعات المعرفة الفؤادية ( محمد شحرور ) وعن كل فرادة انطولوجية مخصوصة .
وهكذا فاستشكال الأنساق المعيارية التراثية المتوارثة ، بكل قواعدها الأخلاقية التسديدية يصبح مطلبا مركزيا لتأسيس إيطيقا كونية ، قمينة بوضع المعايير الأخلاقية القادرة على الحد من اللامبالاة اللاادرية واغتراب الحكمة ( عبد الغفار مكاوي ) وإقامة السيمولاكر محل الواقعي واضمحلال الخيال السياسي ( كاستورياديس ) واستشراء المهابدات الاستئصالية والانزلاقات الواقعة أ و الممكنة للعلم التقني .
فالكونية الأخلاقية القائمة على نفي كل اطيقيا ذاتانية ناغلة في تهويل المعينات الأصالية للذات وتقديس الضمانات المتعالية لمتحققاتها الأخلاقية قادرة ، تحقيقا ، على إبراز تهافت كل اطيقا معتمدة على الممكنات التدليلية للمعرفة الاستدلالية التراثية وعلى عجز الأنانية الأخلاقية على بلورة وعي ايطيقي كوني في زمان كوسموبوليتية السلعة والعبور من طوبى الثورة إلى أسطورة الاستهلاك وتسليع الدين وعولمة الفقر والبؤس وديمقراطية السوق وانجازات الهندسة الوراثية واستفحال العدمية الإرهابية الإسلامية .
والواقع أن هذه البلورة تحتم العمل بموجب الاستقلال الذاتي تجاه المسددات المتعالية وافادات الأنثربولوجيا الأنطولوجية والصدور عن التشارك الترابطي بين كل الذوات الحضارية ضدا على التجنيس الحضاري المتطرف والخصوصانية المنافحة عن ايطيقا استكمالية مخصوصة . ولا جدل في أن الكونية الأخلاقية ، تناقض في العمق كل نسق مشاكل للنزعات الثقافوية الكنهية المسكونة بالصفاء الماهوي للذات ولمنظورها الموجه للحضارة والأخلاق ونسق التمثلات .
لا مندوحة إذن عن الانزياح عن مقررات الوعي الاستثماري وتقرير الأخلاق على أصول النظر التراثي ومستنبطات العقل الماورائي ، فالتشبث بالهويانية (الجابري) والتعزيز الذاتي للذات بعيدا عن الاستشكال المعرفي لمستنداتها التحتية ، ليس إلا ضربا من الممارسة العنيدة للفكر العندي ، باسم صفاء ماهوي متوهم أو تأسيس رسولي مزعوم . إن الارتباط بالمعززات التراثية لايطيقا الأصالة ، باستقلال عن هم ايطيقي كوني ليس إلا عائقا ابستيميا أمام إنشاء ايطيقا عقلانية كونية جديرة بالزامات الوجود الضروري والدفع بالتبادل التثاقفي في اتجاه التوافق على أخلاق معيارية إلزامية لكل الذوات الحضارية ، بعيدا عن الاستتباع الحضاري والتماهي مع قبليات النسبانية الثقافية . والحقيقة أن الإتيان بمقتضيات هذه الايطيقا الكونية يشترط تحولا في ماهية ووظيفة المثقف . فالمثاقفة البدائلية أضحت مطلبا مركزيا ، بعد نهاية المثقف الملحمي وانسداد الأفق الايطيقي للمثقف التقني – المقاول .
ولئن كانت الايطيقا الكونية تتقصد إشاعة الفضائل العملية ، من خلال الانتقال الممنهج من الكائن الادلوجي إلى الممكن الطوباوي ، فإن القطيعة المعرفية مع كل ضروب التبعية ( بالمعنى الكاستورياديسي ) وعن التراثانية وعن سوارق العقل وخوارم النظر الاعتقادية أو المصلحية تصير أمرا الزاميا بدونه لا يمكن النهوض بتقوية المرجعية الكونية للايطيقا وايقاف الولوغ في الكيد الحضاري الممارس للتهويل والتهوين بانقطاع عن كل روح غيري وعن كل حضور كيفي في الكينونة . ومما لا شك فيه أن التنطع النرجسي الجمعي المنقطع عن الوعي بالكينونة التاريخية وتغليب الأدلة النصية الاستصلاحية ، والتمسك بالمتعلقات التراثية للتفكير الأخلاقي ، تعمل كلها على إنتاج خطابات انتمائية لا استشكالية تكشف عن استقالة النظر الأخلاقي لا عن استقامته . فبدل الخضوع للقوة الإلزامية لفكر الهوية الإحيائية ولمسالك التقويم المنحازة فكرانيا ، وللطوق المخيالي للعقيدة ، يجب تأسيس النظر الايطيقي على موجبات المعرفة المعيارية الموصولة بالكونية الثقافية .
فالخروج من اعتبارات الذاتانية الثقافية واقتضاءات الاعتبار التفاضلي للحضارات واستيهامات التمحور حول الأفضلية الاصطفائية لمجال تداولي معين كما يصنع المفكرون التوحيديون دون استثناء ، شرط أساس للانخراط في فكر بدائلي ، مترو و مهموم بالإنسان باعتباره قيمة كامنة لا كائنا وسيليا خاضعا للمبتغيات المفارقة . فلمواجهة الانسداد النظري والعملي ، للعقليمانية وللفردانية اللاادرية والليبرالية المكوكبة ،يتوجب الدفع العقلاني بالغائية العملية للمعرفة الأخلاقية ودعم الفكر التمثلي المجترح لإبدالات معرفية جديدة وترسيخ مقتضيات المنطق التواصلي العلائقي ضدا على المنطق الماهوي الجوهراني . كما يستلزم الأمر إتباع مسلك المثقفية الصادرة عن التعقل البيذاتي المشترك وتفعيل الفلسفة بوصفها خطابا ميتا- ابستيميا ، وتعميق نسق القيم الإنسانية اعتمادا على كونية المعايير الأخلاقية .
إن استشكال الواحدية الأخلاقية والإعتبار الجوهراني للهوية ، ليس في الواقع إلا حيزا نقديا في نسق معرفي طافح بالاشكاليات والتقويمات المتضاربة . فهل يتوجب تبني الفلسفة القائمة على الذات والحرية ؟ هل ننحاز لروسو وكانط وسارتر أم لفلسفة التاريخ والطبيعة عند سبينوزا وماركس وابيقور ؟ هل من المستحسن اختيار النظرية الأخلاقية العقلانية ، أم أن مسوغات الإلتزام بالمنظمومات الأخلاقية الأمبيريقية ذات أرجحية ابستمولوجيا وتاريخيا ؟ هل يجب أن نلتزم بأخلاق الواجب أم بأخلاق المنفعة ؟ هل يجب أن نختار التصالح اليائس مع العالم أم أن ننحاز إلى الأمل الإنساني المبتهج ؟
لسنا هنا في معرض رصف الإثنينيات و الثنائيات المانوية استجابة لترف معرفي مأخوذ بوضع الأحروجات بل في معرض إنزال الإشكالات منازلها ، ولا سيما في أوان تشظية المعرفة وخوصصة الأفراد والهويانية التعويضية وتفكك الابستيمي المعاصر واستفحال كلبية الرأسمالية . إن ترسيخ الكونية الإيطيقية ، الناتجة عن أنسنة العالم وكوننة القيم وتفعيل الحوار البيثقافي والبيحضاري ، يصبح أساس مرجعيا لا يمكن بدونه إلا أن تنداح الفوضى الدلالية والاحترابات العقدية والقومية وتزداد مساوئ عولمة فردانية غير مشغولة بإقرار العدل ، سواء أكان عدلا توزيعيا أم استحقاقيا أم توافقيا . إلا أن بناء الايطيقا على مسوغات معيارية كونية يستلزم إنتاج مفعولات جديدة للحقيقية ، بناء على فلسفة متحررة من البناء النسقي المغلق ومن التفكيك الاختلافي العدمي . فقد قال احد المفكرين في معرض التدليل على حداثة الفكر الكانطي ما يلي : ( أتى الوقت ، لا لبناء أو تفكيك الأنساق ، ولكن لفهم تاريخنا انطلاقا من مفاهيم تنتمي إلى الفلسفة .)

فالواقع أن الفلسفة النسقية الموجهة بضمنيات عقدية كلية صارت في حاجة إلى تحيين وترهين متحررين من تصلب الانتماء الوثوقي ، والى قراءة استصلاحية لا تعنيفية لبعض قضاياها النظرية والعملية. ففي زمن الإفقار المنهجي للملايين واستفحال الاستقطاب واحتجاب دولة الرعاية والرفاه وظهور العبودية الجديدة ودولة الكفاية وإسراف الشركات متعدية الجنسية في اختراق المرسخات المقررة ، محليا وإقليميا ودوليا ، والتعميق الأصولي للمنظور الطهراني للذات والمعنى والصيرورة ، يصير تقنين الغايات بعد معرفتها وبلورة القضايا المعيارية وتنسيقها واجبا أخلاقيا . وتزداد راهنية هذا المطلب متى علمنا أن العولمة المالية والاقتصادية رفعت إلى منزلة الحتمية الميتافيزيقية ، و أن واقعة موت المعرفة لصالح السندوقراطية والتيلوقراطية صارت واقعة واردة بقوة واحتدام في الراهن الدولي . لكن تحقيق الموافقة الايطقيية كونيا لا يجب أن يقوم على محفزات الحدس والوجدان المفجوع المندفع نحو تأكيد الملابسة الاخلاقية بفعل الألم الروحي بل يجب أن يستند إلى استدلالات قائمة على مقتضيات العقل المعياري . فالنظرية الانفعالية والحدسية في الأخلاق غير محتازتين على مستلزمات التسويغ المدلل العقلاني ، الكفيل بإمداد الايطيقيا الكونية بمستندات ومعايير موضوعية .
وفي هذا السياق ، طرح عبد الغفار مكاوي ثلاثة أسئلة وفضل السير على منوال فلاسفة الحياة في الإجابة عنها . ( .... ما العمل لإنقاذ الإنسان من نفسه ؟
ما العمل لايقاف اندفاعه إلى اللاعقل والجنون المدمر ؟
بماذا يمكن أن يساعد "الفلاسفة " في هذا الإنقاذ ؟ )
( - عبد الغفار مكاوي – الفلسفة ومستقبل قريتنا الارضية – نزوى – العدد 4-سبتمبر 1995- الصفحة48)

من الضروري التأكيد على أن الكفاية الوصفية عند مكاوي تفوق الكفاية التفسيرية ، لأن تعليل الاضطراب العالمي واغتراب الحكمة يستلزم الصدور عن وضع دليلي مقر بموضوعية الأحكام الخلقية لا عن ذاتانانية إنفعالية عاجزة عن الصياغة النظرية والقوة الإلزامية للخيرية الأخلاقية . ومن المؤكد أن التثبيت النظري لتلك الايطيقا يسهم لا محالة في تعميق الايطيقا التطبيقية المنصبة على تقويم المحققات وترشيدها ، بما يصون مستلزمات الحقية والخيرية والصادقية . لكن شريطة التشديد على ضرورة التسويغ العقلاني للأخلاق والابتعاد عن المذاهب النسبانية والذاتانية والحدسية والطبائعية والغائية في الأخلاق . فأمام التعددية الايطيقية والترميق التوفيقي باسم احترام ايطيقا الاختلاط ، وتعدد المعايير التسويغية المعتمدة في إنشائها والبرهنة عليها ، يصبح إمداد الايطيقيا بأسس عقلانية موضوعية معيارية مطلبا جوهريا . لقد سبق لمحمد اركون أن أشار إلى إشكالية تسويغ الأخلاق والايطيقا وتضارب المعايير ( أي نمط من أنماط العقلانية ، و أي مضمون من مضامين المعرفة العلمية الوضعية يمكن الاعتماد عليه من أجل تحديد مبدأ أخلاقي أو قيمي معين وفرضه واحترامه ؟ كيف يمكن تبرير رؤيا أخلاقية معينة تعتبرها أمة من الأمم بمثابة المثال الأخلاقي الأعلى وتقبل بها ؟وهل يمكننا أن نتحدث عن وجود أخلاق صحيحة ، وبالتالي أخلاق غير صحيحة ؟ .... )
( - محمد اركون – الإسلام الأخلاق والسياسة – اليونسكو / مركز الإنماء القومي – بيروت –الطبعة الأولى- 1990- الصفحة 83-84)
وتكتسي هذه الأسئلة الاستشكالية أهمية كبرى متى أخذنا بعين الاعتبار التعدد والتناقض في البناءات الاستدلالية والمعيارية المأخوذة بمثابتها مبادئ أسسية للحقيقة الخلقية . إن التضارب في تسويغ الأحكام الخلقية يبلغ درجة من النسبانية المفضية حتما إلى اللاأدرية الأخلاقية . لكن قبل الانتصار للتسويغ العقلاني للعقل بناء على استقلالية العقل ووظيفيته المعيارية – الجوهرية لا بد من استبعاد المفهوم المتافيزيقي للحقيقة الخلقية وتبيان المحدودية المفهومية والمنهجية والاجرائية للنظريات الوضعانية والديونطولوجية والذاتانية في إرساء الحكم الأخلاقي على معايير مدللة عقلانيا . والأكثر من هذا ، يستلزم الأمر إحكام النظر في الموضوع وتسديد المنظور ودحض المقاربة القلقة الخارجة عن دائرة الاتساق والتماسك المنطقي والابستمولوجي .
ولامناص لنا ، في هذا المقام ، من طرح الأسئلة الضرورية ،لبناء أية معرفة معتبرة .
فهل المعرفة الخلقية ممكنة أصلا ؟ أم أن هناك موانع عملية واقعية أو موانع نظرية ومنطقية تعوق وتمنع إمكانها ؟ هل مفهوم القضية الخلقية متماسك منطقيا ؟ أم أن الأمر لا يزيد عن أشباه قضايا ( الوضعية المنطقية ) ؟ هل تنبني النظرية الواقعية أم النظرية الإرادية في الأخلاق ؟ هل النسبانية الأخلاقية مسوغة ومحبذة أم هي لا أدرية أخلاقية مقنعة ؟ أي معيار من المعايير الثلاثة ( الحرية ، العدالة ، السعادة ) نختار كمعيار نهائي للأخلاق ؟ هل ننخرط في تعقيل وتسويغ المعايير الأخلاقية تعقيلا و تسويغا عقلانيا أم تعقيلا وتسويغا متعاليا غيبيا ؟
لا مناص إذن من العمل بمقتضى الاستشكال الابطالي الدحضي ، للمنظورات النظرية الرافضة للتأسيس العقلي للأخلاق والانتصار للرؤية المثبتة لصلاحية التأسيس العقلي الناسوتي للمعرفة والمعايير الأخلاقية. فلئن كانت العقليمانية التوحيدية تعتبر العقل تصديقيا وتسليميا لا تقريريا معياريا ، فإن العقلانية العلمانية تشدد على استقلالية العقل النظري والعملي عن المتعاليات المفارقة والإملاءات الشرعية . يقول عادل ضاهر : ( فليست المعرفة النظرية وحدها( المعرفة العلمية والرياضية و المنطقية) هي من اختصاص العقل ، بل والمعرفة المعيارية أيضا ) .
(- عادل ضاهر – الأسس الفلسفية للعلمانية –دار الساقي – بيروت – الطبعة الأولى – 1993- -- ص – 362)
فحجية العقل و التعليل العقلي للأخلاق والصبغة اللزومية للحكم الأخلاقي المسوغ معياريا ، تستبعد كل ضمانة انطولوجية وكل ركون إلى حجية النص وقوته الإلزامية . ولا جدال في أن التماهي مع محددات الفكر الهوياتي والحيثيات التداولية لمجال تداولي خاضع لهيمنة الحقائق القبلية والمتعالية و الميتا- تاريخية ، لا يعدو أن يكون تعلقا اغترابيا واستلابيا بمنظومة ناكرة لاستقلالية العقل و أهليته الابستمولوجية لتزويد الأخلاق بأساس موضوعي . فالنظرية السلطوية الدينية تحدد المعيار النهائي للمعرفة الأخلاقية في الأوامر والنواهي الإلهية ، أي في الإرادة الربانية تحديدا. إن تبني النظرية السلطوية الغيبية ، في تحديد المسوغات والمبادئ والقواعد التأسيسية للأخلاق ، يعني أن الأخلاق لا تجد مصدرها الابستمولوجي في العقل المستقل بل في الله . والحقيقة أن تغليب الدليل السمعي النقلي في موضوع التسويغ الأخلاقي يعني الإقرار بالأسبقية الابستمولوجية والتاريخية للدين على الأخلاق .
يعارض عادل ضاهر الاستئناس التداولي بالحيثيات والمسددات الشرعانية ، ويرى استقالة العقل حيث يرى القائل بالتأنيس استقامته ، وينزع عن العقل الشرعي كل قدرة تدليلية في موضوع التسويغ المعياري للأخلاق حين حاول أن يبين( أن الأوامر والنواهي الإلهية هي ، في أفضل حال ، معيار للإلزام الخلقي ، وليست المعيار للإلزام الخلقي و أن الأخلاق لا يمكن إلا أن تكون ذات أسبقية ابستمولوجية على الدين )
( - عادل ضاهر – نقد الفلسفة الغربية – الأخلاق والعقل – دار الشروق للنشر والتوزيع – عمان – الطبعة الأولى 1990- ص 202)
لقد تناول ضاهر بالتقويم الاستشكالي قلق البناء النظري للأخلاق الدينية ، دون أدنى حرص منه على خصوصية المعرفة التراثية وعلى مناحيها الرو حية والتأنيسية . فمراعاة الانتماء والاستقامة التداوليين ، ما هي إلا معوقات ابستيمية ، طالما أن الايطيقا عنده مستقلة منطقيا عن الدين . والحق أن إعلان أسبقية الايطيقا ابستمولوجيا على الدين ، يجعل كل تأسيس للإيطيقا على الدين يقع في أغلوطة المصادرة على المطلوب .
فمجال الايطيقا التكويني ، مجال محايث مقطوع عن المسددات المتعالية وعن التوجيهات الشرعانية ، وعن كل استناد قبلي لضمانات انطولوجية أو ميتافيزيقية ، فاستقلاليته الابستيمية والوجودية ، تضعه بمعزل عن التطلبات السلطوية الغيبية للدين على التحديد . ولذلك فالايطيقا هي خارج مقتضيات العقل الديني وطرقه الاستدلالية والتدليلية ، وبعيدة عن إحداثيات التحليل والتحريم والتجويز والمنع الشرعية . ( ..إن "الاتيقا " حقل محايثة مبدئية ، حقل الممكن والمستطاع بما هو بشري أصلا ، قوى النفس والبدن ، في حلقات الفعل الذي حين يفصل لا يطلب إلا لذاته ، أعني لما من شأنه أن يحقق للإنسان الطور الأقصى مما هو ممكن فيه بما هو إنسان .)
( - فتحي المسكيني – مولد الاتيقا " عند العرب – الفكر العربي المعاصر – ص 79)
ولذلك فالايطيقا إذن ، مرتبطة بالعقل اللازم أو ما يسميه طه عبد الرحمان بالعمل القاصر المنفصل المنقطع جذريا عن مستلزمات ما يسميه المتمنطق صاحب النظرة التكاملية للتراث بالعمل المتعدي المتصل .
وبناء على ذلك ، فالايطيقا مهمومة باستحقاق الوجود المحايث وتحصيل السعادة .بالاشتغال الذاتي على الذات وبالاشتغال الغيري على الآخرين ، وليست منشغلة باستحقاق الوجود التداولي الاعتقادي المرتبط بالمشاغل المتعالية للعقل الموسع والساعي إلى الكمالات الأخروية . فالاستذهان الايطيقي يتواصل ، على الحقيقة ، مع المعرفة المعيارية دون الانشغال بالمعرفة الدينية وإحداثية الحلال والحرام وثنائية الرحماني والشيطاني والدعوة إلى تسديد العمل بمحض الأمحوضة .
فالايطيقا بوصفها تفكيرا في المعيارية وفلسفة للقيم غير ممكنة خارج إرادة تجويد الوجود والتمكن من إكمال الفضائل وإرهاف الطاقات الكينونية للكائن ، ولذلك فالموانع والحدود في الايطيقا ليست برانية مفروضة على الذات من الخارج الغيبي أو من الكل الجماعي العشائري أو القبلي أو الطائفي أو الملي ، بل هي مستبطنة موضوعيا ومسوغة عقليا .
يمكن طبعا ملاحظة التعددية الايطيقية القائمة في الفكر الحديث والمعاصر بسبب اختلاق المنطلقات الفلسفية والمقاصد المعتبرة في المفهمة والتنظير والتسويغ ، وكيفية تحديد المفاهيم ومداورتها ، ونوعية الموجهات الفكرانية . بيد أن تلك التعددية في حاجة إلى تعقيل واستشكال ، خاصة في زمن المطالبة بايطيقا كونية معيارية كلية تكون بديلا مسوغا عقلانيا عن الفوضى الايطيقية وادعاء الأفضلية التداولية لايطيقا محددة على حساب الأخريات بناء على تقويمات لا عقلية متعسفة كما يصنع بعض الفلاسفة الإسلاميين أمثال طه عبد الرحمان و أبو يعرب المرزوقي . ففي خضم هذا الحراك الايطيقي ، يصبح إرساء الايطيقا على أساس العقل المعياري مركزيا ، والانخراط في ميتا- اطيقا راصدة للمؤتلفات والمختلفات بين النظريات الايطيقية أساسيا كما يرى محمد اركون .
ففي اعتقاد عادل ضاهر أن التردد والحيرة بين ايطيقا الاعتقاد وايطيقا المسؤولية ، بين نظرية القيمة ( الهيدونية والابيقورية مثلا ..) ونظرية الإلزام ( كانط ) ، بين النظرية الغائية والمنهج التجريبي في الأخلاق ،يستوجبان تفنيد الموقف الطبائعي واللاطبائعي معا ، أي دحض المقاربة التجريبية والقبلية في الأخلاق واستشكال الموقف الغائي والديونطلوجي وتجذير الأخلاق في الإنسان لا في الله أو في الطبيعة ، والاحتكام إلى العقل في تحديد القواعد الخلقية بمثابتها محددة فقط لواجبات الوهلة الأولى والحكم الخلقي باعتباره معينا للواجبات الفعلية في وضع معطى .
وهكذا فان كل سعي إلى صياغة ايطيقا كونية لا يراعي الانفصال عن الانطولوجيا وعن الواقعية الأخلاقية من جهة وعن النظريات الاطلاقية في الأخلاق من جهة أخرى ساقط لا محالة في انعدام التماسك والاتساق والنجاعة ، وعاجز عن تزويد عالم موحد الحضارة متعدد الثقافات كعالمنا المتعولم راهنا ، بايطيقا كونية ، معدة لإنسان كوني منعتق تدريجيا من الذاتانيات والتراثانيات المتحاربة بلا جدوى . لكن الايطيقا المسوغة عقلانيا ، سرعان ما تصطدم بالمنطق الوثوقي للأديان ، ولذلك فمطالبة الأديان بالمشاركة في وضع ميثاق أخلاقي عالمي كما يرى محمد عابد الجابري دعوى غير ذات موضوع ، طالما أن كل دين توحيدي تخصيصا يدعي كونية منظومته القيمية و يلح في كوننة نسقه المعياري الأخلاقي بما هو نسق معصوم وموجه إلهيا .
ثم إن الأديان تعطل استقلالية العقل وتنفي عنه أي احتياز على وظيفية معيارية – جوهرية ؛ فالعقل المستساغ دينيا لا يكون إلا وسيليا داعما لليقين المسلم وجدانيا بلا تدليل ، ومرسخا لمفهوم القابلية للتصديق ضد مفهوم القابلية للدحض . ورغم السعي المعاصر لإشراك الأديان في إرساء أخلاق حقيقية للتسامح فإن المكونات الفكرية والتصورية للأديان تنفي التسامح في الصميم ، طالما أنها تؤكد توطن الحقيقة الالهية فيها دون سواها من التعبيرات الروحية ، ولا أهلية الفرد النفاتي أو الهرطوقي البشرية من حيث المبدأ . أضف إلى ذلك أن الأديان تعتبر الدين فرضا على الإنسان لا حقا من حقوقه ، كما يقول رضوان السيد بحق . ولكل هذه الاعتبارات ، فالمعيار النهائي للإلزام الأخلاقي يجب أن يستقي من الأخلاق لا من الدين . فالمعرفة المعيارية ليست فرعا ملحقا بالمعرفة الدينية ، بل هي مستقلة عنها منطقيا وابستمولوجيا . فالمعرفة الدينية تنكر على العقل المعياري تحصيل أخلاق عقلانية موضوعية مع أنها تعترف بقدرة العقل المستقل عن أية دعامة مفارقة عن إنتاج المعرفة العلمية والتقنية . ولذلك فهي تقع في ازدواج المعيار . إن حرص الدين التوحيدي على أن الأخلاق لا تجد أساسها الموضوعي

إلا في الله لا في الإنسان كما يرى العلماني أو النفاتي ، لايراعي اختلاف الطبيعة المنطقية للمعرفة الدينية قياسا إلى المعرفة العقلانية . فالمعرفة الدينية ضرورية منطقيا في حين أن المعرفة العملية في شقها المعياري جائزة منطقيا فقط . ومن هنا،فإن اشتقاق الجائز من الضروري لا يجوز و إلا وقع الحريص على ذلك في أغلوطة اشتقاق الجائز من الضروري .
من المؤكد أنه منذ انبثاق الحداثة كمشروع قائم على الاستعمال العام للعقل كما يقول كانط في تعريف الأنوار ، فقدت الأخلاق الدينية التوحيدية انفرادها واحتكارها للمجال الايطيقي ، وظهرت بالمقابل منظومات ايطيقية علمانية أو علمية أو لا أدرية . وتأسيسيا على ذلك فقدت الأخلاق الدينية هيمنتها الألفية على الأذهان في أجزاء من العالم المتعلمن بالأساس .
فكيف يمكن التعويل على الأديان في دعم ايطيقا لا يمكن إلا أن تكون كونية كما يقول محمد الطالبي ؟ كيف يمكن الاتكاء على الدين والنصوص الدينية لا تسعفنا إلا بواجبات الوهلة الأولى لا بالواجبات الفعلية في وضع محدد ؟ وكيف نحول القضايا الانطولوجية إلى قضايا معيارية ؟
وبناء على هذه الاعتبارات لم يتردد عادل ضاهر في اعتبار الإيمان الديني بمثابة المعرقل الابستيمي في مجال المعرفة الأخلاقية . ولذلك فالمطالبة بمشاركة الايطيقا التوحيدية والايطيقا التعددية والايطيقا الالحادية مجتمعة إلى جانب العلوم في صياغة ايطيقا كونية ، كما يفعل محمد طالبي بإلحاح ، ليس في الواقع إلا ركونا إلى الظن واللجاج بوصفه آفة الرأي كما يقول ابن المقفع ، وتجنب إشكالية اليقين المحمي سلطويا ، بتلافي نقد الفهم الديني للخلقية .
والواقع أن الفكر الديني حتى في أشد أشكاله انفتاحا منهجيا ومعرفيا ، لا يتلافى التخليط التصوري ويتجنب التقويم الاستشكالي للمسلمات التراثية ، ولذلك فكثيرا ما يراكم المفارقات والمغالطات وتربيع الدوائر . فالطالبي يدرك تماما أن الايطيقا مسألة مشتركة إذ ( لا يمكن للأديان أن تتجاهل صوت العلم ، لكن لا يمكنها كذلك أن تترك الايطيقا حصرا للعلم أو للفكر الإلحادي . لا يمكنها أن تتجاهل صوت ، وطريق الله . )
(-Mohammed Talbi –Islam , science et éthique planétaire –prologues – n 15- hiver – 1998- p. 91)

يلح الطالبي على اختلاف الوضع الابستيمي للتسويغ العلمي للإيطيقا عن مسالك التأسيس الديني لها ، ويسلم ضمنيا باختلاف العلم عن الدين ، رغم جزمه بالإعجاز العلمي للقرآن على غرار الإعجازيين الفكرانيين المعاصرين . ولذلك فهو يقوم بتجذير الأخلاق في الله لا في الإنسان ، فتجريد الأخلاق من ضمانتها الإلهية ، لا يعني عنده إلا فقدان الأخلاق لأي أساس موضوعي . لكن الأديان ليست متفقة لا على حصر المكونات الجوهرية للسعادة الإنسانية ولا على تحديد الماهية الحقة للإنسان ولا طبيعته الغائية النهائية . ثم إن تجذير الأخلاق في الله قد يكون خارج الرسالات الدينية ، أي في إطار ربوبي أو عرفاني يقر بالألوهية ويبطل النبوات ، وقد يكون منطلقا من تصور واحدي للعالم بعيدا عن الافتراضات الثنوية للأديان الإبراهيمية .

إن تجذير الأخلاق في الله ، يعني في الفكر الديني ، تجذيرها في النص المقدس تحديدا ، فإدراك الألوهية خارج المعطى النصي أمر غبر وارد في ذلك الفكر إطلاقا . ومن هذا المنظور، فالتسويغ العلمي للأخلاق غير ممكن من حيث المبدأ .
فهل يرجع امتناع تحصيل معرفة أخلاقية مستقلة عن النصوص الدينية ، إلى أسباب نظرية مرتبطة في الصميم بطبيعة المعرفة الخلقية ذاتها ، أم إلى عملية مرتبطة بنواقص الإنسان الذاتية ؟
من الثابت أن الفكر الديني ، يعطي أسبقية منطقية للمعرفة الدينية على المعرفة الأخلاقية على المستوى النظري ، كما يمنح أولوية واقعية لها على المستوى العملي . وهذا الإثبات ، هو من وجهة النظر العقلانية العلمانية مجرد اعتقاد غير مسوغ وفاقد لأي قاعدة تدليلية راسخة ، ولذلك فالمعرفة الأخلاقية ذات أسبقية منطقية وابستمولوجية وواقعية على المعرفة الدينية . وللمتأمل أن يلاحظ إصرار المفكرين المسلمين ، على الربط الضروري لا الجائز فقط ، بين الأخلاق والدين ، رغم أن أولوية الأخلاق على الدين صارت من مسلمات الوعي الايطيقي منذ كانط على الأقل . فمحمد شحرور يأخذ على الحداثيين الجذريين أنهم اسقطوا الدين من حساباتهم فاسقطوا الأخلاق استتباعا . ( لقد استبعد أصحاب القسم الثاني الدين من مشروعات الحداثة باعتباره تراثا رجعيا ، يعرقل بل يناقض مسيرة التحديث .لكنهم لم ينتبهوا إلى أنهم باستبعاد الدين ، استبعدوا الأخلاق وغفلوا عن أن القانون الأخلاقي جزء لا يتجزأ من الدين ، و أن الأخلاق قوانين كونية لا علاقة لها بعرب أو بعجم .)
(محمد شحرور – الثقافة والأخلاق والديمقراطية – مجلة مقدمات – العدد 7-8-صيف – خريف 1996- الصفحة 37) )
وهذا الزعم يفترض لا أسبقية الدين على الأخلاق منطقيا وابستيمولوجيا وتاريخيا فقط ، بل امتناع واستحالة استقلالية المقولات الأخلاقية عن الإلزامات النصية وإمكان تعليل الطابع الكلي للمعايير الأخلاقية تعليلا عقلانيا موضوعيا علمانيا . فالفكر الديني يسعى حين ينكر كون الحقائق الخلقية حقائق إنسانية قابلة للتسويغ المعياري الموضوعي ، إلى الإيحاء بأن الأخلاق بلا إسناد نصي ممتنعة مبدئيا وفعليا ، وبأن أية محاولة مكابرة لإرساء الأخلاق على معيارية خلقية إلزامية منفصلة عن الإمدادات الغيبية ، لن تكون إلا ضربا من العدمية أو أللاأدرية وسقوطا في الحيوانية والبهيمية .
يدافع الفكر الديني تحقيقا ، عن الأخلاق التكليفية القائمة على التحلي بالمأمورات والتخلي عن المنهيات ، دون امتلاك قدرة استشكال ماهية تلك الأخلاق وتحديد إلزاميتها ، ولاسيما إن أخذنا بعين الاعتبار بعض موانع تلك الإلزامية مثل التوبة والشفاعة . طبعا ، لا يمكن للعلماني ، إلا قلب إشكالية الفكر الديني تلك ، والتأكيد على اكتفاء الأخلاق بذاتها ، بمعزل عن أي إمداد نصي ، أو أي تأسيس كلامي أو فقهي ، كما هو الحال في الديونطولوجية الكانطية . وهكذا ، فالمنظور الديني الأخلاقي ، منحاز قبليا وفكرانيا لسياق تداولية طائفية ، لا يمكن إلا أن تقع مانعا ابستيميا أمام أية ايطيقا كونية ، تكون قادرة على تزويد البشرية بمعايير ومسوغات ومنظومات قيمية قابلة للكوننة . فالطالبي وشحرور مثلا يشددان على الطابع الكوني للأخلاق ، إلا أنهما يرفضان التسويغ العقلاني الموضوعي لها ، ويلحان على الخصوصية الاعتبارية للفكرية العقدية التراثية ، تعميما ، و على أفضلية المجال التداولي العربي الإسلامي . مما لا شك فيه أن الاسترسال في النظر التفاضلي التكميلي الوسطوي ، لا يعني إلا الانسياق وراء هوى التفرد الحضاري ، والاستقواء التداولي على الغير باسم الأمة المصطفاة والمنهاج الاستدلالي المسدد وامتيازات أمة الدعوة على أمة الاستجابة .
إن تحدي العولمة يفرض وعيا ايطيقيا مستقلا عن النماذج التقويمية التراثية وعن التراتبيات القيمية التقليدية القائمة على مثل أعلى حضاري مخصوص وطائفي في العمق . ليس بإمكان المتأمل للاستقطاب الرائج الآن باسم الرأسمالية المعولمة والمعولمة
، وللتدافع الفكري بين الخصوصيات الثقافية ، إلا أن يعود إلى كانط للتساؤل معه ، دون الاحتماء بأجوبته .
1- ماذا يمكن أن أعرف ؟
2- ماذا يجب علي أن أفعل ؟
3- ما المتاح لي أن آمله .
4- ما الإنسان ؟
لا جدال في أن الإجابة الحصيفة عن التساؤلات الكنطية تستلزم نقد ودحض كل الافادات الماورائية والأخلاقية والدينية ، وتمثل الوضع الحالي للممارسة العلمية والقلق الايطيقي والتساؤلات الكنهية عن غائية الإنسان وماهية كينونته . فالإجابات المعهودة في الفضاء الثقافي التقليدي غير واردة ، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار استفحال الواحدية الفكرية والقطبية والفكرانية ، وتفاقم مساوئ الليبرالية الجديدة المتطرفة ، وتصحر المخيال السياسي ، واستشراء العدمية الأصولية الإرهابية على المستوى الكوني.
إن الموقف العقلاني ، يفرض التعامل الاستشكالي النقدي ، مع النسق الإيماني ومع المنظومة العولمية ، دون أي ركون إلى التبسيطية أو النكوصية أو الوثوقية . فنقد الحداثة أو ما بعد الحداثة ، بما قبلها أي بالقدامة المسوغة بالأفضلية التداولية ويقينية المعرفة التراثية ، ليس على التحقيق ، إلا ضربا من تشبث بنظام معرفي وقيمي غير قابل للتحيين والترهين في سياق المتاح المعرفي للبشرية حاليا حسب تعبير عبد الله العروي . كما أن نقد العولمة ، يستوجب فكرية متجددة قادرة على سبر الممكنات الاستراتيجية للحدث العولمي ، دون تضييع المقتضيات المركزية للأنسنة والتخليق .
إن النقد والترشيد فعاليتان صميمتان في النسق الفكري والمنهجي للحداثة ، وانطلاقا منهما يؤكد اندريه كونت – سبونفيل أنه عوض الحديث عن أزمة القيم ، يجب الحديث عن أزمة الديمقراطية وضعف الحلقة السياسية خصوصا بعد تدويل منطق الرأسمالية وانتشار الفردانية البعيدة عن الغيرية والعدالة الاجتماعية ، وسيادة ما يسميه القس بيير انتصار اللامبالاة . والواقع أن حلول الرؤى التفرعية محل الفكرانيات الكلية ( الماركسية التاريخية ) وتذرر الإنسان بما هو قيمة لصالح صيغة مفقرة مشغولة بالظن والأمور العابرة المؤقتة هي " الناس " ، واشتغال العولمة بما هي مشروع الرأسمالية لإدارة أزمتها الراهنة كما يقول رمزي زكي ، هي أمور تعمل مجتمعة على ارتباك الوضع الدلالي للعالم المعاصر وتأزم مصداقية المفاهيم والتصورات الممجدة نظريا دون أي معادل واقعي في الممارسة غالبا . فالرأسمالية عند رجيس دوبريه تعنى بتحصيل فضل القيمة لا الخضوع لموجهات العقلانية الأخلاقية ( ولكن ما يدهشني بالمقابل هو الرغبة في " تخليق " الرأسمالية ، في تحويلها إلى رأسمالية "أخلاقية " مع أنها تبدو لي ، بربرية بالتعريف .)
(-جورج طرابيشي – كتاب دوبريه وزيغلر السجالي – مجلة أبواب – العدد – 2- خريف 1994- ص.125)

إن تعقيل مجتمعات الشغف العولمي ، لا يجب أن يمر عبر المزايدة على الاحتجاج النقدي على تسليع الإنسان والقيم ( جان زيغلير، بيير بورديو .......) باسم المبدأ الواقعية في السياسة ، بل استلهام مبدأ التاريخية في السياسة والاقتداء كما يرى كاستورياديس بما يسميه ارسطو بالتعقل ودعم الايطيقا الايكولوجية دون السقوط في مطبات الايطيقا الكلية . إن تقويم الليبرالية واجب فكري لا مفر منه ، ولاسيما إذا علمنا ( أن الليبرالية لا تعد بأي خلاص ، إنها تحل محل الدين ، ولا الأخلاقية ، ولا الايطيقا ولا العلم . إن كل إنسان متعطش لليقينيات وللكلية يصبح بصعوبة لبيراليا . )
وعندي أن المشكلة ، ليست في لايقينية الليبرالية ، فاليقين سيرورة امتدادية ، لا دوغما مسورة ، بل في فوضاها المعنوية والدلالية النافية للحرية والتحقق الذاتي والجماعي والعدالة بالأساس ، ونشرها للفقر العرضي وللفقر الطبيعي معا . ولذلك فالمطالبة بإقرار إعلان عالمي لأخلاقيات العولمة والتنمية ، يغدو مركزيا في أية دوزنة تعقلية للمتخيل الرأسمالي المنداح بلا أي مدافعة نقدية بدائلية الآن وهنا . وهذا يستوجب نقد الإسراف الفرداني للحداثة بكل نرجسياته الهيدونية وكل كبريائه البروميثيوسية ، واستشكال الاستقلال بما هو مفهوم أساسي في الفردانية لصالح دعم التحكم الذاتي بمثابته مفهوما مركزيا في الإنسية الفلسفية حسب تمييزات الان رونو .
إن التوق المعاصر إلى بلورة الايطيقا الكونية والى إلزام العقل الليبرالي بمعايير خلقية مسوغة بعيدا عن الذاتانية أو اللاأدرية يتطلب أن يرافق بالتخلي عن القضايا المتهافتة الصادرة عن التسليم بالتفوق التداولي للمقومات التداولية الأصلية وتقريظ أخلاقية فئوية محكومة بيقينياتها التداولية واعتبارها أخلاقا معصومة مفضلة بمقتضى الامتياز العقدي .
ولا عجب أن يسترسل الإسلاميون في التشنيع على الغرب بدعوى ماديته اللااخلاقية والمزايدة عليه بالأخلاق الإسلامية المكينة غير قابلة للتضعيف والتشكيك أو التقويم العقلاني اللاشرعاني حتى من حيث المبدأ . لقد سبق لمحمد جابر الأنصاري ، أن تساءل من منظور ديني ، عن المبرر المعقلن لاتصال غلبة الحضارة الغربية ، على الرغم من لادينيتها ولا اخلاقيتها ومفارقتها لمتطلبات الاستخلاف . ( ومن وجهة نظر دينية فإن تفسير سيادة الغرب يمكن أن تعلل- اجتهادا- أن الغرب اتبع ذلك النوع من السنن والقوانين الفاعلة التي أوجدها الله في هذه الدنيا لتسخير الطبيعة وحركة التاريخ والحضارة ، فتمكن من السيطرة دنيويا ، لكنه تنكب عن السنن الأخلاقية والروحية التي وضعها الله لخلاص الإنسان الروحي والنفسي .... )
( - محمد جابر الانصاري – في صلب مسألة " العولمة " غرب" منحط" كيف يسود العالم ؟!- البحرين الثقافية – العدد – 18- اكتوبر -1998- ص. 12)
يذكرنا جواب جابر الأنصاري ، بجواب روسو على سؤال أكاديمية ديجون : ( هل ساعدت العلوم والفنون على تقدم البشرية ؟) . إن الأنصاري ينقد الحداثة بما قبلها ، ويستشكل مقتضياتها الفكرية المجالية ، اعتمادا على نسق تصوري وسطوي . لم تنطلق الحداثة أصلا إلا بعد أشكلته و تنسيبه وتأزيمه . ولئن تنكب الغرب عن المسالك التسديدية الخلقية كما تعتقد جمهرة الإسلاميين منذ محمد عبده إلى أبي يعرب المرزوقي، فإن المسلمين تنكبوا في المقابل ، عن النواميس الكونية واستنكفوا من مسلك نهج التقدم والحضارة ، وبما أن التعقل والاستخلاف والاعمار والعمل مفاهيم إسلامية صميمة ، فإن إخلال المسلمين المتخلفين حضاريا وعلميا وتاريخيا بشهادة الأنصاري ، بهذه المفاهيم ، يجعل أخلاقهم الحالية في انقطاع لا عن أساسيات الحضارة المعاصرة فقط بل عن أصولها الشرعانية . ولذلك فإعفاء الراهن الأخلاقي الإسلامي من الاستشكال والتقويم ، لا يستقيم حتى من منظور إسلامي . ثم كيف يمكن للمسلم أن يكون أخلاقيا ، وهو عاجز عن مسايرة العصر ، علميا وحضاريا وتاريخيا ؟ كيف يدعي أن قواعد مجاله التداولي مفضلة ومميزة ، مع أن الحيز المعرفي من مجاله ذو قيمة تاريخية في أفضل الأحوال ؟
إن نعت الحضارة الغربية بالمادية واللاأخلاقية بناء على اعتبارات دينية ، متهافت المستندات ، فالاجتماع البشري لا ينفصل عن الأخلاق مبدئيا . أضف إلى ذلك أن الأخلاق ا لتوحيدية في حاجة إلى إعادة التأسيس والاستصلاح لا إلى الصيانة والمنافحة ، والى عرض ثوابتها على الراسخ العلمي والمنهجي . كثيرا ما يتجاهل الفكر الديني ، ماهية الحداثة ، كمشروع استكشافي ذي كفاية اجتراحية عالية ، لا يسلم بالقبليات الانطولوجية للأديان ، ولا يتعاطى لإغراق الإنسان في طمأنينة ميتافيزيقية مريحة للنفس والوجدان حقا ، لكنها مانعة لتحويل الابدلات وقلب الإشكاليات وتصحيح المفاهيم واقعا. ولذلك فأي أخلاق في تأنيس مجالي امتيازي جاهل بالنواميس الكونية وعاجز عن المبادرة الحضارية ؟ كيف يمكن للأخلاق فئوية ، أن تدعي الكونية ، وتمنع استشكال مقوماتها باسم الصيانة والإمداد والتقريب ؟ كيف نحكم على الحداثة بمفاهيم وتصورات غائية بلا سند علمي ؟ ألا يجوز اعتبار التأنيس فكرانيا من حيث المبدأ ؟
إن حرص الإسلاميين على دعوى لا أخلاقية الغرب ، وإصرار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي على تحريم النظر في المباحث الأخلاقية الغربية ، لا يعني إلا سدورا في الانهماك بمظاهر تلك الحضارة ، دون التمكن من النفاذ إلى جوهرياتها ، كما سبق لهملتون جيب ومحمد إقبال أن أكدا من مواقع واستهدافات متخالفة طبعا .
إن استشكال النقد الديني للحضارة الغربية ، بناء على مقتضيات أخلاقية فئوية أو ملية ، خصوصية أو جهوية واحدية ، لا ينبغي أن ينسينا نقد التضعيف والتشكيك في تلك الأخلاق استنادا إلى خيرية فطرية ( روسو ) أو لفلسفة فينومينولوجية ( هوسرل ) والى الابميثية المناهضة للتقدم والعلم جوهريا . أي يتوجب الاضطلاع بمهام النقد المزدوج بالتزام لكبر وفطنة أعظم .
والواقع أن التطورات المحدثة في الهندسة الوراثية خصوصا إقبال الايطيقيين المنشغلين بالايطيقا البيولوجية تحديدا ، على صياغة جملة من القضايا الإشكالية العويصة يلزم المنشغل بالقضايا الايطيقية والاخلاقية بالنظر في المساشل والقضايا المشكلة والبحث عن اجابات حصيفة لها ، انطلاقا من اعتبار التلازم بين الاخلاق والعقل تلازما ضروريا .
فكيف نوفق بين حقوق الإنسان وحقوق العلم ؟ كيف نحمي الهوية الجسدية من قيم السوق المعولمة ؟ كيف نحقق التمفصل المتناسق بين الايطيقا الشخصية من جهة والايطيقا الكونية والقانون من جهة أخرى ؟
باسم أي مبدأ يجب منع الاوجينية الطبيعية بعد زوال الاوجينية الاجتماعية- السياسية ( اللينينية- الستالينية ) ؟ هل نكتفي بتزويد العلم بمعطيات ايطيقية ، أم يجب أن نؤسس الايطيقا نفسها على العلم ؟ أليست الايطيقا السبينوزية ذات راهنية كبرى ، خصوصا حين تفسر القيم بناء على بنية تحتية طبيعية ؟

( والمهم في الأمر أنه لا وجود لأخلاق مجردة منفصلة عن المجرى العام لعلم البشر . وبذلك يتجاوز سبينوزا ، بهذا المعنى أيضا ، التفرقة لبن الواقع والواجب ، وبين العلم النظري والبصيرة العملية ، وبين الأخلاق والعلم .)
( - فؤاد زكريا – سبينوزرا – دار التنوير –- ص. 198)
هل تضمن المادية البيولوجية – الجينية ، للإيطيقا أساسا متين الأركان ، أم أنها ليست إلا علموية وضعانية محدودة الكفاية التسويغية والتدليلية ؟ هل من الجائز عقلانيا إنكار استنباط أي أخلاق من العلم كما يرى جون – فرانسوا روفيل مثلا ؟ هل يكون بديل إنكار الاطلاقية والعدمية هو النسبية ( أندريه كونت- سبونفيل )، أم يجب أن نبطل النسبية باسم موضوعية القيم الأخلاقية ( ريمون بودون ) ؟
هذه أسئلة إشكالية ، اجبنا عن بعضها بالتأكيد على التسويغ المعياري للأخلاق ضدا عن النسبانية وعن الذاتانية وعن الأصولانية التراثية . إننا نؤكد كذلك على الرجوع إلى سنخ العقل ، وتجنب التهويل الاختلافي التفكيكي الهيدغيري من التقنية ، والعقل التقني والعقلانية الديكارطية والانوارية عموما . من بديهيات هذا التأسيس، نقد النقد المابعد حداثي للعقل الأخلاقي الحداثي ، واستشكال دعاوى الفرادة الانطلوجية للإنسان وحتمية مراعاة العقل الرعوي وشمولية المنهاج الفينومينولوجي و نجاعة التفكيك الاختلافي .
فالمبدأ القاعدي للإيطيقا ، هو احترام الحياة كما يقول البير شويتزر ، ضدا على رؤية نافية للدلالة الإنسانية في الأصل .
وفي هذا السياق فإن تناول موضوعات الغائية والمعنى والمعايير الخلقية والحرية ، لا يجب أن يتم عبر النقد الهدمي للموضوعية ولجدوى العلم والعقل التقني ، الفاقدة لأي مرتكز تسويغي مدلل . إن المساهمة في بلورة الايطيقا الكونية ، تمر عبر تجاوز النظرة التجزيئية للايطيقا ، والنظر القاصر للثقافة المفلوجة حسب قول ميشيل سير . والواقع أن المثقفين المفلوجين ، يبسطون القضايا الايطيقية ، تبسيطا مخلا وشالا ، إما بالنكوص الهروبي إلى مثالات متعالية ، أو بالانكباب على شق معرفي إنساني دون الشق العلمي ، أو بالعودة إلى ذات فردانية متشاعرة فوضوية ناكرة للتسويغ البيذاتي المعياري للأخلاق وللايطيقا أصلا .


ابراهيم ازروال
اكادير
المغرب








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,647,180,946
- تأملات في المعضلة العراقية
- نحو فكر مغاربي مختلف بالكلية


المزيد.....




- جدل حول لوحة بابتسامة موناليزا.. عمل لدافينشي أم خدعة بمئات ...
- تعرف على "بريسبين" في دقيقة بتقنية الفاصل الزمني
- الصين تصدر قانوناً يوسع حق المواطن في مقاضاة الحكومة
- تنظيم الدولة يقتل المزيد من أفراد عشيرة عراقية
- التقارير المقدمة للجنة الوطنية المشرفة على إنتخاب أمناء الفر ...
- الجيش الاسرائيلي: سقوط قذيفة على اسرائيل أطلقت من غزة
- داعش يعدم -حاكمه الشرعي- في الحويجة ويلزم الطلبة بالتوجه إلى ...
- تقرير: ألف إسلامي بألمانيا على صلة بالإرهاب
- بنغلاديش تشهد اظلاما تاما لانقطاع الكهرباء بسبب عطل فني
- بماذا "نصحت" طفلة الثامنة مرشحين أمريكيين لـ" ...


المزيد.....

- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله
- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ابراهيم ازروال - الأخلاق والعقل-التسويغ العقلاني للأخلاق