أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - شمخي جبر - الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة






















المزيد.....

الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة



شمخي جبر
الحوار المتمدن-العدد: 1486 - 2006 / 3 / 11 - 09:27
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة
    


الطفل والتسلط التربوي
(الجزء الأول)
المقدمه
يتناول موضوع البحث مشكلة التربيه في حياتنا والتي يترتب عليها كل مستقبلنا ونرى قطاف هذه التربيه التي اخذت طابع التسلط والقمع في الاسره والمدرسه وداخل المجتمع بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ مورس القمع على الطفل في الاسره فمُسخت شخصيته، واكملت دورة العنف المؤسسه الثانيه في التربيه ألا وهي المدرسه.
وقبل هذا كله تناولنا التربية عند المسلمين ثم تناولنا المؤثر الاول في التربية والمرجع الاساس لها الا وهو الثقافه ـ ثم تناولنا عالم الطفل واهمية هذا الكائن في مستقبل المجتمع ثم عرجنا على الاسرة بوصفها الحضن الاول للطفل والمؤسسة الاولى في تربيته واهميتها في بناء هذا الكائن وتحويله من كائن بايولوجي الى كائن اجتماعي
وتناولنا موضوع التربية بوصفها عملية صراع اجيال وليست هيمنة اجتماعية يفرض فيها المجتمع المعايير والقيم الجتماعي على النشئ الجديد.
بعد ذلك تناولنا عمليات القمع والاستبداد التي تتمثل بالعقاب والاهانه والتخويف التي تمارس ضد الطفل في مؤسسات المجتمع واثرها على مستقبله، وتتركه من آثار عليه.
لذلك اعتبرنا ان التربيه لدينا هي عملية استنساخ تشبه الاستنساخ البشري والتي كان اول تجاربها على الحيوانات فانتجت (النعجه دولي) واعتبرنا ان التربية اذا تحولت الى عملية استنساخ فهي تُشكل خطورة على مستقبل الفرد (الطفل) لانها تمسخ شخصيته تبعاً لاهواء المربين ومؤسسات التربية. فيصبح الابداع هو نتاج خلل في التربية (لانه لابد للمجدد من ان يتحرر من التصورات والاطر الادراكية الموروثة، لان ما يراه المجدد تجديداً قد يراه اخرون على انه انحراف)(1).
مفهوم التربية(2)
1ـ ماكس ويبر( maxweber )
يعرف التربية بانها “ وسيله من وسائل الهيمنة الاجتماعية” يمكن صياغة نظرية ويبرر هذه بالقول بان التربية هي اداة من ادوات السيطرة الاجتماعية التي يملكها المجتمع ... وقد تكون الهيمنة من اجل التقدم والحركية او قد تكون من اجل المحافظة والركود.
2ـ اميل ديركهام (e.durkheim )
(( التربية: اداة المجتمع في تحقيق الوفاق الاجتماعي )) والتربية عنده مؤسسة اجتماعية عامله من اجل تحقيق الاتفاق الاجتماعي social consensus من اجل التكامل الاجتماعي social integration وذلك من خلال تنشئة الاطفال عن السجايا والشمائل الشخصية وانماط السلوك المقبولة من لدن الجماعة التي ينتسبون اليها، ذلك ان المجتمع لايستطيع البقاء [...] الا اذا تحققت بين اعضائه درجه كافية من التناظر او التجانس والتربية هي التي تخلد هذا التجانس وتعززه عن طريق غرس التشابهات الجوهرية التي تتطلبها الحياة الجماعية في الاطفال منذ البداية).
3ـ كارل منهايم karl manheim
التربية: قطاع عام من الطرق الخاصه بالتاثير في سلوك الفرد الانساني ابتغاء جعله ينسجم مع الانماط السلوكية الاجتماعية السائدة، اناط التفاعل والتنظيم داخل المجتمع. وهي (التربية): اداة لتجنيب الفرد نتائج الارتطام للوضع الاجتماعي القائم والذي قد يذهب الفرد ضحية اصطدامه غير المتكافئ به [...] مساعدة الفرد على اكتشاف السبل الملائمة للانسجام مع ذلك الوضع القائم .
4ـ هيرسكوفتس M.J.Herskovits
التربية: عملية دمج ثقافي enculruation اي عملية تطبيق واع او غير واع تتحقق من خلاله العملية التعليمية Learning Process بإذ يكتسب الانسان طفلاً كان ام راشداً الكفايه الاجتماعية social effeciency داخل ثقافته. تقع بشكل اعتباطي ومفروض قسراً في الطفولة، غير انه مع نمو الانسان ونضجه وبلوغه الرشد فانه يبدا بتعلم كيف يقبل او يرفض ـ بشكل واع ـ قيم جماعته ونظام افضليتها.
5ـ نيوكومب T.M.Newcomb
التربية: عملية تطبيع اجتماعي socialization إذ ترمز كلمة التطبيع الى تلك العملية التي بواسطتها يتعلم الفرد كيف يتكيف الى جماعته عن طريق اكتساب السلوك الاجتماعي الذي ترضى عنه تلك الجماعات .
من خلال قرآءة سريعة لتعاريف التربية التي وردت لدى مجموعة من المفكرين والعلماء الذين أهتموا بهذا الموضوع مثل ماكس ويبر الذي عرّفها (وسيلة من وسائل الهيمنة الاجتماعية) او اميل ديركايم الذي عرّفها بأنها(ادارة المجتمع في تحقيق الوفاق الأجتماعي او كارل مانهايم التي عرّفها بأنها (وسيلة من وسائل التأثير في سلوك الفرد الانساني) او هيرسكو فتس الذي عرّفها بأنها (عجلة دمج ثقافي)، او نيو كومب الذي عرّفها بأنها(إكتساب السلوك الاجتماعي الذي ترضى عنه تلك الجماعه).
من كل هذا نستنتج ان هذه الآرآء في الأعم الأغلب منها لم تتعدى ان تكون التربية لديها عمليات تفرض باليات القسر والاكراه والقمع من اجل تحقيق الهيمنة الاجتماعية التي يفرضها المجتمع من خلال مؤسساته التي تقوم بهذا الدور في الاسرة والمدرسة والمجتمع منذ سني عمر الطفل الاولى، من خلال ممارسة عملية طحن للذات الانسانية النامية في داخل الطفل وقتلها في مهدها وقمعها في ساعات تكونها وتبلورها الاول.
فهي تعمل وبكل ما تملك من قوة على تهيئة الانسان (الطفل) للاستسلام لسلطات المجتمع،فيصبح لابقاء له ولا حرية ولا وجود،فلابد له من ان يتماهى بهذه القوى التي تسلط عليه،فتسحق ذاته وتذوبها وتفنيها داخل سلطات الهيمنة الاجتماعية،التي تعطيه هويته التي هي تكرار واستنساخ لهوية هذه السلطة وذاتها.
وبهذا تتحول التربية الى قوة مسلطة من الاعلى (المجتمع ومؤسساته) الى الاسفل (الطفل)، (سلطة عمودية)، في ظلها على الطفل ان لا يكون لديه اي ردة فعل اتجاه ما يسلط عليه،فاذا كانت القاعدة الفيزياوية تقول(ان لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه)والطفل في هذه الحالة عليه ان يستسلم،فيتحول (الفعل التربوي)ذو كفة واحدة هي كفة(المرسل)(المجتمع ومؤسساته التربوية) والطفل عليه التلقي فقط،وليس له الحق في اية ردة فعل فلا يوجد ما يسمى (التلقين المرتد feed back ) من قبل الطفل، لانه ذات ملغاة، ومتلقي فقط للرسالة التربوية، التي في الكثير من الاحيان مقرونه بالاكراه والقسر تاره او بالعنف تاره اخرى.
فعليه والحالة هذه ان يكون سلبياً،ياخذ ما ياتي من خلال التلقين وليس له ان يعترض، او يحاور او يبدي راياً،لان اي راي يبديه يعتبر شيطنة مروق على الاعراف والتقاليد وخروج عن المالوف في الانسان التربوي، وتعتبر باباً من ابواب الزيغ يفضي الى التمرد او الفجور مما يعتبرها سدنة الهيمنة الاجتماعية والتربوية اهانة لمؤسسات الضبط الاجتماعي

التربية في الاسلام(3)
تعتمد التربية الاسلامية في تأسيس برامجها وتوجهاتها وبناء هويتها وأسسها، باعتماد القرآن الكريم وسيرة المصطفى وهدي آل بيته(ص) وأصحابه والتابعين وموقفهم من موضوع التربية من أجل اعداد الانسان للدنيا والاخره ونشأ على هذا النور جيلاً قوياً في دينه وعلمه وعمله ولم تكن التربية جامدة تحد من قابليات النشئ، او تكبت مواهبهم وميولهم ورغباتهم او تقف حجر عثرة امام نشاطاتهم، فهي تتطور مع الزمن ومتطلباته في حدود الدين والاخلاق الفاضلة ومتطلبات الحياة، الاّ ان هذه النفحة النورانية والروحية الراقية المتطورة ما لبثت ان تلاشت امام ضغوط الكبت والاستبداد، وأنشأت فكرة (الجبر) التي زرعت روح الرضوخ والهزيمة في ثناياالتربية الاسلامية، مع انتشار الخرافات والاساطير التي لاقت تأييداً وترحيباً من الحاكمين (أولي الامر) والتي اتخذوا منها اداة للسيطرة ومصادرة الحريات وتغييب الروح العقلانية . ولكن لايعني هذا انه لم تكن في ظل كل هذا هناك مبادئ رائعة في مجال التربية وان غابت او غُيبت لفترات طويلة من حياة الامه ، فالامة التي اول ما نزل من كتابها المقدس (إقرأ) لابد ان تهتم بالعلم وتربية الانسان، فكان موقف الرسول(ص) من اسرى معركة بدر نقطة مضيئة في حياة الامة واحترامها للعلم، إذ طلب الرسول(ص) ان يفدي كل منهم نفسه بتعليم عشرة من ابناء المسلمين القرآءة والكتابة، رغم حاجة المسلمين الى المال الذي كان من الممكن ان ياتي من فداء الاسرى، وكان (ص) يهتم بالعلم والتعلم والتربية إذ (امر اولاد الصحابة ان يتعلموا اللغات المحاورة لهم، فتعلم عبد الله بن عمرو بن العاص السريانية، وتعلم زيد بن ثابت العبرية). بل ذهب بعض الفقهاء الى تأثيم من لم يرسل ولده الى الكتّاب (انما يوعظ ويؤثم). وكان المسجد بالنسبة الى المسلمين هو مدرستهم ، فلم يكن بيت للعبادة فقط بل كان بيتاً للعلم والمعرفة ومركزاً للاشعاع الفكري داخل المجتمع، لما يحويه من حلقات للدرس يرتادها من يطلب العلم، او الاستزادة منه متى يشاء اما(حظ المرأة من القراءة والكتابة: فقد كانت الشفاء بنت عبد الله العدويه كاتبة في الجاهلية، وبعد اسلامها امرها (ص) ان تعلّم حفصة ام المؤمنين الكتابة فعلمتها، فكانت حفصة تكتب، وكان عدد من المسلمات يقرأنّ ويكتبنّ، او يقرأن فقط ، فالسيدات ام كلثوم بنت عقبه، وعائشه بنت سعيد، وكريمه بنت المقداد كنّ يقرانّ ويكتبنّ، ويعلمنّ المسلمات، والسيدة عائشه ام المؤمنين وام سلمه ام المؤمنين كانتا يقرأن ولا يكتبن، وخصص (ص) اياماً لتعليم النساء) وكان لاولياء الامور رأي في تعليم اولادهم فكانوا يوصون المعلمين ان لا يعلموا الاولاد بعض الاشعار التي تحمل معاني لايريدون للاطفال ان ينشأوا عليها فمثلاً ان((عبد الله بن جعفر بن ابي طالب اوصى معلم اولاده: لاتروِ لهم قصيدة عروه بن الورد التي يقول فيها:
دعيني للغنى أسعى فأني
رأيت الناس شرهم الفقيرُ
ومما يوصى به المعلمون (استعمال التشويق في التعليم وتجنب العنف والشدة، متبعاً قوله (ص): علموا ولا تعنفوا، علموا ويسروا ولا تعسروا، إن الله لم يبعثني متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً وأكِدوا على تعليم وتربية الاولاد بما يناسب عصرهم وتحريرهم من القيود فكان الامام علي (عليه السلام) يقول: (لاتقسروا أولادكم على آدابكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم).
وكانوا يحثون الاطفال على اللعب ليبعدوا عنهم الخمول والكسل،فكان احدهم يوصي ابناءه (يابني العبوا فان المرؤه لا تكون الا بعد اللعب) إذ اجمعوا على ضرورة اللعب الذي يزيل عنهم اتعاب الدروس.
قال بن مسكويه: »منع الصبي من اللعب وارهاقه بالتعلم دائماً، يميت قلبه ويبطل ذكاءه وبنغص عليه العيش،حتى يطلب الحيله في الخلاص منه«.
وحث الطفل على اللعب لانه للطفل علامة صحة ونشاط،فحين سال احدهم معلماً عن احوال المتعلمين لديه قال: »ولع كثير في اللعب. فاجابه السائل:ان لم يكونوا كذلك،فعلق عليهم التمائم،اذ لا مانع من اللعب الا المرض«.
لان الحركة والنشاط لدى الاطفال هو علامة صحة ونشاط، وكانوا يوضعون مواصفات للملمين وشروط يجب توافرها فيهم.
فحين يضع المسلمون مواصفات المعلم كانوا يضعوم امامهم صورة معلمهم الاول (ص) الذي قال(انما بعثت معلماً). فكان الغزالي يقول (افضل الصناعاة بعد النبوة العلم) ويصف المعلم بانه كالمسك يطيب غيرة وهو طيب).
ولانه مربي اولادهم ومهذبهم وكل نقص فيه مهما كان صغيراً،فانه يطبع في نفوس تلاميذه، فكانوا يستعضمون زلاته اذ لا يليق به الا الاخلاق الحسنه وحفظ شرف العلم. وكانوا يوصون المعلم (بعدم اكراه التلميذ على الدرس،فالاكراه يزيد نفور التلميذ، والقلب مع الاكراه اشد نفوراً وابعد قبولاً (ان القلب اذا اكره عمي).
كذلك فرضوا المساوات في التعلم بين ابناء الفقراء والاغنياء، وهذا من اخلاقيات المهنة التي اتفق عليها المعلمين، واعطاء الحرية للتلاميذ في ابداء ارائهم واتاحة الفرصه لهم في ان (يناقشهم فيما يبدو لهم ويحترم ارائهم،ولا يعنفوا متعلماً ولا يحقروا ناشئاً ولا يستصغروا مبتدئاً) وقال الغزالي (وقروا من تتعلمون منه، ووقروا من تعلمونه)
وكانوا لا يباغتون الصبي المذنب باللوم والتوبيخ، ويغضون الطرف عن الهفوات التي تصدر عنه ولا يكثرون عليه العتاب (لانه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح) وكانوا يعلقون اهمية على شخصيته، الملم في تاديب الصبي واخلاقه وتصرفاته هي خير مؤدب لهم (يقول مالك بن انس (رض): لما ارسلتني امي الى التعليم، اوصتني بقولها اذهب الى ربيعه فتعلم من ادبه قبل علمه).
التربية والثقافة
الثقافة تشمل الدين واللغة والعادات والتقاليد والمؤسسات الاجتماعية والمفاهيم والافكار ويُعرّفها (تايلور) بانها »ذلك الكل المركب الذي يتضمن المعارف والتقاليد والاخلاق والقوانين والعادات وأي قدرات او خصال يكتسبها الانسان نتيجة لوجوده في المجتمع، ويُعرّفها (كلباتريك) هي كل ماصنعته يد الانسان وعقله من الاشياء ومن مظاهر في البيئة الاجتماعية اي كل ما اخترعه الانسان وما اكتشفه وكان له في العملية الاجتماعية. ويُعرّفها الدكتور ابراهيم ناصر: هي ذلك المستودع المتراكم بعناصر مختلفة ومتنوعة من بينها الافكار والمعارف والعادات والتقاليد والقيم والنظم والتعليمات والسلوكات العامة والخاصة والقوانين والاعراف والآداب والفنون وكل ما صنعته يد الانسان وما انتجه فكره«(4). ويُعرّفها كلكهون ( Kluckhohn) »بانها وسائل الحياة المختلفة التي توصل اليها الانسان عبر التاريخ السافر فيها والمتضمن، العقلي واللاعقلي التي توجد في وقت معيّن والتي تكون وسائل ارشاد توجه سلوك الافراد الانسانيين في المجتمع«(5) ان الثقلفه بقيمها وافكارها وانماط سلوكها هي التي تكون الاطار الذي تستطيع فيه التربية ان تضفي على الافراد وتكسبهم شخصيات اجتماعيه يتميزون فيها عن غيرهم ممن يعيشون في ظل ثفافات اخرى وتجمع ابناء كل ثقافة صفات مشتركة في السلوك وردود الافعال والمواقف، وتتحكم فيهم اطر مرجعية في سلوكهم ووجهات نظرهم ومواقفهم سواء علموا بهذا او لم يعلموا. »والاطارالمرجعي جزء هام في عملية التطبيع الاجتماعي التي تقوم بها التربية فالسلوك واتجاهه يتحددان على اساس اطار المرجع الذي يكون الفرد، واطار المرجع يتكون من القيم والمعايير والاتجاهات التي كونها الفرد في بيئه معينة نتيجة علاقته مع افراد هذه البيئة ، فالتربيه هي التي تؤدي الى تكوين اطار مرجعي معين«(6). ان الاطار المرجعي يختلف من مجتمع الى اخر ومن طبقة اجتماعيه الى اخرى. وكذلك يلعب مستوى التعليم دوراً كبيراً في تكوين هذا الاطار المرجعي، إذ يبرز اثر »الجماعه المرجعية Reference Group التي هي جماعه اجتماعيه تؤثر في سلوكية ومثل وقيم الفرد تاثيراً كبيراً الى درجه ان الفرد يعدّها مرجعاً موثوقاً لسلوكه وتفاعلاته في المجتمع، والجماعه المرجعيه هي الجماعه التي ينتمي اليها الفرد والتي تترك اثارها المباشره وغير المباشره على افكاره ومعتقداته وسلوكه وهي الجماعه التي يرتبط بها ذاتياًَ وتلقائياً، ووتعدّها مرجعاً لسلوكه واخلاقه ومعتقداته وعلاقاته مع الاخرين«(7).
فلو سمعنا شخصين يتحدثان حول حقوق المراة مثلاً، احدهما من بيئة محافظة والاخر من بيئة متحرره فنحن نعرف مسبقاً موقف كل منهما قبل ان ينطق باية كلمه، لاننا نعرف اطاره المرجعي الذي يحدد كل مواقفه واتجاهته وسلوكه، وهذا ما يسمى في علم الاجتماع ((التوقع)) او ((التوقعات)) و »يختلف الاطار الثقافي من مجتمع الى مجتمع والذي يستغل عجز الوليد البشري ومطاوعه الشخصية الانسانية فيكيفها بحسب معايير الثقافه الموجودة وقيمها وطرق تفكيرها وعاداتها«(8) وللمجتمع والثقافه المميزه له صله وثيقه بشخصيات من يحتضّنهم من افراد إذ ان ثقافة المجتمع وحده متكاملة من المعلومات والافكار والمعتقدات وطرق التفكير والتعبير وطرق كسب الرزق والبضائع والصناعات اليدويه التي تنتقل من جيل الى جيل عن طريق الاسرة التي تنقلها الى افرادها عن طريق التربيه والتي يكتسبها الافراد عن طريق الاتصال والتفاعل الاجتماعي لا عن طريق الوراثه البيولوجية ويخضع الطفل لتاثير ثقافة المجتمع من خلال وجوده في الاسرة بوصفها القناة الاولى لايصال هذه الثقافة فيتعلم معايير المباح والمحظور، والعدل والظلم والحق والباطل. وهناك موقف يمر به الفرد عبر وجوده في المجتمع هو »الموافقه او المسايره مع المجتمع الذي يعيش فيه الفرد ويتفاعل معه ، فلكي يتوافق مع مجتمعه انما يمتص منه الكثير من المعتقدات والاتجاهات والقيم والمعايير الاجتماعيه السائده فيه، ومنها اتجاهات بطاقة التعصب ضد بعض فئات المجتمع. فيكون التعصب في هذه الحالة كما يقول (ردل 1946) مثل بطاقة الدخول الاجتماعي التي تساعد الفرد على التجاوب مع ما في مجتمعه من قيم ومعتقدات واتجاهات وبهذا يساعد النمط الثقافي السائد في مجتمعه«(9).
وتعد التربيه بانها الوسيله التي بواسطتها يصبح الانسان كائناً اجتماعياًً، وبالتالي يتم تحويله من خلالها من كائن بايولوجي الى كائن اجتماعي وكل ثقافه تتبنى نظامها التربوي لتعلم السلوك المرغوب عند الجماعة »والثقافه هامه بالنسبه للجماعه التي تعتنقها، فامتلاك المجتمع ثقافه مشتركه يكسب اعضاء هذا المجتمع شعوراً بالوحده وتمد الجماعه الفرد بمجموعه من الانماط السلوكيه فيما يستطيع افرادها ان يحققوا حاجاتهم البايولوجيه وتمدافرادها بمجموعه من القوانين والنظم التي تتيح التعاون بين اعضائها مما ينتج عنه، تكيف مع المواقف البيئيه المختلفه«(10).
وفي مجتمعنا فان ثقافتنا العربيه التي تتسم بالطابع الابوي تاخذ فيه طابع التسلط والاكراه واسلوب الضرب والعقاب الجسدي في المدرسه والاسرة وتنتشر بشكل كبير وسائل الاذلال والسخرية والازدراء ثم يتم التواصل فيها باخذ طابعاً عمودياَ من الغني الى الفقير ومن الحاكم الى المحكوم ومن المراة الى الرجل ومن الاب الى الابن ومن الذكر الى الانثى ويسير على شكل ثنائيات يتسلط الطرف الاول فيها على الطرف الثاني بكل اساليب الاكراه إذ ياخذ هذا الطابع »من فوق الى تحت باخذ طابع الاوامر والتهديد والتلقين والمنع والتحذير والتخويف والتنديد والاذلال والشتم والتحريم توليد الشعور بالذنب والقلق وقد يقترن هذا من فوق الى تحت بالعقاب والحرمان والغضب والصفع والاخضاع وكسر الشوكة والعنفوان اما من تحت الى فوق فياخذ طابع الترجي والاصغاء والانصياع والاسترحام والتذلل والتردد وتقترن ذلك بالبكاء والكبت والانسحاب واصفاء الراس واحقاء الاسرار والمشاكل، والمكر والمسايرة والاستغابه والحذر والاحساس بالذنب والقلق والخوف والرضوخ، بالاعتماد على فلسفه تربوية تقوم علىالترهيب وليس الاقناع«(11) وباختلاف الثقافات يصبح ما هو صالح وطيب في ثقافه ما قد لايكون كذلك لدى ثقافه اخرى.
ان هذا الطابع التي تتسم به ثقافتنا ليس مقتصراً عليها، بل هو سمة اي ثقافة مبنية على الأبوية والهيمنة والاستبداد، والرافضة للمبادئ الديمقراطية، والقامعة للحرية المبنية على حكم الاستبداد في حكم الفرد والمجتمع، ان ثقافة هذه سماتها تؤسس خطٍ مستقيمٍ تسير عليه ويتحرك على وفقها الافراد في سلوكهم وآرائهم وتعاملاتهم مع بعضهم او مع غيرهم حتى يصبح الميل والانحراف عن هذا الخط والمسار تهديداً للقيم والمعايير الاجتماعية وتهديداً للدين وموازين الشريعة. إذ ان (العنف والتعصب هو القدر الذي يفرض وجوده في عمق ثقافتنا وتربيتنا التي تعاني الطابع القمعي والنزوع الى القهر والتحكم، في نظم الحكم والادارة، وفي الحياة الاجتماعية ، وفي الاسرة والتربية والتعليم، يجد الانسان العربي نفسه ملقى بين قطبي القهر وفكيه بتشكل عقله ويتشبع بسموم القهر والتعصب والتسلط )(12). وفي ظّل هذه الثقافة وتحت تاثير هذه التربية يصبح الطفل هو الضحية الكبرى، هذا الكائن الطري الذي لا حول له ولا قوة، تسلط عليه في الاسرة سلطة الاب، وفي المدرسة سلطة المعلم وقهر الانظمة التربوية القاسية، ومع الاقران، تتلقاه صفعات من هم اكبر منه سناً ، ويرى امه هذا الحضن الدافئ تتلقى صفعات هي الاخرى من ابيه (زوجها) وتعامل على انها كائن من الدرجة الثانية وينظر الى كل حركة (من حركات الطفل) على انها حركات شيطانية، فيوصف بالوقاحة، او بعدم الادب فحين ننظر ثقافتنا الى ان العقاب هو آليه تربوية صالحة فهذا خطا كبير لان (السلوك المعاقب قد يعود للظهور بعد ان تزول الطوارئ العقابية)(13) وفي عمليات التربية والتهذيب والترويض التي تمارسها ثقافتنا ضد الاطفال ننظر الى ان (الطفل ينطوي على نزعة شريرة منغرسه في فطرته، وانه يجب على التربية العمل على استئصال النزعة الشريرة في الاطفال اي التاثير على غرائزهم وميولهم الطبيعية، من اجل تكريس وتعزيز الجانب الاخلاقي في تربيتهم وهذا بدوره يستوجب القيام بسلسة من عمليات الاكراه والقسر والتسلط والضرب حين يخالف الطفل التعليمات الاخلاقية التي تتصل باشباع حاجاته الطبيعية)(14) ان هذه النظرة الى الطفل وهذا الموقف التربوي في التعامل معه هو نتاج حلقات طويلة من الاستبداد والظلم الاجتماعي والسياسي والاضطهاد الذي يتعرض له الفرد في ظل انظمة سياسية تعسفية عانى في ظلها من حرمانات عديدة في الجوانب الثقافية فهو لم يحصل على تعليم كحق من حقوق الانسان ولم يحصل على مستوى معاشي يليق بانسانيته و » لكي يتمكن الانسان المقهور من حل مازقه الوجودي بشكل ملائم يرد اليه توازنه النفسي من خلال آليات تتراوح في معظمها ـ لاتتصدى للواقع ـ بل تتراوح بين الهروب منه و الانكفاء على الذات والهروب منه والتماهي بالمتسلط والعيش في وهم السيطرة عليه (السيطرة الخرافية على المصير«(15). ولا بد ان تقول يولد الطفل عضواً في الجنس البشري بخصائص وراثية تكشف عن ملامح خاصة كثيرة، ويبدا في الحال بالحصول على ذخيرة من السلوك في ظروف الدعم الذي يتعرض له بوصفه فرداً.

عالم الطفل
الطفل هو ثروةالمجتمع وهو باني المستقبل الذي لابد من المحافظة عليه وتربيته تربيه صالحة فهو رجل المستقبل واللبنه الاولى في تركيب المجتمع اذا ما صلحت صلح المجتمع واذا ما فسدت فسد المجتمع، لذا فان تنمية قواه العقلية والبدنية وفقاً لمراحل نموه المختلفة هي مهمة المجتمع ، لكي تكون لها مردودات ايجابيه تساهم في تكوين شخصية رجل المستقبل وتساعد في الإفادة من طاقاته في تطوير المجتمع. الا ان الاطفال كثيراً ما يتعرضون للاهمال في مجتمعنا والمؤسسات التي اوكل لها المجتمع مهمة التربية ( العائله المدرسة .... الخ) لكن قليلاً ما تهتم هذه المؤسسات بتربية الطفل وتنمية قدراته، وخصوصاً بعد خروجه من احضان امه ومن ثم خروجه من احضان العائله لان (الطفل كلما تقدم به العمر تزداد عليه الضغوط الاجتماعيه، وتتناقص عنه الحمايه الاسريه، لذا على الاسره تعويد الطفل شيئاً فشيئاً على الصبر والاحتمال قبل اشباع حاجاته، وبهذا يكتسب صلابة في نموه حتى يصل الى مستوى الاعتماد على النفس والقدرة على الانضباط والاستقلاليه)(16) ان الرضيع الحديث الولادة انما هو صفحة بيضاء، هكذا قيل وقد اثبتت الدراسات ان الطفل ليس كائناً سلبياً يتلقى المؤثرات فقط يستسلم لها (انما هو كائن فعال مؤثر في البيئه التي تثيره وتؤثر فيه وانه قادر على حل مشكلاته والتغلب عليها ضمن امكاناته المحدوده)(17) ان العالم وفي جميع انحائه المتقدم والمتخلف، الفقير والغني، يتسائل كلما آراد ان ينظر نحو المستقبل، او يخطط له، يتساءل ماذا قدم للطفل؟ ماذا يجب ان يقدم للطفل ليضمن مستقبل مشرق للمجتمع (ان هذه الشخصيه (الطفل) لا تشغل من تاريخ البشريه سوى صفحه بيضاء) ان هذه الصفحه هي التي تريد لها ان تملا، كان يجب ان تكون هناك صفحه تتصدر كل الصفحات في تاريخ الانسان المتحضر، يسجل فيها ما فعله لمساعدة الطفل حديث الولادة على التكيف مع بيئه غريبه، لكن شيئاً من هذا لايوجد، ان اول صفحه في كتاب الحياة لم يكتب بعد)(18).
ومن اولى المهام التي تقع على المجتمع لكي يكتب الصفحه الاولى من تقدمه وتطوره ومستقبله الزاهر هو تلبية الحاجات النفسيه للطفل، التي تمكنه من ان ينمو نمواً طبيعياً في جسمه وعقله، وطالما يضع المجتمع خططاً تربويه تتسم ببيئه مبنيه لتكيف الطفل بصوره مباشره مع البالغين وقد تتسم هذه الخطط بسمةالقسر فيقوم الطفل بالتكيف على طاعة هذه الانظمه طاعه عمياء قد تؤدي الى انكسار شخصية الطفل وهذا القسر يزداد في المدرسه التي تفرض على الطفل بطريقه نمطية ، وحرمانه من نشاطات تلقائيه في المرح واللهو واللعب تكون ذات اثر طبيعي وغير حاد وبلا اوامر او قسر في تربية الطفل. ومن هنا نرى ضرورة فسح المجال للطفل بالحركة واللعب الجميل، ليزيل ما في نفسه من السأم والملل بشكل لا يؤدي الى التعب ، ومنع الطفل من (ممارسة هذا المجال ستزيد من مشاكله وتبدد ما لديه من نشاط ولمراحل تاليه من حياته وفي الابتعاد عن مجال الدراسه وعدم الاستمرار فيه) (19 ).
ويمنع الطفل من الذهاب الى المدرسه لانه لا يرى فيها الا سجناً، تمارس فيه شتى انواع القسر والاكراه والارغام، لا يتوفر فيها اي مجال لممارسة اي هواية، او اشباع رغبه طفوليه، وبذا فان الطفل يصبح في غنى عن المدرسه، إذ يجد بديلاً عنها مكان آخر يلهو فيه في البيت او في المحلة، إذ يكون اللعب حقلاً مهماً ومجالاً رحباً لبناء وتنمية شخصية الطفل، لان اللعب يفضي الى ( تعويد الطفل على التفكير والحكم البناء ونشاطه وحركته هو اهم ما يساعد على تربيه سليمه والطفل الصحيح هو ذو النشاط والحركة)(20) فيصبح من الضروري الاعتماد في التربية على استخدام الحواس والتجارب العمليه وتوجيه نظر الطفل الى ما حوله من مناظر الطبيعة ومشاركته في فحصها والتعرف على اشكالها والوانها ومعرفة خصائص الاشياء وفهم العالم المادي والقدرة على التعامل مع الآخرين وتعلم الاخذ والعطاء ، ومساعدته على معرفة قدراته وتجربتها وتنميتها (ومن الواجب ان يلعب الطفل ومن الواجب ان ندع الاطفال يلعبون وان نتركهم ينظمون العابهم بحرية والا نتدخل الا في الحالات التي تتطلب تهيئة الالعاب المناسبه لمراحل حياتهم ونراقب ما يقعون فيه من اخطار وأخطاء)(21) ومنع الطفل من اللعب يعني ركونه الى الخمول والانزواء ، مما يؤدي الى فقدانه لنشاطه وحيويته وبالتالي قد يتعرض الى امراض نفسيه كالانطواء والكآبه ويصبح مصدر معاناة للاسرة والمجتمع و الطفل الخامل اجتماعياً هو الذي يبقى تابعاً ذليلاً للبالغين اولئك الذين يضطهدون جانباً من الانسانيه لمصلحة الجانب الآخر وهم ينجحون فقط في تحطيم وحدة المجتمع، والطفل هو الضحيه البريئه للاخطاء التي تثقل كاهل الانسان البالغ)(22).
والطفل في مازقه الاجتماعي والنفسي هو في علاقته مع البالغين الذين يتقاطعون دائماً مع طريقة تفكيره واهوائه واختياراته في الجد واللعب فيتدخلون في كل شئ في حياته بشكل قسري فيقع تحت طائلة الاوامر والنواهي دون ان تفسر له الاسباب ( فيذعن للبالغ الذي يفرض عليه ساعات معينه للعب وساعات معينه للعمل تبعاً لقوانين صارمة وتعسفية )( 23) .
ان المحيط الاجتماعي الذي نضع الطفل فيه لا يناسبه، ولا يفهمه لانه بعيد عن اهتمامه و طريقة تفكيره وخارج مدركاته، وعندما يجهل كيف يتكيف مع ما هو غريب ، فتتحول لديه المدرسه مثلاً الى سجن، عندها يحاول ان يتملص مما يفرض عليه بكل الطرق (ان الانسان الذي يعيش داخل الطفل يبقى مختبئاً، وما يظهر امامنا هو القوة والطاقة الضروريتان لدفاع الطفل عن نفسه، بكاء، صرخات، سوء تصرف، خجل ،عصيان ، كذب، غرور، نزعة تحطيم)(24).
الاسرة
تعرف الاسرة بانها (المجموعة المتكونة من الزوج والزوجه واطفالهما والاقارب الذين يسكنون معهم في دار واحده) ويعرفها الدكتور مصطفى الفوال (الاسرة التي تقابل (Family) تعني من الناحية السوسيولوجية معيشة رجل وامراة او اكثر معاً على اساس الدخول في علاقات جنسية يقرها المجتمع وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات اجتماعية ورعاية الاطفال الذين ياتون نتيجة هذه العلاقات)(25).
وفي تعريف آخر (انها مجموعه من الافراد الذين يرتبطون برباط الزواج او الدم او التبني ويعيشون في مكان واحد، يتفاعلون بما يلائم ادوارهم الاجتماعيه الى المحافظة على النمط الاجتماعي العام )(26). وفي تعريف آخر (انها الجماعة الصغيرة التي تقوم على رابطة القرابة الدموية وتضم في الحالات الطبيعية الابوين واطفالهما)(27).
الا ان مفهوم الاسرة يشتمل على اكثر من هذا كله إذ يشتمل على القواعد والاعراف كافة، التي تنظم تكوين الاسرة وحياة افرادها كقواعد الخطوبه والزواج والطلاق والقربى والميراث وانجاب الاطفال وتنشئتهم. وبحسب الدكتور محمد عبد الهادي دكله (تذهب بعض الاحصاءات الى اعتبار شخص يسكن لوحده في وحده سكنيه عائله من الناحيه الاحصائيه)(18) وهناك آراء كثيره حول استحدام مفهوم اسرة/ عائله، إذ لا نجد هناك اتفاقاً على استخدام ايً من هذين المفهومين، بل نجد اضطراباً واضحاً وتبريراً غير واضح في احيان كثيره عن مدى دقة اي المفهومين (اسرة/ عائلة )، ولم نجد هناك اي اتفاق بين علماء الاجتماع العرب حتى على مستوى المؤلف او الكتاب الواحد، نجد الكاتب مره يستخدم مصطلح عائلة ومرة يستخدم مصطلح اسرة. إذ (يرى بعضهم انه من الافضل ان يطلق على المجاميع ذات الطابع الاقتصادي اسم العائلة سواء كانت مرتكزه على القرابة او لم تكن كذلك، اما لفظ الاسرة بالمعنى العلمي الاجتماعي فيكون مقتصراً على نظم الاسرة الزوجية وما تنطوي عليه من اعتبارات قرابيه. ويرى آخرون ان كلمة اسرة تعني المجموعه التي تشمل الزوج والزوجة واطفالهما المعتمدين عليهم في المعيشة، اما العائله فهي تلك المجموعه التي تضم بعضاً من الاقارب بالاضافة الى الزوج والزوجه واطفالهما)(29) وهناك راي يقول (ان الاشتقاق اللغوي للفظة الاسرة مشتق من الاسر الذي يرادف العبوديه او العائديه بينما يعود لفظ العائله الى الفعل (عال، يعيل) الذي يشير الى علاقة الاعتماد او الارتكال)(30).
واذا كان لابد لنا من راي نقوله في هذا الموضوع، فاننا نرى اننا مجتمع يسوده النسق القرابي (الاواصري) الذي ياسرنا ويربطنا ببعضنا البعض، فما زالت العائله (النوويه) مرتبطه بالعائله الكبيره وان ابتعدت عنها مكانياً ومن ثم الارتباط بمؤسسه اخرى وهي (القبيله) فما نرتبط بهم ليسوا المسؤولين عن اعالتهم (اقتصادياً) فقط، بل نحن نرتبط بعلاقات دمويه ذات سلسه طويله، حقيقيه او ملفقه. ومن هنا نقول ان مجتمعنا يطغي عليه الطابع (الاسري) (الاواصري) (القرابي) فهو مجتمع اسري وليس عائلياً (اقتصادي). ومن هنا فنحن ناخذ بمفهوم الاسرة وليست العائله والاسرة (اصغر تشكيل في جماعه قبليه وادناها في سلم حساب النسب)(31).
والاسرة أول وحدة اجتماعيه يلتقي بها الفرد الجديد (الطفل) عند دخوله الحياة وهي المسؤوله عن نقل ثقافة المجتمع للافراد بالتعاون مع مؤسسات اخرى (مثل المدرسه، والاقران، ومجاميع اللعب، ووسائل الاعلام) وهي ذات اثر بليغ على سلوك الفرد وتكوين وبناء شخصيته (وقد يكون هذا التاثير ايجابياً او سلبياً ومن هنا تبرز اهمية الاعتناء بالاسره كوحده اجتماعيه وتوجيهها توجيهاً علمياً سليماً بجعل منها التربه الصالحه لنمو الجيل الصالح)(32).
ومن الوظائف التي تقوم بها الاسرة وظيفة التنشئة الاجتماعية وهي اهم مؤسسات تربية الطفل لانها المهد الاول الذي يلتقي به، ويلقى في احضانه وقتاً يفوق مايقضيه في اي مؤسسه اخرى ، والاسرة (هي المثال المجسد للجماعه الاوليه المرتبطه بروابط الفرد والقربى والمواجهة ذات الاثر في طبيعة الفرد الاجتماعية وتكوين افكاره وتاكيد ذاته مع تطويع النزوع نحو الفرديه والاستحواذ والامتلاك بالمشاركه الوجدانيه بين اعضاء الاسرة وفي مناخها يحدث انتقاء الاستجابه التكييفيه للطفل في الفكر واللغه من مستوياته المتدرجه إذ يتعلم الطفل حيل التقليد والتصنع ويتعلم اللغه وارتباط الكلمات بمدلولاتها، والاسلوب الرمزي وارتباط التفكير بالادراك)(33).
ويبدا الطفل بالاعتماد على الواقع حتى يصل الى مرحلة العمليات المحسوسه ، والقدره على تنظيم مدركاته، وتقرير احكام اقرب الى الدقه الموضوعيه عن الواقع. ويجد في داخل الاسرة التلقائيه في التعامل والتحرر والانطلاق مما يجعل الطفل يعبر عن ذاته بحريه لان (الاسرة من الجماعات الاوليه المرجعيه التي يحدث فيها التفاعل بصوره مباشره (Face to Face) وهو اكثر انواع التفاعل تاثيراً بالفرد ولان الفعل في المرحله الاولي من حياته يمر بمرحلة (الفتره الحرجه) ( Critical Perlod ) يكون فيها الطفل على استعداد لتعلم السلوك الاجتماعي الانفعالي)(34).
وفي هذه المرحلة العمرية من حياة الطفل تلعب الاسره دوراً كبيراً في صياغة شخصية الطفل من خلال ماتغرسه من قيم وعادات واتجاهات عن (طريق التعليم المباشر وعن طريق التقمص الذي يقوم به لوالديه وعلى الاخص في السنوات الاولى التي يكون فيها التعلم اكثر تبياناً، وقد وجد ان الاطفال ، يجعلون من سلوك الكبار الراشدين الذين يحبونهم وخاصه الابوين انموذجاً يقتدون به ويحاولون تقليده)(35).
ووظيفة الاسرة في تنشئة الاطفال تتمثل في تاهيلهم اجتماعياً حتى يتمكنوا من اكتساب عضويتهم في المجتمع ( لان الانسان اكثر الكائنات الحيه اعتماداً على غيره في تدبير امور حياتيه، وذلك لان مرحلة الطفولة في بعض المجتمعات تمتد حتى (18 سنه) وهو حتى ذلك الحين بعيش مستهلكاً معتمداً على غيره في تسيير امور حياته المعاشيه)(36).
فتقوم الاسرة على تامين الاستقرار النفسي، لان وسط الاسرة وما يسوده من حب وطمانينه يساعد كثيراً على تفريغ الشحنات العاطفيه ويزيل العديد من عوامل القلق والاضطراب التي تنتاب الاطفال عند مزاولتهم لبعض الادوار الاجتماعيه خارج الاسرة ( فتعدد الادوار الاجتماعية Social Poles وتناقض وظائفها في بعض الاحيان من اهم بواعث القلق النفسي عند الافراد، وتاتي العائله هنا وسيله طبيعيه لتفريغ تلك الشحنات وخلق التوازن النفسي)(37).
والاسرة احدى الركائز الاساسيه في بناء المجتمع وتوجيه نشاطات الافراد وتنظيم علاقاتهم الاجتماعية ، وترتبط باطر المجتمع وتنظيماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (والاسرة ليست مؤسسه سلبيه تتلقى التاثير فقط من مؤسسات اجتماعية اخرى، بل هي ايضاً تمارس دوراً ايجابياً في تشكيل المؤسسات، فهي عامل فاعل ومنفعل في آن واحد ، تتلقى التاثير من التنظيمات الاجتماعية وتؤثر بدورها فيها)(38).
من خلال خلق وعي اجتماعي يحل محل الوعي الاجتماعي القديم ويساير التطورات الحديثه في بيئته ونظم المجتمع من خلال التنشئه الاجتماعيه للافراد.

الاسرة والتربيه
ان الامم المتحضره ترى ان ثروتها البشريه لاتقل في اهميتها عن ثروتها الماديه حتى تستطيع ان تحقق اهدافها التي من اهمها رعاية الاطفال وابعادهم عن جو المشكلات التي تهدد نموهم وتكيفهم مع البيئه. والاسرة هي المؤسسه التربويه الاولى وهي مصدر كل تربيه صحيحه، يتاثربها الطفل.
ونحن نتناول آثر الاسرة في التربيه علينا فهم كثير من المصطلحات او مفاهيم التي قد ترد في متن البحث مثل (التطبيع) و(التربيه) و(التنشئه) وفي فهمنا وخلال بحثنا للتربيه انها تعني أو تدور حول معنى واحد إذ ان (التنشئه التي هي في المفهوم التربوي صلب التربيه ومعناها الاصطلاحي وهي من المنظور التربوي السائد في الكتابات العربيه مرادف للتطبيع)(39).
ومن خلال التربيه تتحول العلاقه بين الفرد (الطفل) ككائن عضوي من علاقة عضويه الى علاقه اجتماعيه يتحول من خلالها الطفل الى كائن اجتماعي، فالطفل يبدا حياته الاجتماعيه بواسطة التربيه التي وسيلتها التعليم والتدريب والتاهيل وتبدا العمليه الاجتماعيه في البيت مع امه وابيه ثم اخوانه واخواته،ثم بقية افراد الاسرة الاخرين ان وجدوا، وتمتد الى الجيران واهل الحي والمحله وتتسع بعد ذلك عندما يدخل الطفل المدرسه وتصبح العلاقه الاجتماعيه اوسع وتصبح (التربيه عملية تطبيع اجتماعي يتعلم الفرد من خلالها علاقته مع الآخرين وتفاعله معهم، يتعلم طريقة العيش والحياة والسلوك الذي ترتضيه الجماعه المحيطه فينموا الفرد ويتطور حتى يصبح عضواً في الجماعه الاجتماعيه، كما يقوم بدور وظيفي من مركز يفرضه عليه المجتمع ويصل اليه باستعداداته وقدراته)(40).
ولاجل ان يبقى النظام الاجتماعي ويستمر، فعليه ان يهئ ويبني افراده من الطفوله ومن ثم يقرر لهم ممارسة الادوار الاجتماعيه الواجب اتباعها لكل فرد بعد ان يُعلم ويلقن افراده قيمة ووجهات نظره والاتجاهات التي تسمح لهم بالبقاء على ممارسة ادوارهم في سبيل المجتمع. ان افراد اي مجتمع يكافؤون لالتزامهم بالقيم والمعايير الاجتماعيه،ويُعاقبون لانحرافهم عنها.والقيم والمعايير لها آثر مهم وكبيراً من اجل تامين واستمرار المجتمع و (والقيم الاجتماعيه تُعرف بانها معتقدات قد تشكل غايه في حد ذاتهايسعى اليها الفرد وتكون وسيله،وهي تعمل على ترشيد انماط السلوك، وتؤثر القيم في حكم الفرد على الامور في اختياراته لغاياته ووسائل تحقيقها وتتسم القيم بدرجه من الاستقرار والاستمراريه)(41).
ان الاسرة كمؤسسة اجتماعية هي الوسيط الرئيس بين شخصية الفرد والحضارة الاجتماعية التي ينتمي اليها وان شخصية الفرد تتكون ضمن الاسرة، وان قيم المجتمع وانماط السلوك فيه تنتقل الى حد كبير من خلال الاسرة وتتقوى بواسطتها (اذ ان العائله في مطلق الاحوال هي صورة مصغرة عن المجتمع، ومن حيث هي نظام تقوم العائله في آن واحد بتجسيد ودعم النظام الاجتماعي الاكبر)(42). وتعمل على تعزيز القيم والمواقف التي بواسطتها تدرج العائله اعضاءها في الحياة الاجتماعيه. ان الطفل في الجو الاسري يتعلم كيف يعيش فيه لينمو وتتكون شخصيته وعاداته واتجاهاته وميوله، وتلعب الطريقه التي يتربى من خلالها الطفل في سنواته الاولى دوراً مهماً في التاثير على تكوينه النفسي والاجتماعي وتكوين مشاعره وشخصيته ومن هنا فعلى الاسرة ان تجعل الطفل يشعر انه مرغوب فيه، محبوب، لان الطفل الذي يتربى في الخوف او الكراهيه او الاحسلس بالاثم يمكن ان تظهر على الطفل في المستقبل نزعات عدوانيه و(ان الاضطرابات الانفعاليه كالكآبه والقلق والخوف الموجود عند الابوين او احدهما من المحتمل ان تنتقل الى الابناء فيصابون بعدم الاستقرار الانفعالي كالحساسيه الزائده والخوف والقلق والانسحاب من المواقف الاجتماعيه)(43).
ويؤكد الباحثون في مجال علم نفس الطفل(ان الامهات المسيطرات الراغبات في التحكم واظهار العداء للغير،يظهر على ابنائهن كثيراً من مظاهر الاضطراب النفسي،كما تبين ان استخدام الوالدين للعقاب يزيد من السلوك العدواني للابن)(44).
ووجد الباحثون في هذا المجال (ان تعنيف الابناء وعقابهم ينمي عندهم مشاعر الخوف وانعدام الامن النفسي، وان الاطفال الذين يتعرضون الى الحرمان الوالدي يوصف سلوكهم بالسلبيه كما يظهر عليهم السلوك الانسحابي، وان الافراط في القسوه او اللين قد يؤدي الى تكوين عقدة لشعور بالنقص، وان علاقه بين المعامله القاسيه التي يتبعها الوالدان وجنوح الاحداث)(45). وان استخدام العقاب في المرحله التي يتمرن فيها الاطفال على العادات السلوكيه المرغوبه في الطفوله المبكره كثيراً ما تجعلهم ينشأون (دائمي الخوف من وخز الضمير وان مغالاة الوالدين والتشدد والاكثار من معاقبة الاطفال يؤدي الى احداث نتيجتين اما ان يصبح الطفل عصبياً ثائراً او ان يكون جامداً ميالاً لمعاقبة نفسه لدرجة انه لايعمل الا الشيء الذي يعتقده تماماً انه مسموح به)(46). مما يخلق منه انساناً متردداً لايستطيع ان يحزم امره في اتجاه معين، ولايستطيع الابداع والابتكار لان خوفه لا يسمح له بالاتيان باشياء غير مالوفه، يخاف الطرق غير المطروقه، لايفكر ولا يتخيل الا ما هو مالوف ويخاف كل تجديد وابداع، فيعيش حاله دائمه من الاتباع، ويؤكد الباحثون(ان الاطفال المنبوذين تنشا لهم مشكلات عصبيه في الصغر من قبيل التبول اللاارادي وقضم الاضافر وعادات الاكل السيئه والبذائه في الكلام)(47). ان اسلوب التربيه الديمقراطيه يسود فيها الجو الودي ويشارك الاطفال بايجابيه في اتخاذ القرارات دون خوف او تهديد، ان هؤلاء الاطفال تنمولديهم الثقه بالنفس ومن ثم الأبتكار والابداع الروح البناءة. فالشخصيه قليلة الثقه بالنفس تتصف بالسلبيه والتردد والاعتماد وعدم القدره على حل المشاكل الحياتيه وعدم القدره على تحمل المسؤوليه واتخاذ القرارات مما له اثر ليس على الفرد فقط بل على المجتمع.
والطفل في سنواته الاولى يميل الى ان نشعره بذاتيته وبانه فرد يستطيع ان يقوم باعمال ما،ويجب ان يلقى الاستحسان والتشجيع،لانه بحاجه الى التقدير،لذلك يجب ان يتعلم كيف يحترم حقوق الآخرين فلا يكون انانياً و(يكون بعض الاطفال في هذا السن المبكر بعض الاتجاهات بطريقه لا شعوريه،ومن هذه الاتجاهات ما يتكون نحو الوالدين،ان الوالد في نظر بعض الاطفال انما هو رمز للسلطه ويقول(ملوجل): ان هذه الاتجاهات التي يكونها الاطفال،في صغرهم وما يصاحبها من شعور بالكراهيه توجه في المستقبل نحو المجتمع بصفه عامه،كما ان الكثير من جرائم الاحداث يرجع في اصله الى كراهية الاطفال للسلطه)(48).
ويكتسب الطفل داخل الاسرة عادات الاكل والنوم والنظافه والجلوس والكلام، وتعلم الكثير من العقائد الدينيه للاسرة، وتعلم المخاوف والافكار التي تدل على التسامح او التعصب وحسب ثقافة الاسرة (لان الاسرة هي البيئه الاجتماعيه التي يبدأ فيها الطفل بتكوين ذاته والتعرف على نفسه عن طريق الاخذ والعطاء بينه وبين اعضائها، وازدياد قابلياته للتشكيل وازدياد المطاوعه كلما كان الكائن صغيراً)(49).

المراة والتربية
ان الانثى الام هي الحلقه الاولي في الوجود كله على مستوى الكائنات الحيه،وفي النوع الانساني يقع على عاتق المراه الدور الاكبر في هذه المهمة، ولم يكن نابليون بونابرت مخطئاً حين قال: (ان اليد التي تهز السرير هي التي تهز العالم). إذ تبدا معانات المراه منذ اللحضات الاولى لتلقيح البويضه داخل رحم المرأةِ، وتتلاحق معاناتها بعد تكون الجنين في بطنها،ويشاركها هذا الجنين جميع ما تتعرض له خلال مدة الحمل،إذ يقول: (سوتاج) (ان الامهات الحزينات المكتئبات خلال مرحلة الحمل قد يلدن ابناء عصابيين، بسبب البيئه غير المريحه، يقول: العالم (مونتاجو): انه في كل نزعاته (يقصد الطفل) ومقاصده رضيع عصابي عندما يولد نتيجه بيئه غير مرضيه في حياته الجنينيه انه اسئ اليه حتى قبل انه يولد)(50).
أن المهمة العسيرة التي تؤديها الام الحامل في إنجاب أطفال أصحاء، ينبغي تيسير مهمة الام بعدم تعريضها للانفعالات العنيفة، وتلبية مطالبها الاساسية من خلال العناية بصحتها الجسمية والنفسية وتهيئة الجو الهادئ الآمن لها وعدم ارهاقها جسمياً او اجهادها فكرياً وتامين سلامتها من الاخطار والمواقف العنيفة التي تهدد بقاؤها او تعرضها لهزات انفعالية لاتخلق لها غير النكد والقهر والتنغيص لها ولمولودها الجديد. ان الازمات الانفعالية التي تتعرض لها الام من هموم واحزان واضطرابات عصبية لايمكن ان تمر في حياة الام بدون ان تحدث اثارها السيئة على الجنين الذي يقيم في احشائها (حالة الام الانفعالية وتهيجها واصابتها بالفزع والرعب والقلق المستديم يحدث تغييرات كيمياوية في جسمها مما يؤثر على الدورة الدموية للجنين)(51) الا ان المراة في مجتمعنا عانت الكثير من العنف والتهميش والاضطهاد الذي كان يقع عليها مضاعفاً، لانها اولا تتلقى الحرمان والاضطهاد حالها حال الرجل اضافة الى هذا فأنها تتلقى نصيباًآخر كونها انثى،ل ان مجتمعنا ينظر اليها نظرة سلبية من اول يوم ولادتها، حين يقال لاحدهم ان زوجته ولدت (بنت) يحس وكان صاعقة او مصيبة وقعت على رأسه بقيت هذه النظرة للانثى على الرغم من نهي الاسلام عن نظرة التفريق امتدت هذه النظرة الى الامثال الشعبية، (مكروهة وجابت بت) ولانها ولدت بنت ستتضاعف الكراهية ضدها، وحرمت المرأة من ممارسة دورها الانساني فحرمت من التعليم لفترات طويلة. وكان ينظر لها داخل الاسرة انسان من الدرجة الثانية فيقدم عليها الذكر داخل الاسرة في كل شيء، وكام وزوجة فليس لها رأي في ادارة المنزل والرأي الاول والاخير للرجل. ان حرمان المراة من حقوقها كأنسان في بناء شخصيتها في التعلم والثقافة والتربية، يصبح له اثار سيئة على الاسرة والمجتمع ومن هنا انطلق الشاعر العربي في قوله.
الام مدرسة اذا اعددتها
اعددت شعباً طيب الاعراق
والمرأة ليس نصف المجتمع بل هي كل المجتمع فاذا صلحت صلح حال المجتمع، وان تدهورت اوضاعها ولاقت الاهمال يصبح المجتمع كسولا بلا ارادة لأنها من يبني المجتمع من خلال دورها كأم ان علاقتنا بألمراة يشوبها الكثير من الازدراء والمهانة والاذلال ومصادرة الحرية في سلسلة طويلة من العذابات وحسب هشام شرابي فان (الاضطهاد في مجتمعنا هو ثلاثة انواع اضطهاد الفقير،واضطهاد الطفل، واضطهاد المرأة إنه من المفجع ان يولد الانسان انثى في مجتمعنا وطالما ان المرأة ان لم تتغير فان الانسان غير قابل للتغيير)(52) نظرة بهذا المستوى كيف نسمح للمرأة ان تؤدي دورها في تربية اطفالها بشكل سليم ان المرأة وصلت في مجتمعنا الى مرحلة سمتها خالدة سعيدة (عبدة العبد)(53).
والمقصود هنا بعبارة خالدةسعيدة، ان الرجل المستعبد الذي وقع عليه كم هائل من الاستبداد والقهر والاضطهاد، والذي يعيش مأزقاً وجودياً»يقوم بالهروب من الواقع (الانكفاء عل الذات) او الهروب فيه (التماهي بالمتسلط) والعيش في وهم السيطره (السيطره الخرافيه على المصير«(54) وحين يمارس الرجل حالة (التماهي بالمتسلط) من خلال اضطهاد المرأة وممارسة العنف ضدها، فهو يعتبر أن »لغة العنف هي لغة التخاطب الاخيره الممكنه مع الواقع ومع الآخرين إذ يحس[...] بالعجز عن ايصال صوته بوسائل الحوار العادي«(55) والمرأة العربيه تعاني قصوراً في فهمها لذاتها وفهم الآخرين(الرجل) لها،لان الوعي هو حصيلة التفاعل بين الأنا (المرأة) والاخر(الرجل). فهي الازمة التي يعيشها المجتمع كله المرأة والرجل على حد سواء.وحين يؤكد الكثير من المهتمين بهذا الموضوع من الرجال والنساء باهمية تعلم المرأة وتربيتها يفضي الى حل الكثير من المشاكل الاجتماعيه في حياة المرأة والرجل بل حياة المجتمع، إذ يساعد تعليم المرأة وتربيتها،على القيام بوظيفتها الاجتماعيه »فلقد اظهرت الوقائع ان الكثير من النساء لا تجد من يعيلها، فقد يتوفى زوجها والوالده التي ليس لها اولاد ذكور او اولاد قصر، كل هؤلاء يحتجن للتعلم ليتمكن من القيام بما يسد حاجاتهن«(56). ومن هنا يصبح تعليم المرأة مهماً لانها حين تتعلم تضع في نفوس الامة ذلك الاساس الوطيد الذي يمكنهم ان يبنوا عليه بعد ذلك الفضائل الاجتماعيه والسياسية، فتكون الدعوه لتربية المرأة لتربي ابناءها تربيه فاضله فيظهر لنا اهمية ماتؤديه المرأة من وظائف (داخل الاسرة يعدل في المنظور الانساني والاجتماعي والاقتصادي ما تؤديه من عمل خارج البيت، ان لم يفضله،على ان لا تفضي هذه النظرة الى حرمان المرأة من فرص التعليم والثقافه وممارسة النشاطات الاجتماعيه الاخرى، لان اقرار هذه الحقوق من شأنه ان يزيد من فاعلية أثر المرأة في التربيه وادارة شوؤن البيت بوعي اكثر كفاءه)(57). ان الدعوه لتحرير المرأة انطلقت داخل الامه منذ(75) عاماً إذ صدر الكتاب الرائد (تحرير المرأة) لقاسم امين، الذي نآدى به بتعليم المرأة، ومعاملتها الند للند ومشاركتها في الحقوق والواجبات بالعدل والمساواة مع الرجل، ولا نزال ننادي بتحرير المرأة (ان مجرد ارسال البنات الى المدارس او ازالة الحجاب عن وجوههن ومنحهن بعض الحقوق المدنيه والمهنيه لا يحقق تحرير المرأة، لان تحرير المرأة لا يتم في النهايه الا بتغيير علاقتها بالرجل، وهذا يعني بتغيير دورها ومكانتها في العائله والمجتمع، فتصبح عندئذ انساناً بكل ما في ذلك من معنى. ان تحرير المرأة في مجتمعنا جزء لا يتجزأ من عملية تحرير الرجل وتحرير المجتمع بكامله)(58).

المدرسة والتربية
المدرسة مؤسسة اجتماعية بل هي أهم مؤسسات تربية الطفل بعد الاسرة وتلعب دوراًكبيراً في التنشئة الاجتماعية للطفل وتوجية سلوكه فيقع على عاتقها بناء مستقبل المجتمع لان بناء المستقبل يبدأ من المدرسة، لان مخرجات المدرسة باتجاه المجتمع، تساهم وبشكل فاعل في عمليات البناء والتغير الاجتماعي، والمدرسة مؤسسة اجتماعية (آنشأها المجتمع لتقابل حاجة من حاجاته الاساسية وهي تطبيع افراده تطبيعاً اجتماعياً يجعل منهم اعضاء صالحين في المجتمع)(59).
وتلعب المدرسة دوراً مهما في تنشئة الطفل وتربيته اذ انها تكمل دور الاسرة في تعليم الاطفال قيم ومبادئ واهداف وعادات مجتمعهم محولة اياهم الى كائنات اجتماعية قادرين على التفاعل والعيش مع ابناء مجتمعهم مما يجعل منهم حلقة وصل بين المدرسة والمجتمع ويوكل المجتمع الى المدرسة بوصفها احد وكالات التطبيع الاجتماعي (الاسهام في مهمة تحقيق التطبيع الاجتماعي بوصفها منظمة ذات اهداف ومناهج ونظم تعمل من خلالها على ديمومة ثقافة المجتمع وتنميتها وتوفير البيئة الملائمة للحفاظ على قيم المجتمع واتجاهاته ومعايير السلوك فيه من قبل الناشئين وتكيفهم لانماط السلوك التي يرتضيها المجتمع في المواقف والمناسبات الاجتماعية المختلفة مما يؤدي الى حصول التطبيع الاجتماعي)(60).
وتقوم المدرسة بهذا الدور من خلال المناهج الدراسية ومن خلال عملية التدريب على النظام، وتهذيب سلوك الاطفال، وتعليمهم النظام واحترامه، واهمية الزمن في حياتهم، وتعتبر المدرسة وسيلة من وسائل الصعود في السلم الاجتماعي (الحراك الاجتماعي) إذ تعمل على ازالة الفوراق بين الطبقات وتداخلها واندماجها من خلال تكافئ الفرص التعليمية ، باعتبار التعليم حق من حقوق المواطن بغض النظر عن الجنس والدين والقومية.
ان انتقال الطفل من الاسرة الى المدرسة يعني انتقاله من مجتمع صغير بسيط محدود الى مجتمع أوسع و أكثر أتصالاً بالحياة، يقوم على نظام وقوانين جديدة وينطوي على تكاليف وواجبات لم يألفها الطفل من قبل، فيها اخذ وعطاء وصلات من نوع جديد ومنافسات جديدة، وفيها لابد للطفل من التضحية بالكثير من الميزات التي كان ينعم بها داخل الاسرة، إذ كان مركز الاهتمام، فاصبح داخل المدرسة بين عدد كبير من الاطفال يعاملون على حد سواء، والمدرسة بالنسبة الى الطفل معناها الانفصال عن الوالدين، خاصة الام. هذه البيئة الجديدة لها اثر كبير على الطفل في سلوكه وشخصيته . فسلوكه الذي كان داخل الاسرة لم يعد مقبولاً في المدرسة، ونفرض على الطفل سلطة جديدة غير تلك التي الفها في الاسرة، وفي المدرسة (يتعين عليه ان يراعي النظام وأن يلزم التأدب، وأن، لايهزأ من اخطاء غيره، وان يلتفت الى من يحدثه، وآلا يقاطع غيره اثناء عمله او لعبه، وأن يلتزم الصمت في اوقات معينة، وآلآ يغضب ان اقتضت مصلحة الجماعة، والا يأخذ اكثر من نصيبه والتعاون في المدرسة يعني احترام قوانينها والاشتراك في الاشغال وألالعاب)(61). ان الطفل الذي كان يلقي عناية مبالغ فيها (المدلل) او الطفل (الدكتاتوري)يفيد كثيراًمن البيئة الجديدة في المدرسة،على الرغم من انهم سيعانون كثيراًلان انتزاع الطفل من مركزية الذات egocentrism التي تسيطر على تفكيره ولغته وسلوكه الاجتماعي وخلقه حتى السابعة من عمره فيما يراه (بياجيهpiaget( فالطفل حتى هذه السن يكون شديد الخضوع لدوافعه وحاجاته، مستغرقا في اهتماماته و اموره الخاصة، مما يجعله عاجزا عن العناية بمشاعر الغير وشؤونهم والتعاون معهم، عاجزا عن تقدير الامور والحكم على الناس والاشياء من وجهة نظر الغير، بل من وجهة نظره وحده وتنشأ هذه الظاهرة من اعتقاده انه مركز الكون والعالم الخارجي باسره)(62).
وتلعب المدرسة دوراً كبيرفي تهذيب نفس الطفل وسلوكه،ففي المدرسة يصيح الطفل كغيره من التلاميذ لا يختلف عنهم بشيء، بل هو مساوِ لهم في الحقوق والواجبات ولا يعود الطفل هنا مركز الكون كما كان يخيل له، وهو في احضان اسرته (وفي احيان كثيرة تقف المدرسة عند حد معين تراوح فيه لاتغادره، فتتجاوز ها حركة المجتمع من حولها، لتغدو جزيرة منعزلة وسط محيط هادر، فبقيت غير قادرة على تمثيل معطيات العلم الحديث او مواكبه التفجر المعرفي ،فبقيت بعيدة عن حركة التقدم المتسارعة في كل مجالات (الحياة ولم تستطيع استيعاب سوئ جزء منه خلا برامجها ومناهجها)(63) وفي ظل التطور التكنولوجي وخصوصاً في مجال الاتصالات والمعلومات واتاحة مصادر المعلومات للناس ومن قنوات متعددة، إذ لم تعد المدرسة هي المصدر الوحيد للمعلومات وان المعلم ليس هو الموزع الوحيد للمعرفة. وان معارف الطفل لم تعد مقتصرة على المعلومات التي يستقيها من المعلم ومن الكتاب المدرسي فقط، بل ان الطفل يحضر الصف (مزود بخبرات ومعارف قد تتكامل في بعض الاحيان مع ما يتم تدريسه داخل المدرسة) وقد يتعارض احياناً مع تلك الاتجاهات والمعارف والخبرات التي تتضمنها المناهج والكتب المدرسية ويقوم المعلم بنقلها وتلقينها بل هو حلقة في سلسلة من عمليات التعلم التي تشارك في تنفيذها مؤسسات ومصادر يضمها الاطار العام للمجتمع)(64).
إذ ينقل المعلم خبرته بطريق مباشر الى التلاميذ الذين يكتفون بترديد او محاكاة وتقليد ما يتلقونه من معلمهم دون ان يكون لهم فرصة للتفكير الابداعي الفردي المستقل،او فحص ومناقشة ما يلقي عليهم من معلومات وتعليمات فالصلة بين المعلم والتلميذ في كلتا الحالتين ليست علاقة بالمعنى الدقيق للكلمةإذ (يتحول الاطفال الى اوعية فارغة يتشكل محتواها على نحو قسري وفقاً للوائح والانظمة القائمة).
فالعلاقة هنا ينقصها التفاعل بين الطرفين بالرغم من وجود هما في مكان واحد، لانه لم يكن هنالك طرفان بل طرف واحد هو المرسل اما المتلقي فانه ملغي ليس لديه راجع الرسالة feed back فعليه ان يصغي فقط، لايحق له الا الاستسلام ،فيفقد فاعليته كطرف في العلاقة (غير انه غير معترف بوجوده لان العلاقة هنا عمودية من الاعلى الى الاسفل تصدر على شكل اوامر على الاسفل (الطرف الملغى) ان يتلقى ويطيع فقط، فتحولت (التجربة الاولى للصغار في المدرسة، يتعلمون اول دروس الرضوخ، فالوان المدرسة واحدة، كل الاطفال يكرهون طابور الصباح، كراساتهم لون واحد(65).
ان الوسائل التربوية تشبه كثيراً، وسائل غسل الدماغ، اي انها وسائل ترديدية تعتمد التلقين وتعمل على حشو الرؤوس بمادة كثيفة ثقيلة تزرع زرعاًفي مخزن الذاكرة عند التلاميذ، بدون ان يقبلها العقل الصغير بل يحفظها بشكل ببغاوي خوفاً من العقاب الذي تعتمدعليه المؤسسة التربوية كآلية فعالةمن آليات التسلط التربوي (ان التسلط التربوي يؤدي الى انتاج الشخصية السلبية التي تعتريها روح الهزيمة والضعف والقصور، فالنظم المدرسية العربية، تسعى الى الظبط الاجتماعي بدلاً من تكريس الحرية المترتبة على المعرفة، والى توليد المسايرة والانصياع لمعايير الجماعة للمحافظة على الوضع القائم بدلاً من زرع روح التمرد المبدع البناء)(66).
فتتحول المدرسة مصنع لتفريخ وانتاج وصناعة مواطنين يسهل قيادهم، ينصاعون بسهولة للنظم السياسية والاستبدادية، يعشقون السكون والثبات ويكرهون التغيير والتجديد والابداع. شعارهم (اكعد بالشمس لما يجيك الفي).

التربية وصراع الاجيال
لابد لنا ونحن نمارس عملية التربية ان نضع اما اعيننا بديهية يعرفها الجميع الاأن البعض يغض النظر عنها لانها قد لا تلائم تفكيره، وهي ان ما صلح به حال المجتمع في فترة زمنية ما لايعني انه صالح في كل زمان، لآن لكل زمان متطلباته ومن هنا علينا ان ناخذ بعين الاعتبار ضرورات المرحلة التي نعيشها وما يمكن ان نقوم به اتجاه افراد يختلفون كثيراًاو قليلا عن طريقة تفكيرنا، لان التربية ليست عملية صناعة للكائن البشري وا ن كل جيل ينظرالى الوجود نظرة خاصة به. وعموما فان الاجيال اللاحقة تشعر بالرغبة في توليد ذاتها واستقلالها الشخصي اتجاه الاجيال التي سبقتها التي تكبرها سناً(الابناء والاباء) للتخلص من وصايتهم لانها نزاعة بطبعها الى التجديد (يزداد عصيان الجيل اللاحق للجيل السابق ورفضه توجيهاته ،فكلما كان المجتمع اقل استقراراًوثباتاً، وكلما كان الاطمأنان للمستقبل مهددا اكثر، فالجيل الجديدينقم على الجيل الذي يكبره، انه نقل اليه شروط من الحياة لا يرتضيهاابداً ويدعي اذ ذاك منكراً جميع التقاليد انه لن يكل امره الا لنفسه ليحقق وجوده وسعادته)(67) التربية في مجتمعنا اصبحت عملية تدريب على ضروب الانقياد والخضوع والتبعية مما ادى الى الغاء وطمس الشعور بالفردية الشخصية طمساً كاملا (ان التربية الحقة هي تربية للحرية عن طريق الحرية ،انها تمكين الفرد ان يفهم ويريد ويشعر انه هو نفسه صانع مصيره، وهو لايستطيع الوصول الى هذا الامتلاك للذات الا عن طريق التعاون مع سائر الكائنات، فهذا التعاون حين يجعله على صلة مع جميع اشكال الوجود يؤكد استقلاله امام كل واحد منها)(68).
ولابد ان يتم تقديم المساعدة للطفل لتحقيق ذاتيته وشخصيته في اجواء صحية، وذلك بالتدريب الناجح والتربية الخالية من العقد التي من المؤكد ان مخرجاتها تكون فاعلة ومهمة تتحقق من خلالها وفي ظلها ذاتية الطفل حيث (ثبت تجريبياًان الطفل الذي يشجع على استعمال خياله بحرية وتطوير قدرته على التفكير المستقل سينقل هذه الخصائص الى اي عمل يقوم به)(69).
وبهذا تكون عملية التربية قد هيئت فرداًمبدعاًمنتجاًيستطيع مواجهة الواقع وحسب جان بياجيه فانهُ (عندما تكون علاقة الطفل بالراشدين من حوله علاقة هيمنة من هؤلاء الراشدين عليه فأنه ينشأ على اخلاقية الخضوع والانصياع لارادة اخرى خارجة عنه ما لم يدخل بمعونة والديه والكبار من حوله نفسية جديدة تنقله من مرحلة الخضوع والتبعية الى مرحلة الاستقلال الذاتي، ولا يحدث هذا الا عندما نستبدل علاقة الاحترام الوحيدة الجانب، بعلاقة الاحترام المتبادل فتنشأ في نفسه اخلاقية الحرية والمساواة والعدالة)(70). ان الانشداد الى السكونية وعدم مواكبة الواقع في الفكر والسلوك يجعل الاباء ينقلون ما يقعون تحت تأثيره من افكار الى ابناءهم مما يفضي الى ان تتحول التربية الى صناعة افراد فتصنع هذه التربية شخصية (تبرع في ازاحة المسؤولية حين يفضح عجزها وتقصيرها ،فالطالب لايلوم نفسه عندما يرسب في الامتحان بل يلوم الحظ والاستاذ والاسئلة الصعبة)(71).
وتتم العملية التربيوية من خلال عملية الغاء ذات الطفل لتتحول الى ذات مطلوبة اجتماعياًمما يجعل(الطفل لا يستمد قيمته من ذاته بل من مقدار النضج المادي او المعنوي الذي يحمله لاهله فهو يحقق آمال الاباء المحبطة وتنشئة الاطفال على صورتهم من إذ السلوك والمهنة ويستعمل الارهاب التربوي لاجبار هذه الكينونة البشرية على ان تتغلب بصورة مصطنعة غير سوية)(72).

التربية بين الاستبداد والقمع
ان الاستبداد والقهر الاجتماعي في الحياة العربية والقهر الاجتماعي الذي يتعرض له الفرد والمجتمع، يخرب فطرة الانسان الخيرة، فالانسان الذي في نشأته (كالغصن الرطيب فهو مستقيم لدن بطبيعته، ولكنها اهواء التربية تمل به الى يمين الخير او شمال الشر ،فاذا شب يبس وبقى على امياله ما دام حياً،والتربية ملكه تحصل بالتعليم والتمري نوالقدوة والاقتباس)(73).
وفي ظل تربية سلطوية تتميز بالقسر والاكراه والارهاب مما تجعل ممن تمارس ضده هذه الاساليب، يكف عن سلوكه الى الحد الاقصى لتجنب العقوبة فيكون ساكناً متردداًغير مبادر، في كل مرة يتلمس خديه، لانه حسب الدكتور على آسعد وطفة(ما زالت وجنات الاطفال نتوهج تحت تاثير الصفعات وايديهم ترتعش تحت وطأت العصي والمساطر وحملات التوبيخ والشتائم وابجديات القهر والتهديد في اطار المدرسة والمنزل بما من شأنه ان يحطم وجودهم الانسلني ويقوض كل المعاني الخلاقة للحياة ويخل بشروط وجودهم الانساني والمعرفي والاخلاقي)(74) بقدر ما يبدو لنا رأي الدكتور علي اسعد وطفة متشائماًومتطرفاً في حكمه على التربية العربية ،لكن هي صرخة صريحة على الطفولة التي تنتج لدينا افراد يتسمون بالخمول وانعدام الفاعلية يركن الى الكسل لان في السكينة والهدوء السلامة ،ولا يبدع الفرد في ظل هكذا تربية لانه يخاف الطرق الغير مطروقة او غير المألوفة والتي تفضي الى الابداع والتجديد، فتنتج الاسرة اجيال مستعدة للخضوع وتقبل ما يمارس ضدها من قمع واستبداد فتكون خانعة راضية لانها تربت على وفق ثقافة الخضوع وهنا نجد ان هناك هوة تفصلنا عن اطفالنا ولا احد يستطيع ان يردمها (على الرغم من ان القوي هو الذي يكسب المعركة عاة إذ يرغم الاباء أبناءهم على الطاعة متخذين لانفسهم صورة الكمال ،وبهذا الفوز يفرضون على اطفالهم الصمت ،ويفقد الاطفال في الوقت نفسه ايمانهم بوالديهم وتموت كل العفوية والثقة في علاقتهم)(75).
والمجتمع الذي يمارس سلطة عمودية من الاعلى الى الاسفل تفرض على الطفل تتخذ من التاثير والضغط واستعمال القوة منهجاً، يشعر في ظلها الطفل بأن حاجته مهددة وغير مقبولة وان كيانه مهدد على الدوام مما (يزيد من مشاعر الخوف والخجل عنده، تزيد من تردده ويقلل من ثقته بنفسه ومبادرته لانها تفتقد العفوية والتلقائية وتنشأ له مشكلات عصبية في الصغر من قبيل التبول اللاارادي وقضم الاظافر والبذاءة في الكلام والقسوة كما ينتشر سلوك التباهي واجتذاب الاخرين وانعدام الاستقرار)(76). ان ما يتعرض له الطفل من عقاب او تنكيل او اهانة يقلل ثقته بنفسه فيتصف بالسلبية والتردد والاعتماد على الغير في حل المشاكل العيانية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات مما له اثر ليس على الفرد بل على المجتمع،فهذا الشخص حين يصبح اباً ومسؤولاً في مؤسسة ما، يشكل مشكلة للمجتمع فتبرز مشاكل الاتكالية وانخفاض الطموح والابداع ،حتى التربوين المسلمين القدماء نهو عن استعمال اساليب التعنيف والتوبيخ ،لانهم يعتقدون ان(تكرار التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة وصرفته على معاودة ما كان استقبحه، وهان عليه سماع الملامة في ركوب قبائح اللذات التي تدعو اليها نفسه)(77). تبقى عمليه التربية في ظل هذه الظروف خالقة للشخصية وذلك عندما يكون الوالدان صارمان في تنفيذ او في ممارسة سلطتهما على الطفل امعاناًفي اجباره على الالتزام والطاعة والاذعان (وكثيراًما تستخدم القوة في الحصول على الاذعان وتاكيد سلطة الوالدين وكذلك ينمو مع الطفل شعور بالعداء للسلطة او حسب التسلط تشبهاًبوالديه وقد تصبح هي البداية في عملية التنشئة لتكوين ما يسمى بالشخصية التسلطية العدوانية اتجاه الاخرين)(78) تتمثل التربية دائما لدينا او تقترن بالعقاب حتى اصبح الناس يطلقون على الطفل كثير الحركة والنشاط ويتميز بالذكاء والفطنة ويزاحم الكبار في ابداء رأيه، او طفل ذو شخصية واضحة او يتمرد على الكبار واوامرهم بنه طفل (غير مربى) وحين يقولون هذا يقصدون انه لم يضرب بما فيه الكفاية، وهكذا يصبح (ضرب الاولاد طريقة مقبولة لضبط السلوك وهذا يتم باشكال مختلفة ولكن اكثرها شيوعاًهو الصفعة التي قد لاتكون مؤلمة بقدر ما هي وسيلة اذلال، وهذا ما يفسر فاعليتها، فالصفعة يمكن توجيهها بسرعة دون سابق انذار، والطفل المعتاد على هذا النوع من العقاب يرفع ذراعيه فوق وجهه بصورة الية عندما يتعرض لي تهديد، والصفعة وسيلة لتاكيد السلطة ،وفرض الخضوع الفوري والواقع ان الطاعة في العائلة العربية هي نتيجة الخوف اكثر مما هي نتيجة الحب والاحترام)(79). ولا يبقى امام الطفل الا البكاء والتوسل، والاسترسال فيهما ليحمي نفسه طالبا الرحمة والمغفرة، وهكذا فأن ممارسة العنف والارهاب ضد الاطفال ما يلبث ان يحوله الاطفال لانتاج الية جديدة للتعامل مع الاخرين ،وهنا اتذكر اجابة احد المختصين في التربية حين سأله احدهم عن اسباب ممارسة احد اطفاله العنف ضد اخوانه الصغار إذ اجابه المختص لابد ان هذا الطفل يتعرض للعنف من والدهُ او والدته إذ ان السلوك العدوني الذي يتبعه الاطفال الكبار اتجاه الصغار ليس مجرد استئساد عليهم بل هو محاكاة لسلوك الكبار ووسيلة للتفريج عما يعانونه من اذلال، وفيما بعد يصبح تحقير الاخرين طريقة عفوية في توكيد الذات بمعنى ان الفرد يشعر بالرفعة اذا حط من قدر الاخرين بأذلالهم او الاستهزاء بهم او التقليل من قيمتهم)(80) ان التربية التي تستخدم العقاب والعنف والاذلال هي ذاتها التي تستخدم التلقين والترديد والحفظ، بدون ان يعطي مجالا للمناقشة وابداء الرأي أو ابداء التساؤل، ويفضي التلقين الى الامتثال وبالتالي اضعاف اي نزعة ابداعية او تجديدية.وهنا فان الطفل لا يهتم بما يتعلمه وليس ضرورياًان يفهم الموضوع لان اهم شيء لديه هو ان يحفظ الموضوع، اي يستنسخه ويستظهره امام المعلم (على ظهر قلب) كما يقولون حيث يصبح من المهم للطفل أن ينقذ نفسه من العقاب. ان هنا لقاء واشتراك بين العقاب والتلقين (العنصر المشترك بين العقاب والتلقين فهو ان كلاًهما يشدد على السلطة ويستبعد الفهم والادراك اي ان كلاً منهما يدفع الى الاستسلام ويمنع حدوث التعبير، يتعلم الطفل أن يقبل دون اعتراض او تساؤل [....] دون ان يشعر بحاجة الى الحوار ان هذا الوجه من وجوه التعلم يعمل على تعزيز السلطة وتشجيع البصم واستبعاد التساؤل والبحث، كما يعمل على تعطيل طاقة الابداع وتكوين انماط جامدة من التعامل والحوار)(81).

النعجة دوّلي والتربية
ان التربية وكما يفهمها الكثير من التربويين او هكذا يعرفونها هي عملية تطبيع اجتماعي تحول الطفل من كائن بايولوجي الى كائن اجتماعي، تجعل منه التربية قادر على التوافق وبشكل كامل مع المجتمع فالاب حين يقوم بتنشئة طفله فأنه يتمنى ان يكون هذا الطفل او هكذا يعمل، ان يكون الطفل نسخة منه، وكذلك المجتمع يطالب بان يوجه الفرد بهذا الاتجاه حتى يستطيع التوافق، وتعمل المدرسة، ويعمل المعلم من خلال ممارسة الكثير من آليات القهر والقسر والاكراه من اجل انتاج افراد متشابهين في كل شيء، حتى ان الجميع يعتقدون ان على الاطفال ان يدخلوا هذه القوالب الجاهزة فتتم صناعتهم، فهي عملية استنساخ، وهكذا يفهمونها ففي مدارسنا يجبر الاطفال على ارتداء ملابس ذات لون واحد (زي موحد) وكل شيء واحد الالوان في المدرسة واحدة وطابور الخروج والدخول الى المدرسة واحد،والوان الدفاتر بلون واحد ،مما يجعل من هذه الواحدية والتوحيد الة قسر وضغط على شخصية الطفل وعدم اعطاء كينونته فسحة من الحرية تسبح فيها لتنمو بشكل طبيعي. فيما تقول ماري منتسوري (علينا ان نفهم كينونة الطفل وعندئذ يتضح مدى الحاجة الملحة الى تسهيل عملية ادخاله الى الحياة)(82).
فيما يعتقد البالغون ان في معاقبة الطفل اصلاح من شأنه وتهذيب اخلاقه مع انه لا فائدة مما يقومون به، لان الطفل سيتخلى عن جميع ما نراه سيء فيه مع تقدم العمر، في ما لو وفرنا له السبل الصحيحة والسليمة لنموه المادي والمعنوي. لان عملية تشكيل شخصية الطفل عملية نمو غامضة ،لانه يمكن لتأثير مدة الرضاعة مثلاًان تولد نتائج في حياة الطفل.
ومناخ الاستنساخ عبر التربية يفرض فيه الاباء على الابناء انماط سلوكهم وحركتهم وفاعليتهم ولا يسمح لهم بأبداء الرأي او الاعتراض ويؤكد الدكتور علي اسعد وطفة (ان شيوع انماط التربية المتسلطة المحافظة التي تسعى الى بناء شخصيات مطواعة تميل الى الاذعان والتبعية وتنتفي فيها امكانات النقد والحوار والمناقشة والابداع فالتسلط يؤدي الى حالة من ضعف الثقة بالنفس وفقدان القدرة على ممارسة الادوار الايجابية وميل كبير الى الخضوع والاستكانة لكل اشكال السلطة ومن ثم فقدان المبادرة الذاتية والعمل التلقائي)(83) ان خطل وخطر الاستنساخ من خلال التربية والتطبيع الاجتماعي كان قد نبه اليه المربون الاوائل، فنرى ان علي بن ابي طالب(ع) يقول: (لاتقسروا اولادكم على آدابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)(84) لكن رغم هذا مازلنا نفهم التربية على انها وسيلة من وسائل الهيمنة الاجتماعية مطبقين من هذا التعريف للتربية جانبه القمعي في كسر شوكة الفرد وترويضه وقتل فرديته وفرادته وقد قال (ص)(علموا ولا تعنفوا) وقال (علموا ويسروا ولاتقسروا) لكن سدنة التربية على طريقة (الاستنساخ) كثيراً ما يعتمدون في التربية طريقة انتاج (النعجة دولي) من خلال استعمال آلية التلقين التي كانت اهم اسباب تخلف التربية والتعليم لدينا. إذ يقول انور عبد الملك (رأي دانلوب مستشار التربية ايام اللورد كرومر، ان الضمان الوحيد لاستعباد مصر على مر الاجيال لا تكمن في الاحتلال العسكري والاستعمار الاقتصادي، بقدر ما تكمن في ضرب الفكر المصري الصميم إذ يصبح عاجزاً عن التطور والابداع والخلق، ويظل معتمداًعلى غيره ليتحرك ولكي يتحقق هذا الهدف لابد من ان تتجه سياسة التعليم كلها نحو الحفظ دون المناقشة والترتيل دون النقد ومحاكاة المراجع والاساتذة دون ترشيحها وتكوين رأي مستقل فيها واحترم الكلمة المكتوبة دون امتحانها والتصارع فكرياًمعها، ولعل احدى الاولويات التي يجري من خلالها تعطيل العقل تتمثل في تعطيل قدراته التحليلية والنقدية)(85) وهنا نرى ان التربية تتحول الى عملية استنساخ للافراد، يكون نتاجها افراد يظهرون (تكيفاً سريعاً لمختلف المواقف وادراك ما تتطلبه من استجابات مرغوبة والتصرف وفقاً لمقتضياتها الى الحد الذي يراه مناسباً،والمسايرة السطحية والمجاملة العابرة وتغطية المواقف وتورية المشاعر الخفية واخفاء العيوب والتستر على الحقيقة اذا كانت سيئة)(86). كيف لا يكون انتاج هذه التربية بهذا المستوى اذا كانت كل مؤسسات الطبيع الاجتماعي يتحول لديها القسر والاكراه والتلقين الى دليل عمل فيصبح الطفل في العائلة نسخة من البالغ (الذي يمتلكه وكانه قطعة من ممتلكاته ولم يكن اي عبد ملكاًلسيده كما الطفل ملكا لابويه، ولم يطلب من اي خادم الطاعة المطلوبة من الطفل)(87) وفي المدرسة لاتختلف نظرتها للطفل عن نظرة العائلة ،بل في كثير من الاحيان تكون مسؤليتها اشد ولان الطفل يشعر بانه غريب لم يالف عالمها وانظمتها حيث(يأخذ المعلم صورة الحاكم المطلق وهو اشبه بالامام يعلم ويلقن والتلاميذ قابليات سلبية مطبوعة تكرر نسخة المعلم الاصلية)(88) ومن هنا نقول لايمكن القول ان الطفل يكتسب نفس العادات مئه في المئه من حوله اي ان الفرد الواحد عندما يتطبع بطباع الجماعه التي حوله (لايكون نسخة طبق الاصل steriotip والا لاصبح الناس كالدمى والالات وهكذا امكن القول بان عملية التطبيع الاجتماعي عملية تربوية مكتسبة من الحياة المحيطة ،نعتمد على استعداد الفرد وقدراته وطبقته الاجتماعية ومستواه التعليمي)(89).

واقع التربية في العراق
لقد مرت الأسرة والمدرسة العراقيتين بعوامل كثيرة كانت ذات أثر كبير على فعّالياتها وتشكيل ثقافتها وبالتالي انعكاسها على تربية الطفل ، ومما عانته هو الاهمال والاوضاع الاقتصادية السيئة التي كانت نتيجة للحروب المتتالية والتي إنعكست سلباً على واقع هاتين المؤسستين (الاسرة والمدرسة) وما ترتب على كل هذه الاوضاع من عسكرة المجتمع التي امتدت الى الأسرة والمدرسة، ففقدت في ظلها الأسرة معيلها، وفقدت المدرسة بعض معلميها الذين ذهبوا الى جبهات القتال أو عملت فيهم الظروف الأقتصادية عملها فأضعفت من دورهم وضعف هممهم، او حرمان الكثير ن افراد المجتمع من التعلم لأسباب كثيرة يقف في المقدمة منها عدم الوعي بأهمية التعليم أو عدم وجود مدارس كافية، أو لأسباب اقتصادية مما انتج داخل المجتمع ومن ثم الأسرة آباء وأمهات أميّين، وما لهذا من انعكاسات خطيرة على تربية الأطفال،وليست الأميّة الأبجدية فحسب بل الأميّة الثقافية التي كانت ولازالت تشكل عبئاً على الفردو المجتمع وعدم مواكبة المنجز الحضاري، مما جعل المجتمع يقع خارج الأطار الحضاري العالمي، وما عمليات التغيير والتحديث في المجتمع الاّ ذات أثر يكاد لايذكر لأنها كانت لاتمس الاّ السطح في المجتمع او القشرة الخارجية. ولم تستطع الغور في أعماق مشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فلم تكن ذات تأثير فعّال في البيئة الثقافية للمجتمع. هذا اضافةً الى العُزلة التي عاشتها النُخب الثقافية والسياسية في المجتمع،وبالتالي إنعدام تأثيرها داخله نتيجةً لما مُورس ضدها من تهميش أولاً أو نتيجةً لموقف الريبة والشك التي كان يقفها من نخبهُ الثقافية والسياسية بأعتبارها تمثل توجهاً تغييرياً ثقافياً قد يستهدف قيمها ومعاييرها الاجتماعية التي تدافع عنها وتريد لها السكون والثبات اضافةً الى النخب الدينية التي ترفض التغييروتقف بالضد منهُ وخصوصاً التقليديين منهم الذين يعتبرون كل جديد وكل تطور موجه ضدهم ويستهدفهم وبالتالي يستهدف الشريعة ويخرج عنها.
ومع إنعدام وجود مجتمع مدني او انحسار دورهُ او تحالفه مع المجتمع السياسي (الدولة) الذي فرض على المجتمع تدخله في الأسرة والمدرسة وتوجيهها في التربية معتبراً ان التربية هي عملية تنشئة سياسية ليس الاّ. فأعتبرت الدولة ان التربية يجب ان تنتج افراد ينصاعون الى قيمها السياسية في القهر والإستبداد وعبادة الفرد، واستخدام كل هذه المفاهيم فيما سُمّي (بناء الأنسان). فأخذت التربية طابعاً أيدلوجياً وعسكرتارياً يُلبّي احتياجات الدولة وهي تواجه تحديات الداخل والخارج. ففي الداخل كانت الدولة تبني أجهزة قمعية لابد ان تجد لها افراد تربّوا على القمع ورفض الحوار والإقصاء للآخر المختلف. حتى يكونوا أدوات قمعية بيد الدولة إضافةً الى طموح الدولة في بناء جييش كبير وقوي، وحروب تحتاج الى الكثير من الوقود لابد ان يكون من النشئ الجديد الذي ربّتهُ تربية عسكرية منذ الطفولة فكانت آليات الدولة في هذا المجال قد اتخذت عدّت توجهات، كمنظمات الطلائع والفتوة ثم كتائب الشباب التي يتدرج فيها الأطفال منذ سن الأبتدائية، ثم تربية الأطفال تربية عسكرية وأيديولوجية، اضافةً الى معسكرات مايسمى في حينهِ (أشبال صدام) والذين كانوا يُربّون على قيم العنف والأرهاب والقتل، اول مايربون عليه قتل الحيوانات او أكلها وهي حية ليتدربوا فيما بعدعلى قتل الأنسان او ذبحه، اضافةً الى ما كان يمارس في المدارس من أساليب عسكرية، والتشجيع على أرتداء البزات العسكرية، والمشهد الأسبوعي (كل خميس) لايفارق مخيلة الأطفال إذ كانت تطلق الأطلاقات صباح كل يوم خميس فترتعد فرائص الأطفال، من اجل، زرع روح العنف في داخلهم وبالتالي تنفيذ توجيه الدولة في عسكرة المجتمع.
ان هذه الأساليب التي مُورست ضد الأطفال بشكل مباشر، رافقها اساليب اخرى ساهمت في زراعة قيم العنف والأرهاب في نفوسهم من خلال أناشيد الحرب المشبعة بروح القتل والدمار والبرامج العسكرية وخصوصاً برنامج (صور من المعركة) الذي كان يُبث يومياً من على شاشة التلفزيون مليئاً بمشاهد المعارك وآثارها ومخلفاتها وجثث قتلاها المتفحمة او صور الأسرى الذين يساقون أذلاّء ان كل هذا وغيره أنتج جيلاً مدمراً نفسياً معبئاً بأتجاه العنف .
شاهدنا قطاف وثمار هذه التربية في واقعنا من2003/4/9 حتى الآن وما رافقها من أعمال عنف .ان الطفل العراقي تعرض لظروف صعبة حتى انك لاتستطيع ان تجد طفلً يريد لعبة الاّ وكان اختياره يقع على بندقية او مسدس.. دمرت بنية العائلة وتشرد ابناءها في الطرقات فهناك متسولي الأشارات الضوئية، وهناك اطفال (السيكوتين) واطفال (الثنر).. واطفال(الكبسلة) وعمالة الطفال تعد الباب الاول للأنحراف، والتسرب من المدرسة،مشهد ضاج بالمآسي والنكبات.

الهوامش
1. الناصر، إبراهيم، علم الاجتماع التربوي، عمان، جمعية أعمال المطابع التعاونية، 1984، ص64.
2. محمد جواد رضا، العرب والتربية والحضارة، الاختيار الصعب، ط3، الكويت، ذات السلاسل، 87، ص320-336.
3. الديوه جي، سعيد، التربية والتعليم في الإسلام، بغداد، مكتبة التراث العربي، 1982، ص7-50.
4. الناصر إبراهيم، م، س، ص71.
5. النجيمي، محمد لبيب، الأسس الاجتماعية للتربية، ط4، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1971، ص159.
6. م، ن، ص152.
7. الحسن، إحسان محمد، موسوعة علم الاجتماع، ط1، بيروت، الدار العربية للموسوعات، 1999، ص235.
8. النجيمي، م، س، ص191.
9. فهمي، مصطفى، مجالات علم النفس، م ج1، القاهرة، مكتبة مصر، (د ن)، ص197.
10. النجيمي، م، س، ص197.
11. وطفة، علي أسعد، بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999، ص26.
12. م، ن، ص21.
13. سكنر، تكنلوجيا السلوك، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص64.
14. وطفة، م، س، ص17.
15. حجازي، مصطفى، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ط4، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1986، ص173.
16. الحسن، م، س، ص24.
17. أبو الحب، ضياء الدين، الطفل هذا الكائن العجيب، بغداد، وزارة الثقافة والفنون، 1979، ص53.
18. منتسوري، ماري، الطفل في الأسرة، ترجمة أمل منصور، بغداد، دار ثقافة الأطفال، 1987، ص13.
19. عبد الرزاق، مدحت، سيكولوجية الطفل في مرحلة الروضة، بغداد، وزارة الثقافة والفنون، 1979، ص62.
20. م، ن، ص65.
21. م، ن، ص76.
22. منتسوري، م، س، ص، 10.
23. م، ن، ص11.
24. م، ن، ص12.
25. دكلة، محمد عبد الهادي (وآخرون) المجتمع الريفي، بغداد، جامعة بغداد، 1979، ص178.
26. الفوال، صلاح مصطفى، علم الاجتماع البدوي، ط1، القاهرة، دار النهضة العربية، 1974، ص183.
27. محمد مهدي محمود، مصطفى محمد عيسى، أساليب التنشئة الوالدية وعلاقتها بالثقة بالنفس، آداب المستنصرية، ع17، 1990، ص349.
28. دكلة، م، س، ص179.
29. م، ن، ص179.
30. الذهب، محمد عبد العزيز، التربية والمتغيرات الاجتماعية في الوطن العربي، ط1، بغداد، بيت الحكمة، 2002، ص167.
31. المستقبل العربي، ع308، 2004، ص105.
32. دكلة، م، س، ص180.
33. الذهب، م، س، ص172.
34. محمد مهدي محمود، م، س، ص350.
35. م، ن، ص350.
36. الأخرس، محمد صفوح، تركيب العائلة العربية ووظائفها، دراسة ميدانية لواقع العائلة في سوريا، دمشق، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1976، ص11.
37. م، ن، ص112.
38. م، ن، ص21.
39. المستقبل العربي، ع308، 2004، ص92.
40. الناصر، إبراهيم، م، س، ص35.
41. المستقبل العربي، م، ن، ص107.
42. م، ن، ص111.
43. محمد مهدي محمود، م، س، ص351.
44. م، ن، ص351.
45. م، ن، ص351.
46. م، ن، ص352.
47. م، ن، ص352.
48. فهمي، مصطفى، م، س، ص65.
49. النجيمي، م، ن، ص88.
50. أبو الحب، م، س، ص55.
51. أبو الحب، م، س، ص27.
52. محمد، عقيل نوري، قياس اتجاهات الشباب نحو المرأة، المستقبل العربي، ع300، شباط 2004، ص70.
53. م، ن، ص70.
54. حجازي، مصطفى، م، ن، ص173.
55. م، ن، ص173.
56. علي، سعيد اسماعيل، الفكر التربوي العربي الحديث، عالم المعرفة، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1987، ص211.
57. الذهب، م، س، ص178.
58. شرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، بيروت لبنان، الأهلية للنشر والتوزيع، 1977، ص90.
59. النجيمي، م، س، ص70.
60. الذهب، م، س، ص183.
61. راجح، أحمد عزت، أصول علم النفس، بغداد، مكتبة التحرير، [د، ت] ص522.
62. م، ن، ص523.
63. الذهب، م، س، ص183.
64. م، ن، ص184.
65. وطفة، م، س، ص38.
66. م، ن، ص38.
67. اوبير، رونيه، التربية العامة، ترجمة عبد عبد الدائم، ط4، بيروت، دار العلم للملايين، 1979، ص73.
68. م، ن، ص826.
69. رضا، محمد جواد، أزمة الحقيقة والحرية في التربية العربية المعاصرة، ط1، الكويت، ذات السلاسل، 1987، ص95.
70. م، ن، ص119.
71. يسين، السي، الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، ط3، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1983، ص170.
72. وطفة، م، ن، ص31.
73. الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد، بغداد، دار المدى، 2004، ص85.
74. وطفة، م، ن، ص34.
75. منتسوري، م، ن، ص71.
76. محمود، محمد مهدي، م، ن، ص352.
77. الديوه جي، م، ن، ص49.
78. أسعد، اسماعيل علي، المجتمع والسياسة، الأسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1983، ص319.
79. شرابي، م، ن، ص40.
80. م، ن، ص40.
81. م، ن، ص40.
82. منتسوري، م، س، ص15.
83. وطفة، م، س، ص3.
84. الديوه جي، م، س، ص20.
85. صيداوي، رفيق رضا، هل يمكن قيام نهضة عربية؟ مجلة العربي، ع549، 2004، ص25.
86. يسين، السيد، م، س، ص167.
87. منتسوري، م، س، ص10.
88. وطفة، م، س، ص36.
89. الناصر، إبراهيم، م، س، ص31.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,582,816,097
- الاكثر من نصف
- تأبين العمامة
- لعن الله من أيقظها، وماذا بعد ؟
- مكونات الأمة العراقية و إعادة إنتاج الهوية
- المثقف والسياسي من يقود من ؟
- جاسم الصغير ، وليد المسعودي .........سلاما ايها المبدعون
- الطرح الايديولوجي وحاجات الأمة العراقية
- المشروع الليبرالي في العراق بين استراتيجية الفوضى الخلاقة وح ...
- الديمقراطية والهوية الوطنية للامة العراقية
- نجادي الذي داس على ذيل التنين
- فساد الحكم وآثاره الاجتماعية والاقتصادية
- المشهد السياسي ومستقبل الديمقراطية في العراق
- طوبى للعائدين الى ارض الوطن
- الشاعر الخباز الذي رتل
- مثقفو القبائل والطوائف ومسؤلية المثقف العراقي
- دولة القانون .............دولة المليشيات
- الجندر : علم النوع الاجتماعي؛ هل نحتاج هذا العلم؟ ، وماذا يت ...
- المعوقات التي تواجه الكتاب العراقي ؛ البحث عن حل
- التحديات أمام الهوية العراقية ؛تذويت ألهويات الفرعية
- استشهاد عثمان علي درس في الإخاء والتضامن وصفعة للطائفيين


المزيد.....


- الاستغلال الجنسي للأطفال / رهادة عبدوش


المزيد.....

- مصر: حرمان معتقل مضرب عن الطعام وفي حالة حرجة من الرعاية الط ...
- تركيا: من شأن إغلاق المعابر الحدودية مع سوريا أن يعرض حياة ا ...
- كشف النقاب عن ازدهار تجارة التعذيب في الصين
- الصين: حكم مشين بالسجن المؤبد لأكاديمي إيغوري
- مركز حقوقي يُشبّه أحد مقرات الدرك بـ-البراكة-
- مدير مباحث الغربية: فيديوهات التعذيب تمثيلية بطلها أمين شرطة ...
- اليوم.. «السيسي» يلقي كلمته بـ «الأمم المتحدة»
- ننشر تفاصيل خطاب «السيسي» في الأمم المتحدة اليوم
- أمريكا تدافع عن الضربات الجوية في سوريا عبر رسالة للأمم الم ...
- أمريكا للأمم المتحدة: لهذه الاسباب نضرب سوريا


المزيد.....

- حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب ... / قائد محمد طربوش ردمان
- أطفال الشوارع في اليمن / محمد النعماني
- الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة / شمخي جبر
- أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية / دنيا الأمل إسماعيل
- دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال / محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
- ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا ... / غازي مسعود
- بحث في بعض إشكاليات الشباب / معتز حيسو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - شمخي جبر - الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة