أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحق طوع - عين العدم ( 3) فصل من رواية















المزيد.....

عين العدم ( 3) فصل من رواية


عبد الحق طوع

الحوار المتمدن-العدد: 1995 - 2007 / 8 / 2 - 05:08
المحور: الادب والفن
    


استوى الأب نيكولاس في جلسته على الأريكة ،التي تقابل سريري وهو يواصل حديثه عن عظمة الإيمان حلاوته وقوته .امتدت يده الي يدي ، دعكها برفق وسرت قشعريرة في جسدي البارد الممدد في حالة الأعياء الشديد القاس وجعه .
زيارات الراهب نيكولاس المتواصلة وبدون موعد. جلوسه الى جانبي وإهتمامه بي المبالغ فيه،وغبطةالتكلم في نفس الموضوع :
الحياة الجديدة مع المسيح
ينبئني أن زمن رحيلي ، قريب ساعته .
في...
في لحظات المآسي، الضيق، المرض. نتقن فن الإنصات ويزداد شغفنا ويتجدد كلما كف المتحدث عن الكلام.لا لشيء فقط لنروض أنفسنا وفي دفعات بطيئة وبإكراه شديد وصبر جهيد مع الوضع الجديد، ونقوم بتلك المحاولة اليائسة، بهدف نزع شوكة الفراغ الناشبة في النفس. شوكة تولدت ساعة اللقاء، الصدمة مع الحدث. صدمة عصفت بأوتاد مسكننا وصار العراء سقفنا ويجبرنا الرعب على النظر الى قزميةوجودنا أمام الخطب العظيم. نحتاج الى كمياء الصبروالحكمة مع هذا النزول الى الهاوية ،الوقت الطويل والطويل لكي نخلق علاقة صداقة وألفة مع رماد التحول الجديد.مع لحظة الصدمة نثقن فن الصمت والإنصات ، فقط لنطمئن أنفسناأننا لسنا وحدنا في هذا العالم من يقاسي وبإكراه برودة العزلة.
وقال :
ـ لماذا نعدو بهذا الشكل ؟ عن ماذا نبحث ياترى ؟
أنظر سيدي إلى العلاقات البشرية. جافة، يطبعها التكلف والمجاملة الكاذبة. النفاق والأنانية. أما الخيانة شحدت خنجرهاالقديم لتطعن حبيب القلب، من الخلف. جرائم القتل تقع في كل ثانية وبلا حصر. والرعب يتجول في الشوارع، القرى والمدن. ولا أحد...لا أحد اليوم يملك يقين سلامة عودته الى البيت هذا المساء. مات المعنى في حياتنا، ولا مكان تحت قبة هذا الكون، يعد بالدفء.
وأطفاله أدركوا عمق أحزاننا وشيخوختنا المبكرة، وبدل أن يرسم أطفالنا لوحة لعالم جميل وهادئ، رسموا ورودا حديقة ذابلة وأشجار اقتلعت جذورها وثمارها لم تنضج بعد. وتلك العصافير التي كانت تعكس بتغاريدهابهجة الحياة،رسموها كأوراق خريف ملقاةعلى الأرض، وبشكل حزين تحتضر. رسموا أنواعا من الأسلحة، أسلحة حرب تعرضها الشاشة الصغيرة مع مطلع كل نشرة أخبار. رسموا الدمار، ، الدخان ، الجيف ، أحشاء بشرية .... رسموا مدنا وقرى تحترق والإنسان يحمل قبره ويركض بين الأنقاض . حفر الأرض ترفضه ، والسماء تتوعده بالعقاب . طرق ولا نقطة ضوء واحدة تلوح في الأفق . عين شبح الإنتحار تطارده .والوصايا تعددت .ودمعة الضجر ، القرف ، المسخ ، الإغتراب والقهر أنهار والمصب رمل ... رمل جشع لا يشبع .....أما أطفال الحرب لا وقت لديهم لرسم . هم يبحتون عن مخبئ .
ودخل الأب نيكولاس في صمت عميق . وبشفتين مرتجفتين تمتم بعصبية ونرفزة:
ـ حالة ... حالة لا تنبىء بسلام مستقبل الأيام الآتية . ياإلاهي...ياإلاهي ...شيء رهيب...رهيب...
وهرب بعينيه جهة الجدار الخارجي ، الذي يبدو جليا من نافدة غرفتي البيضاء المفتوحة الرقم 13 .
وواصل حديثه :
ـ زمننا عجوز يتكئ على عصاه ، منخورة الجوف والأصل .محاصرداخل متاهات . بخطوات مرتجفة يتخبط في الظلام.وحده الإيمان ..أشعة شمس تدفء أفكاره الباردة ، وتضيء أغوار روحه اليابسة البئيسة . وحده ...وحده المنقذ من الضلال .
لهذا السبب قدم السيد المسيح حياته ، قدم حياته من أجل خلاص الأخرين . قدمها في طبق من دهب إسمه : الموت .
وقد منحوه فرصة التنازل والتنكر لأقواله ، وهو في سجنه مع اللص براباس ، مع اغراء ثمين : السلطة والجاه . نساء أورشليم وخيراتها هدية وبميزة شرف . فقط أن يعلن أمام الجمع ، أنه كان على خطء وأن الرب الحقيقي يقيم في معابدهم . وأن إلاهه الجديد صفعة جنون .
واصل...
واصل عناده وهويعرف جيدا أن عناده هذا ، يقوده الى أم الهلاك .
وهو القائل : ماذا يعني أن أخسر نفسي وأكسب العالم ؟!؟!؟
حلاوة الإيمان، جماله وقوته، أعظم من دهب الدنيا وخيراتها.عندما يتمكن الإيمان من النفس ، لا مفرللمؤمن من قيده.لا السجون ولاالرصاص والمقاصل.ولادفء بيته زوجته وأولاده....لا السلطة والجاه والأموال .....يشكلون سدا منيعا ضد ما آمن به . وموته ... موته إثبات لحبه وإخلاصه بمن وبما آمن به .
واصل المسيح عليه السلام عناده لأنه كان يؤمن أن طريقه الحق .
قال المايسترو مرة : الأشياء لها أرواح .
نعم ! سيدي ومولاي . لها أرواح وتركيبها موهبة إنسانية ، وأجمل التراكب ذاك الذي لا يفضي الى صنع آلة الدمار والخراب والدخان . أجمل التراكب من يصنع محقنة تمنح الحياة الباسمة لطفل مهدد برحيل مبكر . كلنا ... كلنا يعرف المجازر التي أرتكبت في حق الإنسان الأعزل البريء من دم يوسف ونية قاتل يوسف .
إن ضربة جنون تهدد هذا الكوكب ... أنظر...أنظر الى نجومه ... ومنذ زمن بعيد وبعيد تنحو الى الأفول واحدة ...واحدة .
وصناعةالألم : خبز العصر اليومي .
ناقوس الخطر تدلى من السماء... أرهف السمع جيدا ... هل تسمع ؟ آه ربي ...ربي ، حقا قرعه الصاخب هذا لايطمئن بخير.نحن المصابون. لا مخبأ لنا .... لا مخبأ لنا ربي . ووحدك ربي تعلم العلم اليقين هلْ...هل الحي منا ستنتعش روحه بعد الغبار ،الدخان ، بعطر آخر وردة على الأرض .أغمض عينيك وتخيل هذا العالم . شيء رهيب حقا .
إن موت طفل برصاصة من بندقية جندي أجبروه بدافع الخبز على القتل : عار نتحمله جميعا .
وهز نيكولاس رأسه دلالة على يقين صدق إحساسه . حدجني بنظرة قوية ، باحثا عن وقع كلماته في نفسي. وبعد لحظة صمت أضاف :
ـ إسمع...ولنحلل معا محنة هذ الشاب .
وطفق يحكي :

إسمه إسبيرانسا أنخيل . كان سنه السادس عشرعندما إرتكب تلك الجريمة الرهيبة التي هزت اسبانيا والعالم .
يقتل أمه . أبوه وأخته الصغيرة ماريا والآلة القاتلة : سيف سموراي .
والسيف كان هدية من أبيه في عيد ميلاده .
نعم يقتل الجميع تحت تأتير بطل فيديو اللعب الياباني سكوأل ليوؤن هارت والبطل نفسه في اللعبة يقتل عائلته .
عندما سألوا الشاب عن دافع القتل ، كان الجواب :
ـ قتلتهم لأن نظرات عيونهم الحزينة طلبت مني ذلك .
في إعتراف أخر قال :
ـ لون العالم وبشره المجانين ...لون القذارة . حتى الطبيعة بدءت تتحرك ضدنا . براكين ، زلازل ، فيضانات ، حرائق ....
مع إشراقة كل يوم حكاية جديدة . مأساة جديدة .
أحب عائلتي ( انحبس صوته وبعد لحظة سعال حاد تمتم ) شيء ما أجهله . شيء ما شدني ، سكنني ودفعني الى إرتكاب جريمة لا يتحملها الضمير البشري . الروتين كان يلتهم حياتي . كنت أبحت عن هواء جديد ، عن إحساس جديد ، تجربة جديدة تنقدني من أنياب ومخالب الضجر. لاأطيق معاشرته . ربما لهذا السبب أجلس معظم أوقاتي الى الكومبيوتر . صديقي الجديد . إلاهي المفقود . عندما أجلس الى الناس بعيدا عن هذا الصديق ، أجدني عاجزا على التواصل معهم . سحرني ضوءه،وعزلتي مع الضوء، ولدت في هذا الإحساس : الموت خلاص لأتعابهم . وليشهد العالم أني أحب عائلتي . ربما حبي العميق هذا دفعني الى إراحتهم مما يدمرني . هل تفهمونني ؟
وسألت الشرطة الجيران هل سمعوا صوت معركة قبل الحدث .
كان الجواب حاسما :
ـ كنا نتابع مسلسلا في التلفزيون ، سمعنا صرخا ولأننا ألفنا الضجيج والمعارك في هذا الحي الملعون الخليط بكل الأجناس،ولأن القصةمشوقة وضعنا بيننا وبين الصراخ جدارا وقررنا متابعة المسلسل في هدوء مع كؤوس من الجعة وحبات زيتون أسود.
بعد أيام من سجنه ، سأله محامي الدولة :
ـ ماذا تريد من العالم الخارجي ؟
قال :
ـ مقابلة مع رجل دين
ـ طيب...طيب...من حقك . يبدو أنك متعب ولا تنام ، ينبغي أن ترتاح قليلا صمت لحظة وأضاف :

ـ أرتاح إزايْ وأنا قتلت أمي وأبي و أختي الصغيرة ماريا .
الغريب في كل هذا وهو في سجنه ، وصلته رسائل عديدة من معجبين ومعجبات في سنه . يطالبون صورة له مع توقيعه وكلمة . شيء... شيء يدعو الى الحزن . لقد حولوا الشاب البئيس الى بطل . تماما كصديقه وشيطانه سكوأل ليوؤن هارت .
قال المحامي :
ـ شيء آخر أنخيل ؟
اغرورقت عيناه وسابقت الدموع الكلمات . قال في حسرة وهو يعيد بأصابعه خصلات شعره المنسدلة على عينيه الى مكانها :
ـ أريد ..
( انقطع صوته وبلع دمعه وأضاف ) أريد تصريح زيارة .زيارة قبرأبي ، قبر أمي وأختي ماريا (أطرق رأسه الى الأرض ) أود ...أود لوتأملوا في البداية (وصمت) .
أخرجه المحامي من صمته .
ـ نعم أنخيل . بداية إيه ؟
وأجهش بالبكاء . نهض في هستيرية . تساقط مقعده واتجه نحو الباب الحديدي متمايلا وبدون أن يلتفت جهة المحامي زعق :
ـ أيها الحارس الزيارة إنتهت .

إظلام



أطرق الأب نيكولاس رأسه .ورفعه في انحناءة خجولة ترافق إيقاع الدواخل . وبعد همهمات خرج صوته متعبا قلقا :

ـ الإيمان ...الإيمان محنة إسبيرانسا أنخيل ...الإيمان .
لاصديق إلا صداقة الإيمان . المدينة الحديثة ، تعيش خارج نوره . لهذا السبب دب الفساد في الروح . لافقر إلا فقر الإيمان,أعرف أن الإنسان فطم على دينه ومن الصعب ...ومن الصعب تغيير طعم حليبه القديم .
كل الأديان متشابهة من حيت المبدء والتصور . حتى ولو اختلفت في بعض الأمور لكنهافي النهاية تصب لمصب واحد.أكيد لا يختلف حوله إثنان .
غير أن التأويل...نعم التأويل مفسدة للفهم ومدخل إلى الفتنة والضلال .ويدهب في منحى تهديمي ، عندما لا يخضع الى مقاييس تفكيك شفرة رموزه ولغته و السفر مع خياله . بكلمة واحدة : الإجتهاد .
ما يسيء إليه : الفهم المغلوط . المبني على السماع والمشحون بالخواطروحكايات السمر.ذاك الذي يمشي على قدم عرجاء ،لهشاشته نفخة ريح تسقطه .ويعتقد أن محمول فهمه ـ مطلق الحقيقة ـ وتحت تأتير بؤس مرض فهمه ،يخيل له أنه أقرب الكائنات من الله .وأن فكر الأخر ضلال ومحطة عداوة.في هذا الفضاء السوريالي العقيم المشحون بالغبار:تشيد الأسلاك والحدود وتولد الأحقاد .خد…خد كتاب التاريخ واقرء: فرن نار ودمار ،أحزان أخبار .مقاصل وسجون .كان وراء الكارثتة : الفهم المغلوط .
سفري ... سفري في رحاب الأديان في مختلف مشاربه . منحني حكمة واحدة ، أضيء بها طريق إيماني .
إختلاف مشاربه : وحدة .
وجوهر هذه الوحدة : سلام . مؤازرة ، محبة و أمان .
شعلة أمل عندما يخبو ضوءه . ساعات فرج في أقصى مستويات الضيق . كلام الأبكم وسمع الأصم . نور الضرير وسواعد الضعيف .
إن عمر الإنسان قصير قصير . ومهما ركض في تكبر وخيلاء ، ففي كل زاوية ينتظره العتور ساخرا . الإنسان زائر عابر .
وحدها...وحدها المحطة الأخيرة تحتفظ بحقيبتهوالى الأبد .وفي الحقيبة خيره وشره.لا مال ولاقصرإلا قصر الظلام الذي لا يضيء ثقل سواده ورائحته إلا الأفعال . تخيل صديقي أبدية سواده ورائحته .
........................كل شيء باطل وقيد زوال .
جسدنا محدود، مهدد بالمرض و الشيخوخة . وفي نهاية ركض الطريق الموت ينتظر .
وفتح الأب نيكولاس الكتاب المقدس في عهده الجديد . بلل مقدمة السبابة بريقه والوسطى ترتعش وتقلب الصفحات . قلت في نفسي :
ـ يستحيل ... يستحيل أن أسبح في نهر هدوئك أيها الحالم الكبير .
نهري!!!
نهري يا نهري !!!
يتدفق بسرعة الضوء ، يحملني الى حيت لا أشتهي . أعرف ما ينتظرني ، ولا أحب مراوغة نفسي بتدخير حياة قد إنتهت .
ركز في إهتمام بالغ نظره على صفحة من صفحات الإنجيل ، وشرع يقرء والأسى يلطف صوته . وبدا كموسيقى آتية من بعيد . لينة ، سلسة ، عذبة :
وجاءوا الى اريحا وفيما هو خارج من اريحا مع تلاميذه وجمع غفير كان بارتيماوس الاعمى ابن تيماوس جالسا على الطريق يستعطي ، فلما سمع انه يسوع الناصري ابتدأ يصرخ ويقول يا يسوع ابن داود ارحمني . فانتهره كثيرون ليسكت . فصرخ اكثر كثيرا يا ابن داود ارحمني فوقف يسوع وامر ان ينادى فنادوا الاعمى قائلين له ثق قم هوذا يناديك فطرح رداءه وقام وجاء الى يسوع . فاجاب يسوع وقال له ماذا تريد ان افعل بك فقال له الاعمى يا سيدي ان ابصر .فقال له يسوع اذهب ايمانك قد شفاك فللوقت ابصر وتبع يسوع في الطريق .
أغلق المقدس ، قبله بجنون عاشق ميتم ولهان . وضعه جهة قلبه وعيناه ... عيناه تلمعان ببريق قوة ... قوة متعالية . للوقت أحالني الى أمي ... الى قرية طفولتي ... الى معلمي الفكر الحر ... تعرجي في سراديب معرفة كنه الأشياء ... الضحك العفوي ... قلق الدهشة وسراب يقين الحقائق الكبرى وبداية شعلة الشك .
ومن حيت لا أدري وجدتني أبتسم . مرفوقة إبتسامتي بتنهيدة طويلة وعميقة تختزل وجوه أحبة وذكرى بعيدة .
إتسعت عيناه بزهو إشراقة غريبة ، حيرني لمعانها وقال بمرح :
ـ أرأيت ( بلع ريقه ) أرأيت صديقي عبدول روعة الإيمان ...آه صديقي...الإيمان ...عظمة الإيمان ...معجزة الإيمان...تأمل ...تأمل جيدا ماقاله المايسترو :
ـ إذهب إيمانك قد شفاك !!!
غير أن قيد العقل بالأوهام أشد خطرا من قيد أيادينا داخل كهف مظلم بالأغلال . لابد من إستخدام أدوات النقد والشك المنهجي ليستقيم إيمانناوتتحسن علاقتنا بالله.وإذاتحسنت علاقتنا معاالخالق تحسنت وصفت مع مخلوقه .إن تحرير الإيمان من الأوهام ،هو تحريرلنا جميعا .
إن كوبرنيكس وضع إيمان عصره موضع إحراج كبير وزعزع يقينه القديم . لا لكي يقاسي الإنسان المؤمن المطعون في إعتقاده برودة عزلته الجديدة ويضاعف من قلقه بل ليفتح عينيه وتتطود آصرةعلاقته بالله وتتعظم.العلم يقربنا من الله ولا يبعدنا كمايعتقدالبعض .
..................
..................
......وهو يحلل ويعلل قاطعته بنزق :
ـ من فضلك اغلق النافدة .
غيرت وضعية جسدي البارد الممدد في حالة الأعياء الشديد القاس وجعه . وعيني تنتقل كعين كاميرا تلتقط في وضوح وجوه العشاء الأخير لدافنسي . اللوحة الوحيدة التي تزين هواء غرفتي . وشد كل نظري وجه يهودا بدا لي غبشه كالبدر . قرأت في إنحناءة عينيه : الضعف البشري ... وربما قوته .
شعرت ببرد خفيف ، جبدت البطانية أخفيت رأسي كنعامة مبللة . وخرج صوتي مثقلا بالنعاس .
ـ ليلة سعيدة أيها الراهب الطيب . شكرا على الزيارة .
وبعد إنصرافه . قلت مكلما نفسي محاولا جلب النوم ليأخدني الى سديم الراحة . وأي راحة ؟ والشيطا ن يقبع في روحي . زيارة وحديت نيكولاس عن المسيح تتبثه . لقد شم رائحته وقرء وجوده في لمعان عيوني أكيد ...لقد كنته أيام فتوتي . كنت لسانه ، سوطه وسعيره .
بارتيماوس ابن تيماوس في عماه ، كان الكون يعصر كل ألوانه في لون واحد . ربما به كان يحقق الوحدة مع الأشياء .
طوبى...طوبى للإنسان الذي لا يخجل من علته . يخلق معها ألفة نادرة ويحول وخزاتها لوحة لنهار .جميـــــــــــــــــــــــــــــــل .
لاأشتهي أن تنتهي حياتي الى حياة الخنازير تتجمع تحت سقف واحد وفي أسوءالحالات ،فقط لكي ترحب بالدفءوتطرد من قلوبهاالباردةالماكرة المريضة: الخــــــــــــــــــــــــــــــــــوف

بارتيماوس بنظره الجديد فقد ذكاءه .إمتلأت عيناه فظاعة وحنقا بأعمال البشر . وبإلحاح مؤمن صادق طلب من المايسترو أن يعيد إليه عماه : خبزه السهل .
جاء طلبه متأخرا ، وقتها كان المايسترو يتجرع الخل على الصليب ، وإن شبه لهم بذلك . ويناجي ربه بالعبرية متألما:

*إلي إلي لما سبكتاني *

بارتيماوس ابن تيماوس وهو يتخبط في عماه القديم .
منحوه وردة ، ووضعها على أنفه .
وسألوه :
ـ أين أنت الأن بارتيماوس العزيز ؟
أجاب بدهاء ثعلب :
ـ في حديقة .
ضحك الجمع ومنحه كبيرهم قطعة ذهبية





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,515,050,778
- ( عين العدم ) رواية : الفصل 1 2


المزيد.....




- خديجة الكور : تبا لمن اعتبروا البام لقمة صائغة..
- بوريطة..الحوار بين المغرب والإكوادور سيتواصل وسيتعزز أكثر
- جاكي تشان يعترف بحبه لروسيا والروس
- الموت يغيّب الفنان السوداني صلاح بن البادية
- المغرب والكيبيك يوقعان اتفاقية تعاون
- الشاعر والمشترك الإنساني.. بحث عن التأثير أم عن عالمية مزيفة ...
- وفاة ابن الممثلة البريطانية ديانا دورس
- فايا يونان لـ-سبوتنيك-: أنا سفيرة لسوريا... مستمرون بالغناء ...
- لأول مرة... كواليس الإطاحة بإسماعيل ياسين من عرش الكوميديا ل ...
- الاحالة والمقاربة في قصص ما لايتبقى للنسيان للقاص والروائي ا ...


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحق طوع - عين العدم ( 3) فصل من رواية