أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عزو محمد عبد القادر ناجي - التناقضات الداخلية التي هزت سورية






















المزيد.....

التناقضات الداخلية التي هزت سورية



عزو محمد عبد القادر ناجي
الحوار المتمدن-العدد: 3695 - 2012 / 4 / 11 - 21:43
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


التناقضات الداخلية التي هزت سورية

المقدمة
كان للبيئة الداخلية تأثيراً كبيراً في التناقضات السياسية الذي سادت سوريا خلال الفترة الممتدة من 1943 وحتى 1971 ، فما حوته هذه البيئة من تناقضات وصراعات واختلافات وتمايزات كان له تأثيراً كبيراً على الحياة السياسية ويعمل على تهييجها بما يحقق الفوضى السياسية وذلك من خلال تداعياتها لقوى سياسية معينة أو لطوائف معينة أو لإداريين يعملون في مؤسسات الدولة المختلفة ، وخاصة المؤسسة العسكرية ، وهكذا بدأت تظهر كل مرة حكومة أو نظام مختلف بمنهجه وسياسته عمن سبقه من نظام أو حكومة ، متخذة الحجج ضدها لتؤكد شرعيتها ، فكان تقلب الوزارات بشكل كبير إضافة إلى تقلب الأنظمة من خلال الانقلابات العسكرية قد شكل سابقة لم تحدث في أي دولة من دول الشرق الأوسط ، وأصبحت الخلافة في سوريا خلال تلك الفترة عبارة عن سلسلة من الانقلابات العسكرية ( ) , فقد تعرضت سوريا خلال الفترة (1949 – 1985) إلى أكثر من 50 انقلاباً( ) معظمها فشل لكن نجح منها اثني عشر انقلاباً ,وهكذا لم تستطع نظم التعددية السياسية ولا نظم الحزب الواحد (الشمولية) ولا النظم الفردية الأتوقراطية تحقيق الاستقرار السياسي في سوريا خلال تلك الفترة ، ولم تحظ معظم الحكومات بالثقة المطلقة من جانب الشعب أو البرلمان ، فكان الرأي العام على موقف معين أو مسألة معينة من تأثير جهات داخلية أكثر ما تكون ذات علاقة بالخارج ، مستغلة قلة الخبرة للحكومات الفتية والأمية المنتشرة بين عامة الشعب السوري ، والتي بسببها كان من السهل استغلال مشاعره ، وشحنه بما تريد من خلال أياد لها في الداخل .
إن الهدف الأساسي من هذه الدراسة هو تفسير أسباب حالة هذه الفوضى السياسية التي سادت سوريا خلال فترة الدراسة من خلال الوصول إلى أقرب مدى ممكن من الحقيقة العلمية وذلك بدراسة وتحليل العوامل الداخلية في سوريا و ما فيها من تمايز اجتماعي (عرقي ، ديني ، طبقي ... ) أو ما فيها من تنافس حزبي بتياراته المحافظة والمعتدلة والراديكالية أو ما فيها من أسباب شخصية لبعض السياسيين أو القادة العسكريين من خلال تدخلهم في الحياة السياسية السورية .
وتكمن أهمية الدراسة من خلال التأكيد على أهمية المدخل البيئي في الدراسات المجتمعية حيث يكشف لنا هذا المدخل تأثير العوامل البيئية الداخلية وتأثيرها على نظام ما أو مجتمع ما ، إضافة إلى التأكيد على أهمية المدخل التاريخي المقارن بمقارنة وتفسير الأحداث التاريخية للوصول لأقرب مدى من الحقيقة العلمية ، وقد اختلف مفهوم الفوضى السياسية (عدم الاستقرار السياسي) بين الباحثين والدارسين للأبحاث والدراسات المجتمعية التي منها الدراسات السياسية ، ذلك أنه يكاد لا يوجد مجتمع سياسي يخلو من هذه الظاهر ، كونه مفهوم نسبي ، تزداد حدته في الدول المتخلفة بنسبة أكبر من الدول المتقدمة .


















الفصل الأول
مفهومي التناقض السياسي والاستقرار السياسي وأسبابهما
يرى البعض أن الاضرابات والمظاهرات ضد السلطة القائمة هي نوع من الفوضى السياسية، لكن يرى البعض الآخر أنها مجرد تعبير عن حيوية المجتمع بحيث تطفو على السطح التناقضات الموجودة فيه ، ويرى آخرون أن التقلبات الوزارية ( ) الكثيرة وأعمال الشغب وتغيرات النظام نفسه عبر الإطاحة به لا يشكل عدم استقرار باعتبارها شيئاً من التعبير عن حرية الرأي ، لأن تقلبات الحكومات الوزارية لا يعني تغيير في شخصيات الوزراء ، أما أعمال الشغب فهي مسائل نسبية ، وتغير النظام من شكل لآخر أو سقوطه، لا يعني أنه غير مستقر لأنه قد يبقى نظام ما في الحكم لمدة طويلة ويشرف على الانهيار ،رغم أنه يتداعى بشكل بطئ ، مثل الجمهورية الفرنسية الثالثة التي استمرت لمدة ( 70 ) سنة .
وأهم المفاهيم التي قدمها الباحثين لتعريف التناقض السياسي الذي هو مرادف لعدم الاستقرار السياسي مفهوم قدمه حمدي عبد الرحمن حسن ، والذي يرى فيه أن عدم الاستقرار السياسي هو : "عدم قدرة النظام على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح ، وعدم قدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها ، ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة ،وتناقص شرعيته ، وكفاءته من جهة أخرى"( )، فهذا التعريف يدرك أن وجود التناقض في المجتمع مع استطاعة السلطة القائمة التحكم فيه سيؤدي إلى الاستقرار ، لكن إذا ما فشلت السلطة في التحكم فيه فسيقود ذلك إلي تناقض سياسي وتناقص في شرعية النظام أيضاً ، بحيث يصبح أمر تغييره مقبولاً من قبل بضعه مؤثرات داخل المجتمع ، حتى وإن كانت هذه المؤثرات ليست سوى مؤثرات ناتجة عن إحدى الأقليات الموجودة في المجتمع .
ويورد عبد الرحمن حسن تعريف آخر لذلك المفهوم وهو: "عدم مقدرة النظام على تعبئة الموارد الكافية لاستيعاب الصراعات في داخل المجتمع ، بدرجة تحول دون وقوع العنف فيه"( ) ، فالعنف حسب هذا التعريف إحدى ظواهر التناقضات السياسية مهما كانت مظاهرها ، لكن ترى نيفين مسعد خلاف ذلك, فترى أن هذه الظاهرة لا تقترن بغياب العنف السياسي لأن الالتجاء إليه يعكس إفلاس النظام في وسائل التعبير الأخرى أو قناعة بعدم جدواها ، كما لا يرتبط بغياب التعبير السياسي أو بتدرجه ، وإنما يرتبط بمضمون هذا التغيير واتجاهه ، لأن من التغيير ما يهدف إلى زيادة شرعية النظام وفعاليته حتى وإن اقترن بالعنف السياسي، وإن وجود هذا التغيير يساهم في حفظ النظام من اهتزاز شرعيته، وتدني فعاليته ، وعليه يكون العنف السياسي الذي يقود إلى التناقض السياسي بجميع مستوياته من عنف رسمي أو شعبي أو غير ذلك ، بدءاً من وسائل قمع المعارضة مروراً بالانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية ، وانتهاءاً بالعصيان السياسي أو العسكري ، يخضع للدراسات الأمبريقية المعتمدة على عدة مؤشرات ، منها أثر التعددية الثقافية على الاستقرار السياسي ، ومنها أثر الحالة الاقتصادية ، وغيرها من المدخلات والتناقضات في بنية المجتمع ، ومن خلال هذا الرأي ترى نيفين مسعد أن الاستقرار السياسي هو : " ظاهرة تتميز بالمرونة والنسبية وتشير إلى قدرة النظام على توظيف مؤسساته لإجراء ما يلزم من تغيرات لمجاوبة توقعات الجماهير ، واحتواء ما قد ينشأ من صراعات دون استخدام العنف السياسي إلا في أضيق نطاق ، دعماً لشرعيته وفعاليته "( ) .
ويرى عبد الله خليفة إن أهم مؤشرات الصراع الداخلي في الدولة والتي تساهم في عدم استقراره هي( ):
1- عدد الاغتيالات السياسية داخل الدولة .
2- عدد الإضرابات العامة .
3- وجود حرب عصابات .
4- عدد الأزمات الحكومية داخل البناء السياسي .
5- عدد عمليات التطهير التي تتم في أجهزة الدولة .
6- عدد أعمال الشغب داخل نظام الدولة .
7- عدد الثورات التي نشبت داخل الدولة
8- عدد المظاهرات المعادية للحكومة .
9- عدد القتلى الذين لقوا مصرعهم في كل صور العنف المحلي .
أما مؤشرات الصراع الخارجي والتي تساهم في عدم استقراره فهي :
1- عدد المظاهرات ضد السياسة الخارجية للدولة .
2- عدد مرات الاحتجاج ضد السياسة الخارجية للدولة .
3- عدد مرات العقوبات السلبية التي فرضت على الدولة .
4- عدد الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها .
5- عدد المرات التي تم فيها استدعاء سفراء الدولة أو طرد السفراء الأجانب منها .
6- عدد المرات التي صدرت فيها تهديدات ضد الدولة .
7- عدد المرات التي ألتجئ فيها للعمل العسكري كنوع من الحل للمعضلات التي تقابل الدولة خارجياً .
8- عدد الحروب التي اشتركت فيها الدولة .
9- عدد المرات التي تم فيها تحريك القوات العسكرية دون أن تصل إلى حد نشوب الحرب .
10- عدد الاتهامات التي وجهت الدولة .
11- عدد القتلى في الصراعات الخارجية .
لكي تظل كل هذه المؤشرات تقود إلى نتيجتين تعدان المؤشرين الأساسيين لحالة الفوضى السياسية وهما التغيرات الوزارية المتوالية والسريعة والتغيرات في النظام نفسه بسبب الانقلابات العسكرية .
والتناقض السياسي حسب رأي أبن خلدون هو النتيجة لعدم التجانس الثقافي ، فالأوطان التي تكثر قبائلها وعصبياتها لا تتمتع بالاستقرار السياسي نتيجة لاختلاف الآراء والأهواء( ) ، لكن هذا الرأي حسب وجهة نظر الباحث ، لا يمكن اعتماده بشكل مطلق و ذلك لحدوث أمثلة في التاريخ تخالف هذا الرأي فدولة المدينة التي ذكرها أفلاطون تحقق فيها الاستقرار السياسي رغم وجود عصبيات عديدة داخلها بسبب الديمقراطية التي حققت العدالة فيها ، أيضاً دولة الرسول محمد (ص) التي حققت العدالة بكل معانيها ،إضافة إلى الدولة التي أسسها النبي داود عليه السلام و من ثم ابنه النبي سليمان عليه السلام ، وأيضاً المملكة المتحدة بعد ثورتها 1664 بفعل ما أنجزته هذه الثورة من تحجيم لدور الملك من خلال البرلمان الذي انتخب من قبل الشعب، و دولة الولايات المتحدة الأمريكية التي تتألف من خليط غير متجانس من الأعراق والأديان ، لكن بفعل ديمقراطيتها النسبية حققت نوع من الاستقرار السياسي مع استمرار استراتيجية الدمج العرقي والديني ضمن الحياة الأمريكية التي هيمنت عليها الحضارة الأوربية والعرق الأوربي الأبيض .
ويرى محمد الغزالي أن الاستقرار السياسي يتحقق بشرط التزام قادة النظام بالنظام نفسه وبطاعتهم لأوامر الدين من خلال التزامهم بمبادئه ، وإذا لم يتحقق ذلك سيؤدي إلى فوضى سياسية( ) ، لكن ينظر البعض الآخر أن العامل الاقتصادي له الدور الأكبر في عدم الاستقرار السياسي ، فالوحدة الاقتصادية الأوربية على سبيل المثال كان لها الدور الأكبر في إنهاء الصراعات بين دول السوق على المستوى الخارجي، مما انعكس على الوضع الداخلي الذي شهد استقراراً نسبياً فيها بشكل أكبر من ذي قبل( ) ، وهناك اتجاهاً آخر يرى أن التعاون بين نخب مختلف الجماعات الثقافية وتمثيلها بشكل متوازي في عملية صنع القرار، سيؤدي إلى تنافس جماعاتهم بسبب عدم وجود تسويات بين هذه الجماعات، وهذا مما يقود إلى فوضى سياسية ، لكن يستطيع الباحث دحض هذا الرأي من خلال واقع الدول المتقدمة كسويسرا مثلاً كونها تتكون من أربعة مجموعات ثقافية ، ورغم ذلك تحقق في ظل ديمقراطيتها استقراراً سياسياً لا تضاهيها به أي دولة في العالم ، وينطبق الحال على كندا واستراليا أو بريطانيا وإن كانت النسب أقل من سويسرا ، ويعزى ذلك أن ارتفاع الوعي الثقافي في هذه الدول له دوراً أساسياً في استقرارها .
وظهر اتجاه يرى أن تعدد الانتماءات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هو عامل استقرار سياسي ، وليس العكس بصحيح كما يرى ذلك آخرون ، وتفسير ذلك برأيهم أن ذلك يزيد فرص الديمقراطية المقترنة بالاعتدال بالمواقف والسلوكيات ، وهذا الاعتدال يتحقق بنتيجة تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض فتتشتت جهودهم ، وهذا يؤدي إلى ترددهم وفي اتخاذ مواقف أقل تشدداً وستبقى التحالفات بينهم في تغير مستمر، فلا يكون هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون ، لوجود أكثر من محور للتفاعل ، وتبعاً لذلك فإن الأعداء يهادنون بعضهم البعض تحسباً ليوم قد يضطرون فيه إلى التعاون ، فإذا لم يحصل ذلك فإن الفوضى السياسية ستتحقق( ) .
وممارسة القمع من قبل السلطة الحاكمة سيحدث على المدى البعيد تناقض سياسي ، حسب رأي نيفين مسعد ، وبرأيها أنه لو تحقق هذا الاستقرار في ظل هذه الممارسات لفترة طويلة نسبياً، فان ذلك لن يستمر على المدى البعيد لأن منع عدم الاستقرار من قبل السلطة الحاكمة بفعل القمع لن يدوم، بسبب أنه لابد للنظام أن يتراخى عن قوة قبضته على أجهزة الإكراه بتأثير ظروف معينة مثل الحرب أو تغير النظام الدولي أو تغيرات البيئة الدولية وما إلى ذلك ، وهذا سيسهل لمعارضي النظام من حرية المشاركة بشكل أكبر لأن النظام كان قد منعها من رد الفعل العنيف في مرحلة سابقة ، وهذا يعد نوع من الحرمان الذي تتزايد معه فرص العنف السياسي في مرحلة لاحقة( ) ، فالفوضى السياسية هي ردة فعل لقمع النظام السياسي في مرحلة سابقة .
و عدم التوازن بين القوى الثلاثة التي ترتكز عليها الدولة ، سيحدث خللاً في الدولة نفسها ويجعلها في وضع حرج يتسم بعدم التوازن وعدم المصداقية ، وهذه القوى هــي( ) :
• القوى العسكرية وتشمل نفقات الدفاع .
• القوى السياسية وتشمل نفقات الانفاق على النظام .
• القوى الاقتصادية ، وتشمل نفقات التنمية ورفع مستوى المعيشة والدخل القومي .
فلو زادت نفقات الدفاع سيتعرض الوضع الاقتصادي لأزمات حقيقية ، وسيؤثر ذلك على مصداقية النظام القائم،أما لو نقصت نفقات الدفاع عن الحد المطلوب فستصبح الدولة عاجزة عن مواجهة التهديدات الخارجية، ولو زاد الإنفاق للإبقاء على النظام سيؤدي ذلك إلى الإفلاس والهزيمة ، فبحسب مفهوم الأمن القومي الذي يعني مجموعة الإجراءات التي تتخذها الدولة في حدود قدراتها للحفاظ على كيانها ومصالحها حاضراً ومستقبلاً مع مراعاة التغيرات الدولية ، بيد أن هذا لا يتحقق بدون التوازن في انفاق الموارد المتاحة لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية على حد سواء ، إضافة إلى أن عدم تحقق الأمن القومي على المستويين الداخلي والخارجي سيؤدي إلى الفوضى السياسية .
ومثالاً على التناقض السياسي في الشرق الأوسط ، يرى شمعون بيرس أن هذه الحالة نشأت نتيجة لسبين هما : وجود أصولية دينية، ودعم قيام هيكل إقليمي منظم لمنطقة الشرق الأوسط ، وإن حل هاتين المعضلتين حسب رأيه سيؤدي إلى استقرار سياسي في هذه المنطقة ( )، لكن يؤخذ على هذا الرأي أن الأصولية الدينية لم تنشأ إلا بسبب فساد أنظمة هذه المجتمعات الشرق أوسطية، إضافة إلى انخفاض المستوى الثقافي والاقتصادي للأفراد ، فتطرح الأصولية الدينية برامجها التي تتعاطف معها وتؤيدها بعض فئات وطبقات المجتمع ، في ظل إفلاس أنظمة هذه الدول عن إيجاد حل لذلك، بسبب ارتباطها بدول المركز الرأسمالي ، وعلى ذلك فالحل يكمن من خلال دول المركز نفسها بتشجيعها للحركات الديمقراطية وعدم دعمها لهذه الأنظمة ، أما العامل الآخر وهو قيام هيكل إقليمي منظم لمنطقة الشرق الأوسط ، فإن التقسيم الموجود هو من صنع الدول الاستعمارية نفسها بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال اتفاقياتها السرية مثل سايكس بيكو ، ومؤتمر سان ريمو وغيرهما ، وما يريده النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة ، هو إعادة تشكيل الخارطة بما يتوافق مع الاستراتيجية الإسرائيلية والاستراتيجية الغربية التي ترى تقسيم المنطقة إلى كيانات طائفية وعرقية ، لمنع أية مقاومة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة ، مع استمرار بقاء إسرائيل في المنطقة كأقوى قوة إقليمية فيها .
ويرى محمد بشير الصيد أن ظاهرة التناقض السياسي هو ظاهرة تتميز بها الأنظمة البرلمانية، التي لا يتمكن فيها الناخبون من إيصال أكثرية واضحة تنتمي إلى حزب أو تيار واحد إلى البرلمان ، وهذا يمكن الأحزاب الصغيرة من التحكم في تشكيل الحكومات وفي إسقاطها نتيجة عدم التفاهم في تشكيل الحكومة( ) ، لكن مما يؤخذ على هذا التعريف عدم انطباقه على معظم دول العالم سواء كانت ديمقراطية أم ديكتاتورية ، فعلى سبيل المثال ، إن الفوضى السياسية في الأنظمة الرئاسية التي تتبعها العديد من دول العالم ، كان أكبر بكثير من الدول ذات النظام السياسي البرلماني ، بسبب عدد الانقلابات فيها ، كما أن الدول التي تتبع نظام الحزب الواحد أو القائد أو المهيمن سواءاً كانت شيوعية أم فاشية أم غير ذلك ، توجد فيها طاقات كامنة كبيرة جداً لإحداث هذه الظاهرة ، فسقوط المعسكر الشيوعي عام 1989 ، أدى إلى تفككه وتفكك دوله إضافة إلى اندلاع حروب أهلية في معظمها ، ومن الممكن أن تندلع في أية لحظة ، أيضاً كان سقوط نظام البعث في العراق عقب احتلال العراق عام 2003 قد أدى لانقسامات طائفية وعرقية داخلية مما يهدد وحدة كيان الدولة( ) ، وحتى في دول نظام الحزب المهيمن مثل تونس في ظل حكم زين العابدين بن علي ومصر في عهد حسني مبارك ، فكانت توجد فيها تناقضات داخلية أحدثت فوضى سياسية بعد ثورتيهما في يناير عام 2011 رغم أن طبيعة الشعبين غير قابلتين للعنف بشكل كبير .
وحول ظاهرة التناقض السياسي على مستوى الوطن العربي يرى محمد عابد الجابري ، أن هذه الظاهرة نشأت بسبب عدم مقدرة الحاكم في كل دولة من هذه الدول على المحافظة على الوحدة والانسجام داخل قبيلته من جهة ، وعدم تمكنه من المحافظة على ولاء القبائل الأخرى المتخالفة معه أو الخاضعة له ، من جهة ثانية ، لأن الاستقرار في الوطن العربي تحكمه القبيلة أو الأسر أو الطائفة بالدرجة الأولى وهو ينزع إلى الولاء العصبوي ، فالملك أو الرئيس يخضع لعصبية قبيلته أو أسرته أو طائفته ، وإن ضعف أي من هذه العناصر نتيجة الاختلاف بالرأي داخلها سيضعفها، ويضعف الحاكم الذي ينتمي إليها ، فإذ ما فقد ولاء القبائل الأخرى الخاضعة له أو المتحالفة معه ، سيؤدي ذلك إلى سقوط نظامه على المدى البعيد أو القريب أي فوضى سياسية( ) .
وهناك مظاهر عديدة للتناقضات السياسية في النظام أهمها ( ):
1- عدم اتفاق إرادي عن طريق الرضى والقبول ، فرفض المواطنين أو عدم تقبلهم طواعية ، واختياراً لأنماط السلطة الموجودة في المجتمع من خلال الفكر الحر عن طريق المشاركة والإقناع فسيؤدي ذلك إلى العنف .
2- عدم وجود نظام أتوقراطي استبدادي مطلق ، يمارس بشكل مستمر الإكراه والإجبار والقسر ضد كل من يحاول رفضه ، فلا ترتفع الأصوات المنددة بأخطاء النظام بسبب خوفها من قمعه، وهذا سيؤدي إلى إفساح المجال للأصوات المنددة بأخطاء النظام وقياداته ، لكن هذا الاستقرار كما أشير إليه في السابق سينتهي بانفجار قد يحدث بصورة فجائية ، وبالتالي سيصبح النظام بحاجة للتغيير الجذري بكل ما فيه، فالمذاهب الإصلاحية في هذه الحالة غير مجدية على الإطلاق ، وأكثبر مثال على ذلك ما حدث في كل تونس ومصر قبيل ثورتيهما عام 2011 حيث أدت لسقوط نظامي الحكم فيهما ، وهذا ما تظهر بوادره في عدد من الدول العربية الأخرى مثل ليبيا واليمن وسوريا حيث أن انتصار ثورتي تونس ومصر قد أعطى حافزاً للشعب في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية في هذه الدول.
3- عدم ثبات النظام ووجود ظاهرة التبدل فيه ، من خلال قصر مدة الحكم لدى السلطة ، وعدم حدوث أي تغيير في بنية المجتمع فالنظام الذي لا يستطيع تجنب الانهيارات والتقلبات الفجائية التي قد تطيح به وببنيته الأساسية، سيفسح المجال أمام فوضى سياسية وولادة نظام جديد على أسس جديدة ، وإن النظام الذي لا يرضي تطلعات المواطنين سيؤدي إلى استمرار تناقض سياسي على المدى الطويل أو القصير ( ).
ويبقى أهم مؤشرين لظاهرة التناقضات السياسية هما التقلبات الوزارية من خلال سقوط الحكومات بمعدلات كبيرة، و ذلك بسبب قصر مدة استمرارها بالحكم عن ثمانية أشهر كأدنى حد لحكومة مستقرة ، والتقلبات في النظام بشكل كبير أي أقل من مدته القانونية المعترف بها دستورياً من خلال النص عليها في صلب الدستور ، وتتراوح هذه المدة في معظم الدول بين أربعة إلى سبعة سنوات وعلى هذا فإن أي حكومة تقل مدتها عن الثمانية أشهر فهذا مؤشر عدم استقرارها , وقد أخذ هذا المؤشرمن أكثر الحكومات استقراراً في الشرق الأوسط و هي الحكومات الإسرائيلية والتي لم تقل مدة أي منها عن ثمانية أشهر منذ نشوئها , وعلى هذا الأساس أعتمد مؤشر استقرار الحكومات ، كما أن سقوط النظام السياسي قبل مدته القانونية الدستورية فهذا مؤشر أيضا على التناقض السياسي ، وتتابع سقوط الحكومات أو الأنظمة بشكل كبير فهذا من المؤشرات على التناقض السياسي في الدولة نفسها، وتجدر الإشارة هنا أن سقوط الحكومة أو النظام لا يحدث بشكل مفاجئ في أغلب الأحيان ، ذلك أن سقوط النظام في الغالب يكون بعد سلسلة سقوطات حكومية وأزمات حكومية ، كما أنه في نفس الوقت سقوط الحكومة والنظام هو نتيجة لمؤشرات ساهمت في ذلك ، مثل كثرة أعمال العنف السياسي والمظاهرات ، والاغتيالات السياسية ، وفشل السياسة الاقتصادية الإضرابات ، والاعتصامات ، هذا على المستوى الداخلي ، أما على المستوى الخارجي فالعقوبات الخارجية من الهيئات الدولية ، وطرد بعض سفراء الدولة المعنية من دول أخرى والحروب الخارجية .. الخ ، فكل ذلك سيزعزع الحكومة والنظام وبالتالي يصبح سقوط الحكومة أو النظام مسألة وقت لا أكثر ولا أقل، فكثير من الانقلابات ، أو سقوط الحكومات أو الثورات الشعبية كان متوقعاً حدوثها قبل وقوعها ، ويبقي سقوط الحكومات لأي سبب كان أو لأي أسباب كانت أقل خطورة من سقوط النظام نفسه على الاستقرار السياسي ، لأن سقوط النظام يحمل في طياته سقوط الدستور والحكومة والبرلمان وكل مؤسسات الدولة وقد يؤدي أيضاً إلى سقوط مؤسسات المجتمع المدني ، كالأحزاب السياسية والنقابات وغيرها, ذلك لأن سقوط النظام يتم غالبا بفعل العسكر الذين غالباً ما يكونون شديدي العداء للديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني .

أولاً : دور الجيش في ظاهرة التناقض السياسي :
يعتبر تدخل الجيش في الحياة السياسية أو تدخله لإسقاط حكومة أو نظام من العوامل المؤدية بشكل مباشر للتناقض السياسي ، فأفراد القوات المسلحة ليسوا معزولين أو محصورين داخل جدران عن الحركات المحيطة بهم وعن التحولات الكبيرة في الرأي العام ، بسبب تأثرهم ببعضهم البعض وبروابطهم الطبقة والاجتماعية ، وماهية الأغراض المتوقع معهم إنجازها فرغم كونهم جزءا من مؤسسة متخصصة وهرمية معزولة عن عامة الشعب في ثكناتهم ، لكن أقربائهم وأصدقائهم لابد أن يكون لهم تأثير عليهم في التغيرات التي تحدث في المجتمع ، كما أن منهم الكثير من النخبة المثقفة التي تقرأ الصحف والمجلات والكتب وتسمع الإذاعة، إضافة إلى مناقشاتهم مع بعضهم البعض ، وروابطهم الطبقية والاجتماعية تجعلهم يكونوا سنداً لها في صراعهم الطبقي مع الآخرين من الطبقات الأخرى( ) ، فيرى إنجلز أن الدولة نشأت بسبب صراع الطبقات في المجتمع ، فكان وجودها ضرورياً لتخفيف حدة هذا الصراع ، وبالتالي فهي تصبح أداة قمعية لتعزيز سلطة الطبقة الحاكمة ، وهذا يعني أن الجيش الذي يكون إحدى مؤسسات الدولة هو في يد الطبقة الحاكمة ، فهو متأثر بها ، وعندما يحمي الجيش طبقة لا تنتمي لطبقة أفراده فلابد أنه سينقلب عليها ، لأن الجيش هو إحدى السلطتين الحاسمتين في السياسة ، أما السلطة الثانية فهي القوة المنظمة للدولة ، وفي الدول المتخلفة لا يستطيع الجيش أن يعمل منعزلاً عن الطبقات ، فاستيلاءه على السلطة سيجعله ينتج نفس السياسة التي كانت قبل مجيئه إلى السلطة فيصبح الجوهر الطبقي هو أساس سياسته كونه لا يستطيع أن يبقى حكماً بين الطبقات لمدة طويلة ، فحالما يستولي على السلطة سيقوم بتمثيل المصالح الطبقية مستعملاً كادره القيادي بوصفة نخبة قوية ، لتنظيم السلطة الجديدة المنتمية لطبقة ما, لكنه لا يلبث أن يصبح منعزلا عن الآخرين بفعل شعوره بالتفوق إزاء المدنيين ، وفي ذلك يقول ميرسكى:
"إن الجيش في البلدان النامية ليس ببساطة نسخة من المجتمع ، وليس ببساطة المجموع الحسابي لعدد من الفلاحين والبرجوازيين الصغار بالولادة ... الخ . فكل هؤلاء الناس يكسبون نوعية حياة جديدة، ينصهرون في كيان جديد ، أن الجيش يكتسب سمات شركة لها مصالحها الخاصة ، وبالتالي يصبح آلية منضبطة ذاتياً ، وتتمتع بانغلاق طائفة، وهذا الوعي الفخور بالانتماء إلى هذه الحرفة المختارة ، يمكن أن يتحول إلى عقدة استعلاء إزاء المدنيين ، حيث يغريه ذلك بأنه هو الذي يستطيع إنهاء الفساد وإنقاذ الأمة ، واستعادة القانون والنظام"( ) ، ولا يقتصر ذلك على الدول المتخلفة بل يتعداه إلى الدول المتقدمة، فالضباط في كلا الفريقين يكنون الكره الشديد للديمقراطية بسبب وضعهم الطبقي( ) .
وعادة ما يسبق أي انقلاب عسكري بعض الأعمال الخفية وأهمها ( ):
1- العمليات السياسية شبه العسكرية التي تستهدف الإطاحة بنظام الحكم أو مساندة نظام حكم جديد .
2- النصيحة والمشورة لبعض السياسيين .
3- الإعانة المالية لشخص من الأشخاص .
4- المساعدة الفنية والمالية للأحزاب السياسية .
5- دعم المنظمات (نقابات، تعاونيات ، شركات رجال الأعمال).
6- الدعاية السرية .
7- العمليات الاقتصادية .
ويري ميرسكي أن هناك أربعة أسباب للانقلاب العسكري في البلدان المتخلفة أهمها :
1- وجود سخط شعبي واسع في الدولة .
2- وجود أزمة سياسية داخلية طال أمدها بسبب عجز الحكومة المدنية عن حل المشكلات الداخلية وإخراج البلد من المأزق .
3- سخط النخبة المثقفة على نظام استبدادي خامل وقديم .
4- عدم كفاءة الحكومة المدنية مقروناً بالإدارة الفاسدة، ولا مبالاة الجماهير وخيبة آمالها.
وتلعب العوامل القبلية والعرقية والطائفية دوراً هاماً في ذلك إضافة لما سبق ذكره .
وفي الأنظمة الشيوعية يتدخل الجيش في السياسة ويشجع تدخله بها في الدولة التي ينتمي إليها أو الدول الأخرى ، وفي ذلك يقول فلاديمير لينين: " لا يمكن اعتبار القوات المسلحة محايدة ، وينبغي ألا تكون ، إن عدم جذبها إلى السياسة هو شعار خدم البرجوازية والعنصرية المنافقين"( )، كما يؤكد ذلك أهارون كوهين بقوله : " حينما لا يعود الحكام القدامى قادرين على الاحتفاظ بالسلطة ولم تنضج الطبقة العاملة للاستيلاء على السلطة ، فإن الضباط يملأون الفراغ الذي تكون"( ) ، لكن وجود عسكريين في الحكم يحمل في طياته استعماراً جديداً للمجتمع والدولة بسبب طبيعة الروح البرجوازية الطبقية عند العسكر، فهم لا يميلون إلى التغيرات الاجتماعية الكبرى الواسعة النطاق، ويفتقرون إلى المؤهلات الضرورية لقيادة الدولة( ) ، فعلى سبيل مثل ، الضباط في الدول العربية ليسوا مجموعات منسجمة، فرغم كونهم من الطبقة الوسطى إلا أن لهم روابط عائلية واجتماعية مع الطبقة العليا من الرأسماليين الذين يشجعونهم على المشاركة في المؤسسات المستولى عليها من خلال إجراءات التأميم ، وعلى الخدمة في المؤسسات المختلفة بين القطاعين الخاص والعام ، ولهم روابط مع ملاك الأراضي الكبيرة ، وبالتالي ستخلق هذه الروابط علاقات اقتصادية مشتركة بينهم ، لأن الجيش في الدول المتخلفة يقدم مجالاً للأفراد للوصول للمراتب العليا في جهاز الدولة بغض النظر عن أصولهم الطبقية وذلك لكي يستفيدوا من مواقعهم داخل الدولة وليصبحوا جزءاً من البرجوازية الجديدة ، فيكدسون العمولات على العقود الجديدة الممنوحة إلى الشركات الأجنبية ، إضافة إلى أشكال الفساد الأخرى ، حيث تقدم لهم رشاوي كبيرة من قبل الوكالات الأجنبية ، ويصبحون من الملاك والتجار ، وبذلك تعود عناصر الصراع الطبقي في المجتمع بظهور طبقة العسكر، كما أن من صفات العسكر موقفهم السلبي والأبوي من المجتمع كونهم تدربوا على إصدار الأوامر وعلى أن يكونوا قادة وعلى الإملاء أكثر من الإصغاء ، لذلك يرفضون أي ميل للمناقشة مع الآخرين ، أو القبول بقرارات جماعية ديمقراطية فهم أعداء للديمقراطية ، لذلك فهم يلجأون إلى تقليص الحركة الشعبية، أو كبحها بشكل نهائي إن أمكن ذلك ، لكنهم إذا لم يعمدوا إلى تمهيد الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي ذي برنامج اجتماعي أعمق وأكثر حساسية ، فإنهم سيصطدمون بالقوى الاجتماعية الناشئة ويصبحون ضحية انقلاب وقائي تنظمه العناصر الأكثر يمينية .
ويتميز ضباط الجيش في الدول المتخلفة بعدة سمات أساسية أهمها ( ):
1- إنهم الأقل إنجازاً في تحصيلهم العلمي عندما كانوا على مقاعد الدراسة .
2- هدفهم من الانخراط في صفوف الجيش هدف مادي بحت، ومن أجل الرقي الاجتماعي ، أكثر من المشاعر الوطنية أو النزاهة في أداء الخدمة العامة .
3- يعتبرون الأكثر فساداً في المجتمع ، حيث الرشاوى واستغلال مراكزهم .
4- إن انخراطهم في الحياة الحزبية يفقدهم الطاعة لمرؤوسيهم العسكر ، ويجعلهم يتورطون بالسياسة .
5- ليسوا الأكثر خبرة بالتكنولوجيا الحديثة حتى العسكرية منها من الجماعات المدنية .
6- مستهلكين وليسوا منتجين .
وقد ارتبطت العسكريتارية بشكل مواز للروح القومية في بلدان كانت تمر بمرحلة تغيير اجتماعي واقتصادي سريع ، فمن خلالهم ظهرت الفاشية والنازية اللتين طرحتا حلاً للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعيق تقدم المجتمع ولهذا برروا انقلاهم، أنه إنما كان بسبب فقدان الأمن وإن عدم الاستقرار في المجتمع كان بسبب تعدد الآراء واختلاف الميول وتكاثر الأحزاب و التنظيمات التي تدعم الاختلاف وتزكي روح التفرقة بين المواطنين وتدفعهم إلى التعصب ، واستعمال العنف لحل الخلافات ، وأن سبب العنف هو الديمقراطية ، بما تحويه من حرية التعبير والاعتقاد والانتخاب وحكم الأغلبية وحق محاسبة الحاكم ، ووجود ضمانات دستورية لتحديد الحقوق والواجبات ومبدأ فصل السلطات والمساواة أمام القانون وسيادته ، لذلك فقد أشاعوا بأن الديمقراطية منافية للدين ليكسبوا الفئات الدينية إلى جانبهم، كما أشاعوا أيضاً أنها مفهوم رأسمالي متفسخ ومنافية للاشتراكية ليكسبوا تأييد اليسار ، وبرروا بقاءهم في السلطة وعدم إعطائهم لها للمدنيين لعدة أسباب أهمها ( ):
1- حرصهم الشديد على المصالح العليا للبلاد .
2- عدم ثقتهم بالسياسيين التقليديين والقوميين القدامى ، على أساس أنهم ورثة الحزبية وحلفاء الاستعمار.
3- يروجون أن البلاد معرضة للمؤامرات الداخلية والخارجية .
4- ادعاءهم أن المرحلة التي يمرون بها هي مرحلة استثنائية، وبالتالي استثنائية حالة البلاد في هذه الحالة .
5- إن تحقيق أمال وطموحات البلاد لا تتحقق إلا بهم بعد فشل الحكومات المدنية .
لهذا الأسباب يرى آموس برلموتر أن العسكر لا يمثلون طبقة وإن الدور المعطى لهم كقوة ممثلة وموحدة للطبقة الوسطى الجديدة وكقوة محدثة ومطورة للمجتمع هو دور غير واقعي ، وما العسكر إلا نخبة اجتماعية تعمل لمصلحتها الخاصة ، وتوظف من مختلف الطبقات في المجتمع ، وتختار الأيدولوجيا التي تناسب مصالحها ، وتديم هيمنتها وسيطرتها على المجتمع ، لهذا يحبذ العسكر في طريقة حكمهم، النظام الشيوعي على غيره من النظم الأخرى، ويفسرون ذلك بأن ضعف البرجوازية الوطنية في مرحلة الإمبريالية ، قد حول المسؤولية إلى الدولة ، وأن بإمكان الدولة أن تحقق التطور والتنمية في الطريق اللارأسمالي المستقل عن الرأسمالية الغربية ، من خلال رأسمالية الدولة التي يمثل العسكر أهم أجنحتها( ) ، ولكن واقعياً تتحالف الطبقة الوسطى التي انبثق منها العسكر مع التكنوقراط والقوميون العقائديون ، حيث تتميز طبقتهم بأنها غير موحدة أيديولوجياً وسياسياً فهي تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، وهي طبقة غير واعية بمركزها الاجتماعي ومصالحها السياسية والمادية ، لكنها موحدة في عدائها للفئات الحاكمة ، وهي طبقة الملاك والتجار ، لهذا فعند استيلائها على السلطة تعمل على تفكيك الطبقة الحاكمة ، وتجعلها تنهار ثم تنتقل للسيطرة على النقابات والتنظيمات المهنية مستخدمة العنف المسلح ، ثم تبني تنظيم اجتماعي للدولة مثل الحزب الحاكم، وتسخر جميع موارد المجتمع لمصالحها بحجة أن امتلاك غيرها لها سيؤثر على الأمن القومي ، وبذلك تعمل على عزل عامة الشعب وقواه وتنظيماته عن كل مشاركة شعبية في الحكم ، وفي ظل حكمها يقتصر دور الشعب على التهليل والتأييد لقراراتهم،أما المعارضة فلا أهمية لها في ظل حكمهم، وفي ذلك يقول كروميل: " تسعة مواطنين من أصل عشرة يكرهونني ، وما أهمية ذلك أن كان العاشر وحدة مسلحة "( )،ويؤكد ذلك تروتسكي بقوله : " لا يمكن القيام بثورات ضد القوات المسلحة ، ولا يمكن الوقوف بوجه ثورة تقوم بها القوات المسلحة" ( )، كما يرى جون كاوتسكي أنه في ظل الأنظمة العسكرية تتكون طبقة العسكر المندمجة مع الطبقة الغنية لتصبح طبقة أرستقراطية وتمارس نفس الأساليب الاستغلالية التي كانت تمارسها الطبقات المنتهية( المبادة ) ( ).
ويتدخل العسكر في الدول المتخلفة ذات الهياكل الضعيفة التي تسهم بضعف الشرعية بسبب نقص فعالية الحكم المدني على السيطرة على المؤسسات العسكرية، فضعف أو انهيار السلطة المدنية يؤدي إلى ظهور النمط البريتوري ، وهو خضوع السلطة المدنية للسلطة العسكرية بشكل غير مباشر باعتبارها سبب وجودها أو الحامي لها، فالنمط البريتوري يتسم بوجود فراغ سياسي في المجتمع وضعف بالسلطة المدنية نتيجة الوصاية من قبل العسكر على الحكم المدني ، وهذا يؤدي إلى فوضى سياسية واجتماعية( ) ، والهيمنة السياسية للعسكر في الدول التي كانت تخضع للاستعمار ، لا تقود إلى بناء دولاً قوية لأن الجيش هو مؤسسة ضعيفة قادرة على القمع فقط ولا شيء غير ذلك ,على اعتبار أنه جيش موروث عن الاستعمار( )،فهو يتأثر بالاستعمار من حيث مفهوم القمع والإرهاب والديكتاتورية العسكرية ، إضافة إلى اتسامه بالتناقضات الداخلية ، ومفهوم "نفذ ثم اعترض" ، وما يترتب عليه وجودهم - العسكر - من إحداث ردة نحو القبلية والتقليدية و الأسرية والطائفية ، بعكس الجيش في الدول المتقدمة الذي يتسم بـ( ):
1. مركزية القيادة والروح الجماعية .
2. الترتيب الهرمي للسلطة .
3. سيادة قاعدة الطاعة والانتظام .
4. وجود شبكات اتصالات قوية .
وعوامل تدخل الجيش بالسياسة حسب رأي مجدي عبد الرحمن حسن هي ( ):
1. الفساد في الحكم والإدارة .
2. العدوى .
3. عدم الرضي العام الذي يشمل استراتيجية النخب الحاكمة في التعامل مع المؤسسات العسكرية ، والميول الأيديولوجية للنخبة الحاكمة ، ووجود نزعة قبلية وأثنية في المؤسسة العسكرية ، ووجود أزمات وانقسامات في صفوف النخبة إضافة إلى التنافر بين الضباط الصغار والكبار ( صراع الأجيال ) .
لذلك يكون نظام الحكم العسكري عبارة عن نخبة عسكرية حاكمة وصلت إلى الحكم عن طريق الانقلاب العسكري ، ثم تبدأ هيمنة العسكر على الهيئات والمؤسسات الحيوية في الدولة بدرجة تمكنهم من عملية صنع القرار السياسي في المجتمع( ) ، لكن النظام يبقي رغم ذلك أقل استقراراً من ذي قبل، خاصة في مراحله الأولى( ) ، فعلى سبيل المثال أدى انقلابي البعث في كل من سوريا والعراق عام 1963 إلى عدة انقلابات عسكرية متتالية في كلا القطرين ، كما تسببا في حروب أهلية ونزاعات طائفية وعرقية .. الخ ، نتج عنها احتلال أمريكي للعراق عام 2003 ، وظهور أو جمهورية وراثية في الشرق الأوسط عام 2000 ومن ثم اندلاع الثورة الشعبية في سورية ضد النظام الوراثي في 15 مارس عام 2011 وماتزال هذه الثورة في مراحلها الأولى ، فالعسكر كنخب حاكمة يعتبرون فاشلين في تحديث مجتمعاتهم ، باعتبارهم غير قادرين على عمليتي التحديث والتنمية السياسية ، في مجتمعاتهم لأنهم يعملون على إحداث ردة فعل نحو المجتمع التقليدي نتيجة تعويلهم على الجيش في المحافظة على حكمهم وبقائهم في السلطة ، فهدفهم الأول والأخير هو البقاء في السلطة من خلال زيادتهم لفعالية الأجهزة القمعية المملوكة لهم باعتبارهم مسيطرين عليها ، فإنفاقهم على الميزانية القومية أكثره يكون على المؤسسة العسكرية، والأمنية، أما الفائض الذي يبقى بعد ذلك وبعد إشباع مصالحهم الخاصة فيحققون به التنمية الاقتصادية والإصلاح الاجتماعي ، وأكثرهم لا يملكون استراتيجية مكتملة بشأن إدارة شؤون البلاد بعد وصولهم للسلطة ، لذلك يعتمدون على البيروقراطية التكنوقراط الذين كانوا قد تولوا قبل ذلك مسؤولية كثير من الأمور الإدارية والتخطيط الحكومي ، لذلك فالنظام العسكري يؤدي عادة إلى أزمات اقتصادية بسبب تبديدهم الجزء الأكبر من الدخل القومي على مصالحهم ومصالح حلفائهم ، كما أنه بسبب اعتمادهم على المعونات الخارجية والقروض الأجنبية لتمويل عمليات التنمية ، يكرسون بذلك علاقات التبعية للمركز ، ويعتمد العسكر على استراتيجية خاصة لاستمرار بقائهم في السلطة لفترة أطول وتتمثل هذه الاستراتيجية بـ( ) :
1. تطوير قدراتهم القمعية.
2. الاستيعاب والسيطرة على المؤسسات العسكرية بحيث تكون مصدر التأييد الأساسية للنظام من خلال زيادة الميزانية العسكرية ، وفصل سلاح الطيران عن بقية فروع الجيش الأساسية ، وإنشاء وتدعيم قوات شبه عسكرية تابعة للزعامة السياسية وتكون تحت تصرفها .
3. الارتباط بقوى خارجية تقدم لها المساعدات والإمكانيات الكفيلة بالمحافظة على بقائها واستمرارها .
ثم تأتي مرحلة بناء شرعيتها من خلال عدة أساليب أهمها ( ):
1. الاعتماد على تراكم الاستياء الشعبي من الحكم المدني السابق .
2. إقامة روابط وتحالفات قوية مع بعض الجماعات المدنية .
3. وضع أسس جديدة للوحدة الوطنية .
4. إنشاء تنظيمات سياسية جماهيرية تحت زعامتهم .
5. الاعتماد على نمط الزعامة الكاريزمية .
6. استخدامهم للقومية أو للدين والتنويه على أنهم يتوجهون ويلتزمون بها .
وأكد على بعض هذه الأساليب فاروق يوسف أحمد بقوله : " يعزي بعض العسكريون لدى استيلائهم على السلطة أنهم شرعيون لأنهم اكتسبوا التأييد والرضى الشعبي من قبل الجماهير التي هي مصدر السلطات ، وبالتالي اكتسبوا المشروعية التي تعني سيادة حكم القانون لأن الجماهير أقرت مشروعية التغيير الذي يعني القضاء على النظام السياسي القائم وإحلال آخر محله " ، ورغم أن النظام الشرعي هو القادر على ممارسة الحكم دون اللجوء إلى أدوات الإكراه والقمع، لأن الشرعية ترتبط بمفهوم العدل والمساواة والسيادة ، وتمثيل النظام السياسي لقيم ومصالح المجتمع ، وإن غياب ذلك سيؤدي إلى الفوضى السياسية في المجتمع ، ويجعل الأنظمة خائفة من مجتمعاتها التي لا تثق بها ، فالشرعية المعتمدة على القهر والخوف لا تعتبر شرعية ، لأن أهم أسس الشرعية هو القبول والرضى بالنظام السياسي، والانفتاح على المجتمع ، وليس بتضخيم الأجهزة الأمنية وتعديدها ، وتحويل الجيش إلى حامي للنظام الذي يشعر أن الخطر يكمن داخل المجتمع ، لأن ذلك يحوله إلى نظام إقطاع سياسي تحكمه السلطة العسكرية بغرض مراقبة تطور المجتمع وحرف المسيرة الحضارية، وإنهاء قوى الصراع الحضاري من خلال سلسلة من حلقات الصراع العقيم على السلطة ، على حساب الصراع الاجتماعي الذي كان من الممكن أن يولد ظروف للتقدم الموضوعي الذي يستثمر طاقات الشعب وقدراته لتجاوز التخلف واللحاق بركب الحضارة المعاصرة وهذا ما يؤكده إبراهيم سلامة بقوله :
" إن العسكريتاريا العربية هي طبقة أو مجموعة طوابق يمينية فاشية دورها الأساسي المحافظة على القديم وترميمه ، وضرب كل محاولة جذرية لنسفه وتغييره ، فالبنية العسكرية تشبه البنية الكنيسية ، من حيث تعلقها بالقديم ودفاعها عنه ، وهرميتها التنظيمية المستمدة من صلب الفكر الإقطاعي ، وليست مبادئ الفقر والطاعة والانضباط والتعالي على المدنيين ، حتى في المظاهر ، فإن الفئتين الوحيدتين في العالم اللتين تتميزان بلباس خاص مختلف عن لباس الناس هما الأكليروس والعسكر "( ).
كما أن ضعف الوعي عند غالبية أبناء الشعب بنتيجة الجهل والأمية لابد أنه سهل مخططاتهم في القضاء على الحكم المدني ، وفي ذلك يرى بشير فنصه الذي واكب جميع الانقلابات العسكرية في سوريا، و من أقارب الرئيس السوري حسني الزعيم صاحب أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، أنه لا يمكن لشعب تكامل وعيه القومي ومارس حرياته الأساسية فعلاً، أن يسمح لمجموعة من العسكر أن يحتلوا دار الإذاعة ويظهر من بينهم أحد المغامرين ليعلن في بلاغ رقم واحد ، أنه جاء مصلحاً هادياً ، ليثبت دعائم الديمقراطية الحقيقة ، ويدعم مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان ، لأن الوعي القومي لا يمكن أن يتفتح في أجواء الجهل والفقر ( )، فالحكم الوطني عليه عاتق نشر التعليم وعلاقات الإنتاج الصحيحة العادلة ، ومبادئ الحرية الصحيحة، لأن عدم نشرها سيفتح الباب أمام الجهلة والرعاع وأصحاب النفوذ والغايات ليسيئوا التصرف بالحريات ، فيكثرون من المظاهرات لسبب أو بدون سبب ويلجأون إلى التخريب ، وتذهب الصحافة للإساءة بالمهاترات العقيمة ، وتلجأ الأحزاب إلى العنف والعدوان على كرامة وحقوق الشعب ، كل ذلك يساعد على مجيء أغرار مغامرين قصيري النظر ليعمدوا إلى حكم ديكتاتوري صارم لا يرحم من خلال اتصالاتهم ببعض ضباط الجيش للقيام بانقلاب عسكري ، بدعوى القضاء على الفساد والميوعة ، رغم كونهم سبب البلاء والفساد ، ويبرز الرئيس السوري الدكتور ناظم القدسي -الذي أسقط حكمه العسكريون البعثيون والقوميون- الفرق والاختلاف بين السياسيين المدنين وبين العسكريين بقوله: " إن رجال السياسة إن اختلفوا في الرأي ، اقتصرت خلافاتهم على بعض الخطب في البرلمانات ، وبعض المقالات في الصحف ، ويترك الحكم بعدئذ للشعب ليختار بطريق الانتخاب من يشاء ليسلمه أمانة الحكم نيابة عنه ، أما العساكر إن اختلفوا لجأ كل منهم إلى سلاحه وأشهره على الآخر "(1) ، وتفسير ذلك إن العسكر في طبيعتهم يحملون مظاهر الديكتاتورية فتأييد القوات المسلحة للنظام يجعله يستمر وعدم تأييد قسماً مهماً منها يجعله يسقط وفي ذلك يقول كرين برينتون " ليس من المحتمل أن تسقط أية حكومة ما لم تفقد قدرتها على الاستخدام بطريقة كافية لسلطتها العسكرية والبوليسية ، ولا يمكن أن تحدث أي ثورات إلا بمساعدة قسماً هاماً من الجيش "(2) ، فالانقلابات التي تؤيد من بعض القطاعات الشعبية ، لا تلبث أن تكشف عن نفسها عندما يثبت أنها ما قامت إلا من أجل الجيش ومصالح القائمين بالانقلاب، وتفسير ذلك أن الجيش لابد له أن يتحالف مع فئة أو طبقة ما، أو يخلق طبقة مهيمنة جديدة ، وعدم توضيح العسكر لانتماءاتهم الأيديولوجية في البداية هو بسبب رغبتهم في تقديم أنفسهم كممثلين ومنفذين للمطالب الشعبية وللإرادة الشعبية(3) ، وعلى هذا الأساس كان دعم القوات المسلحة لبعض السياسيين له الدور الأكبر في وصولهم أو استمرارهم في الحكم ، ومثال على ذلك ، أن العسكر في إيطاليا هم الذين مكنوا الفاشيست من استلام الحكم ، وسمحوا لهم بتحويل الثكنات العسكرية إلى قواعد لهم ، وهم الذين مكنوا الفوهرر هتلر عام 1933 من الوصول إلى السلطة في ألمانيا ، وعززوا حكمه في الدخل من خلال القمع و الإرهاب والحروب البربرية في الخارج.
ولفهم دور العسكر في النظام السياسي يجب فهم(4) :
1. طبيعة السلطة السياسية نفسها، ( ماهيتها ، أعمدتها ، أدواتها ) .
2. دورها في الصراع الطبقي ومراحل الصراع الأخرى .
وبذلك يمكن تفسير قبول الانقلابات العسكرية بالارتياح الشعبي لعدة أسباب أهمها(5):
1. الآمال التي تكسر دائرة الاستقطاب والجمود .
2. توقف مسلسل العنف الفردي والجماعي لتحقيق الأمن .
3. انتهاء دوامة تغيير الحكومات ( الوزارات ) السريع والمتحمل على أساس أملهم في تحقيق الاستقرار الوزاري .
4. أملها بعودة الجيش إلى ثكناته ، بعد أن يعود كل شيء إلى نصابه .
وقد استخدم العسكر هذه الشعارات لتبرير استيلائهم على السلطة وتصفية المؤسسات الدستورية والديمقراطية ، رغم أنهم لم يستطيعوا أن يحققوا الأمن والاستقرار حيث تصاعد معدل العنف الفردي والجماعي والإرهاب المنظم للدولة ، ولم يحدث استقرار حكومي ( وزراي ) في كثير من الحالات ، لكن إدراك الشعب أن الجيش والشرطة والقانون ليسوا معه واقعياً وليسوا تحت تصرفه أو على استعداد للعمل دفاعاً عنه ، يؤدي إلى يأسه وإضعاف مقاومته فيقبل بالوضع الراهن( ) ، كما يقبل بخرافة حياد الدولة والاعتقاد بضرورة المحافظة على النظام والقانون القائمين ، فيصبح أكثرهم من أنصار النظام القائم ومسانديه وضد أي معارضة ضده، لكن يختلف الوضع بالنسبة للدول المتقدمة ، القائمة على مؤسسات دستورية قوية ، ويكون الجيش فيها تابع للحكومة وليس العكس فمعاناة إسرائيل عام 1965 من الفوضى السياسية فيها ، لم يصل بها إلى درجة قيام انقلاب عسكري يطيح بالسلطة القائمة( ) ، رغم ما عانته من ضعف المعونة الخارجية والبطالة في جميع قطاعاتها ، وانبعاث الثورة الفلسطينية التي شكلت خطراً على أمنها، وتفسير ذلك أن قوة مؤسساتها الدستورية الديمقراطية كانت سلاحاً ناجعاً للحيلولة دون انهيار نظامها السياسي ، لكن هذا الرأي لا يمكن أخذه بشكل مطلق ، فانقلاب الجنرال شارل ديغول على النظام الفرنسي وإسقاطه للجمهورية الرابعة عام 1958 بعد سلسلة من الأزمات الحكومية في فرنسا خلال فترة الخمسينات لم يؤدي لفوضى سياسية، حيث أنه سرعان ما أعاد الجيش إلى ثكناته وسمح بتشكيل جمعية وطنية جديدة ، رشحته للرئاسة ، كحاكم مدني وليس عسكري ، مؤسساً بذلك الجمهورية الفرنسية الخامسة التي ما تزال قائمة حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وعندما اشتدت عليه المعارضة في فترة رئاسته الثانية ، أضطر إلى الاستقالة ، رغم كونه صانع استقلال فرنسا ومنقذ شرفها من الانهيار، لكن وعي الشعب بالديمقراطية ومؤسساتها الدستورية حال دون طغيان الحكم العسكري بخلاف الدول المتخلفة التي تحتوى بنيتها الأساسية على بذور الانقلاب داخلها( ) ، فحتى تقوم القيادة العسكرية بواجبها تجاه الوطن يجب أن تشمل الإعداد والتوجيه والإدارة لتحقيق الهدف بنجاح وبأقل خسائر ممكنة ، وأن تكون قدوة حسنة متمتعة بالعلم والخبرة العملية ، وأن تشعر بخلفيات المقاتلين ومشاعرهم ، و إلا فإنها تحيد عن واجبها الأساسي فيسمح ذلك لطغيان قائد واحد يجمع في يده كل السلطات في الوقت الذي لا يستطيع فيه أداء كل الواجبات ، وبالتالي فإنه في حالة الهزيمة لا يجد القانون الذي يحاسبه عن أخطائه( ) ، فيجب أن يكون الجيش في الأمة مثل السمكة في البحر، وبالتالي فإن الانقلاب الذي يقوم به بعض المغامرون ويسقطون النظام بالقوة لا يعد بأي حال من الأحوال ثورة ، لأن الثورة هي التغيير في النظام السياسي الذي كان في طور الاختمار منذ فترة طويلة ، ومبني على مساهمة شعبية واسعة من الجماهير( )، بينما يتمتع أي انقلاب بعنصر المباغتة بإحداثه ضربة مادية مفاجئة موجهه إلى العقبات الحاسمة والمؤثرة في وجه الانقلابيين ، ولا يعرف موعده سوى المتآمرين الفعليين ، فهو لا يحتاج على إجماع القوات المسلحة فتكفي سرية أو كتبيه من مائتي ضابط وجندي لاعتقال الرئيسي في قصره، وامتلاك محطة الإذاعة ، ومن ثم إعلان سقوط النظام( )، ثم عادة ما تظهر مظاهر الفرح في الشوارع ، لأنه لابد لأي نظام أن يكون له معارضيه ، وكلما كان نظام الحكم يسارياً أكثر كلما كانت الصدمة عند إطاحته أكبر ، لأن الحكم اليساري يعتمد على القهر والإكراه في حكمه ، وقد يستمر تأثير الانقلاب على الحكم والمجتمع والدولة ، لمدة عقود ، فيقول رئيس البرلمان السوري رشدي الكيخيا في أعقاب انقلاب حسني الزعيم:" ستعيش سوريا 50 سنة على الأقل من الألم والاضطهاد من أجل أن تقضي على هذا الداء الذي أصيبت به "( ) ، وقد صدق حدسه فعاشت سوريا وما تزال تعيش تداعيات هذا الانقلاب، حتى تاريخ كتابة هذه السطور حيث اندلعت الثورة السورية في 15 مارس 2011، بعد مرور أكثر من نصف قرن من الزمن ، وعلى ذلك يرى الباحث أن تدخل الجيش في السياسة يعد العنصر الأكثر تأثيراً في الفوضى السياسية في المجتمع والدولة ، كونه الوسيلة الأكثر نجاعة في هدم مؤسسات الدولة وإقامة الحكم العسكري المباشر أو البريتوري ، وكلاهما يقود لنتائج منها استمرار الخلاف والانقسام داخل صفوف الجماعة العسكرية الحاكمة( ) ، وتكوين نخبة سياسية طبقية جديدة في أيديهم ، وتضخم الجهاز الإداري الذي يؤدي إلى انقسام داخلي بين المدنيين والعسكريين ، لذلك فإن حل مشكلة تدخل الجيش في السياسة هو الخطوة الأولى في حدوث تقدم اقتصادي وسياسي وحدوث التنمية السياسية والاقتصادية وإقصاء الجيش عن السياسية مسألة يجب أن يهتم بها سياسيو الدولة غير المرتبطين بالنظام العسكري أو البريتوي ، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني ، وجمهور المثقفين في المجتمع .

مراحل سيطرة العسكر على الدولة لتحقيق الاستقرار
القسري في المجتمع وتدعيمه *
جدول رقم ( 1.1 )
الإجراءات الهــدف المرحلة
1. السيطرة على الحكومة : حل البرلمان ، المجالس المنتخبة
2. تعيين العسكر في المراكز القيادية : احتكار مراكز القرارات من خلال مجلس قيادة الثورة، احتكار وظائف التشريع والتنفيذ، والإشراف على القضاء . الاستيلاء على الدولة الأولى
1- إلغاء الأحزاب السياسية أو التضييق عليها ومنعها من العمل العلني .
2- تعليق الدستور والحكم بالمراسيم .
3- استمرار مفعول قانون الطوارئ والأحكام العرفية .
4- القضاء على المشاركة الشعبية في السلطة واتخاذ القرارات . الاستيلاء على النظام السياسي الثانية
1. إصدار قوانين الإصلاح الزراعي وتصفية كبار الملاك
2. توسيع دور القطاع العام وتحجيم القطاع الخاص .
3. توسيع ملكية الدولة عن طريق التأميم .
4. تصفية الطبقة المالكة القديمة . تبلور الوضع القائم الجديد الثالثة
ثانيا : التمايز الاجتماعي : الطائفية ، العشائرية ، الإقليمية ، طبيعة ، الشعب ، العوامل الشخصية، صراع الأجيال .
إن هناك هامش للاختلاف والتباين الثقافي تفرضه عوامل طبيعية ، مثل اللغة أو الديانة أو العرق وغيرها أو عوامل اجتماعية مثل الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد ، وعلاقة ذلك بالمستوي الاقتصادي والحالة التعليمية وإن وجود ثقافات فرعية أثنيه ضمن إطار الثقافة الوطنية أو السياسة السائدة لا يؤثر سلباً في تماسك الجماعات الوطنية أو تلاحمها و لا يقوض وحدتها الوطنية لأن مثل هذا التنوع الثقافي إن أحسن توظيفه لا ينال من الثقافة الوطنية الشاملة الموحدة، بل يثريها ويغذيها ( )، فالثقافة بما فيها من معرفة ومعتقدات وفن وأخلاق وقانون وعرف وقدرات وعادات تجمعت في مركب عضوي، وأخذها الفرد كونه عضواً في المجتمع ، فلا يمكن أن تتطابق خلالها كل الجماعات الوطنية لاختلاف السمات الأساسية الروحية و المادية والفكرية والعاطفية ، وداخل كل جماعة وطنية توجد ثقافات فرعية فالانتماء إلى الثقافة الوطنية العليا هو أساس الانتماء إلى الجماعة الوطنية كونه قاعدة المساواة في الاشتراك في السلطة ، لأن هذه التفاوت الذي يقوم عليه في البداية العزل السياسي لبعض الجماعات ، والذي يتولد من فقدان ثقافة عليا مشتركة ، ولا تصبح الثقافة العليا شاملة وشمولية بالمقارنة مع الثقافات الدنيا ، إلا إذا كان محركها الأساسي هو بناء الدولة لا المذهب ، فقيام النظام السياسي بتبني سياسة واحدة وجامعة ونشرها على مجموع أفراد الجماعة الوطنية ، ودون تجاهل أو تجاوز الثقافات الأخرى الفرعية ، بما يخلق ثقافة سياسية شاملة ، لجميع أعضاء الجماعة الوطنية ، مع الحفاظ على الخصوصية الفرعية للجماعات الطبقية والأثنية والعرقية والإقليمية .. الخ ، سيسهل من عملية بناء وحدة وطنية ، وعدم تحقيق التلاحم والاندماج بين القيادة السياسية وبين أعضاء الجماعة الوطنية ( عموم الشعب ) سواء كانوا من الأقلية أم من الأكثرية سيؤدي إلى عدم تحقق الوحدة الوطنية ،فالقيادة الغير شرعية والغير ملتحمة بالشعب من خلال التفاعل المستمر ، لا تتمتع برضى أو بقبول المحكومين لقرارات وسياسات القائد وفي ذلك يقول مونتسكيو:
" إن لكل مجتمع طابعاً خاصاً وأسلوباً خاصاً للتفكير ، وروحاً تكونت خلال العصور ، وهذه الروح ذات قدرة كلية وكل ما تفعله السلطات الحاكمة وموظفوها متصل بها، إنها روح الشعب التي لا تعلو عليها أي سلطة ، وما من سلطة إلا وتكون هذه الروح أساساً لها ، وهي تظل سائدة حتى يتم هلاك الجهاز الجماعي ، وكأنما هي محرك له ، وهي تبادله التأثير المستمر ... إن قوانين شعب ما ومعطياته النفسية لا تنفك تعارض بعضها البعض ، والخلافات التي تنشب خلال هذه الحركة الجدلية ، بين روح الجماعة والأشكال التي تأخذها القوانين ، يمكن تحفظها باستمرار ، كما يمكن أيضاً لهذه الخلافات أن تقود الشعوب إلى الدمار .... في وسعنا تتبع حياة الشعوب بتحليلنا التبدلات المستمرة التي تتم في تشريعها ، ولكن منذ أن تقوم الوحدة بين القانون وروح الشعب ، ومنذ أن تظهر بنية هذه الروح الإجمالية ، فإنها تستمر في تطورها ، وفق ما تعطيها هذه البنية من أشكال هي حركات تقدم أو تقهقر في حدود إمكانيات معينة ، ولذا فإنها مهمة شاقة أن نحذف هذه الحدود أو أن نغير رسمها ، ولابد للمشرع من مزيد من الحذر عندما يتصدى في أمة لتبديل القوانين الأساسية التي رسمها التاريخ وظل الشعب متخلفاً بها "( ).
فالنظام السياسي وفق ما سبق يجب أن يراعي في قوانينه ثقافات الشعوب التي تشكل مجتمعه ، وعدم مراعاته ستودي إلى تناقض سياسي داخله ، رغم أن تغير الظروف قد يؤدي إلى تغير بعض القوانين في الدولة لكن يجب على النظام أن يكون دقيقاً، و حذراً جداً حيال ذلك، فالإرادة العامة للجماعة هي التي يجب أن تسن القوانين وتشرع للشعب بحيث تكون هذه الإرادة العامة هي المعبر عن الميول الخاصة للجميع و تخضع المصالح الخاصة للمصلحة العامة ، ويتحقق ذلك من خلال الفصل بين السلطات وتوازنها بحيث لا تظلم إحداهما الأخرى ، فيقول هيردورت في ذلك: " إن الحكومة أو الدولة توجد إن توافر فيها شرطان هما( ) :
• الشعور الجماعي بحاجتها .
• ثقة الجميع في عدالة القضاء وقراراته و أحكامه " .
فاختلاف الأفراد والجماعات في المجتمع المكون من بنى اجتماعية كثيرة وشرائح كثيرة من المجتمع أيضاً، مثل وجود السود و البيض في المجتمع يؤدي إلى صراع بينهم، حيث يطالب السود بحقوقهم أمام سيادة البيض الذين يحاولون الاحتفاظ بسلطتهم ، كما أن الفقراء يحقدون على الأغنياء عندما يكون هناك ظلم اجتماعي لذلك فينخرطون في جماعات تطالب بتوزيع الثروة ، أيضا تنوع الأديان والتعصب لها يؤدي إلى الصراع ، والمطامع الشخصية تؤدي إلى الصراع أيضا( ) ، فهتلر بمطامعه الشخصية عمل على فرض إرادته على جيرانه من خلال الحروب البربرية معهم ، فأي صراع في المجتمع يكون وليد التغيير فيه ، مثل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تكون في تطور مستمر ، وبالتالي فلا تطور لمجتمع بدون صراع يحدث فيه وعملية التفاعل بين الفرد وبيئته تؤدي إلى المطالب الداخلية لتغيير البيئة ، ومحاولة كبت هذه المطالب وعدم الاستجابة لها سيؤدي إلى توتر يقود إلى انفجار وعنف ، لكن إذا كان هناك نشاط سياسي قوى يستطيع احتواء هذا الصراع فتخف حدة الصراع ، ويرى ويلسون أن هناك ثلاثة عناصر تؤثر في حالة الصراع عند الأفراد في المجتمع ، وهذه العوامل هي عامل التنشئة الاجتماعية التي تعني الخبرة التي يكتسبها الإنسان من محيطه الخارجي، وعامل نشاطات المجتمع التي يتأثر بها، وعامل الوراثة عند الإنسان( ) ، ويرى أكشتاين أن العامل الرئيسي للفوضى السياسية داخل المجتمع هو بسبب عدم الاتساق السياسي فعدم وجود أتساق بين الأفراد الذين يؤدون أدوارهم في المجتمع يخلق عدم تجانس في التنسيق المجتمعي ، فعلى سبيل المثال ، إن إصدار الدولة لقوانين وقواعد وعدم تحقيقها لها سيقود إلى الصراع والفوضى ، وأيضا إن عدم قدرة صاحب القرار على الاستجابة السريعة للمدخلات الخارجية أو المطالب الداخلية بسبب ضعف التنظيم والإدارة ، سيقود إلى نفس النتيجة السابقة ،وأيضا طبيعة العلاقة بين النظام من جهة والرعية من جهة أخرى سيحدث الفوضى إذا لم تتوافق مع طموحات وأهداف الشعب ، لكن عملياً فإن امتلاك الفرد للسلطة المطلقة سيفرض عليه التضحية بالعدالة ، ليرضي أهواءه ومؤيديه ، وسيؤدي ذلك أيضاً إلى الصراع والفوضى ، حيث سيزداد الصراع على المراكز والموارد في المجتمع، بيد أن الماركسيون يرون أن الصراع في المجتمع يساعد على تطوره ويزيل التعارضات والتناقضات فيه ، حيث أنه بوصول المجتمع إلى مرحلة الشيوعية سينتهي هذا الصراع ، لكن الليبراليون يرون أن الصراع والتنافس ظاهرة صحية وحيوية لبقاء المجتمع وتطوره ، بشرط ضمان قواعد يحددها نظام شرعي لأن الصراع يؤدي إلى التكامل والتطور في المجتمع نحو الأفضل ، بما يدعم الاقتصاد الوطني ، فالتنافس الاقتصادي والسياسي يجعلان الاقتصاد يزدهر ويصل إلى الحكم أفضل الناس ، وأكفأهم ، فيحكمون لصالح المجموع ، أما عدم شرعية النظام فسيؤدي إلى تحطيم السلطة ، ويسبب عبئاً كبيراً على الميزانية العامة للدولة ، فالنظام الأوتوقراطي على سبيل المثال يلجأ إلى وضع دستور يلائمه ، على أساس أن مصلحة الشعب والأمة تتحقق من خلال هذا الدستور .
وقد حدد كارل دويتش شروطاً لتحقيق شرعية النظام ومن ثم استقراره وبدونها فلن يتحقق استقرار لذلك النظام، وهذه الشروط هي :
1- تعترف الأحزاب والجماعات السياسية كلها بالقوانين .
2- تكون القوانين واضحة متناسقة لا تناقض بينها .
3- إيمان الجميع أن هذه القوانين غير متميزة .
4- سهولة معرفة الخارجين على القانون .
5- إيمان الجميع أن هذه القوانين ستطبق على الجميع دون تمييز .
6- عدم تناقض القانون مع أعراف وتقاليد المجتمع الأساسية .
7- وصول القانون إلى درجة اعتباره قيمة اجتماعية محمودة من قبل الجميع .
8- يعترف الجميع بنيتهم تطبيق القوانين .
ويرى البعض أن الصراعات التي تحدث في المجتمع على فترات متباعدة هي صمام الأمان الذي يعمل على تصفية التوترات التي تختزنها المجتمعات وهي في حالة تطورها لأنه وسيلة إلى معرفة وتأكيد الذات للجماعات المتصارعة لتوحيد صفوفها أمام غيرها( ) ، لذلك فهو يعد من أقوى الأسلحة النفسية لإحراز النصر في نهاية المطاف ، كما أن هذا الصراع يختلف تبعاً لاختلاف شخصية رأس الدولة وميوله ، كونه معتدلاً أو جماهيرياً أو يمينياً وغير ذلك( ) ، فالكثير من المفكرين والمحللين الغربيين يرون بالعنف المسلح أسلوباً طبيعياً مقبولاً على مر التاريخ لحل النزاعات والصراعات الاجتماعية والسياسية في المجتمعات المتخلفة ، كونها تفتقد للضوابط المؤسساتية ، أي لانتقال السلطة بشكل اعتيادي متفق عليه ، من حاكم إلى آخر ، ومن جماعة إلى أخرى ، لذلك يلجأ أطراف النزاع إلى حله لمصلحتهم بالعنف أو بالتآمر أو بالاغتيالات وغير ذلك من الوسائل المتاحة( ) ، ويرى أريك هوبسباوم أن الدين والقومية والتراث الثقافي عامل تفرقة لكيان الدولة لأنه يتجاوز الاختلافات الأثنية واللغوية والسياسية وغيرها ، فلم يكن وجود باكستان سوى بسبب رد فعل على الحركة القومية لعموم الهند والتي لم تمنح اعتراف كافي بالمشاعر أو المطالب الخاصة بالمسلمين( )، بينما حدث العكس لمسلمي الصين الذين يتجاوز عددهم المائتي مليون نسمة، لأنهم يعتبرون أنفسهم قومية صينية رغم كونهم من العرق التركي ، بسبب أن القيادة الصينية لا تفرق بينهم وبين عموم سكان الصين في الدستور الصيني لكنها على الواقع العملي تعمل على قمعهم واضطهادهم بسبب تمايزهم الديني عن عموم سكان الصين، فالتراث الثقافي والولاء السياسي هو الذي شكل الأمة الصينية أو اليابانية، والانتماء إلى دولة تاريخية أو حقيقية حاضراً أو ماضياً ، يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في وعي الناس العاديين نسبياً ، مسبباً إرهاصات النزعة القومية ، ومهما يكن من أمر، فإن مبدأ القوميات يظل مشروعاً عند ما يتحول إلى توحيد الجماعات المبعثرة من السكان في جماعة واحدة متراصة ، وغير مشروع على الإطلاق عندما يتجه إلى تجزئة الدولة ، وحل هذه المعضلة هو الديمقراطية السياسية التي تعبئ المواطنين وتجعلهم يعتبرون ما تعتبره الدولة في سياستها وقوميتها ، فبحسب تعريف الأمة فيما أوردته بيانات الثورة الفرنسية عام 1789 بأنها " كتلة من المواطنين لهم نفس الحقوق في البلاد "( ) ، لكن هذا لا يتحقق إلا بالديمقراطية الحقة ، فالهند على سبيل المثال تتألف من قوميات عديدة ، لكن يجمعهم قالب اجتماعي واحد ، وقد عمل المؤتمر الوطني الهندي على تعريف يجعل جميع سكانها يدخلون في نطاقها حيث عرف الأمة بأنها: " هي التي اشتركت في النضال من أجل الحرية " ( )، فهذا التعريف يشمل كل سكان شبة القارة الهندية ، وبطبيعة الحال ، إن عدم وجود وحدة وطنية في دولة تحتوى العديد من القوميات سيؤدي إلى دعواتها الانفصالية مهما طالت مدة سيطرة القومية أو القوميات المهيمنة ، وفي ذلك يقول جورج زيمل:" الجماعات وخصوصا الأقليات التي تعيش في حالة صراع غالباً ما ترفض التقارب أو التسامح من الجانب الآخر ، إذ أن الطبيعة المغلقة لمعارضتها التي بدونها لا يمكنها أن تستمر في القتال ، سوف تصبح مشوشة وضمن بعض الجماعات قد يكون من الحكمة السياسية ، حتى أن يرتب وجود بعض الأعداء ، لكي تكون وحدة الأفراد فعالة ، ولكي تظل هذه الجماعة واعية ، لهذه الوحدة باعتبارها مصلحتها الحيوية "( ) .
وبناءاً على ذلك فالنزعة القومية التي تستبعد من نطاق سلطتها كل من لا ينتمون إلى أمتها الخاصة بها، على أساس أنها أمة تاريخية لا تكون ملائمة للمستقبل لأنها مجرد احتجاج على الوضع الراهن ، أو ضد الآخرين الذين يهددون هويتها ، وبالتالي تكون غامضة ومفتقرة إلى المضمون البرنامجي على عكس الأصولية ، أيضا الآراء التي ترى أن ما يجمع الناس إلى بعضهم البعض هو التشابه الأثني أو الديني أو اللغوي ، تقود إلى تطلعات انفصالية استقلالية للأقليات داخل هذه الكيانات القومية ، فمثلاً في مولدوفيا مجموعة قوميات منها الأتراك والروس الذين يحاولون الانفصال عنها ، كما يؤخذ على الحركات القومية العربية أنها لم ترى أن هذه الأرض ليست للعرب وحدهم بل لهم شركاء فيها من الكرد والبربر والزنوج بالرغم من أن هذه الحركات تفاخر بصلاح الذين الأيوبي وإبراهيم هنانو و عبد الكريم الخطابي وعلي دينار وغيرهم من ذوي الأصول غير العربية، إلا أنها أنكرت الأكراد والبربر والقوميات الأخرى ، و اعتبرت دعواتهم بالتمايز خيانة وانفصالية وشعوبية( ) ، فيقول أحمد الربيعي حول القوميون العرب:
" إن القوميون يرفعون شعارات الوحدة ، ولكنهم لا يحركون ساكناً لحل مشكلات أقطارهم ، يهربون من مواجهة قضايا القطرية التي يمكن حلها بالإرادة الصادقة إلى طرح قضايا الأمة الكبرى ، معتقدين أنهم بذلك يحلون مشكلة ، وهم يزيدون مشكلة التجزئة ويعتقدونها ، ويطرحون وحدة الأمة بلغة الشعراء الذين يتغزلون بحبيبتهم المريضة ، ولكنهم لا يقدمون لها الدواء "( ).
لذلك فهم يتميزون بكرههم للآخرين ، وعدم اعترافهم بآرائهم وبوضعهم الاجتماعي ، ويرون أن النظام الليبرالي الديمقراطي عقبة أمام التغيير لأن التغيير عندهم يشمل فقط القضاء على البرجوازية والإقطاع، وهذا ما أدى إلى ردة فعل عند القوميات الأخرى ، و الطبقات الأخرى ، مما أدى إلى تناقض سياسي داخل المجتمع ، وبذلك أحدثوا ردة إلى العصور القديمة و الوسطى عندما عملوا على السيطرة بالقوة على السلطة ، مثلهم مثل حكام تلك الأزمنة – العصور الوسطى- التي كان يتم فيها الوصول إلى السلطة بقتل الحاكم أو إقصائه بالقوة ، من خلال أقليات قبلية أو دينية أو عرقية ، تعمد إلى تبني إحدى التيارات الفكرية الموجودة داخل المجتمع لتستخدمه كغطاء فكري يعبر عن حاجات المجتمع الذي سوف تحكمه ، وبالتالي تعمل على إقصاء الجماعات الأكثر تمثيلاً لذلك التيار ، و الأكثر تدقيقاً لما تنوى العمل به ، لذلك يكون المثقفون أول مستبعدين لها ، عن طريق التصفية بأنواعها المختلفة ، فلم يدخلوا السلطة إلا من خلال العنف ولم يكن خروجهم منها في بعض الدول إلا بالعنف ، لذلك يعمدون للحفاظ على وجودهم بإباحتهم للعنف، لذا من المستحيل عليهم أن يكونوا ديمقراطيين( ) .
إن بنية الدولة المختلفة عادة قائمة على حكم القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب والدين سواءاً كانت السلطة مدنية أم عسكرية ، فالطبقة الحاكمة تتصرف على أساسي عصبوي ، الأمر الذي يدفع المجتمع إلى الاحتماء بعصبياته ، فتنهار التسوية الشكلية بين الدولة الراعي والمواطنين الرعية،وتنشأ مشكلة الأقليات( )، فالأقلية حسب رأي عبد السلام إبراهيم بغدادي ، ليست الجماعة الأقل عدداً قياساً ببقية سكان الدولة ، وإنما الجماعة الأقل أهمية وذلك حسب المعيار السوسيولوجي أي معيار الأهمية، سواءاً على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ، حتى وإن شكلت هذه الجماعة الأكثرية العددية بين سكان الدولة( ) كما هو الحال للأكثرية السنية الغير حاكمة فتعتبر أقل حظاً في تسلم الوظائف والمميزات من الطائفة الدينية الحاكمة، وهذا يجعل الفرد في المجتمعات المتخلفة يبدي الولاء للقبيلة أو الجماعة التي يعيش فيها ، فينشئ ولاءاً مزدوجاً عنده أوله الولاء لمجموعته الصغيرة ، سواءاً كانت عرقية أو دينية أو مذهبية أو غير ذلك ، وولاء يتجه للأمة أو للوطن( ) ، لكن هذا يعيق الولاء للدولة القومية الجديدة وينفى وجود رأي عام موحد تجاه المشاكل الكثيرة ، وهذا سيؤدي إلى صراع أيديولوجي إثني عند الفرد ، يتحول إلى صراع يؤثر على الاستقرار السياسي في المجتمع ، لأن حجب القوى والتيارات الموجودة على الساحة من شرعية وجودها وعدم إتاحتها للتعبير عن نفسها في قنوات حزبية أو ثقافية أو ... الخ ، سيؤدي إلى تناقض سياسي( ) ، لكن وجود هذه القنوات سيعطيها حجمها الحقيقي ، فحينما تلجأ الحكومات إلى القمع للحفاظ على الاستقرار الهش داخلها ، وتحاول إجبار المواطنين على التعايش معها يكون هذا التعايش مؤقت ، لأن الدوائر التي تستفيد من الفساد تكون ضيقة وتتقاسم فيما بينها ثماره في ضوء محدودية موارد البلاد المختلفة( ) ، ويظل
أسلوب العنف هو الأسلوب الوحيد لإنجاز التغيير السياسي والاجتماعي في ظل عدم وجود قنوات ومسالك شرعية ، وفاعلة لإنجاز التغيير بطرق شرعية ، لأن الاستبعاد السياسي وعدم المشاركة وأزمة الهوية ، هي من الأسباب الرئيسية للعنف وبالتالي للفوضى السياسية( ) ، وبناءاً على ذلك يقول هيرمان هيس :" عندما يتداخل عصران وثقافتان وديانتان ، تتحول الحياة البشرية إلى معاناة حقيقية إلى جحيم ... هناك أوقات يحشر فيها جيل كامل في ذلك الطريق الواقع بين عصرين ، وأسلوبين للحياة فيكون نتيجة ذلك أن يفقد كل قدرته ، على فهم نفسه ، ويفقد المعايير والأمان وبساطة الرضى "( ) ، فمشكلة الشخصية الوطنية تتعقد بسبب الفجوة بين الأجيال وتزداد حدة ، بضعف الروابط والقيم التقليدية المستمرة من الأسرة الكبيرة والعلاقات المجتمعية الثابتة ، ويصبح الحوار بين الأجيال لا معنى له، فانهيار الاتصالات بين الأجيال كان له جذوره في عدم ملائمة الرموز القديمة لكثير من الشباب ، لذا فالجدل يتطلب القبول بإطار عام يمكن الرجوع إليه ، وبلغة مشتركة ، ولما كان هذا الإطار غير موجود ، لذلك سيصبح الحوار مستحيلاً بشكل متزايد ، فالصدام بين الأجيال ، بسبب أن الكثير من الشباب يرفضون قيم من هم أكبر منهم سناً ، كما أن بعضهم يتهربون من مسؤولية تحمل القيم، وبالتالي تصل أجيال من الشباب تدعي الخبرة ، وحقها في الاشتراك في سلطة الحكم ، على أساس أنها مدربة على أعمال متقدمة أكثر من الأجيال الأخرى، وبالمقابل يرى الجيل السابق أي الأقدم سناً ،أن له مصالح مكتسبة خاصة ، وطريقاً خاصاً في الحياة فيتولد الصدام بينهما وبنتيجة ذلك تتولد عدة قضايا ، فإذا لم يكن هناك منافذ للحوار الديمقراطي فينشأ التناقض السياسي والاجتماعي في المجتمع( ) .
والدين له دور هام في حياة الشعوب ، فقد كانت الأيدولوجيا الدينية هي التي تهيج الجماهير وتجيشها , لكي تنخرط في الحركات الكبرى مثل الحروب الصليبية، والدعاية العباسية التي قلبت الدولة الأموية وغير هذه الأمثلة , التي تؤكد مدى تأثر الأفراد والجماعات بالدين( )، لكن عندما أصبحت أوربا علمانية في العصور الحديثة حلت الأيدولوجيا السياسية محل الأيدولوجيا الدينية، في القيام بهذه المهمة ، وأصبحت على أساسها الأحزاب السياسية والنقابات هي التي تعبئ الجماهير وتجعلها تنزل إلى الشارع ، وحلت الحروب العلمانية بين الأحزاب الاشتراكية والأحزاب الليبرالية، وأصبحت تستغل الروح الجماهيرية المكونة من الانفعالات البدائية، والمكرسة بواسطة العقائد الإيمائية القوية البعيدة عن التفكير العقلاني والمنطقي بسبب خضوعها لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها ، وفي مثل هذه الحالة ينخرط كل شخص في الجمهور ، ويبدأ بتنفيذ الأعمال الاستثنائية التي ما كان مستعداً لتنفيذها لو كان في حالته الفردية المنطقية والواعية ، فالقائد السياسي أو الزعيم يستخدم الصورة الموحية والشعارات البهيجة بدل الأفكار المنطقية والواقعية ليستملك روح الجماهير التي لا تعرف مصالحها ، فقد قامت مظاهرات في الدول المتخلفة تطالب بالإصلاح الزراعي أو بالتأميم أو بالتحالف مع الشيوعية ، أو الابتعاد عن الغرب أو الحياد ، لكنها لم تدرك ما سيؤول إليه وضعها بنتيجة ذلك، بعد أن أخضعت بلادها لهذه الإجراءات العنيفة من خلال مغامرين قصري النظر لمصالح بلادها وأهدافها ، وهذا ما يفسر ثوران الجماهير بعد الحرب العالمية الأولى باسم الفاشية أو النازية في بعض دول أوربا الغربية ، ولم تدرك فداحة خطأها عندما سلمت أمورها إليهم ، إلا بعد أن انهارت اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً ، وخضعت بلادها لاحتلال الحلفاء ، فتبخرت أحلامها بأساطير النازية أو الفاشية ، وقد فسر لوبون نفسية الجماهير من خلال ثلاثة أبعاد قامت عليها وهي: ( )
1- الجماهير ظاهرة اجتماعية .
2- عملية التحريض هي التي تفسر انحلال الأفراد في الجمهور و ذوبانهم فيه .
3- القائد المحرك يمارس عملية تنويم مغناطيسي على الجماهير ، كما يمارس الطبيب على المريض .
وعلى ذلك فالجمهور غير مسؤول لأنه مغفل وبالتالي لا رادع له بعكس الأفراد الذين يحسون بالمسؤولية الفردية ، مما يجعلهم لا يقدمون على أعمال محظورة ، لأن هناك رادع يدركونه ، فالفرد المنخرط في الجمهور له عدة خصائص أساسية هي( ) :
1. تلاشي الشخصية الواعية .
2. هيمنة الشخصية اللاواعية .
3. توجه الجميع ضمن نفس الخطأ بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار .
4. الميل لتحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة .
فيكون الفرد غير منطبق على واقعة المنطقي الواعي ، وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي، لم تعد إرادته قادرة على قيادته ، وبالتالي فمن الممكن أن يقترف أعمالاً مخالفة لمصالحه الشخصية ، فعلى سبيل المثال ، كان أعضاء الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية ، برجوازيين هادئين مسالمين ، لكنهم عندما اندمجوا مع الجماهير الهائجة أصبحوا هائجين متحمسين ، ولم يترددوا تحت تأثير بعض المشاغبين في أن يرسلوا الأشخاص الأكثر براءة إلى المقصلة ، وقد ساروا بذلك عكس مصالحهم الخاصة ، وتخلوا عن حصانتهم البرلمانية ، وأبادوا أنفسهم بأنفسهم ، فالأيدولوجيا التي يزرعها القادة أو الزعماء بالجماهير تكون هي المحرك الأساسي لهم، لكن تظل الأيدولوجيا الدينية المتوازنة لها دوراً كبيراً في التأثير على الجماهير في جميع العصور وهذا ما أكده نابليون بونابرت عندما خطب في مجلس الأمة الفرنسي قائلا: " لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأنني كاثوليكي حقيقي ، ولم أستطع الاستقرار في مصر ، إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي ، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعباً من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان "( ) ، كما يؤكد هذه الحقيقة عضو الجمعية التأسيسية بعد الثورة الفرنسية فوكروا بقوله:
" إن الأغلبية الكبرى من الشعب بحاجة إلى الدين ، والشعائر والكهنة وقد جر بعض الفلاسفة المحدثين وجررت أنا شخصياً إلى نفس الخطأ عندما اعتقدنا بأن نشر التعليم في أوساط جماهير الشعب سوف تؤدي إلى تدمير الأحكام المسبقة ، والعقائد تشكل بالنسبة للعدد الكبير من البؤساء مصدر للعزاء ، وبالتالي فينبغي أن نترك لجماهير الشعب كهنتها وهياكلها وطقوسها "( ).
وبما أن لكل مجتمع في العالم عدة ولاءات داخله ، إلا أن هذه الولاءات تكون ثانوية بالنسبة للولاء العام للدولة أو للأيدولوجيا التي تحملها الدولة بشرط أن تكون مستمدة من روح شعبها وحضارتها وتقليدها( ) ، فقد كانت الإمبراطورية الإسلامية في جميع مراحلها بدءاً من العهد الراشدي وحتى العهد العثماني ، تضم شعوباً متعددة يربطها الولاء للإسلام أكثر من الولاء للدولة ، وقد ورثت هذه السلطة بغض النظر عن عصورها ونماذجها، عصبيات قبلية قوية ، ذات صلة ، وثيقة ، بطبيعة المجتمع الرعوي الصحراوي أو الجبلي ، وبما أن السلطة كانت تضم خليطاً من الأعراق والشعوب والأديان فلم تكن قادرة على تقديم أكثر من مشاركة تجاه رمزيين بها ومعها في حين كان الانتماء إلى الجماعة المحلية أو العائلية أو الطائفية ، هو الأساس بالنسبة للجماعة الفرعية ، فكانت الأمة الإسلامية -لا السلطة التي تحكمها- هي مركز التوازن والاستقطاب في مجتمع مشدود بين روابط الجماعة المحلية من جهة، والولاء الشكلي لدولة رمزية لا قومية ، تستمد سيادتها من السيف قبل كل شيء وعلى هذا الأساس يرى برهان غليون أن الدولة العربية أو الإسلامية لا تستطيع تكوين علاقات اجتماعية بحيث تحقق المجتمع المدني ، وإنما هي واسطة لتحقيق بقاء الأمة واستمرار المجتمع ، وتحقيق الولاءآت المختلفة خارجها ، فإذا ما تحطمت الدولة تفقد الجماعات داخلها الترابط ، كما تفقد مركز توازنها كجماعة سياسية ، وبالتالي لا تستطيع الجماعات بداخلها التعايش في إطار جماعة واحدة ، ويطرح التيار الإسلامي حلاً لهذا المشكلة من خلال رؤيته أن الإسلام هو دين ودولة من خلال تحويل الجماعة الإسلامية إلى جماعة سياسية ، وتحويل الولاء المحلي للجماعة إلى ولاء سياسي للدولة لذلك يردف تركي الحمد رأيه حول مشكلة الولاء في الدولة العربية بقوله :
" القبيلة والعشيرة والطائفة والإقليم والأقلية العرقية أو المذهبية والعائلة الكبيرة الممتدة ، هي الوحدات الاجتماعية السائدة في الأقطار العربية ، والتي يستمد منها أفراد ومواطنو هذه الأقطار هوياتهم ، وإليها تتجه ولاءآتهم ووفقا لآلياتهم يتحدد مجال حركتهم وتفاعلهم الاجتماعي والسياسي ، والدولة الوطنية هي عبارة عن شكل ظاهري يخفي في جوفه هذا التشرذم والتشعب ومن خلال السلطة المركزية يحفظ هذا الكيان، والمجتمع المدني حتى الآن لم يستطع صهر هذه التشرذمات في إطار هوية واحدة متجانسة قادرة على البقاء دون تدخل السلطة المركزية ، وأي ضعف في السلطة المركزية سيؤدي إلى ظهور الهوايات المستترة والولاءات المختفية على السطح مكونة كيانات أخرى جديدة ، أصغر فأصغر ... ولا يمكن تكوين الولاء القومي ، لأنه ليس مسألة إرادية ولا يمكن أن يكون في أي وقت نريده ، وإنما يتكون بفعل عوامل ثقافية واقتصادية وسياسية ، عبر فترة زمنية طويلة .... إن التحالفات المنتظمة والمتجددة ، الاجتماعيات المنتظمة ، بين الجماعات غير كافية لإنشاء دولة ، ويلزم لإنشاء دولة ، اتصالات مستمرة ، ودائمة ، وليست متقطعة ، فالعيش والعمل لجماعة ما خلال عدة أجيال من الممكن أن يؤدي لإنشاء دولة "( ).
لذلك نجد أن الدولة العربية والدول المتخلفة بشكل عام هي دول عصبوية ، أي تتجاوز فيها الجماعات والأقاليم بفعل القوة القاهرة الرادعة وحدها، دون أن تكون بينها قاعدة تواصل وتفاعل مشترك ، من البيئة الحضرية الاقتصادية المتصلة الحلقات ، وسقوط السلطة المركزية القاهرة الموحدة يؤدي إلى تفرق هذه الجماعات ، لأنها تفتقد الامتداد والتواصل الحضاري والاقتصادي القادر على صهرها في بوتقة واحدة ، فهذه الدولة تختلف عن الدولة العصبوية التي تكون فيها الوحدة السياسية هي الوحدة التي يتشارك على امتدادها السكان في وحدة تفاعل حياتي ومعيشي كامل ، بحيث ينشأ فيها مجتمع متجانس قادر على البقاء والاستمرار حتى لو سقطت السلطة السياسية ، ولهذا السبب فإن اعتماد بعض الدول العربية في حكمها على اللاحضريين( البدو الصحراويين أو الجبليين المنعزلين ) يعيدها إلى الصفر ، لأن البدو والرعاة لا ينشؤون دولاً ، فالنخب التي حكمت وهي بهذه الأصول لن تستطيع إنشاء الدولة القومية( ) ، لذلك عمدت هذه النخب على تبني مفهوم العروبة الرومانسي على أساس رفضهم الدولة الوطنية ، مما أدى لاصطدامهم بدعاة المذهب الوطني الذي يرى ضرورة بناء الدولة الوطنية في ظل غياب الدولة القومية، بأن تبني الدولة بشكل قومي ووطني في آن واحد ، لهذا السبب أصبح مفهوم الوطن مفهوماً ضائعاً بين الفكر القومي والفكر الوطني ، لكن نجد العكس تماماً في الصين ( ) والتي يعتبر الفرد فيها نفسه بأنه ينتمي ثقافيا وحضاريا لأمة صينية واحدة ، تمثل الدائرة الأولى التي سوف تستوعب الانتماء الثانوي أو الثالثي أو أكثر بحيث تشمل الدائرة الأولى جميع الولاءات الفرعية ، وأيضاً في أوربا يعتبر الفرد نفسه- بغض النظر عن قوميته ، سواءاً كانت فرنسية أو إنكليزية وما إلى ذلك -، ينتمي إلى حضارة واحدة ، تتضمن ثقافة وقيماً ومبادئ تختلف عن الولاء القومي بحيث أن هذا الانتماء يحفزه على الاندماج في دولته القومية ، والتي تعتبر جزءاً من حضارة وثقافة أوسع نطاقاً ، بحيث لا يوجد تناقص بين الولاء القومي للدولة القومية وبين الولاء الحضاري لحضارة وثقافة معينة ، لكن التلاعب بالولاءآت يؤدي إلى العنف ، فالولاء في العالم العربي أو الإسلامي على سبيل المثال ، يتكون من الولاءات الثلاثة الأساسية وهي الولاء العقائدي الديني ، والولاء العصبوي ( العشائري ، الإقليمي ، الطائفي .... ) والولاء القطري ( للدولة القطرية المصطنعة ) ، وأي تلاعب في هذه الولاءات سيؤدي إلى العنف وعدم الاستقرار السياسي في الدولة.










شكل (1-1) يوضح العلاقة بين الولاءات الثلاث للدولة العربية أو الإسلامية .

فالمجتمع العصبوي يعاني من صعوبة كبيرة في تحقيق الاندماج بين مكوناته خاصة الأقليات فيه ، فالأقلية بحسب تعريف اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هي: " تلك الجماعة التي لها أصل عرقي ثابت وتقاليد دينية ولغوية وصفات تختلف عن بقية الشعب فيه ، ويجب أن يكون عدد هذه الأقلية ، كافيا للحفاظ على تقاليدها، وخصائصها ، كما يجب أن تدين بالولاء للدولة التي تتمتع بجنسيتها "( ) ،ولهذا السبب كانت مشكلة الأقليات من المشكلات الأساسية ، التي تعاني منها الدول المتخلفة ، لأن اندماج الأقليات هو الشرط الأساسي لقيام دولة مركزية ينعقد لها الولاء العام ، وتنصهر فيها كل المؤسسات الفرعية ، على اعتبار أن التجانس الاجتماعي ، يفرض على كل جماعة أن تتخلى ، ولو جزئياً عن ماهيتها وتنحل في الكل الاجتماعي ، وبالتالي فالمجتمع العصبوي هو فضاء لإفراز مشاريع دويلات صغيرة ، بعدد التنوع الاجتماعي العصبوي ويتسم بحمله بنية تحتية لإنتاج فتنة، وتزويد حرب أهلية بالطاقة اللازمة لها( )، فلم يكن التعايش ضمن الدولة العثمانية - على سبيل المثال- يبن الشعوب الخاضعة لها ، سوى بسبب اعتمادها على الولاءات الثانوية ، لذلك يرى محمد جابر الأنصاري ، أنه سيستمر احتمال حرب أهلية طالما ظلت الدولة العصبوية معتمدة على حكم القبيلة أو الطائفة أو المذهب ، على أساس عصبوي ، لأنه بسبب ذلك ستندفع بقية فئات المجتمع للاحتماء بعصبياتها ، خاصة في ظل التمييز بسبب الطائفة أو العرق( ) ، فالتمييز العرقي أو الديني في إعطاء الوظائف في جنوب السودان على سبيل المثال - وذلك قبل عام 1954 وهي فترة الحكم المصري -، جعلت النزعة الانفصالية للجنوبيين تتولد إلى أن شكلت في النهاية حرباً أهلية بدأت عام 1955 انتهت هذه الحرب بانفصال جنوب السودان عن جسم الدولة الأم عام 2011، بعكس ما كان من مساواة وعدالة وحرية في إقليم كيوبك في كندا ، والذي يتألف من مجموعة متمايزة عرقياً ودينياً عن باقي سكان كندا ، لكن ما تحقق لهم من مساواة مع الآخرين جعلهم يرفضون أية دعاوى انفصالية ، فالسياسية ذات الطابع العرقي أو الديني تؤدي إلى العنف داخل المجتمع لأن العصبة هي إحدى أدوات الصراع السياسي والأيديولوجي , والتي يستخدمها البعض لتعبئة جزءاً من الجمهور السياسي وراءه أو لتشويه سمعة الخصم والإساءة إلى قضيته ، والتي تطرح لمواجهة القومية أو الوطنية أو كبديل لهما ، من خلال عناصرها المختلفة وهي ( ):
1- تعدد الانتماءات الفردية داخل المجتمع الواحد ، وضعف الانتماء المشترك الناتج عن عدم الاندماج في بنية واحدة أو لحمة واحدة .
2- العصبية أو الانتماء الجزئي في المجتمع وارتباطها بالدين .
فهي تقوم على أساس التنافس بين الطوائف من وجهة نظرها ومصالحها الخاصة في توزيع السلطة واقتسامها ، وتلغي الولاء للدولة والمصلحة العامة ، المرتبطة بوجود المجتمع الكلي ، وتخضع هذه المصلحة للمصلحة الجزئية ، الطائفية مما يحول دون تطور الاندماج القومي ، وخلق دينامية تطور المجتمع ككتلة سياسية مجردة ، وموضوعية ، وهي تعتمد على التعبئة على الدين فتشكل النفي المطلق للقيم الدينية ، حيث تستغل التسامح الداخلي الذي يدعو ويبشر به الدين في سبيل وصولها للسلطة ، جاعلة من نفسها أنها الحامي لمصالح جماعتها ومن ثم تنتهي إلى خلق طبقة خاصة تحتكر الثروة والسلطة بقسميها المدني والعسكري ، ويكون ضحيتها هو القسم الأكبر من الطائفة نفسها سواءاً كانت في موقف الغالب أو المغلوب .
ويعود منشأ نظام الطائفية إلى اندماج مجموعتين هما ( ):
1- المجموعة الأولى تتعلق بالدولة نفسها ، فتترافق الطائفية مع وجود الدولة التسلطية التي ينعدم فيها تداول السلطة وحراكها الاجتماعي ونفاق دورتها الطبيعية ، حتى لو ارتدت رداء البرلمانية ، فتبرز الطائفية كبديل للسياسة التي تتجلى في تحييد الدولة كمبدأ أخلاقي وقانون منظم للمجتمع ، بالسيطرة المباشرة والكلية عليها ، لوضعها في خدمة الأغراض الخاصة لفئة من الناس أو بالتلاعب بمؤسساتها وإفساداً لآليات عملها .
2- المجموعة الثانية ، بفرض المجتمع المدني بالطرق الملتوية لسوء تبادل سياسي مواز في نظام اجتماعي يحرم تبادل السلطة ، وفي ذلك يمكن خلق القيادات والأطر الاجتماعية ، ومعرفة قيم الأفراد وقدراتهم في إدارة الشؤون العمومية، فهي تشكل الرد الوحيد على آلية احتكار السياسة والسلطة التي تهدف إلى منع المجتمع من تجديد نخبته القائدة ، وما ينطوي عليها من تجسيد طرق إدارة شؤونه وسياسته لصالح استمرار النخبة القائمة ، وتخليد سلطتها.
فالطائفية تقوم بمهمتين هما ( ):
1- إنتاج القيادة الاجتماعية الممثلة للجماعة الطائفية والمجتمع المكون منها والمسير لمصالحها
وشؤونها .
2- تحقيق مهام السلطة السياسية ، من خلال خلق شبكات ، وطرق التبادل المادي والمعنوي داخل المجتمع الكلي ، ورعايتها ، وكفالة نظم استمرارها ، بما في ذلك نظام التسليم بميزان القوى بين القوى الاجتماعية الأخرى ، داخل المجتمع الذي تنتمي إليه .
فالطائفية لا تتعارض مع المجتمع الكلي ، بل لا توجد إلا ضمن إطار مجتمع كلي متعدد الطوائف ، ولو حصل ونجحت الطائفة في الانفصال بنفسها وتكوين دولة مستقلة ، فلابد لها أن تنقسم على نفسها من جديد أو أن تموت وتنحل في قيادة تقليدية أو تعود للاندماج في مجتمع سياسي جديد ، لذلك تعمل القيادة الطائفية ، عندما تكون في مجتمع كلي إلى منع تداول السلطة على جميع الأصعدة ، سواءاً على صعيد تجديد القيادة أو توزيع المسؤوليات والمواقع الاجتماعية داخل المجتمع ، وتحاول على الدوام تحطيم كل أشكال التضامن داخل المجتمع ، وفي كل المجالات ، حتى تحول الأفراد إلى جزئيات صغيرة ضعيفة ، لكن لا تجد لها مركز قرار إلا في التصاقها بالزعيم الأوحد ، الذي يجمع كل السلطات في يده ، ويحول جميع أفراد المجتمع إلى عبيد وآلات في يده ، وتصبح السلطة عدوانية تجاه الشعب ، وتضعف الدولة وينهار موقعها في النظام الدولي العام ، فتعمل على التعويض عن عبوديتها الفعلية لحمايتها ممن يهدد أمنها من الدول الكبرى ، باستعباد الشعب الذي تحكمه ، و الإكثار من إظهار هيبتها وسطوتها عليه، حتى يدرك ضعفها ويميل إلى الطمع بها( ) ، فأساس مشكلة الطائفية هي إخضاع الدين لصالح مصالح السياسة الدنيا ، بسبب سياسة حب البقاء والمصلحة الذاتية و التطور على حساب الجماعات الأخرى ، مما ينتج عن هذه السياسية آثاراً سلبية كثيرة ، منها تدهور الحضارة ، وانحطاط الأخلاق ، واندثار معانيها، رغم محاولة دعاتها استخدام التراث المثالي لتحقيق أهدافهم الخاصة المادية ، التي ليس لها حدود ، كما أنهم ينكرون الدين بشكل عام ولا يمارسونه ، ولا يعتقدون به فعلاً ، فلا يكون لهم أي مثاليات ، بل يؤمنون بأن كل ما يقومون به هو سياسة محصنة ، وأن الدين ورقة يمكن اللعب بها طالما بقي هناك أناس حساسون لعقيدتهم الدينية ، وحريصون على الدفاع عنها ، فالتواصل بين الطوائف أو الفئات في هذا المجتمع هو تواصل صراعي ، لأنه مجتمع فاقد التوحيد السياسي والأيديولوجي والاقتصادي والاجتماعي ، ولا يوجد أي حل لمشكلة الأقليات والمسائل الطائفية إلا بتغيير السلطة واستيعاب الدولة للتطورات الدائمة التي تحصل على صعيد القوى الاجتماعية ، لأن سقوط الأنظمة الاستبدادية بحسب رأي تورين ينتج غالباً بسبب تفككها الداخلي ، وليس بسبب نجاح حركات المعارضة الشعبية إلا في القليل النادر ، لأن عقدة الأقليات أكثر ما تظهر في النظام الاستبدادي ( )، وقد عرفها جاك ليبسريا بأنها:" الريبة المرضية والجماعية التي تجعل الإشارة من قبل الجماعة المجاورة تبدو كأنها خطر أو تحد لمجتمع المرء ذاته ، والتي توحد كافة أعضاء الجماعة إزاء أقل سخط يرتكب ضد أي شخص من أعضائها "( )، ولهذا السبب نشطت الطائفية في البلدان المتخلفة ، فعلى سبيل المثال تعود أسباب الاختلافات الطائفية في لبنان إلى( ):
1-عدم الاتفاق حول القيم الأساسية ، القومية ، الشرعية ...
2-نقص الحوار بين الأطراف مما يجعل القضية الطائفية ، غامضة ، وتؤدي إلى سوء الفهم المتبادل بين الطوائف .
3-الولاء للجزء بدل الكل ، مثل الاعتزاز بطائفته والتمسك بها والانتماء إليها أكثر مما يفعل بالنسبة للولاء للوطن ككل .
4-التركيز الجغرافي للطوائف مما أبعد نقاط الالتقاء بينها .
5-تعدد النظم التشريعية والتعليمية ، حيث لكل طائفة تشريعاتها الخاصة بها في إدارة وتنظيم شؤونها ، واختلاف مناهج التعليم باختلاف الطوائف .
ورغم أن الطائفية حقيقة موجودة في المجتمعات المتخلفة ، إلا أن التعددية السياسية الفعالة في النظام السياسي لابد أن تحد من عدم الاستقرار السياسي في المجتمعات التي توجد فيها، حتى وإن لم يكن هناك عدم تجانس ثقافي وتبقى الطوائف معترف بها مادامت تعبر عن مشاعر نبيلة بين الخالق والمخلوق، ولكنها تظل دائماً مرفوضة ‘ إذا كانت وسيلة تفرقة ، والإقليمية التي تعني الانتماء لإقليم محدد داخل الدولة والولاء لهذا الإقليم، أو الانتماء لقطر من عدة أقطار يشكل مجموعها دولة الأمة ، تبقى معترفا بها مادامت تتعلق بعادات وطريقة عيش ، لكنها مرفوضة إذا كانت وسيلة تجزئ( ) ة، وأما مبدأ حق تقرير المصير الذي نصت عليه المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة ، فهو مرتبطا بمكافحة الظاهرة الاستعمارية في شكلها التقليدي مثل السيطرة الأجنبية ، أو التمييز العنصري ، ولم يقصد بها استقلال الأقليات بسبب التداخل الجغرافي بين الجماعات في نفس الدولة ، وعدم استعدادها لحكم نفسها ، وضعف مواردها ، وإمكانياتها ، كما أن إتاحة المجال لاستغلالها سيؤدي إلى الفوضى في النظام الدولي ، وإن وصول أحد الأحزاب الدينية والذي يمثل الثقافة الروحية للأغلبية ، لن يؤثر سلباً على تقدم المجتمع( ) ، فبعد الحرب العالمية الثانية، استطاعت أحزاب مسيحية كثيرة الفوز بالانتخابات في معظم دول أوربا الغربية مثل بلجيكا ، وهولندا ، وألمانيا الغربية ، والنمسا وإيطاليا وغيرها، ولم يؤثر ذلك على استقرارها أو الحد من تطورها أو تقدمها ، لأن الوعي الثقافي لهذه المجتمعات جعلها ترفض النزاعات الطائفية أو الإقليمية أو العشائرية( ) ، بسبب إدراكها أن إذكاء الخلاف بين الجماعات الثقافية في نطاق الدولة الواحدة من خلال سياسة الصراع المتوازن ، يعد وسيلة لإلهاء الجماهير عن مظاهر التردي في مشروعية القيادة السياسية ، ومدخلاً لاستقطاب جانب من الجماهير إلى صنعها ، أو تحييده على الأقل عند تسوية الخصومات والعداءات السياسية( ) ، فدرجة انتشار التعليم تعتبر أهم عناصر البناء التحتي الذي يشكل القاعدة الأساسية لأي عملية تنمية اجتماعية اقتصادية حضارية( ) .
كما تشكل علاقات الصراع بين المدينة والبادية التي تشمل الجبل أو الصحراء أثاراً سلبية على الاستقرار السياسي في المجتمعات المتخلفة ، لأن البادية تحتوي جماعات يربطها النسب وتشابه الوظيفة والروح العصبية والرموز والتنظيم الداخلي ، فهي تحتوي على علاقات العشائرية التي تعني التصرف أو التسبب في القيام بعمل بدوافع الانتماء إلى عشيرة أو عائلة معينة ، كما أنها تحوي الإقليمية بما فيها من تصرف في القيام بعمل بدافع الانتماء إلى إقليم معين ، لذلك يعمد أهل البادية إلى علاقات القوة والغلبة من خلال التناصر العام بين شيوخ ورؤساء العشائر ضد الآخرين ، وذلك حينما تكون السلطة المركزية قوية ، لكن عندما تضعف الدولة ، فتنقض عليها القبائل، وتفرض هيمنتها عليها ، وهنا تنتقل من العصبية الخاصة ، إلى العصبية العامة ، فقوة القبائل وهيمنتها السياسية تجعلان الدولة المركزية ضعيفة أغلب الوقت ، وإن الذي يدفع إلى الاتحاد والانتقال من العصبية الخاصة إلى العصبية العامة بعد غزوهم للمدن أمران هما( ) :
1- الدين على أساس أنهم ينشرون مبادئهم الحقة أمام الآخرين البعيدين عن مبادئ الدين .
2- الحسد بسبب التفاوت الاقتصادي بينها وبين المدن الغنية بثرواتها، إضافة إلى احتقار النظام القبلي للحرف والمهن والتجارة .
وبذلك نخلص إلى نتيجة مؤداها أن عدم الاستقرار السياسي تساهم به عوامل التمايز الاجتماعي، بما تحويه من طائفية وعشائرية وإقليمية وثقافات دينية مختلفة ، وطبيعة الشعب ، والعوامل الشخصية ، وصراع الأجيال ، بما تحدثه هذه العوامل من اختلافات داخل النظام السياسي ، خاصة عندما تتواكب مع عوامل أخرى داخلية وخارجية .
ثالثا : الصراع الحزبي و الإيديولوجي والطبقي وأثر العامل الاقتصادي
إن الصراع الحزبي مرتبط بالصراع الطبقي وبالنزعة الأيديولوجية السياسية أو الدينية عند أعضاء التنظيمات الحزبية المختلفة ، ومن الصعب الفصل بين هذه العناصر لأن ذلك سيكون غير موضوعي ، وهذه العناصر جميعها مرتبطة بالعامل الاقتصادي لأنه المحرك الطبيعي للنظام داخلياً وخارجياً ، وأي اختلال في هذه العناصر سببه الاختلال في النظام الاقتصادية للدولة بشكل رئيسي ، و هذا سيقود إلى اختلال في النظام السياسي ومن ثم إلى الفوضى السياسية فيه ، فاختلاف الأيديولوجيات الحزبية حول كيان الدولة في الشرق الأوسط مثلاُ ، أهي دولة أمة أم أنها هي الأمة التي تمثل الدولة ، واتجاه القيادات السياسية على الأخذ بمشروع الأمة كشيء يعيق إقامة الدولة، أو العكس، في ظل الدولة المصطنعة الموجودة في الشرق الأوسط ، كونها لا تعبر عن ثقافة تلك البلدان ، مما أدى إلى تفكيك البني الاجتماعية فيها وساهم في عدم استقرارها( ) ، فعدم قدرة النظام في المجتمع على مواجهة متطلبات الأغلبية الساحقة لأفراد المجتمع وإشباع حاجياتهم الأساسية سيؤدي إلى بروز ظاهرة التطرف السياسي المنظم ، فتعثر النظام عن مواجهة المشكلات الداخلية والخارجية ، وطول مدة هذه التعثر ، سيؤدي إلى تفاقم المشاكل على النظام القائم ، حيث سينتهي الأمر بأعداد كبيرة من الشعب ، أن هناك خللاً أساسياً ، إما في جوهر وفلسفة النظام أو في أدائه أو فيهما معاً، ومن هنا يبدأ البحث عن بديل يخرجهم ويخلص مجتمعهم من المشكلات المتفاقمة وكلما اشتدت حدة هذه المشكلات وتحولت إلى أزمة أصبح البديل مختلفاٌ تماماً عن النظام القائم ، وكلما زاد اختلاف البديل المطلوب عما هو موجود فعلاً ، أصبحنا بصدد ما يسمى بالتطرف الذي يقود إلى العنف ومن ثم الانقلاب أو إلى الثورة الشعبية الذي هو انعكاس لتعثر النظام السياسي الاجتماعي في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية ( )، لأن الفشل يولد الإحباط ، والإحباط يخلق داخل الأفراد شحنات انفعالية عدوانية ، وهذه العدوانية قابلة للتحول إلى عنف خارجي فردي وجماعي، لذلك يرى إبراهيم سعد الدين أن أهم أسباب العنف السياسي هي ( ):
1- أتساع الفجوة بين الأمل والواقع ، فحينما يخلص الأفراد في المجتمع إلى أن الفجوة اتسعت بحيث أصبحت غير طبيعية ، فيتولد عندهم إحساس بالفشل والإحباط ، وبالتالي يتولد عندهم شحنات عدوانية داخلية ، قد يستسلمون لها ، ولكن إذا خلصوا أن السبب في هذا الفشل يعود إلى التركيبة السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمع الذي ينتمون إليه ، فإن الشحنات العدوانية التي يحملونها ، تتحول إلى تهيؤ واستعداد لاستخدام العنف ضد النظام السياسي الاجتماعي القائم ، ويصبح هدفهم البحث عن تكييف أيديولوجي ، وتنظيمي وعن وسائل لتغيير هذا النظام .
2- عدم العدالة التوزيعية ، فالمعادلة التي يستخدمها الأفراد بوعي وبدون وعي هي :
العدالة التوزيعية = حجم الاستثمارات المادية والمعنوية
= نصيب الفرد من الثروة والسلطة .
وهي تعني أنه عند ما تتساوى استثمارات الفرد ( مجهوداته ) مع استثمارات الآخرين ( مجهوداتهم ) ، فمن الطبيعي يتوقع أن يكون عائده من الثروة والسلطة والتقدير المعنوي متساويا مع ما يحصل عليه غيره من أبناء المجتمع ، فإذا كانت مجهودات الفرد ضعف مجهودات غيره فمن الطبيعي أن يتوقع حصوله على ضعف عائدات الآخر ، وإذا كانت مجهودات الفرد نصف مجهودات الآخر ، فسيكون من الطبيعي أن يتوقع حصوله على نصف عائدات الآخر وهكذا .. فأي اختلال في هذه المعادلة أو القاعدة التوزيعية سيؤثر على شعور الأفراد بالظلم والسخط مما يؤدي بهم إلى العنف وبالتالي حدوث عدم استقرار في المجتمع .
3- الحرمان النسبي ، حيث أنه قد تتحسن أحوال الفرد في المجتمع ، لكنه يجد نفسه نسبياً أقل من التحسينات التي طرأت أو تطرأ على الفرد في المجتمعات الأخرى الشبيهة بمجتمعة ، وهذا يؤدي به إلى السخط المؤدي إلى اعتناق الأفكار النافدة للنظام الاجتماعي السائد والداعية إلى التمرد من خلال العنف ، وهذا يفسر سخط الفئات الفقيرة والمتوسطة الوافدة من الريف إلى المدينة للدراسة أو للعمل، حيث تشعر بتناقضات المجتمع الهائلة وإحساسها بالدونية والضياع والاستغراب فتلجأ إلى الأحزاب الراديكالية اليمينية واليسارية لتعبر عن شعورها ، فالانقسام بين الريف والمدينة ساهم في زيادة عامل عدم الاستقرار في المجتمع بسبب العامل الاقتصادي بالدرجة الأولى ، رغم أن البداوة غير قادرة على القيام بدورها السياسي والاجتماعي أي على بناء حضارة إلا إذا عززتها دوافع روحية معينة مثل عامل الدين، بسبب أن اللاحضريين يتسمون بالفوضى ولا يتقيدون بالنظام ، ويعملون على زعزعة الأمن في المجتمع الحضري ، لكن احتكاكهم بالمجتمع الحضري لابد أن يؤثر على أخلاقهم وعاداتهم وسلوكهم حتى وإن كان هذا التأثير محدوداً بدون العامل الروحي، لأن أهم هدف للبدوي هو أن يصبح متمدناً ، لذا فهو يسعى لهذا الهدف ويصل في النهاية لهدفه ، فيسيطر على المدينة اقتصادياً وسياسياً ، رغم أن هؤلاء الريفيين وصلوا إلى حالة الفقر بسبب طبيعتهم وليس بسبب تأثير المدينة عليهم ، فالمدن بما تتسم به من تقسيم للعمل يوفر فائض يصرفه أهلها على الترف، ويتميزون بالتماسك والتعاون والمجهودات الأكبر من الريف ، واكتساب الثروة فيها يعتمد على الجاه الذي يتمتع به أعيان المدينة، فالحضري عندما يعظم غناه وأملاكه سيصاب بالحسد من قبل غيره ،و الذين سيسعون لانتزاع ما بيده ، خاصة أن المجتمع المديني معروف بأنه مجتمع طبقي ، وحسب رأي ابن خلدون ، فان الطبقة المترفة تودي بها رفاهيتها إلى أخلاق فاسدة في حياتها ، من تبذير وترف ، وتقاعس الأفراد عن العمل ، فتحدث أزمات اقتصادية تقود إلى نار الفتنة والتمرد بين الطبقة الفقيرة التي تتهم الطبقة الغنية بمسئولياتها في الأزمات الاقتصادية وبين الطبقة الغنية التي تسعى للحفاظ على نفسها ، فيودي في النهاية إلى انهيار الدولة( ) .
كما أن زيادة السكان في الدولة وفق متوالية هندسية بينما زيادة الموارد وفق متوالية حسابية ، حسب نظرية مالتس ، سيوصلنا إلى حالة الندرة، التي تصيب الوحدات الاجتماعية والسياسية، وتؤدي إلى صراع وعدم استقرار اجتماعي وسياسي في المجتمع ، وتجاهل الحكومة نتيجة أزماتها بعض المشكلات الملحة مثل الإسكان ،التعليم ، الأجور ، الحقوق ، الحريات العامة ، سيشدد السخط عند الطبقات الفقيرة التي ترى أن السلطة هي سلطة أصحاب الامتيازات وحدهم، فتلجأ إلى التمرد واستخدام العنف( )،كما أن عدم تفهم الأفراد لقدرات ، وموارد الدولة ، ومطالبتهم بأكثر ما تستطيع ، سيساهم في سخطهم أي عدم الاستقرار في المجتمع الذي يساهم في عدم الاستقرار السياسي ، والأيمان ببعض الإيديولوجيات التي تحرض على التمرد مثل الماركسية مثلا، والتي يفسر فيها ماركس بنظرية القيمة الفائضة ، المنحى الاقتصادي للشركات الخاصة في الدولة على أساس أن رب العمل يسرق القيمة الفائضة من العامل ولا يعطيه سوى أجرة عمله التي حددها له، بينما يذهب الجزء الآخر والذي سماه القيمة الفائضة إلى رب العمل ، كما يرى الباحث عبد الرحمن خليفة ، أن زيادة التخطيط والتنمية وتحقيق التطور الاقتصادي السريع يزيد التوترات في المجتمع ، وبالتالي فرص الصراع ، لأن هذا التطوير السريع يميل إلى قلب الأطر التقليدية ، وبذلك يشعر الأفراد بأنهم قد تغيروا على ما كانوا عليه ، مما يؤدي إلى وقوعهم في حيرة من أمرهم ، والتطور الاقتصادي للوسائل التكنولوجية سيزعزع القيم والمبادئ الحضارية السائدة، فالثورة الصناعية في أوربا خلقت أمراضاً اجتماعية كثيرة ، مما أدى إلى قيام حركات متعصبة في الرأي والسلوك ، ويفسر ذلك كرين برينتون بأن المجتمع يشبه الجسم البشري المتكامل الأعضاء ، وكل عضو فيه متوازن مع الآخر ، حيث ينال ما يحتاج إليه من موارد تجعله راضياً ، وكل حوافز جديدة تؤدي إلى استجابة جديدة، فإذا نشأت حاجات أو ظهرت رغبات جديدة ، تكيفت العادات والمؤسسات معها ، أما إذا عجزت عن التجاوب مع الحاجات الجديدة ، أختل توازن المجتمع ، وانفجرت الثورة وتفجر الصراع( ) ، أيضا الكبح الذي يمارسه النظام على الجماهير لتحقيق الاستقرار القسري يجعل الجماهير عاجزة عن أي مبادرة سياسية - حسب وجهة النظر الماركسية-، وبالتالي يصبح هدف الجماهير التمسك بتلابيب الحياة معتمدة على أيديولوجية الذل في مواجهة الطبقات المسيطرة والخضوع لها ، وتبقي غير مندمجة معها ، وتعيش علي هامش المجتمع المحترم ، وتكون استجابتها للعمليات الإصلاحية الديماغوغية التي تقوم بها الطبقات المسيطرة ، استجابة قليلة جداً ، وقد تقدم الدعم للنظام القمعي ، وهذا دليل ضعفها ، لكنه ضعف مؤقت وعجز سياسي عابر منها ، ريثما توحد صفوفها وفق حاجتها الأساسية، ومن ثم تعلن الثورة ،و ذلك عندما تسنح لها الفرصة المناسبة ، لتثأر لنفسها ويكون حقدها الوطني كبيراً ، بسبب ما عانته من الذل والخضوع من الطبقات المستغلة ، التي تحاول امتصاص غضب الجماهير من خلال أشكال من التنظيم السياسي الشرعي ، لكن الطبقات المقهورة ترفض أي مصالحة مع السلطة لأن الوقت قد فات وانتهي بالنسبة لها، وبما أنها مقيدة بأجهزة القمع ومفصولة عنها وعن النظام ، فهذا يجعلها قوة قادرة على إدانة هذا النظام مباشرة ، ومواجهة عنفه بعنف مضاد قادر على التدمير الثوري ، وهذا ما يفسر الثورة الفرنسية عام 1789 ، والثورة الروسية عام 1917 والثورة الصينية عام 1949 ( ).
وبالنسبة للأنظمة الوريثة لنظام الطبقات التقليدية الذي كان سائداً قبل اعتلاء النظام العسكري البرجوازي للسلطة ، فقد غير من استراتيجيته بحيال الطبقات الأخرى ، من خلال تجنب القمع المكشوف ، فعمل على تبني أيديولوجية لمصلحة الطبقة الجديدة المسيطرة ، وذلك بتأميمه لوسائل الإنتاج لمصلحته واستخدامها لقهر الطبقات المعدمة ، وإخضاعها لشروط الاستغلال الرأسمالي لتسلب منها الحد الأدنى من الأرباح الشخصية ، متبعة نفس الأسلوب الذي كانت تتبعه الطبقات المنتهية ، ولذلك فبرجوازية الدولة التابعة لن تقبل بترك السلطة إلا بثورة شعبية ، لأن الإمبريالية الغربية والبرجوازية الوطنية القديمة التي احتفظت ببعض سلطاتها لا مصلحة لهما بسقوط البرجوازية الجديدة ، المسيطرة على الاقتصاد والجيش وقطاعات الدولة الأخرى( ) ، ورغم ذلك حدث التناقض السياسي في هذا النظام وتعود أسباب ذلك إلى تضارب المصالح بين الطبقة الصاعدة ، والطبقة التقليدية ، ذات المصالح الحيوية من التجار والمستثمرين وكبار الملاك وغيرهم من رؤوس الأموال ، ففي ظل التأميم والإصلاح الزراعي لم يعد المستثمر يستثمر من أجل التنمية في ظل أوضاع لا تناسبه، لأنه أصبح يشعر أن هذه الدولة ليست دولته ، والحكم ليس حكمه ، كما أن السلطة الطبقية الجديدة ، استبعدت رجال الاستثمار من كل أجهزة الدولة البيروقراطية ولم تعط المستثمر أي ضمانات تشريعية ، ضد التأميم والمصادرة ، والوضع تحت الحراسة وغيرها من الإجراءات ، كما أن المستثمر لم يعد يثق بالحكومات التي من الممكن أن تغير رأيها بعد فترة ، وأن تقوية الدولة لإحكام سيطرتها على الاقتصاد والمجتمع بحجة منع السيطرة الإمبريالية ، على موارد الدولة ، أثبتت أنها حجة واهية ، لأن الدولة أصبحت شريكا للإمبريالية في السيطرة على موارد الدولة والمجتمع ومصالح الشعب( ) ، وفي ذلك يقول رئيس وزراء أستراليا روبرت هواك: ( )" إن حكومة اشتراكية مثل حكومتي ، إذا أرادت أن تقدم للمعوزين الكثير ، فيجب عليها أن تمتلك اقتصاداً ينمو بسرعة ، ولذلك يجب أن يكون لديك قطاع خاص ينمو فهو المحرك الأكبر للاستثمار وفرص العمل "، كما يقول وزير الاقتصاد السويدي :" إن آلية اقتصاد السوق في التغيير والتطور ، وبالتالي في النمو الاقتصادي أنجزت أكثر في التغيير في عملية إزالة الفقر من أي تدخل سياسي في اقتصاد السوق والتوزيع "( )، ورفض جواهر لال نهرو الإصلاح الزراعي لإبعاد البلاد عن فتنة داخلية قد تحدث بسبب ذلك( ) ، وقامت استراتيجية النهوض اليابانية بتنمية الإقطاعيات وتواصلها مع بعضها مع ربط ولاء السكان فيها بوحدات كيانية أكبر من المحلة والعشيرة، ثم عملت على التحول التدريجي نحو المركزية بخلق بني ونظم إدارية بيروقراطية ، وتنظيمات عسكرية ، ثم بتنمية الاقتصاد من خلال سوق قومية مشتركة ، مهدت لبدء المرحلة الرأسمالية بعد إنجاز التوحد القومي ، ثم تحقيق العمران الحضاري من خلال التقدم العلمي والمهني والحرفي ، وازدهار تعليمي وثقافي ، بفضل تنافس الإقطاعيات اليابانية فيما بينها لإبراز النهضة اليابانية, فالإقطاع هو الذي مهد لقيام الرأسمالية اليابانية ، من خلال تحويل الإقطاع المجزأ إلى إقطاع مركزي ، ثم أخذت الإقطاعيات الكبيرة والقوية والفعالة ، تضم تدريجيا الإقطاعيات الأصغر والأقل نجاحاً وفعالية ، مما أدى في النهاية إلى الوحدة القومية ، فالإجراءات العنيفة للإصلاح الزراعي والتأميم تحطم الاقتصاد ، إذا لم تكن محسوبة ومدروسة بشكل كبير( ) ، تقود حتماً إلى الفوضى السياسية في الدول التي تصدره ، ويرى جون كاوتسكي أن الفلاحين في المجتمعات المتخلفة لا يساهمون بأي تغيير في المجتمع لأن الفلاح في هذه المجتمعات مرتبط بالأرض ، ولا يرغب في التغيير كونه معتمدا على اقتصاد كفافي فقط ، واتصاله مع العالم الخارجي أي خارج قريته ، هو اتصال ضعيف جداً ، ونسبة الأمية منتشرة فيه كما لا يوجد تراكم رأسمالي في هذه المجتمعات المختلفة ، و لهذه الأسباب يكون التغيير التكنولوجي محدوداً ، فيظل الفلاح يعتمد على الوسائل القديمة في عمله، ويظل محافظاً على عاداته وتقاليده وطرق حياته ، فيرى الفلاح أن أي تغيير لا يعني له شيئاً ، فالصراع في هذه المجتمعات هو بين الأرستقراطية القبلية الإقطاعية و ركيزتها الأساسية لحسم الصراع هو الجيش ، حيث يكون قسماً من الضباط مواليا لبعض هذه الأسر ، وقد يحصل صراع بين الضباط للسيطرة على السلطة رغم كونهم من الطبقة الوسطى ، لأن طموح الطبقة الوسطى للوصول إلى السلطة يحذوها إلى الاشتغال بالسياسة ، مستغلة تناقضات المجتمع القديم المتفشي في الطبقة الدنيا ، بسبب المعاشات المتدنية ، إضافة إلى الانتشار الكبير للفساد في هذه المجتمعات ، كما أن تشكل مجموعة من الرأسمالية الصناعيين ( البرجوازيين ) ، في اتحادات أرباب العمل أو الجمعيات التجارية ، أو غرف التجارة أو داخل الشركات الفردية ، يستخدمون نفوذهم وتأثيرهم بشكل يتناقض مع مصالح الأرستقراطية المسيطرة ، فيزداد الصراع بينهما عندما ينتجون - البرجوازية الصناعية - ، بضائع استهلاكية للسوق المحلية ، بدلاً من مواد أولية خام معدة للتصدير ، فتزداد القوة الشرائية لدى الفلاحين ، ويرتفع مستوى المعيشة عندهم ، لذلك يؤيد البرجوازيون الصناعيون الإصلاح الزراعي لرفع القوة الشرائية عند الفلاحين ، كما أنهم يطالبون بتعريفات وقائية لصناعاتهم الوليدة ، لكن الأرستقراطية الإقطاعية ، تقاوم ذلك على أساس أن ذلك يتعارض مع مصالحها في تصدير منتوجاتها الزراعية( ) ، وهذا الصراع سيساهم على المدى البعيد في التناقضات السياسية ، كما أن التطور الصناعي بما يولده من تحقيق لزيادة التعليم للفئات الصاعدة ، سيؤدي أيضا إلى الفوضى السياسية .
ويعود نشوء برجوازية الدولة التابعة إلى عملية الاتصال بين الفلاح والعالم الخارجي , عبر الطبقة المتوسطة من البرجوازية التجارية الدائنة للفلاحين الذين استغل قسم منهم عدم قدرة الفلاح على الوفاء بالتزاماته المالية، إضافة إلى حاجاته ، فاستولوا على أرضه عبر معاملاتهم التجارية ، بشرائها منه، إضافة إلى زعماء القبائل والقرى الذين استولوا على الأراضي المشاع في الريف واعتبروها خاصة بهم ، فقامت الإمبريالية العالمية باستغلال هذه التناقضات لأحكام سيطرتها على هذه المجتمعات ودمجها ضمن متطلبات النظام الرأسمالي العالمي ، من خلال ضرب الطبقات الأرستقراطية ، مع البرجوازية التجارية والصناعية الوليدة المدعومة من قبل الطبقة المتوسطة من المثقفين الذين تعلم قسماً منهم في الغرب ، كما يستغلون سخط الفلاح على الطبقة الأرستقراطية، فيحدث الصراع مؤدياً لانقسامات حادة في المجتمع ، وتستغل الطبقة الوسطى في تحالفها الأولى مع البرجوازية والطبقة الفلاحية والعمالية مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية ، لتقويض سلطة الطبقة الأرستقراطية ، فتطالب بالإصلاح الزراعي ورفع المستوى الاجتماعي للفلاحين ، على أساس أن ذلك سيؤدي إلى نهضة صناعية كبيرة ، كما يستغلون مفهوم القومية ، فيصبحون قوميون اشتراكيون ، ويصبح عدوهم الأساسي هو طبقة الأرستقراطية ، فيتحالفون مع ضباط وجنرالات في الجيش ويصلون من خلالهم إلى السلطة ، عندئذ يعمدون من أجل استمرار سلطتهم إلى التهويل من العدو الخارجي عن طريق خلق صورة غير حقيقية بواسطة الدعاية أو باصطناع تهديد خارجي حقيقي عبر سياستهم الخارجية، فسوكارنو مثلاً استثار تهديد هولندا في نيوغينيا بغية إبقاء أتباعه متحدين ، وفي مرحلة لاحقة تتحالف الطبقة الأرستقراطية للحفاظ على وجودها مع الطبقة الوسطى الحاكمة لمواجهة متطلبات الطبقة العاملة ، بسبب عدم مقدرتها - الطبقة الحاكمة - على المنافسة الخارجية ، بسبب استراتيجيتها في الاقتصاد ، فتعمد إلى النموذج السوفيتي أو الصيني كونه أكثر إغراءا لها ، باعتباره يضع المثقفين في القيادة ويعطيهم فرص غير محدودة للسيطرة على موارد البلاد ، بالرغم مما يحمله هذا النموذج من مجاعات وسوء تغذية ومرض وأمية ، وفقدان لحقوق الإنسان ، وعند وصول هؤلاء المثقفين إلى الحكم وتبنيهم هذا النموذج بما فيه من توليتارية، تسعى لحماية مركزهم بدون الاهتمام بالتصنيع أو التطوير ، بل بتبعيته للخارج ، مسببا ركوداً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ، بسبب خلفيتهم العسكرية التي تعتبر النهب والسلب عملها المناسب ، لذلك فهي تمجد الحرب والحياة العسكرية ، وقد تتورط في حروب مع جيرانها ، وقد تندمج التوليتارية مع الفاشية من خلال ربط فئات المجتمع الفقير من عمال ، وفلاحين وجنود بها من خلال النقابات ورجال الدين وأجهزة الدولة المختلفة ، محاولين بذلك تسريع عملية التصنيع ، لكنه يكون تصنيع استهلاكي هدفه كسب المزيد من الأفراد ، وتحويل الفلاحين إلى عمال في المصانع ، لتعريضهم لنظام صناعي قاسي ، أما ما تبقى من الفلاحين فتكون مهمتهم ، تأمين الحاجات الغذائية للآخرين فقط ، كما يعمل هؤلاء المثقفين على إضعاف القوى التقليدية ومن ثم إزالتها ، ولا يمكن للطبقات التي ساهمت في وصولهم إلى السلطة ( فلاحين ، عمال ، مجندين ، صغار كسبة ) استعادة الديمقراطية منهم ، لأن حلفاءهم الجدد ، سيكونون هم الطبقات القديمة المنقرضة( ) ، وقد سمى ماركس هذا النمط من الإنتاج الذي يصله المجتمع في هذه المرحلة بنمط الإنتاج الخراجي الذي تكون الغلبة فيه للأيدولوجيا بعكس النمط الرأسمالي الذي تكون الغلبة فيه للاقتصاد( ) ، لكن يرى فيتفوكل أنه لا يوجد صراع طبقي في المجتمعات المتخلفة في ظل الدولة الاستبدادية، وإنما يوجد فقط خصومات وعداوات بين فئات محدودة قليلة العدد ، ولا تمثل صراعاً اجتماعياً ، لأن الدولة المركزية الاستبدادية لا تسمح بظهور تنظيمات سياسية مستقلة عنها إطلاقا ، وبالتالي فهي لا تسمح بتطور صراع طبقي يتمثل بالعمل الجماهيري لحسم الخلافات والنزاعات ، ولهذا السبب لا تتطور الانتفاضات والتمردات إلى حركات ثورية ، وإذا ما تطورت في هذا الاتجاه ، فنادراً ما تستهدف تغيير الحكام المستبدين الطغاة إلا لتستبدلهم بآخرين على شاكلتهم ، لتعود الدورة من جديد( ) ، لكن يرى كارل ماركس أن الدولة لا تقوم إلا بوجود الطبقات وأنها تدخل في الصراع الطبقي كوسيلة بين الطبقة الحاكمة أو المهيمنة اقتصاديا فعدم وجود طبقات داخل الدولة يعني برأيه عدم وجود الدولة ، وهذا مناقض للواقع حيث توجد دولة لكن سمتها أنها دولة تابعة للمركز ، وانتقالها من النمط التقليدي الذي يحوي الطبقات الثلاث إلى النمط الجديد أي رأسمالية الدولة التابعة ، كان بحسب متطلبات النظام العالمي أي الرأسمالية في المركز ، وما كان للأيدولوجيا اليسارية أن تنضج في هذه المجتمعات لولا ازدياد حدة الصراع الطبقي فيها ، فمنذ العهد العباسي للدولة الإسلامية كانت ثورة الزنج ( 869 – 883 ) م ، التي كانت ثورة طبقية ، بسبب الظلم الاجتماعي ، الذي جعل ثوارها ينبذون الأيدولوجيا الدينية ، وقد صرح زعيمهم محمد المتيم حول ذلك بقوله : "مادمت فقيراً فإني يقيناً لن أعبد الله ، لنترك العبادة للشيخ الجليل ، وإلى رئيس الجيوش ، إلى الذين تنتفخ أقبيتهم بالكنوز ، ولكن لماذا علي أن أعبد الله ؟ هل أنا قوى جبار ؟ وهل عندي قصر وملابس ثمينة ، وأخرى ذهبية ؟ لو عبدت الله وأنا لا أملك بوصة واحدة من الأرض لكنت أكبر المنافقين "( ).
لهذا يرى خلدون حسن النقيب ( ) أن عدم تحقيق الخلاص من التبعية والتخلف وعدم تحقيق العدالة في توزيع الدخل القومي والمشاركة السياسية والضمانات الدستورية ، وإزالة المعوقات السياسية والمالية والتشريعات التي تعرض المؤسسات والهيئات التي تقوم بالاستثمار والإنتاج والتوزيع ، وهذا ما أكده روبرت ماكنمار في كتابة جوهر الأمن بقوله:
" الأمية والمرض والجوع وانعدام الأمل تؤدي إلى الهبوط بمطامح الإنسان وآماله فيلجأ إلى العنف والتطرف ، والأمن معناه التنمية وليس توفر المعدات العسكرية، وإن كان يتضمنها ، والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي وإن كان يشمله ، وبدون تنمية لا يوجد أمن ، فالدول النامية التي لا تنمو نمواً حقيقياً ، لا يمكنها أن تظل آمنة ، وكذلك مواطنيها لا يمكنهم أن يتخلوا عن طبيعتهم الإنسانية و كلما زادت التنمية زاد الأمن ، وإذا تمكنت دولة ما إن تنظم مواردها لإمداد الشعب باحتياجاته ، ورغباته ، وأن تتعلم اللجوء إلى الحلول الوسط السلمية وسط المصالح الوطنية المتقاربة للدول الأخرى ، فإن مقاومتها لتهديدات الاضطرابات والعنف تزداد ... ويرتبط العنف الداخلي الذي حدث خلال العشر سنوات الماضية – كتاب كان عام 1962 – بالتوترات المتفجرة نتيجة للفقر ، فهنالك ارتباط مباشر ومستمر بين العنف والحالة الاقتصادية للدول ، فمن 38 دولة فقيرة عانت 32 دولة من العنف الداخلي ، وفي الحقيقة فإن هذه الدول مرت بأزمتين داخليتين ، بنتيجة العنف خلال ثمان سنوات "( ).
كما يؤكد زبغينيو برجنسكى أنه لو تحقق للبلدان المتخلفة استقرار سياسي وسلم نسبي فتزاد فيها معدلات التنمية ، وكلما زادت التنمية زاد الاستقرار ، والسلم ، وتفسير ذلك أن انخفاض التنمية بسبب ضعف الاقتصاد سيقود إلى ثقافة سياسية منخفضة ، وضعف وعي جماهيري ، يؤدي إلى تناقض سياسي( ) .
وتقبل الأيدولوجيا القومية أو الدينية أو غيرها من قبل الشعب بشكل رومانسي ، سيولد حالة من الصراع مع السلطة القائمة ، رغم أن بعض الأيديولوجيات قد لا تتوافق مع عادات وتقاليد المجتمع مثل الأيديولوجية الشيوعية في مجتمع إسلامي أو مسيحي أو يهودي ، وبالتالي ستولد نتيجة وجودها معارضة أيديولوجيات أخرى مناقضة لها كونها تتوافق مع طبيعة المجتمع ، كما أن استبداد أيديولوجية ما بالحكم و ابتعادها عن الديمقراطية والمشاركة السياسية سيحدث أزمات تؤثر على الاستقرار السياسي ، لأن اختلاف التيارات الأيديولوجية في المجتمع سيولد الصراع فيما بينها( ) ، فالتيارات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية في المنطقة العربية هي ( ):
1- التيار العلماني الليبرالي : الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة ، وتدريب العقل وتنظيمه بالإقبال على العلوم الوضعية والتجريبية ، ويكون الإصلاح عن طريق التطور ، ويعتمد على مبادرة القادة الذين يدفعون الإصلاح إلى الأمام .
2- التيار الديني الذي ينطلق من التسليم بعظمة الدين كعقيدة وكشريعة، و انتصاراته نتيجة للأفضلية الروحية على المادية .
3- التيار الراديكالي ، الذي يدعو إلى ثورة شاملة تحدث تغيرات جذرية في جميع مجالات الحياة في المجتمع .
لكن يرى رئيس الوزراء الأردني سعد جمعة أن الانقسام في المجتمع العربي ليس بين يمين ويسار وتقدمي ورجعي وشعارات أخرى زائفة ، و إنما بين مؤمنين بتراثهم الفكري والحضاري الغابر ، وبين تابعين للمعسكر الشرقي أو الغربي أو خونه للأمة ، الذين يرون القضية تجارة ينتفعون بها ويجعلونها سلعة في سوق المساومات الدولية ، وبين أولئك الذين يرونها قدراً ومصيراً ويعتنقونها مبدأ وغاية ونخوه وحمية ، فلا قيمة للأيدولوجيا إذا لم تستطيع أن تصمد أمام العدوان الخارجي أو التهديدات الخارجية( ) .
وحسب رأي موريس دوفرجيه فإن وجود مؤسسات سياسية يجري ضمنها الصراع السياسي يخفف من حدة الصراع على النظام ، فبنظام الحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية تزال الصراعات الثانوية ، وتجبر الفئات المعارضة على التعبير عن نفسها في إطار معارضة رئيسية ، ونظام تعدد الأحزاب يسهل التعبير عن النزاعات الثانوية ، ويميل إلى تجزئة التعبير عن الصراعات الكبرى ، مما يزيد في عددها ، لأن كل حزب يحاول أن يزيد عدد ممثليه على حساب الآخرين ، فيحاول أن يبرز الفروق مع أقرب خصومه ، بدلاً من أن يبرز ما بينه وبينهم من أمور مشتركة ، كما أن الواقع الاجتماعي الذي خلق الحزب، يجعل لا مبرر للحزب فيما لو تغير هذا الواقع ، فيحدث بنتيجة ذلك صراع مع الأحزاب الأخرى ، فحزب يدعو للاستقلال خلال فترة الاحتلال-وكان هذا الهدف هو هدفه - يصبح لا مبرر له بعد الاستقلال والنظام الغربي القائم على تعدد الأحزاب وحرية الانتخابات يصبح لا معني له-حسب رأي موريس دوفرجية- في بلد زراعي يسوده الإقطاع ، لأن معظم السكان متأخرون وجاهلون ، وإذا ما طبق هذا النظام في بلد كهذا سيكون مظهره الخارجي يختلف عن ماهيته ، حيث يخفي في بنيته اللبنات القديمة من التناقضات الموجود فيه ، وسيتلاعب كبار الملاك والزعماء التقليديين لمصلحتهم ، لذلك يرى دوفرجيه أنه لا بد من خلق الشروط الموضوعية المؤدية للديمقراطية قبل تطبيقها ، ويكون ذلك من خلال نظام الحزب الوحيد ، الذي يمكن من خلاله تربية جماهير الشعب تربية سياسية ، وإبعاد الفئات المثقفة عن الملاك الأرستقراطيين وتجنيدها لصالح الحزب الحاكم ، ومن خلالها نشر مبادئ الديمقراطية بين الناس ، لأن تحقيق الديمقراطية في الدول المتخلفة لا يتم إلا عن طريق النمو الاقتصادي من خلال زيادة الاستثمار الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج، ولا يتحقق ذلك في ظل ظروف البلدان المتخلفة المفتقرة للبنية التحتية والصناعة المنافسة إلا من خلال الضغط على الاستهلاك أي التقشف لتحويل المال المتوافر للاستثمار ، ويكون ذلك بتخفيض مستوى المعيشة عن المستوى العادي ، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق حكم ديكتاتوري ، لكن وجود السلطة الديكتايورية في يد الرجعية - الغير الوطنيين - سيبقي على البلدان متخلفة وسيهجر نخبة الأمة البلاد باعتبار نخبة الأمة، لا بد أن تكون وطنية وديمقراطية ، ولكن يؤخذ على هذا الرأي أن أمثلة التاريخ أثبت عقمه وعدم منطقيته( ) فعلى سبيل المثال ، اعتمدت السلطات النازية والفاشية على نظام الحزب الواحد مما قد أوقع بلادها في مهالك وحطم اقتصادها من خلال أيديولوجيتها الشوفينية التي أودت بها إلى حروب عديدة ، واحتكار نظام الحزب الواحد للسلطة وسيطرته على جميع الأجهزة فيها وانعدام الرقابة فيها ، وانعدام المعارضة السياسية يجعله مأوى للانتهازيين الذي يستخدمونه لتحقيق مصالحهم الشخصية ، ويكون معتمداً على الزعيم الفرد وشخصيته وطبيعته وطائفته، ولابد له أن يكون مستبداً فالقانون قانونه ، والسلطة سلطته ، وتتحول الدولة في ظله إلى دولة بوليسية ، لأن البعد الأيديولوجي الذي يتبناه لابد أن يفرض عليه هذا السلوك( ) ، ورغم ما يحققه نظام الحزب الواحد من شكل ظاهري للوحدة الوطنية وتأكيده ، على بناء الدولة القومية ، على أساس أنه يقوم على اتفاق الرأي بما يتفق مع النمط التقليدي للديمقراطية ، لكن عملياً هو عقبة أمام الوحدة الوطنية ، لأنه يفرض أيديولوجية أحادية الجانب ، وقولبة شخصية الفرد تبعاً لغايات حددت سلفاً ، وتقديم نفسه وصياً عن الشعب ، فيحدد لهم ما يفكرون به وكيف يفكرون ، ويعلم الناس كيف يخفون أفضلياتهم وكليشات ظاهرها يوهم أنها تعكس إرادة الشعب ، فبدلاً من تعليم الفرد وجعله مواطنا مسؤولا ، فإن الحزب الواحد يطأ الناس بأقدامه ، ويعلم الناس أن يظهروا عكس ما يبطنون ، وأن يخفوا شعورهم الحقيقي وراء حجاب ، وأن يستخدموا لغة غير مفهومة أي اصطلاحية وغير مقبولة حتى يبدوا أنهم ملتزمون خط الحزب ، لينجوا من القمع ، فيجرح الذات الشخصية، ويصيب الفرد بالإحباط كما أنه يرتد إلى القبلية ، بسبب أن الأفراد يصابون بالذهول في مجتمع شمولي يخضع فيه الفرد كليا للدولة ، مما يحذوا الأفراد إلى الارتداد إلى القبيلة والطائفة كملاذ أخير لهم من هول النظام الشمولي( ) .
ويؤخذ على الحركات الإسلامية المتطرفة أنها تنادي بأن القرآن هو دستورها ولا يحق لمسلم أن يجادل القران بحجة أن رأيه هو رأي بشر في مواجهة كلمة الخالق- رغم أنه لم يفسر القرآن الكريم تفسيراً يجتمع عليه جميع المسلمين بمذاهبهم المختلفة- ، ويقود هذا المنطق إلى نفي أراء الآخرين باعتبار أن التوجهات السياسية هي اجتهادات بشرية يمكن نقدها وتقويمها ، أما ما يؤخذ على الأحزاب اليسارية ، فرغم رفضها الملكية والنظام الوراثي ، إلا أنها حولت الأنظمة التي تدعي أنها تمثل الجماهير إلى أنظمة يتحكم فيها البعد العشائري والطائفي وتحويل الحزب إلى بيروقراطية واستبداد وإذلال للفرد وإعلاء شان الزعيم الفرد، وتبقى التعددية الحزبية ، بما تحويه من إمكانية تداول السلطة بين أكثر من حزب، من خلال أيديولوجية وأسلوب ووسيلة تعامل أساسها المساواة واحترام إرادة الأكثرية ، وصيانة حقوق الأقليات من خلال مؤسسات تمثيلية ودستورية ديمقراطية تقر بالحقوق والحريات والرأي وحق الاعتقاد والتنظيم الحزبي والمهني وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة ، وتولي المناصب العليا ، فلا يمكن إلغاء ذلك بحجة حماية مصالح الكادحين أو الجماهير الواسعة أو الخطر الخارجي سواءاً كانت باسم الطبقة العاملة أو قوى الثورة أو الدين أو غيرها، وهى قبول بالتدرجية وامتثال القواعد ، ومبادئ التعددية والتداول وتطوير للواقع ، وهي أساس عملية التغير السلمي المدني للسلطة ، وتوفر مستلزمات التعايش والسلام الاجتماعي والتطور والتراكم لاختيار أسلوب حكم ، يرتضيه الناس ، ويحظى بموافقتهم ، ويستبدلونه كلما شعروا بالحاجة ، لذلك فالديمقراطية لا تقدم الحل ولكنها ترفع الحواجز في طريق الحل ، فهي تمثل التيار المعتدل القادر على الوصول للناس ، وكسب تأييدهم دون خوف ، لذا فهي تبقى مكروهة من قبل الأنظمة الديكتاتورية العسكرية التي لا تستطيع الوصول لمبادئ وطبيعة الشعب وحياته فيبقى رافضا لها( ) .
ويبدأ التعارض والتنابذ بين الأيديولوجيات الحزبية ، عندما تحاول أيا منها الوصول للحكم من خلال برنامج يدخل في دستور كل منها ، فيعمل كل حزب على كسب أكبر عدد من أفراد الشعب إلى جانبه ، فالأحزاب القومية ، تناضل لتوحيد الأمة على أساس اللغة الواحدة والثقافة المشتركة ، حسب ما تقوله أيديولوجيتها ، لكن التيار الديني الإسلامي مثلاً يرى أن الإسلام هو الذي صنع الأمة العربية جسماً وروحاً ، لأن الأمة العربية قبل الإسلام كانت جمله قبائل جاهلة طامسة ليس لها أي شيء من الثقافة الإنسانية ، ولولا الإسلام لبقى العرب قبائل تائهة في الصحراء ، ولما سجل لهم التاريخ إلا سطوراً تافهة في صحائفه( ) ، لكن يرد رئيس الوزراء العراقي عبد الرحمن البزاز، وهو ينتمي إلى التيار القومي العربي ، إن الأخوة الروحية بين أبناء الدين الواحدة لا تأثير لها ، أمام الأخوة القومية التي توجب أن يكون لكل أبناء القومية الواحدة ، مصير سياسي واحد ، ومصلحة قومية نهائية ، وقيادة ترابط وتضامن اجتماعي وسياسي بين أبناء القومية الواحدة وتتعارض نظرة هذين التيارين، حول قضية الأقليات فيتساءل القوميون ماذا سيفعل التيار الديني إزاء الأقليات الدينية، وبالمقابل يتساءل الإسلاميون ماذا سيفعل القوميون بالأقليات القومية، بالرغم من تأكيد التيار الإسلامي أن العرب هم وحدهم بيئة القيادة الصحيحة لجميع المسلمين وأن على الحكومة الإسلامية أن تحافظ على خصائص هذه البيئة لتبقى ينابيع الإسلام صافية ، ودعائمه مجدية ، كما أن النهضة الإسلامية لا تكون إلا بدعائم عربية خالصة ، تتيح لهم أداء واجبهم ورسالتهم الكبرى ليستعيدوا مجدهم ، فالقومية العربية تدخل في صميم برامج الأحزاب الدينية الإسلامية ، وما يقال بأنها تتعدى القومية ، فهو محض افتراء لأنها إنما تتعدى القومية على أساس سيادة القومية العربية ، على كل المناطق التي وصلت إليها الأيديولوجية الإسلامية ، وترى نيفين مسعد إن الوطنية تلهب مشاعر أعضاء التنظيمات الإسلامية مثل غيرهم من الأحزاب الوطنية ، فجمعية الإرشاد الإسلامية الاخوانية ( الكويتية ) حلت نفسها عام 1990 احتجاجاً على تخاذل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في إدانة النظام العراقي عقب غزوه للكويت ، وهي حركات وطنية من حيث دعواتها للجهاد للرجال وللنساء على حد سواء و ذلك عند تعرض الوطن للخطر ، وترى أنه من حق الأقليات الدينية التعبير عن نفسها وعقائدها ، وإقامة جمعياتها السلمية وتحديد معابدها وممارسة طقوسها ، ولها نفس واجبات المسلمين ، فحزب الإخوان المسلمين في مصر مثلاُ أيد قيام حزب مسيحي للأقباط ، وأيد دخولهم مجلس الشعب ، واستنكر الأعمال الإرهابية التي تعرضوا لها ، وتعتبر الطبقات الوسطى والدنيا المورد البشري المغذي لهذه الحركات فهي تستقطب الطبقة الوسطى مثلها مثل الحركات القومية ، وخاصة المثقفين منهم، كونهم أشد أبناء الشعب حساسية وسخطاً( ) ، وفي ذلك يقول هوسلتز وويز: " لا يوجد أحد يميل إلى استعمال العنف كالمثقف الساخط ، الذي يكون كوادر الأحزاب السياسية الأقل مسؤولية ، والذي يشكل هوامش ضيقة من الديماغوغيين ، الذين يصبحون قادة الحركات العقائدية ، والذين يهددون النظام "( ) , والمقصود بالمثقفين حسب رأيه ، هؤلاء الذين دخلوا الأحزاب القومية أو الشيوعية أو الدينية المتطرفة ، و الذين كان لهم الدور الأكبر في شرخ المجتمع إلى فئات وطبقات ، وكان تحالفهم مع الجيش أساس وصولهم إلى السلطة فالنخبة الحاكمة في الأنظمة الشيوعية مثلاً ، تجعل الوسط العلمي مغلقاً ومعزولاً وتعمل على استخلاص مواهبه ، وإفساد نظامه بالمكافآت ، محتفظة بحقها في تحديد الأهداف الكبرى ، فمثل هذا النظام والأنظمة السالفة هي التي أفرزت النظم التسلطية في بلدان الشرق الأوسط في حقبة الستينات ، بتحديدها المشاركة السياسية،ووضع قيود على الأحزاب السياسية والتنظيمات المضادة للحكومة أو أنها حظرت تكوينها، ودمرت المؤسسات التي كانت تسهل المشاركة السياسية الشعبية في العملية السياسية ، وخلقت مؤسسات لتعبئة المواطنين لتأييد النظام دون السماح لها بتقديم مطالب إلى الحكومة ، وبالرغم من أنها قامت أحيانا بتأسيس أحزاب سياسية كوسيلة أو أداة لإعطاء مظهر خارجي للمشاركة السياسية ، ولتعبأة التأييد الشعبي لنظام الحكم ، وأحيانا يتم السماح بالمشاركة السياسية على المستوى المحلي في انتخابات المجالس البلدية ، ولكن وفق قيود وتحديدات ، ورغم ذلك كله لم يؤد ذلك إلى استقرار سياسي طبيعي وإنما حدث استقرار سياسي قسري، ففي ظل هذه الأنظمة لم يستطع الفلاحون مثلاُ التأثير على السياسات الزراعية مما أعطى الفرصة للنظام ، لإتباع سياسة عامة ضارة بالقطاع الزراعي ، كما أنه منع وعرقل نمو الإنتاجية الزراعية ، وأدت سيطرته على الأسعار والأسواق إلى تعزيز قدرة النخب الحاكمة فيه على تكوين ثروات ، وعلى استخدام سيطرتها على الاقتصاد لتوفير منافع لحلفائها ، وحرمان خصومها من الفوائد الاقتصادية مما أنتج اقتصاد مسيس ، فأصبح في ظلها الكسب الاقتصادي الفردي نتاجاً للوصول إلى السلطة والقوة السياسية ، وليس نتيجة لزيادة الإنتاج أو الكفاءة وأصبح سلوك الإنتاج سلوك ريعي وليس ربحي ، وبناءاً على ذلك تكونت هناك أحزاب معارضة تعمل في الخفاء ، وفي الظلام تنشر تعاليمها في شكل منشورات أو رسائل من خلال المقاومة السرية ، وأصبح تلقي الأتباع للأوامر الصادرة من فوق على أنها نصوص واجبة الطاعة ، على أساس أن ذلك لمصلحة الوطن ، و بالتالي فلا مجال لمناقشتها أو التخلص منها ، لأنهم يعتبرونها دين عليهم فيقبلون عليها بلهفة ، وتفسير ذلك أن الاضطهاد في ظل عدم القدرة على الرد أي الكبت ، الذي له حدود معينة يصل إليها وعندما يتعد هذه الحدود ، سينفجر ضد القيادة ، وخاصة عندما تعيش المعارضة في بيئة اضطهادية ، فتسودها الأساطير والخرافات بما يتناسب مع هذه البيئة ، وهذا ما يفسر ظهور الفرق الباطنية في الماضي كالقرامطة والإسماعيلية وغيرها ، والتي لم تكن سوى أحزاب سياسية سرية( ) ، ذلك أن الأوامر التي يصدرها أشخاص فقدوا العمل في النور ، قلما تخضع للتمحيص والمنطق والشورى ، وبعد أن يصلوا إلى السلطة ويقيموا حكمهم في وضح النهار ، وينتقل معهم مبدأ تقديس الحاكم ، من صفوف المعارضة إلى صفوف الحكم نفسه ، وتصبح الأمة في ظلهم لا قيمة لها لأنهم غير مؤهلين أصلاً للحكم، وتحمل المسؤولية ، وبالتالي فعدم الولاء لهؤلاء لا يعد جريمة ، لأن المقصود بالدولة هو مؤسساتها الديمقراطية الحقيقية لا شخصية الحاكم وزمرته،وعلى ذلك فلا استقرار سياسي حقيقي في ظل أحزاب مهيمنة أو أحادية( ) .
لكن يرى حمدي عبد الرحمن حسن أنه لا علاقة لمسألة الحزب الواحد أو التعددية الحزبية بالاستقرار السياسي في المجتمع ، لأنه حدثت عدة انقلابات على نظم تعددية حزبية في عدد كبير من الدول ، إضافة إلى الانقلابات التي حدثت على نظام الحزب الواحد ، وتفسير ذلك أن الأحزاب في أي مجتمع هي صورة لذلك المجتمع ، فالمجتمع المتخلف تظهر صورته في أحزابه المتخلفة الفاسدة ، ولا يمكن إصلاح مفاسد الأحزاب القائمة فيه ، إلا بإصلاح الأوضاع الاجتماعية القائمة المستندة إليها هذه الأحزاب( ) ، ويرى منيف الرزاز أن سوء هذه الأحزاب لن يكون دواءه إلغاء الحياة الحزبية ، لكن الدواء هو في إعطاء مزيد من الحرية للقوى التقدمية في الشعب ومزيد من التعليم والتحرر الاقتصادي والاجتماعي والشعور بالمسؤولية، لأن الحياة الحزبية هي إحدى ضمانات حرية الشعب السياسية ، وتنافسها وتطاحنها ، في سبيل خدمة الشعب ، وتجنيد الكفاءات السياسية لتحمل المسؤولية ، وهي التي تدفع المواطنين إلى الوعي وتحمل المسؤولية بإثارتها لهم بالاهتمام بالشؤون العامة من خلال التنظيم الحزبي( ) ،بيد أنه تعمل بعض الأحزاب الراديكالية على تسخير المدارس الثانوية والجامعات والمعاهد ، في تنديدها بالسلطة القائمة أو بالأحزاب الأخرى ، خاصة أن الطلاب في الدول التي خضعت للاستعمار أو الانتداب ، قد ساهموا من أجل الاستقلال بفعالية كبيرة ، وهم يمثلون جميع الطبقات في المجتمع ، وهم قادرين على تحريك الأحداث باتجاه المستقبل كونهم يشعرون بامتلاكه ،من أجل خلق مستقبل أفضل للوطن ، فالطلبة بما يملكون من استعمال سلاح المظاهرات والمساهمة في تعرية ومواجهة النظام الحاكم فيما لو انحرف عن الطريق القويم ، فنزولهم للشارع يعطي مجالاً واسعاً لإلهاء الشارع بما يخدم المظاهرة ، كما أن لجوء الطلاب إلى التوقف عن الدراسة أو لجوءهم إلى الإضراب عن الطعام ، لإثارة الرأي العام ، وتنبيهه إلى عدالة المطالب المطروحة من قبل الأحزاب المعارضة، فعلى سبيل المثال كان إضراب 1920 للاتحاد الوطني لطلبة العراق ، له تأثيره في ثورة العشرين في العراق ، كما أن إضراب الطلبة في العراق عام 1963 له الدور الأكبر في انقلاب فبراير 1963 ، و الذي وصل من خلاله البعث إلى السلطة ، لكن مما يؤخذ على اشتراك الطلبة في الحياة السياسية ، مثل دخولهم الحزبية وانخراطهم في المظاهرات والاضطرابات و .... الخ ، أن ذلك يعيقهم عن الدراسة ، كما أن سنين عمرهم تؤكد أنه لم يكتمل وعيهم بمستقبل أمتهم في ظل الظروف الدولية التي تدرس لها المسائل بكل دقة بعيداً عن العواطف والذاتيات ، وفي ظل الإدراك الكامل لموازيين القوى الدولية ، والتي تحتاج إلى متخصصين في هذه المجال ، لكن تعمد بعض الأحزاب المشبوهة إلى استغلالهم وإثارتهم من أجل تقويض النظام الديمقراطي وإثارة الأزمات السياسية، مستغلة تعاطف فصائل الشعب كافة معهم كونهم يمثلون أملها ومستقبلها ، وبذلك تسنح الفرصة لهذه الأحزاب المشبوهة لإحلال نظام ديكتاتوري يحل محل النظام الديمقراطي متذرعة بمبادئ الحرية والديمقراطية والتغيير والمستقبل الأفضل( ) ، فالفاشية على سبيل المثال استطاعت بقدرتها الخارقة تمويه جوهرها الحقيقي ، لدرجة أن القوى الرئيسية في المجتمع من عمال وفلاحين وصغار كسبة ، وجنود وغيرهم لم تستطع التعرف في الساعة الحاسمة على الوحش المتعطش لسفك دماءها ، ذلك الوحش الذي كان ألد أعدائها، ومنعها -عندما وصل إلى السلطة-، من التعرف على الأفكار الأخرى التي هي أكثر عقلانية وتطوراً فكرياً ، لأن أشد أعدائه هو الوعي وسعة الإطلاع( ) ، فخرج معظم العلماء من ظلم الطغيان النازي إلى الخارج ، وهذا ما كان له الدور الأكبر في انهيار ألمانيا عام 1945 ( )، ورغم أن البعض يرى أن طبيعة الشعب هي التي تحدد نظام الحكم ، فيرى سمير عبده أن الحياة الحزبية والانتخابات العامة لا تصلح للعرب مثلا لأنهم انفراديو النفسية و لا يخضعون طواعية لقرارات الأكثرية ، فالديمقراطية لا تنفع لشعب يصر على التمتع بحريته الشخصية ، بل تصلح للشعب المستعد للتضحية بجزء من حريته لمصلحة المجموع والنظام( ) ، ويرى آخرون أن العرب أكثر من غيرهم تقبلاً للشخصية التسلطية بسبب تنشئتهم السياسية في مجتمعات تسلطية بإرثها الحضاري( ) ، لكن هذه الآراء بعيدة عن الواقع العملي والآراء الموضوعية ، لأن النظام التسلطي مفروض فرضاً على هذه الدول ، فبالرغم من أن البلاد العربية تخلصت من الاستعمار الغربي ، إلا أنها ظلت تابعة لبلدان المركز التي فرضت من خلال عملياتها القذرة ( مؤامراتها السرية ) ، هذه الأنظمة ، خاصة في حقبة الستينات ، فأصبحت هذه الدول ذات نمط خراجي ، والسلطة فيها تابعة للمراكز الإمبريالية في الخارج ، كما أن الدول الأوربية جميعها لم تتخلص من الأنظمة التسلطية إلا بعد فترة طويلة من الثورة الفرنسية ، فهل كانت طبيعتها تقبل التسلطية ثم انقلبت إلى العكس؟ ، كما أن بعض الدول العربية مرت بالمرحلة الذهبية للديمقراطية الليبرالية ، قبل أن تسقط على يد التيار اليساري الذي كان وسيلة الغرب لزيادة تبعية بلدانها إلى المراكز ، فطبيعة الشعب لا علاقة لها بنظام الحكم بشكل رئيسي وإن كان لها تأثير ثانوي ، في ضوء المتغيرات الداخلية والخارجية المؤثرة بشكل مباشر ورئيسي ، لذلك يرى موريس دوفرجيه أنه لو عمدت الديكتاتورية العسكرية لفتح الحريات للصحافة ، وأساتذة الجامعات ، فإن أربعة أخماس الصحافة ستكون ضدها ، وتسعة أعشار الاتجاه الجامعي سيضعها موضع النقد وفي ظل ذلك لا يمكن أن يستمر الحكم الديكتاتوري ، لذلك يلجأ إلى الرقابة والتعلق بأسباب حكمهم ، وذلك بإضعاف المستوى التعليمي سواءاً من ناحية الكم أم من ناحية الجوهر مما يقود إلى إضعاف المجتمع ثقافيا ً واجتماعياً واقتصادياً ( )
فالنظام الحزبي الأحادي أو المهمين لن يحدث استقراراً سياسياً مستمراً ، لكن من الممكن أن يحقن المجتمع بجرعات مهدئة من خلال سياسته الداخلية و وسائله القمعية ،و لكن سقوطه في أي لحظة بفعل مؤثرات خارجية أو داخلية أو متعاضدة معاً ، سيحدث انفجاراً فيه يكون أقسى بكثير من كل المراحل التي حكم خلالها فيما لو اعتمد نظام الحرية والديمقراطية والتعددية ، وقد يؤثر هذا الانفجار على كيان الدولة ، لذلك تبقي التعددية السياسية من خلال النظام البرلماني أفضل للمصلحة العامة ، ويرى رئيس الوزراء السوري الأسبق حسن الحكيم، إن من الأفضل ألا يتعدى عدد الأحزاب اثنين أو ثلاثة على الأكثر ، لأن تعدد الأحزاب في البرلمان يجعل التشريع عسيراً ، ويجعل مهمة الحكومة شاقة ، وبقاءها في الحكم مهدداً دائماً ، إذ يصعب مع تعدد الأحزاب في البرلمان تشكيل أكثر ثابتة وحكومة متجانسة ، والانقسام البرلماني إلى شيع وأحزاب من شأنه أن يترك في الحياة الدستورية أثراً سيئاً ، وقد يؤدي إلى انهيار الديمقراطية البرلمانية ، ويبدد الرأي العام ، ويقسم أبناء الشعب ، بتأثير الحزبية الضيقة لبعضهم ، مما قد يؤدي إلى بروز الإقليمية الضيقة والنعرات المذهبية ، وانتشار كثير من العقائد و الأفكار المنافية لمصلحة الوطن العليا، وفي ذلك يقول أفلاطون : " لا شر يحيق بمدينة أكثر من ذلك الذي إذا نزل بها فرقها شيعاً وأحزاباً ، ولا خير تنعم به مدينة أعظم من ذلك الذي إذا حل فيها ، ربط أجزائها ببعضها البعض"( ) .
لكن من أكبر دعائم النظام البرلماني هو أن يكون له ميزانية سنوية تحدد مقدماً ما يجوز لها إنفاقه وما لا يجوز لها جبايته من المال خلال السنة لكي تسير المصالح العامة في الإنفاق طبقاً لهذا البرنامج المرسوم بانتظام وأن يكون للميزانية وجهة مالية ووجهة قانونية ، ووجهة سياسية ، بحيث تكون سلطة اعتماد الميزانية في يد البرلمان الذي يحدد المصالح العامة الذي تسلكه السلطات التشريعية والتنفيذية ، مع معرفة مركز خزانة الدولة ونتائج السنوات الماضية ، ونتيجة السنة الجارية ، وإحصاء حركة التجارة الخارجية خلال تلك السنوات الماضية ، وعدد الموظفين في كل مصلحة عامة كبرى ، ومقدار مرتباتهم ، وغير ذلك من المعلومات ، عند دراسة الميزانية، وعند عرض مشروع الميزانية عليه ، و إلا فستكون رقابة البرلمان شكلية فلا قيمة لحرية الصحافة وحرية القول ، إذا لم تستطع إثارة الرأي العام عن مركز الدولة المالية بوثائق رسمية ، يتوفر فيها الوضوح وسهولة التأويل للجميع ، وبذلك يتحقق نوع من الاستقرار الاقتصادي الذي يقود إلى استقرار سياسي نسبي ، وعدم تحقق ذلك من خلال أيديولوجيات أحادية أو شوفينية أو فاشية ، سيزيد من عدم الاستقرار السياسي في البلاد ، كما أن تعدد الأحزاب بشكل كبر وفي الحياة السياسية ، سيخلق نوع من عدم الاستقرار في المجتمع ، لكنه سيكون أقل بكثير من نظام الحزب الواحد على المدى البعيد والقريب لأن التناقضات ستظهر مباشرة على السطح ، وتحل في وقتها ، حتى لو طالت الأزمة أو مدة الحل ، أما التناقضات في ظل الحزب الوحيد أو المهمين فستتراكم حتى تنفجر ، وتهدد كيان الأمة والدولة .

وبناء على ماسبق نستطيع أن نسقط تلك الأشياء العامة التي هزت المجتمع السوري مما أدى إلى سقوط كثير من الحكومات السورية التي لم تستطع تحقيق معيار الاستقرار السياسي فيها وهي أن تكون مدتها تزيد عن الثمانية أشهر وهومعيار عدم الاستقرار الحكومي ، كما لم تستطع الأنظمة السورية المتعاقة أن تستمر مدتها القانونية ، والتي تكون عرفياً بأربع سنوات حسب معظم الدساتير في العالم ، فكان سقوط الحكومات والأنظمة شيئأ مميزاً فيما بعد فترة الاستقلال وحتى وصول وزير الدفاع السوري حافظ الأسد إلى الحكم في سوريا وعلى هذا الأساس ستوضح هذه الدراسة الأسباب الداخلية وتناقضات المجتمع السوري التي التناقضات الكثيرة في المجتمع السوري.





















الفصل الثاني
الجيـش السوري ودوره في ظاهرة التناقض السياسي
للجيش في سوريا تاريخ طويل فعلى أرضها كانت المعارك العالمية الكبرى منذ فجر التاريخ بين الحضارات المختلفة، وكانت الكثير من مدنها مراكز لتلك الحضارات، أو حواضر مهمة لها، لكن زادت أهميتها في ظل الدولة الأموية التي كانت مركزها دمشق، فاهتم الأمويون في تنظيم الجيش وأكملوا ما بدأه الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في تنظيم الجيش( )، ثم أدخلالخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، نظام التجنيد الإجباري ففتحوا شمال أفريقيا كلها إضافة إلى الأندلس وجنوب فرنسا، وفرضوا الجزية على بلاد الصين والقسطنطينية، بعد أن فتحوا السند وبلاد ما وراء النهر وهي ما تعرف الآن بالتركستان والباكستان وغيرها من المناطق التي نشروا فيها رسالتهم، كما أنهم فتحوا معظم جزر البحر المتوسط، و كانت دمشق مركز الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي الذي يعد استمراراً للدولة الزنكية التي كانت عاصمتها دمشق أيضاً، فكانت الدولة الأيوبية وريثة عدة دول أهمها الدولة الفاطمية في مصر و الجزيرة العربية و الدولة الحمدانية في حلب والموصل وعلى هذا الأساس وحدت الدولة الإسلامية بعد أن تقسمت إلى دويلات عديدة، -وقد أيد الخليفة العباسي في بغداد هذه الوحدة وأقر صلاح الدين على هذه المناطق- وبعد ذلك هزمت الصليبيين في حطين وأخرجتهم من البلاد التي احتلوها بعد ذلك، وكانت الدولة الحمدانية في حلب والتي امتدت لمسافات شاسعة له الدور الأكبر في حماية الدولة الإسلامية من الغزوات البيزنطية، وعلى أرض الشام هزم المغول بعد تحالف أمراء الدولة الأيوبية في الشام مع مماليك مصر بقيادة القائد سيف الدين قطز في معركة عين جالوت، لكن ضعف مركزها في ظل الدولة العثمانية التي اتسمت بالتخلف والجهل مما أثر على مركزها، وعادت الروح إليها عندما أصبحت مركز الجيش الرابع التركي بقيادة جمال باشا –السفاح- خلال الحرب العالمية الأولى، ثم دخول الأمير فيصل بن الحسين دمشق عام1918 والذي عمد إلى بناء جيش وفرض التجنيد الإجباري، وتشكلت أول وزارة دفاع في المنطقة العربية في 2 مايو 1920( )، وكان أول وزير للدفاع هو يوسف العظمة الذي استشهد في معركة ميسلون والتي على إثرها دخل الفرنسيون دمشق في 1920، وفي عهد الانتداب الفرنسي شكلت فرنسا جيشاً في سوريا سمته جيش الشرق المختلط، وهو يجمع بين أبناء كل سوريا المنتدبة من قبل الفرنسيين بما في ذلك أبناء لبنان، رغم أن فرنسا اعتمدت مبدأ انتقاء الموالين لها، وخاصة من الأقليات الدينية والعرقية، حيث شكل العلويون وحدهم (3) كتائب من أصل 12 كتيبة، -لكن هذا لا يعني أن الأقليات كانت الأكثرية في الجيش فقد كان معظم ضباط الجيش بعد الاستقلال من السنة، وما يدل على ذلك أن قادة كل الانقلابات العسكرية الناجحة قبل 23 فبراير 1966 كانوا من الضباط السنة( )- كما أن مؤتمر حمص للمصالحة الوطنية في عام 1962 كان يضم 36 ضابط من الضباط السنة مقابل (5) فقط من الأقليات الأخرى أي أن نسبة الضباط السنة كانت حوالي 88 بالمائة بالنسبة لمجموع الأقليات الأخرى، كما كان معظم مؤيدي انقلابات الضباط من المسلمين السنة أيضا وهذا يعني أن الضباط السنة كان لهم دور كبير في الانقلابات العسكرية خلال هذه الفترة حيث كان تدخل الجيش السوري للسياسة من أهم العوامل التي ساهمت في عدم الاستقرارالسياسي في سوريا، بسبب اتصال بعض السياسيين ممن ينتسبون إلى الأحزاب بالعسكر كونهم أداة مهمة للتغيير السياسي، كما عمل بعض السياسيين الآخرين على إدخال طلاب المدارس العسكرية والشرطة ضمن أحزابهم، بحيث يكونوا تابعين لهم بعد تخرجهم، كما فعل ذلك عضو الحزب القومي السوري وعضو حزب الشباب ثم حزب العربي الاشتراكي ثم أحد قادة حزب البعث العربي الاشتراكي وهو النائب أكرم الحوراني، رغم أن المسؤولين عن الطلاب في الكليات العسكرية كانوا يعملون على صهر الطلاب في بوتقة واحدة واندماج واحد، بحيث تسودهم ثقافة الأخوة والاحترام ( )، خاصة أن الطلاب في مراحلهم الدراسية لم يكتمل نضجهم السياسي، لكن الحوراني يقول في ذلك ليبرر عمله في تسييس الجيش: " كنت أسأل نفسي، هل نترك الجيش للرجعية لتنفيذ مؤامراتها، بعد أن أصبح الجيش أهم ساحة من ساحات الصراع بين القوى التقدمية، والاستعمار؟ هل نعتبر الجيش قطاعاً من قطاعات الشعب، وهذا يقتضي تنظيماً حزبياً عالياً؟"( ) ويقول أيضاً "الجيش هو الشعب والشعب هو الجيش"( ), فكان الحوراني –كما سنرى لاحقاً- عراب الانقلابات العسكرية في سوريا، قبل انقلاب عام 1966.
لكن لابد لأي انقلاب عسكري أن يكون نتيجة لعوامل عديدة أدت إليه فيكون هو رد فعل لهذه العوامل، إضافة لما يحدثه تدخل العسكر في إحداث الأزمات الحكومية وسقوط الحكومات، فانقلاب حسني الزعيم في 29 مارس 1949، كان من أسبابه تردي أداء الجيش في حرب فلسطين عام 1948 حيث سببت خيبة أمل وشعور بالإخفاق على المستوى الشعبي( ) ، كون الشعب كان ينظر لجيشه على أنه المحقق لتطلعات وأهداف الشعب بعد أن فرض الرئيس شكري القوتلي التجنيد الإجباري في سوريا عام 1948، وأصبحت الجندية واجباً مقدساً على الجميع، لتحقيق الأمن الخارجي والداخلي، خاصة بعد الاضطرابات في فلسطين بسبب وعد بلفور وماجره عليها من قيام دولة إسرائيل بتأييد الأمم المتحدة عام 1947، وقد شكك بعض أعضاء البرلمان السوري في أعقاب حرب فلسطين عام 1948 في نزاهة بعض قادة الجيش، واتهام البعض منهم بالفساد والسرقات، حيث شكل البرلمان لجنة للتحقيق في ذلك، وحوكم وزير الدفاع أحمد الشرباتي خلال حرب فلسطين، بسبب الخطة التي عهد بها لبعض الضباط وقد رفضها قائد الأركان اللواء عبدالله عطفة، مما حذا بوزير الدفاع إلى الاستقالة بعد خمسة أيام من بدء حرب فلسطين، فتسلم وزارة الدفاع رئيس الحكومة جميل مردم بك إضافة لمنصبه، وعمل لإبعاد قائد الأركان عن الأركان، وتعيين حسني الزعيم بدلاً منه والذي عمل على تطبيق خطة وزير الدفاع الخاطئة، والتي بسببها قتل الكثير من الجنود السوريين، حتى سميت المنطقة التي حورب فيها بمقبرة الجيش السوري، رغم أن الجيش السوري لم يهزم في تلك الحرب بل احتل بعض المناطق الاستراتيجية مثل مستوطنة كعوش، وكانت خطة قائد الأركان عبدالله عطفة، الاستيلاء على الساحل الفلسطيني السهل، ومنع الإمدادات للجيش الإسرائيلي، لكن لم تنفذ خطته، إضافة لقضية الضابط فؤاد مردم بك ابن أخو رئيس الحكومة جميل مردم بك، حيث عهدت إليه قبيل حرب فلسطين بقليل، باستيراد شحنة الأسلحة من إيطاليا إلى سوريا، لكن ذهبت الشحنة إلى إسرائيل، وكان هذا الضابط على علاقة بجاسوسة يهودية يوغسلافية اسمها بلماس، مما حذا بالرئيس شكري القوتلي لتقديمه للمحاكمة، كما أن الحكومة السورية تورطت بصفقة طائرات إيطالية ( )، تبين أنها قديمة وتسخن بسرعة، حيث ظهر ذلك خلال عرض عسكري أمام الجمهور، فسقطت إحدى هذه الطائرات وأودت بحياة عشرين متفرجاً وجرح آخرين، كل هذه الفضائح وغيرها كان لها تأثير سيء على الشعب السوري خاصة أن قائد الأركان الجديد وهو حسني الزعيم ( )، كان سجله مليئاً بالفساد منذ زمن الانتداب الفرنسي ، فقد اختلس مبلغ (3000) ليرة سورية، فحكم عليه عام 1942 بـ 10 سنوات سجن ، وقد أطلق سراحه الرئيس شكري القوتلي بعد الاستقلال، إضافة إلى استشراء الفساد في تموين الجيش وخاصة فضيحة الشحنة الفاسدة، مما أدى لاستهتار الشعب السوري بقيادة الجيش، وتعرض الضباط للإهانات بسبب ذلك، حتى أنه أصبح الصبية في الشوارع يمسكون أنوفهم حينما يمر أحد الضباط، وقام زعيم الحزب التعاوني الاشتراكي والنائب في البرلمان فيصل العسلي، بالتنديد بحسني الزعيم، وقيادة كتلة برلمانية تدعو لعدم زيادة ميزانية الجيش، بسبب الفساد، وأعتقل رئيس تموين الجيش العقيد أنطوان البستاني، وأرسل من سجنه رسالة لحسني الزعيم يهدده فيها بأنه سيكشف جميع شركائه، إذا لم يتصرف حسني الزعيم ويحل الموضوع( )، كما أن تعديل الدستور السوري عام 1947 للتمديد لرئيس الجمهورية لمرة واحدة فقط بسبب حرب فلسطين والأوضاع المتردية الأخرى خلال تلك الفترة، أثار استياء الجيش( )، وكان الجيش قد عهد إليه لقمع المظاهرات خلال حرب فلسطين مما حذا بحسني الزعيم الذي كان مديراً للأمن إضافة للأركان ، إلى الشعور بقدرة الجيش على التغيير، فاستغل بعض الطموحين هذه الظروف لإحداث انقلاب عسكري يطيح بنظام الحكم( ) ، فقام مستشار الرئيس شكري القوتلي وهو محسن البرازي وكان أميناً لشؤون القصر، بتشجيع حسني الزعيم على انقلابه، وكان له الدور الأكبر في إعادته قبل ذلك إلى الجيش وتعيينه قائداً للأركان، وهذا سر تعيينه رئيساً للحكومة بعد انقلاب حسني الزعيم، رغم أنه اعتقله لعدة أيام عقب الانقلاب حتى لا يقال أنه متآمر على الرئيس شكري القوتلي، كما شجعه أيضاً النائب في البرلمان وعضو اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في حرب فلسطين، وهو أكرم الحوراني على ذلك، حيث كان يختلي به كثيراً، وقد استاء الجيش أكثر عندما لم يهتم الرئيس شكري القوتلي لمذكرة الضباط التي أرسلوها إليه، بسبب تهجم النائب فيصل العسلي عليهم في البرلمان( )، حيث عهد للبرلمان بذلك مما حذا بالضباط إلى التذمر وعدم تنفيذ الأوامر، فاجتمع حسني الزعيم -مستغلاً هذه الظروف- في القنيطرة مع بعض الضباط وأبرزهم صديقي الحوراني وهما بهيج كلاس الذي أصبح نائباً لحسني الزعيم بعد انقلابه، وأديب الشيشكلي الذي أصبح مديراً للأمن، وأكرم الحوراني الذي أصبح مستشاراً لحسني الزعيم، كما تولى رئاسة اللجنة التي كلفه بها الزعيم للتحقيق في مساوئ الحكم السابق، والتي لم تجد أي اتهام للرئيس شكري القوتلي، وكان الذي ساعد على الانقلاب ما كان منتشراً في صفوف الجيش من فوضى في تنظيمه وارتباط بعض فروعه بعدة وزارات، مما جعلها مفككة ومنفصلة عن بعضها البعض وعن القيادة( )، وهذا أدى إلى اختلافات في التدريب وعدم تناسق وانسجام في نظام الجيش.
ورغم تأييد البعض مثل رجال الدين وحزب البعث لهذا الانقلاب ، إلا أنهم انقلبوا بعد ذلك ضده، حيث سرت شائعات في أوساط الشعب والجيش تقول أنه يريد القضاء على القومية العربية، وتشكيل فرق أجنبية في الجيش السوري( ) ، بعد أن أفسد معاهدة الهدنة مع إسرائيل بقبوله إعادة الأراضي الاستراتيجية التي استولى عليها الجيش السوري خلال حرب 1948، إلى إسرائيل، وحولها لمنطقة منزوعة السلاح، وتشرف عليها الأمم المتحدة( )، وحاول اللقاء مع رئيس وزراء إسرائيل ديفيد بن غوريون، ففسر الضباط ذلك على أنه اعتراف بإسرائيل، كما أنه تقرب من تركيا وفرنسا وما سببوه لسوريا من مآسي في تآمرهم على الأراضي السورية وخاصة كليكيا ولواء الإسكندرونة، إضافة لخيانته قضية الوحدة مع العراق ، حيث ناصبها العداء، ثم تسليمه لزعيم الحزب القومي السوري أنطون سعادة ، الذي دعاه للجوء السياسي إلى سوريا، ثم سلمته للحكومة اللبنانية التي أعدمته على الفور، ثم إبعاده لأكرم الحوراني وأديب الشيشكلي كونهما في الحزب القومي السوري، وكان لهما أصدقاء بين ضباط الجيش، فحرضوهم على الانقلاب ضده، خاصة بعد سلسلة الاعتقالات التي سادت حكمه بعد تولي المقدم إبراهيم الحسيني الموالي للولايات المتحدة، رئاسة المكتب الثاني (المخابرات العسكرية)، والذي ملأ سجن المزة بالمعتقلين السياسيين( )، وإهانته وقتله لبعضهم، كما أشيع عن حسني الزعيم التهور والانتساب للماسونية، وسجله السيء خاصة بعد قبوله بخطة وزير الدفاع أحمد الشرباتي ورفضه خطة قائد الأركان عبدالله عطفة( )، ثم إعلان نواب البرلمان السوري بعدم التعاون معه بعد انقلابه( ) ، مما حذا به إلى حل البرلمان، ثم أخذ يحيط نفسه بهالة من العظمة( )، وأعطى لنفسه رتبة مارشال أي مشير، كل هذه العوامل جعلت الضباط يؤيدون انقلاب الزعيم سامي الحناوي ( ) في أغسطس 1949، والذي قوبل بارتياح شعبي وحزبي، وكان أول مرسوم له بعد تسلم السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعيينه لعديله أسعد طلس أميناً عاماً لوزارة الخارجية (بناءاً على طلبه)، وتسريح أعوان حسني الزعيم( )، ثم أصدر مرسوماً، عين بموجبه هاشم الأتاسي رئيساً للحكومة وعهد إليه بتشكيلها، بعد أن وجه دعوته لرجال السياسة للحضور يوم الانقلاب، وقد برر سامي الحناوي انقلابه ، بأنه جاء كحركة تصحيحية لمسار انقلاب 30 مارس 1949 بسبب خيانة الأهداف التي تنكر لها( )، وهي مبدأ الاتحاد مع العراق، فجعل الجيش مراقباً لقرارات الحكومة لتحقيق هذه الأهداف، التي آمنت بها الحكومة أيضاً، فتشكل مجلس تأسيسي وفق انتخابات حرة عملت من أجل الوحدة مع العراق، وأعلن سامي الحناوي في 8 أكتوبر 1949 بالتصريح التالي: " إن الجيش وإن كان يرحب بأي اتحاد بين الدول العربية، إلا أنه يترك مثل هذا الأمر إلى الحكومة، وهو ينفذ ما يطلب منه فقط "( ) ، لكن أديب الشيشكلي الذي أعاده اللواء سامي الحناوي إلى الجيش وسلمه قيادة اللواء الأول عارض الوحدة مع العراق على أساس أنه كان أولى بالعراق الوحدة مع الأردن كون العائلتين الحاكمتين هاشميتين، كما عارض الحوراني ذلك على أساس أن الضباط السوريين سيفقدون مراكزهم بسبب أن الجيش العراقي أكثر تدريباً من الجيش السوري، وأن الجيش السوري سيكون تحت رحمة الجيش العراقي، بالرغم من أن الحكومة والمجلس التأسيسي كله - ماعدا الحوراني- كانوا مع اللواء سامي الحناوي( )، ولم تكن هناك أي قطيعة بينه وبين البرلمان، كما ادعى أديب الشيشكلي والحوراني بعد انقلاب الشيشكلي، من أن سامي الحناوي كان يجبر معارضي الاتحاد مع العراق على القبول، وأن هناك قطيعة بين الجيش والبرلمان (المجلس التأسيسي) ( ).
وعمل الرئيس هاشم الأتاسي الذي تولى في أعقاب انقلاب سامي الحناوي على إقرار إتفاقية موقعة من زعماء الأحزاب، وإبعاد الوزراء الانتهازيين واستبدالهم( )، وأعلن الأحكام العرفية خلال الانتخابات، ثم أعد مشروع الدستور لعرضه على المجلس التأسيسي، فأجريت الانتخابات البرلمانية، وانتخب رشدي الكيخيا رئيساً للبرلمان، وهاشم الأتاسي، رئيساً للجمهورية، بعد أن كان رئيساً انتقالياً مؤقتاً، وعهد لناظم القدسي بتشكيل حكومته، ووضعت مسودة الاتحاد بين سوريا والعراق، وكان بيان الحكومة : " إرادة الشعب السوري بإيجاد اتحاد بين سوريا والعراق " ، لكن ليلية اليوم الذي كان مفترضاً أن يتم فيه التصويت في البرلمان على قيام الاتحاد بين سوريا والعراق، قام العقيد أديب الشيشكلي بانقلابه الأول في 24 ديسمبر 1949 ، ولوحق مؤيدي الوحدة مع العراق، واعتقل قائد الجيش سامي الحناوي، وتشكل مجلس عسكري سمي مجلس العقداء بقيادة أديب الشيشكلي، حيث عهد لهذا المجلس بالاضطلاع على القرارات والشؤون المهمة واتخاذ الإجراءات اللازمة بصددها( )، لكن الشيشكلي أعاد الجيش إلى ثكناته، وأعلن أنه لن يتدخل بالحياة السياسية، وتولى منصب نائب قائد الجيش (الأركان)، رغم أنه ظل هو المسيطر على الجيش من وراء الستار، ثم تشكلت حكومة برئاسة خالد العظم في ديسمبر 1949 وعهد لأكرم الحوراني ، فيها بحقيبة الدفاع، لكنه لم يستمر فيها سوى أقل من شهرين، وبرر ذلك بأنها قيدته عن أعماله( ).
وعمل الشيشكلي باعتباره أصبح المتحكم من وراء الستار بالجيش،على إثارة الأزمات الحكومية( )، تمهيداً لوصوله إلى الحكم بانقلاب آخر، من خلال الأزمات الحكومية وعدم الاستقرار الحكومي،وعندما حاول بعض نواب البرلمان التنديد بتدخل الجيش في الحياة السياسية مثل الدكتور منير العجلاني،اتهم بالخيانة، وحوكم على أساس أنه خطط لاغتيال الشيشكلي( )، وعندما شكل الحكومة خالد العظم في مارس1950، وتعهده بالمحافظة على النظام الجمهوري المستقل، ودعم ميثاق الأمن الجماعي الذي اقترحته مصر، وإبعاد سوريا عن مشروع الهلال الخصيب، بارك الجيش هذه الحكومة( ).
ثم شكل ناظم القدسي الحكومة عام 1950 لكن ظهر خلاف بين وزير الداخلية رشاد برمدا ( )، وبين وزير الدفاع فوزي سلو الذي عينه الجيش، حيث كان الخلاف على من يسيطر على قوات الدرك، مما أدى لاستقالة وزير الداخلية رشاد برمدا، ثم أخذ الشيشكلي في إثارة التناقضات بين الأحزاب بتشجيع الحزب الوطني على إقصاء حزب الشعب على الوصول إلى السلطة، وإثارة الصراع بين السياسيين المدنيين على الحكم( )، وتصارع الأحزاب الراديكالية مع المحافظة، مما حذا بحكومة ناظم القدسي إلى الاستقالة في مارس 1951، بسبب خلافها مع الجيش، وحدثت الأزمة الحكومية التي استمرت أسبوعين، حيث شكل بعد ذلك القدسي حكومة جديدة استمرت يوماً واحداً، لكنها استقالت بسبب خلافها مع الجيش، فشكل الحكومة معروف الدواليبي في نوفمبر 1951 عملت على طرح سياسة محايدة برفضه برامج الأمن الإقليمي التي طرحها الغرب( )، وكان مقرراً إقصاء الشيشكلي عن الجيش في اليوم التالي لإنهاء تدخله في الحكومات والأزمات الحكومية، إضافة إلى ما قررته الحكومة ( ) بنقل الإشراف على القوات المسلحة كافة، وأجهزة الأمن إلى الحكومة، وضع منظمات الدفاع الوطني (الدرك)، تحت تصرف الحكومة بما في ذلك المكتب الثاني، وجعل رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوى المسلحة، لكن الشيشكلي رفض ذلك كله على أساس أن ذلك سيسمح لها فعلاً بإقصائه عن منصبه، فوجه إنذاراً إلى الحكومة، لكن معروف الدواليبي لم يستجب للإنذار، مما حذا بالشيشكلي إلى القيام بانقلابه في اليوم التالي أي في 29 نوفمبر 1951.
وقد تميزت الفترة بين انقلابي الشيشكلي الأول والثاني، بتدخلات الحوراني والشيشكلي في الحكومات فاستغلا نفوذهما من أجل الثراء( )، وظهرت فضائح محاولات شراء السلاح من فرنسا، وبلغت الفروق حوالي 15 مليون ليرة سورية، مع أن هذه الأسلحة كانت غير فعالة وقديمة، فكان الشيشكلي والحوراني لهما نصيباً كبيراً في هذه الصفقات، كما استغلا سلطتهما مستغلين مبدأ الإصلاح الزراعي الذي يدعو له الحوراني لنهب أراضي الجزيرة السورية من الأملاك العامة وأحياناً الخاصة، وأصبح كل من يهتف باسم الحوراني والشيشكلي من أقاربهما وأصدقائهما يفعل ذلك، كما طالب الجيش بأن يكون الحوراني رئيساً للحكومة، لكن البرلمان رفض بالإجماع على ذلك، كما تدخل الشيشكلي في البرلمان حاثاً إياه على دفع رواتب الضباط ليكسب ولاءهم أكثر، مما حذا بموظفي الدولة المدنيين، أن يطالبوا بنفس الزيادة، مما أحدث اضطرابات كثيرة في أنحاء الدولة، وبعد انقلاب الشيشكلي الثاني عين فوزي سلو رئيساً لجمهورية، رغم أنه ظل الحاكم الفعلي -من وراء الستار- بعد أن استقال رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي، كما سقطت الحكومة وحل البرلمان، وأعتقل أعضاء الحكومة وبعض أعضاء البرلمان، وأصبح فوزي سلو والشيشكلي يحتفلون سنوياً بيوم الانقلاب وسمياه بالحركة التصحيحية، كما أخذا يدعوان الدول العربية للمشاركة فيه، وأصبح الشيشكلي ينفق الملايين في زياراته للمحافظات، حيث يساق الناس إلى استقباله، فيكون له الشعراء والهاتفون والمصفقون والراقصون، ثم أجرى الشيشكلي استفتاء في 10 يونيو 1953 للموافقة على الدستور الجديد ( )، وانتخابه رئيساً للجمهورية بطريقة الاستفتاء، حيث انتخب بنسبة 99.9، وأقر الدستور بنفس النسبة، ثم شكل حكومة برئاسته في 15 يونيو 1953، ثم أبعد فوزي سلو عن الحكم، وشكل تنظيماً سياسياً سماه حركة التحرير العربي ليتخذ منه متكئاً لحكمه، في 30 يونيو 1953، وقد ضم كل مؤيديه، ثم أصدر مراسيم بمنع التجمعات العرقية والدينية، ومنع أفراد الجيش من الدخول في الأحزاب وكذلك الطلاب، وابتعد عن أصدقائه( ) في الجيش بسبب اهتماماته الأخرى، مما أسخط الجيش، خاصة بسبب عزل واعتقال عدد من الضباط ذوي الصلة بالسياسيين، وكان لذلك أثراً في انقلاب مصطفى حمدون الذي قام بانقلابه السلمي في 25 فبراير 1954، بعد أن اندلعت مظاهرات في الحرم الجامعي، فانتهك حرمته الجيش( )، وآذى الطلاب والأساتذة، مما أدى لاستقالتهم، ثم مظاهرات حلب التي سقط على إثرها الكثير من الضحايا، رغم أنه كان باستطاعة الشيشكلي إنهاء التمرد، لكن تخوفه من تدخل العراق لصالح المتمردين، أو تدخل إسرائيل مستغلة الموقف، وتخوفه من انشقاق الجيش( )، كل ذلك جعله يؤثر الاستقالة وينسحب من البلاد إلى لبنان حيث لجأ إلى السفارة السعودية، لكن الجيش دعم رئيس البرلمان مأمون الكزبري ليكون رئيساً للجمهورية , كما ينص الدستور بذلك، لكن المعارضة رفضت ذلك فحل البرلمان، وأجمعت المعارضة على عودة الرئيس هاشم الأتاسي، واستقال الرئيس مأمون الكزبري، وأصبح الجيش كله كتلة متراصة وراء قائد الانقلاب الفعلي عدنان المالكي، فكان صمام أمان الجيش ومحور توازناته( )، وقد ساءت علاقته بالبعث بعد سقوط أخيه في انتخابات 1954، حيث اعتبر أن البعث هو المسؤول عن سقوطه، فأخذ يبعد بعض البعثيين عن مراكزهم في الجيش، ويضع معارضين لهم، لكن البعث استغل مقتله وصور أن الخونة أرادوا النيل من البعث في شخصية المالكي ، رغم أنه لم يكن بعثياً ولم يعمل لصالح البعث، لكن البعث عمل على تصفية خصومه طريقاً لوصوله إلى السلطة فكونوا -من خلال الحوراني- كتلة عسكرية تخلصوا خلالها من قادة الانقلاب مثل قائد منطقة حلب العقيد فيصل الأتاسي ، و قائد منطقة الجنوب العقيد محمد القباني ، والمقدم محمد دياب وغيرهم( ).
وبعد اغتيال المالكي في 22 إبريل 1955 تفكك الجيش إلى 20 كتلة عسكرية، كل واحدة منها لها زعيمها، وكل واحد منهم يتوقع أن تجرى استشارته قبل أي قرار( )، وهذا مما أفسح المجال للتدخلات المصرية في سوريا بشكل أساسي، إضافة للتدخلات الأخرى، وجرى بعد ذلك توزيع الأدوار على العسكريين والمدنيين، ثم أشاع الحوراني لحلفائه العسكر، أن الاتحاد مع مصر سيكون الضمانة ليتخلصوا من السياسيين المدنيين، وسيتيح لهم الرئيس المصري جمال عبدالناصر تشكيل لجنة قيادة ثورة سوري على غرار المصري، لذلك تشجعوا للذهاب إلى القاهرة في 12 يناير عام 1958 بقيادة قائد الأركان عفيف البرزي، تاركين وراءهم نائب قائد الأركان أمين النفوري، ورئيس المكتب الثاني عبدالحميد السراج، حيث كانوا قبل ذلك قد شكلوا مجلس قيادة ثورة برئاسة عفيف البرزي وكان يجتمع معهم الملحق العسكري المصري عبدالمحسن أبو النور، وبعد اجتماع الضباط الـ 14 في مصر مع جمال عبدالناصر قال أحدهم وهو أمين الحافظ معبراً عن رأي الضباط : " إننا نضع أنفسنا تحت تصرفك يا سيادة الرئيس، ولك أن تتصرف بنا كما تشاء، وإن بامكانك أن تجري كل التنقلات التي تريدها في صفوفنا من فيق إلى أسوان، وإن الاستعمار أقام جداراً بيننا وقد جئنا لنهدم هذا الجدار"( ).
وعلى إثر ذلك تشكلت لجنة عسكرية سورية مصرية برئاسة عفيف البرزي عن الجانب السوري، وعبداللطيف البغدادي عن الجانب المصري، وأكد زعيم البعث ومنظره ميشيل عفلق على دور البعث في هذا الانقلاب بقوله: " الحزب بالدرجة الأولى عمل الوحدة،والعنصر العسكري نحن وجهناه "( ) وكان عبدالحميد السراج قد زار قبل ذلك مصر عدة مرات والتقى بعبدالناصر بحجة إطلاعه على الأوضاع في سوريا( )، وهكذا تغلغل حلفاء القيادة المصرية في الحياة السورية بشكل كبير، وأصبحت الساحة للبعث بعد القضاء على الحزب القومي السوري في سوريا( )، ولا أدل على التدخل المصري في سوريا أن الرئيس شكري القوتلي مع قائد الأركان توفيق نظام الدين لم يستطيعا إجراء التنقلات في الجيش، فكان تدخل مصر في العصيان -عصيان قطنا- بشكل كبير، لوقف هذه التنقلات، كما أصبح الحوراني يسخر حكومة صبري العسلي عام 1956 لصالح البعث من خلال حلفائه في الجيش، فصار يغلق ما يريد من صحف، ويسرح من يشاء من الضباط الغير موالين له، وصار أعضاء حزبه يشتبكون مع الأحزاب الأخرى بدعم الجيش( )، وهذا ما يؤكده اللواء راشد الكيلاني بقوله:
" عاد ضباط الجيش المسيسون مرة أخرى إلى التدخل في الحياة السياسية بشكل فاضح، بحيث أصبحت حفنة من الضباط المسيطرين على السلاح يعملون للوصول إلى القيادات التي يريدونها، ويعلنون عن مواقفهم السياسية بشكل سافر، ويسعون إلى التأثير على الحكومات بين حين وآخر، وفي نفس الوقت كان السياسيون يستغلون بعض هؤلاء الضباط لتقوية مواقفهم، وبقيت الأمور تسير على هذا الشكل حتى وقت قيام الوحدة مع مصر، وذلك لسيطرة الجيش ولعدم وجود شخص قوي فيه يملي رأيه على الساسة، بل كانت هناك مجموعات من الضباط لكل منها ارتباطاتها السياسية مع إحدى الفئات، وكان هؤلاء يستطيعون في كل وقت، التهديد بانقلاب يطيح بالوضع القائم"( ).
وزاد من تقسيم الجيش إضافة إلى تقسيمه أن الحوراني عمل على تجميع من أسماهم بالضباط التقدميين (اليساريين)، واتهام الآخرين (اليمينيين) بالرجعيين( ) ، وبالتالي العمل على التخلص منهم بتعاونه مع السراج، فتخلص من شوكت شقير، ثم توفيق نظام الدين وغيرهم ، ولإحكام السيطرة المصرية المبطنة، كان السفير المصري محمود رياض على اتصال بكل قادة الكتل العسكرية المتنافرة بعد اغتيال المالكي( )، فعلى سبيل المثال هدد كل من السراج والبرزي عام 1956 حكومة صبري العسلي بضرورة التوقيع على الميثاق المصري السعودي المشترك، وإلا فإنهم سيقومون بانقلاب( )، وشجعت مصر ذلك، وكان الحوراني قد هدد بضرب أنابيب النفط للشركة البريطانية العراقية لو تعرضت مصر للعدوان الثلاثي وذلك قبل العدوان بأيام قليلة( )، وبالفعل قام السراج بضربها ومهد هذا العمل لقيام مجلس قيادة عسكري جديد ( )عام (1957) برئاسة عفيف البرزي يضم قادة الكتل العسكرية، وكان له الدور الأكبر في الضغط على الرئيس شكري القوتلي بقبول الوحدة مع مصر بدون أي شروط، كما كان هذا المجلس قد حدد أهدافه بحماية استقلال سوريا, والمقصود بذلك عزلها عن العراق والحيلولة دون انضمامها للأحلاف العسكرية وخاصة حلف بغداد، ومراقبة تصرفات الحكومة، وأصبحت قرارات حكومة صبري العسلي عام 1957 متأثرة بهذا المجلس، فالوحدة مع مصر بهذا الشكل لم يكن يرضى بها أياً من السياسيين أو الأحزاب، لكن التنافر في الجيش الذي لم يكن فيه سوى ضابطين مواليين للبعث من قادة الكتل( )، هو الذي جعل الوحدة مع مصر بهذه السهولة، وبعد الوحدة عمل جمال عبدالناصر على حل الأحزاب، وإبعاد الجيش عن السياسة، وتفكيك المجلس العسكري السوري( )، وتقريبه للبعض على حساب الآخرين والتمييز بين الضباط المصريين والسوريين خلال حكم الوحدة لصالح المصريين ، ولم يقتصر ذلك على الضباط بل تعداهم إلى المدنيين، فأعطوا مناصب أقل من المصريين( ) ، وأخذ بعض الضباط المصريين يمارسون أوامرهم كما لو كانوا محتلين ، إضافة إلى فضائح الاختلاس والتهريب خاصة من عبدالحكيم عامر الذي عين نائباً لعبدالناصر في سوريا، ثم حدث الصراع بين وزير الداخلية عبدالحميد السراج ونائب عبدالناصر في سوريا عبدالحكيم عامر( )، مما حذا بعبدالناصر إلى نقل السراج إلى مصر وإعطائه منصب نائباً له، وإعطاء صلاحياته لعبدالحكيم عامر، فبدأ بعملية تطهير ما تركه السراج فأمر بنقل عدداً من مؤيدي السراج إلى مصر وتسريح بعضهم، مما حذا بالسراج إلى الاستقالة في 20 سبتمبر 1961، وبسبب ما أحسه العسكريون من جور نظام الوحدة على الشعب السوري، واضطلاع كاتم أسرار المشير عبدالحكيم عامر المقدم عبدالكريم النحلاوي عن نية القيادة المصرية تسريح عدداً من الضباط السوريين ونقل آخرين إلى مصر( ) ، وكان منهم عبدالكريم النحلاوي، وكان النحلاوي يقود تكتلاً عسكرياً دمشقياً، ويخطط لانقلابه منذ ثلاثة أشهر، وقام به بالفعل في 28 سبتمبر 1961، ولم يلق الانقلاب مقاومة تذكر فقد حدث تمردين في حلب واللاذقية لكن أجهضا على الفور( )، ثم عمل النحلاوي على تسريح 120 ضابطاً من الجيش من جماعة الحوراني ، ونقل 160 آخرين إلى مناصب مدنية وكان من الذين سرحهم، صلاح جديد، وحافظ الأسد، وأعاد الحكم للمدنيين، ورغم تعيينه للواء عبدالكريم زهر الدين قائداً للأركان إنه ظل مسيطراً على الجيش، ومدافعاً عن النظام، وقد لاقى انقلابه تأييد معظم ضباط الجيش والسياسيين مثل (شكري القوتلي، خالد العظم، أكرم الحوراني، سلطان الأطرش، صبري العسلي)، وقد أرسل النحلاوي وفداً عسكرياً إلى مصر لإعادة الوحدة معها على أسس صحيحة، ثم اعتقل كل من حيدر الكزبري، وفيصل سري الدين، ورئيس المكتب الثاني العقيد محمد الزعبلاوي، بتهمة أخذ رشوة من الملك حسين وأبعدهم عن الحكم، وشكل مجلس الأمن القومي، لكن مقررات مؤتمر حمص أبعدته إلى خارج البلاد كملحق عسكري في الخارج، بعد أن خانه عبدالكريم زهر الدين، حيث أكمل ما بدأه عبدالكريم النحلاوي، وكان من أسباب عدم الاستقرار خلال فترة الانفصال عن مصر، أن ضباط الانفصال لم يكونوا على وفاق مع بعضهم، وهكذا كان المجلس القومي الذي يرأسه الرئيس ناظم القدسي يجعل للعسكريين رأياً في تقرير قرارات الحكومة باعتبار أن هذا المجلس يجمع قادة النظام المدني وقادة الجيش.
وقد حاول قائد قوات الجبهة العميد زياد الحريري، أن يكسب ثقة الرئيس ناظم القدسي لتعيينه مكان قائد الأركان عبدالكريم زهر الدين، لكن الرئيس رفض ذلك مما حذا بزياد الحريري إلى التواطؤ مع رئيس المكتب الثاني راشد قطيني الذي عينه عبدالكريم زهر الدين قبل أسبوعين، بعد أن كان ملحقاً عسكرياً في الأردن، وقام بانقلابه مع بعض الضباط في 8 مارس 1963، ومما يدل على تواطؤ عبدالكريم زهر الدين في الانقلاب أنه ادعى أنه لم يسمع بالانقلاب إلا بعد وقوعه بفترة طويلة ثم عمل قادة الانقلاب على إعادة من سرحهم الحوراني ومنهم صلاح جديد وحافظ الأسد، إلى الجيش بحجة أن تسريحهم كان خطأ، ثم عملوا على تسريح 500 ضابطاً معظمهم من التيار اليميني ومن المسلمين السنة، ومن أهم كوادر الجيش المدربة والمحترفة وأحلوا محلهم صف ضباب من معلمين وموظفين، وحجتهم في ذلك على أساس أنهم برجوازيين، أو انفصاليين أو رجعيين .... الخ وهذا ما أكده رئيس مجلس قيادة الثورة الرئيس لؤي الأتاسي بقوله : " حتى الآن صار عندي 300 ضابط مسرح من مختلف الرتب، وماشيين بالتسريح، وأي إنسان لو أشك أنه ممكن ألا يمشي مع الاتجاه، على طول يخرج"( ), وطالت عمليات تسريح ضباط الأمن وطلاب الكلية العسكرية، حتى أنه صرفت دورة بكاملها بحجة أن طلابها انفصاليون، وكان مجلس قيادة الثورة قد أعطى لنفسه جميع السلطات، وحق تصفية الجيش وحله، فجاء في المادة الثامنة من هذا المرسوم : " لمجلس قيادة الثورة مناقشة وإقرار تسليم الجيش العامل والاحتياطي، وتكوينه وتخفيضه، وحله بناءاً على اقتراح مجلس الدفاع ", يرى الحوراني أن الهدف من هذا إشعار الولايات المتحدة أن إتمام مشروع نهر الأردن لن يلاقي أي صعوبة أو تدخل من جانب الجيش السوري الذي سوف يصفى.

وسبب اختلاف الضباط الناصريين المؤيدين للوحدة مع مصر والضباط البعثيين، حدث الصدام بينهما في 18 يونيو 1963 بقيادة جاسم علوان، وكان اختلافهم على مناصب الحكومة، ومقاعد (حقائب) الوزارات( )، وبعد فشل الانقلاب عملت اللجنة العسكرية البعثية على تسريح 47 ضابطاً ناصرياً ، وبسبب ذلك استقال وزير الدفاع الفريق محمد الصوفي، ورئيس المكتب الثاني الفريق راشد قطيني، ثم تم تسريح قائد الأركان الفريق زياد الحريري، وبسبب احتجاج الفريق لؤي الأتاسي، على عمليات الإعدام، قام نائب الرئيس لؤي الأتاسي بانقلابه ضده، وتسلم صلاح جديد قيادة الأركان، وبدأ في التدخل في عمليات التسريح والتنقل على أسس شخصية وطائفية، يؤيده بذلك أعضاء اللجنة العسكرية، ومعظمها من الأقليات الطائفية، مما حذا بالقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في 22 يناير 1965 إلى انتخاب المكتب العسكري بديلاً للجنة العسكرية، لكن هذا المكتب سيطر على القيادة القطرية نفسها من خلال أمين الحافظ ، وحمد عبيد، وصلاح جديد..، وظل تركيز النظام منصباً على تعزيز وضعه الداخلي أكثر من التركيزعلى التهديد الخارجي والرقي الاقتصادي، وما يدل على أن الجيش كان المسيطر على الحكومة، أن العقيد محمد عمران عرضت عليه رئاسة الحكومة لكنه رفضها، واعتبرها مقدمة لخروجه من السلطة( ) لكنه قبل أن يكون نائباً لرئيس الحكومة، فالحكومة أصبحت خاضعة للسيطرة العسكرية ومندمجة فيها، وذلك حسب توصيات المؤتمر السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1963 الذي قرر ما يلي:
"دمج المؤسسات المدنية مع العسكرية لخلق تفاعل أيديولوجي ينتج وحدة في التفكير، ومجابهة مشتركة، وعملية متكاملة لقضايا البناء الاشتراكي، تمنع التقوقع العسكري، وتصهير الجيش والشعب في مصير ثوري مشترك، وإن هذا الجيش هو جيش عقائدي هدفه تحقيق أهداف الأمة العربية من خلال مبادئ وأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي، فمسؤوليته هي حماية البلاد من العدوان الخارجي وحماية الثورة من أعدائها، والحزب يغزي الجيش بالروح العقائدية، ويوجهه توجيهاً يتلاءم مع اتجاهات الحزب وخططه"( )
وعلى إثر التوجه الطائفي في الجيش من قبل وزير الدفاع محمد عمران، عمل الرئيس أمين الحافظ على إبعاد محمد عمران كملحق عسكري في الخارج( )، مما حذا بصلاح جديد إلى استقطاب الأقليات الأخرى تمهيداً لانقلابه على أمين الحافظ، ومنهم سليم حاطوم، وحمد عبيد، وفهد الشاعر، وأحمد المير، عبدالكريم الجندي، مع تسريح الضباط السنة، وبسبب ذلك عملت القيادة القومية على تحجيم دور صلاح جديد بسبب توجهاته الطائفية وقررت استلام السلطة في 19 ديسمبر 1965، وحلت القيادة القطرية الموالية لصلاح جديد، ونددت بالطائفية في الحياة العسكرية، وشكلت حكومة في 22 ديسمبر 1966 برئاسة صلاح البيطار، وعمل الرئيس أمين الحافظ على تحجيم الدور الطائفي في الجيش بالنسبة للموالين لصلاح جديد، مما حذا بصلاح جديد إلى القيام بانقلابه، ولإخفاء حقيقة الانقلاب الطائفي، عمد صلاح جديد إلى تعيين نورالدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، ويوسف زعين رئيساً للحكومة، لكنه أعطى المراكز الرئيسية في الجيش لطائفته، ثم عمل على إبعاد مؤيدي الرئيس أمين الحافظ من السنة، وبعد ذلك عمد إلى تصفية الضباط الدروز والإسماعيلية، ثم إبعاد ما تبقى من السنة بعد انقلاب أحمد سوداني الذي كان قائداً للأركان، وبسبب ذلك حدث الخلاف بين صلاح جديد ووزير الدفاع اللواء حافظ الأسد الذي ابتدأ بعد هزيمة يونيو 1967، حيث كان صلاح جديد قد عينه وزيراً للدفاع بعد انقلاب 23 فبراير 1966 ( )، وكان من أسباب الخلاف هو بسبب وضع الفلسطينيين تحت إمرة الجيش السوري,حتى لا تهاجم إسرائيل المواقع السورية بسببهم، وأيضاً من أسباب الخلاف أن صلاح جديد ينتمي للتيار اليساري المتطرف، أما حافظ الأسد فيميني( )، وبعد انقلاب حافظ الأسد وصيرورته رئيساً للجمهورية، اعتقل جميع مؤيدي صلاح جديد، وعمل على فرض إرادته على الآخرين.
وحول هزيمة 1967، أكد أرييل شارون أن وجود الشخصية الانهزامية عند العرب هو الذي جعل إسرائيل تفوز في هذه الحرب، رغم ما يتسم الجندي العربي من صفات الشجاعة( ) ، وهذا ما فعله صلاح جديد الذي أفقد الجيش لتوازنه وأنهك الجيش بالتصفيات التي أحالت أكفأ الضباط إلى التقاعد، وحول الدولة إلى دولة مخابرات لأجل القمع الداخلي، وتجدر الإشارة هنا إلى القول أن صلاح جديد لم يكن أول من شكل تكتلاً طائفياً في الجيش إبان حكم البعث وبعد انقلابه، وإنما كانت هناك محاولات سبقته من قبل ضباط في الجيش مثل العقيد محمد ناصر، وأخيه غسان جديد الذي عمل على تحطيم الحزب القومي السوري بخيانته لمبادئ الحزب في قتل عدنان المالكي، ثم جاء محمد عمران إبان الوحدة ليقوم بنفس الدور لكن عبدالناصر نقله ونقل تكتله إلى مصر، وسجنوا إبان الانفصال 50 يوماً، وكان منهم صلاح جديد( )، كما كان العقيد محمد معروف يتآمر في لبنان مع جهات أجنبية على إسقاط الوحدة , وهذه الطبيعة الطائفية عند بعض هؤلاء العسكريين كانت بسبب انعزالهم ورغبتهم في الاستيلاء على السلطة منذ عام 1945، فكانوا على الدوام يشجعون أبناءهم على الدخول إلى المدارس العسكرية أو التطوع في الجيش كصف ضابط بالدرجة الأولى( )، وضباط إن استطاعوا ذلك فكانت استراتيجيتهم الوصول إلى السلطة من القاعدة من خلال السيطرة على قواعد الجيش بتطوعهم فيه كصف ضباط وجنود ، حتى أنهم كانوا خلال عهد الوحدة قد شكلوا نسبة تساوي 45% من صف الضباط في الجيش بالنسبة لمجموع صف الضباط بأجمعهم المتطوعين في الجيش، وهذه الإستراتيجية ساهمت بشكل كبير في وصولهم إلى السلطة عام 1966 على أساس جعل هؤلاء صف الضباط، كضباط بديلين ممن تم تسريحهم من ضباط الفئات الأخرى .














الفصل الثالث
دور التمايز الاجتماعي في سوريا في التناقض السياسي
أهم مظاهر التمايز الاجتماعي في المجتمع السوري المظاهر التالية :
1- الطائفية والعشائرية والإقليمية والعرقية.
2- العوامل الشخصية وخصوصية الشعب.
3- صراع الأجيال.
1- الطائفية والعشائرية والعرقية والإقليمية :
إن عوامل الطائفية والعرقية والعشائرية والإقليمية عوامل مترابطة بشكل كبير مع بعضها البعض، لأن الفرد قد ينتمي لطائفة ما في قبيلة ما في منطقة معينة، إضافة إلى انتمائه لإقليم معين، وقومية معينة، تختلف عن الآخرين، وقد يكون التلاحم الطائفي بين أفراد لا ينتمون لنفس العشيرة أو العرق أو الإقليم، وهكذا بالنسبة للعناصر الأخرى، ومعظم الأقليات الدينية في سوريا لها أقاليم خاصة بها وعشائر خاصة بها وأقاليم أو تجمعات خاصة بها، كما أن الأعراق المختلفة في سوريا معظمها توجد في أقاليم محددة، أو أماكن خاصة بهم، ويبين الجدول (1-3) ( ) نسبة الطوائف الدينية في سوريا :

الجدول (1-3)
يبين الطوائف الدينية والمذهبية في سوريا
الطائفـــــة النسبة المؤيدة لها
المسلمون السنة 75%
المسلمون الشيعة 1%
المسلمون الدروز 3%
المسلمون الإسماعيلية 1%
المسلمون العلويون 11%
المسيحيين 8.5%
اليهــــــود * 0.0005 %
النــــــور 0.0025 %

الجدول (2-3)
يبين الأعراق (القوميات) السورية
العــــرق النسبة المئوية
العــرب ** 78 %
الأكــراد 8.5%
الأرمــن 4%
التركمــان 3%
الشركــس أقل من 1%
كما يبين الجدول (2-3)، الأقليات العرقية في سوريا بالنسبة للأغلبية العربية، لكن معظم الأكراد والتركمان والشركس من المسلمون السنة، ومعظم أفراد الطائفة اليزيدية من الأكراد، أما الأرمن فكلهم مسيحيين( ).
وعلى هذا الأساس يشكل المسلمون السنة العرب حوالي 63% من مجموع الأقليات العرقية والدينية والطائفية مجتمعة، فالمجتمع السوري يتميز بظاهرة التجزؤ المجتمعي ( )، بسبب خصوصية تركيبته الجغرافية والبشرية وموقعه الجغرافي على البحر المتوسط، فهناك مجتمع الأرياف التابعة للمدينة، وأخرى لا تتبعها، وهناك أرياف متجانسة المذهب والدين وأخرى مختلفة، فالمجموعات السكانية في الأرياف الجبلية ذات الخصائص المذهبية غير السنية شكلت ممانعة لسلطة المدينة، مثل العلويين، والدروز، واليزيدية، الذين انعزلوا بأنفسهم في الجبال وفق عشائهم الخاصة بهم، ورغم اختلاف بيئإتهم عن البيئات السورية الأخرى، جغرافياً وبشرياً واجتماعياً، إلا أنهم لم ينعزلوا عن كيان الدولة بل اندمجوا فيه.
والجماعات الدينية في سوريا تشكل الإطار الاجتماعي الحقيقي، لأن الديانة ليست موقعاً روحياً فحسب، أو إقرار إيمان داخلي، وإنما هي أساس السلطة الاجتماعية التي تنظم معظم أفعال الحياة الاجتماعية، فهي المحور الذي تدور حوله معظم أفعال الحياة الاجتماعية، فالروابط القائمة، بين مختلف الطوائف الدينية في أرياف سوريا، قائمة على الشك والريبة والصراع بين جماعات سياسية حقيقية، وكل منها تحتفظ بقوة وإصرار على نمط عيشها وتنبذ نمط جارتها، لذلك كانت هذه الروابط بين الطوائف المختلفة ضعيفة جداً، والزيجات المختلطة نادرة، ولا يوجد توافق اجتماعي بينها، فالمذاهب كافة اتخذت مواقف صلبة من بعضها البعض، وكل منها يظهر عداءاً سافراً تجاه الآخر، في حين يزداد التضامن وثوقاً بين أعضاء الجماعة الواحدة، خاصة عندما تواجه تحديات من قبل طوائف أخرى، ويسود الجهل بين المذاهب المتجاورة مع الحذر والخوف والحسد والحقد والاحتقار أحياناً ( ) ، ولكن على عكس الحال في المدن السورية التي كان يسودها التسامح والإخاء بين جميع الطوائف والأديان والأعراق، حتى أن المقيم الأجنبي كان يفخر بأنه من أهل المدينة التي يقيم فيها، بسبب ما يلقاه من تسامح ومروءة وصدق المعاملة والعطف على الفقراء والمحتاجين، وهذا ما جعل سوريا على مر العصور ملجأً للمضطهدين سياسياً ودينياً من الأقاليم المجاورة( ) ، وعلى ذلك فكانت العزلة الجغرافية لبعض هذه الجماعات الدينية المهاجرة والأصلية، في ظل عدم وجود سلطة مركزية قوية، وضعف الاتصال فيما بينها وبين المناطق المدينية، والتسامح العرقي والديني تجاهها، عاملاً على عدم التمازج الثقافي والديني والعرقي( )، ومما ساهم في وجود الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية في سوريا عدة عوامل أهمها: ( )
1- انتشار الأديان التوحيدية الثلاث والمذاهب التي تفرعت عنها في سوريا.
2- الغزوات السكانية التي تعرضت لها من أكراد ومغول وتتار.
3- الخلافات القومية والعشايرية التي اتخذت طابعاً دينياً قومياً.
4- التدخلات الخارجية خلال وبعد سقوط الدولة العثمانية بداعي حماية الأقليات.
5- عقدة الأقليات التي أكدها جاك ويلرس والتي يقول بأنها: "حساسية مرضية تجعل أي تحرك لجالية مجاورة، تبدو وكأنها خطر محقق أو تحد لهذه الجالية، فتقوم بتوحيد كل مجموعة بالكامل، أمام أدنى هجوم أو تعدي يرتكب ضد أي من أعضائها " .
6- نمو الوعي الفوق وطني سواءاً كان عربياً، أم إسلامياً، أم طبيعياً ...... والولاءات تحت الوطنية أي الإقليمية من طائفية وعشائرية وإقليمية .... على حساب الولاء الوطني للدولة الوطنية، وذلك بعد الاستقلال.
7- اهتمام الطلاب منذ الاستقلال بالسياسة رغم عدم اكتمال وعيهم القومي والثقافي.
8- النزعة الإقليمية للأحزاب السياسية بغض النظر عن أيديولوجيتها السياسية، مثلاً كان معظم أعضاء الحزب الوطني ينتمون لدمشق، ومعظم أعضاء حزب الشعب ينتمون لحلب، ومعظم أعضاء حزب البعث ينتمون للأقليات ... الخ .
وهذه العوامل كانت استمراراً لمؤامرة تقسيم سوريا الطبيعية أي الهلال الخصيب بغرض إقامة دويلات عاجزة عن التطور على واقعها، واستغلال الأوضاع الطائفية والقبلية والعشائرية لإشعال حروب أهلية، كلما اقتضت الحاجة الاستعمارية ذلك، إضافة إلى الاهتمام الخاص بأوضاع الأقليات الدينية والطائفية وإشعارهم باستقلاليتهم عن الوطن الأم، وتشجيعهم لإقامة دول خاصة بهم، إضافة إلى تشجيع الخلافات الإقليمية، واختلاق نزاعات حدودية لتغذية الحقد الإقليمي، حتى يتعرف الشعب على حدود دولته التي رسمت له( ).
وستبين هذه ا لدراسة مدى تأثير كل طائفة أو عرق على الاستقرار السياسي خلال مدة الدراسة، مع تأكيد على الطوائف التي كانت أشد إثارة للنزعات الطائفية، لما لذلك من تأثير على عدم الاستقرار السياسي، وسيكون ترتيبها في هذه الدراسة بحسب أهميتها في إثارة عدم الاستقرار السياسي في سوريا.
1- العلويون :
يعتقدون بإمامة الإمام علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه"( )، وقد ظهروا في القرن العاشر الميلادي، وتبنوا بعض الطقوس الوثنية والمسيحية، ومعظمهم يتركز في تركيا فمنهم الأتراك أو الأكراد أو العرب، رغم أن أصولهم واحدة، ولكن اختلفت لغتهم باختلاف المناطق التي سكنوا فيها، وقد أحدثوا قلاقل كثيرة في تركيا في السنوات 1979، 1980، 1999،( ) ويصل عدد العلويين في تركيا حوالي سبعة ملايين حيث يتسمون بأسماء عديدة منها البكتاشية والقزل باش، وتعني الرأس الأحمر( ).
وتقول إحدى النظريات أنهم قد أتوا إلى سوريا واستقروا في جبال البهراء التي تقع شمال غرب سوريا، وانعزلوا فيها، وقد سماهم الفرنسيون بعد احتلالهم الساحل السوري، باسم العلويون( ) بعد أن كان اسمهم النصيرية ، ويتمركزون في محافظة اللاذقية، بأقضيتها الأربعة (اللاذقية، الحفة، جبلة، القرداحة)، ومحافظة طرطوس باقضيتها الخمسة (طرطوس، بانياس، الشيخ بدر (القدموس)، دريكيش، صافيتا)، ويتواجد قسم منهم في حماه (قضاء مصياف)، وفي بعض قرى حمص (قضاء تلكلخ)، حيث تشكل هذه الأقضية منطقة جغرافية متصلة ثلثي سكانها من العلويين ، حيث استقر قسماً منهم في إيران في خرسان وقسم آخر في تركيا، وقسم في سوريا، ومؤسس مذهبهم هو محمد بن نصير العبيدي النميري من بلاد فارس( ).
وقد كانت لهم علاقة مصاهرة مع الشيخ جنيد وهو الجد الأكبر للشاه الإيراني إسماعيل الصفوي، وعاش معهم فترة طويلة، لذلك كان ولاءهم للصفويين في حربهم ضد العثمانيين، مما حذا بالدولة العثمانية إلى اضطهادهم، وقد حاولت الدولة العثمانية، تسنينهم أي جعلهم سنيين لكنهم رفضوا ذلك، فلم تدخلهم الدولة العثمانية في نظام الملل ولم تعترف بهم كمسلمين أو من أهل الذمة، رغم اعترافها بالدروز والإسماعيلية واليزيدية، لكن تقول نظريات أخرى وترى نيفين مسعد أنهم اشتهروا بالتمرد والدعوات الانفصالية( )، وقد عملت السلطة عام 1973 على استصدار تصريح من 80 شيخ علوي يؤكدون فيها أنهم إحدى الفرق الإسلامية الشيعية، رغم أن بعض فقهاء المسلمين رفض هذه الطائفة واعتبرها غير مسلمة( )، لكن زعيم الشيعة في لبنان موسى الصدر أصدر فتوى تؤكد أنهم إحدى فرق الشيعة ، وقد قام أحد أبناءهم بثورة وهو الشيخ صالح العلي وهو شيخ علوي، فقد تمرد على الفرنسيين، ولكن تمرده كان قد تداخل مع عدائه للإسماعيليين الذين تحالفوا مع الفرنسيين ، وكانت قد أوكلت إليه متصرفية جبال (العلويين) من قبل الملك فيصل وقد دعمه في ثورته قائد ثورة الشمال إبراهيم هانو، واشتراك الكثير من السنة والشيعة والدروز( ) .
وانقسموا بحسب معتقداتهم إلى شمسية، وقمرية (كلازية)، ومرشدية ، ويرى البعض منهم أنهم جاؤوا من مصر عبر خمسة هجرات وأنهم من سلالة الإمام علي، وأنهم كانوا فقراء بسبب مناطقهم الجبلية الوعرة التي لا تسد حاجاتهم، وكان معظمها لزعمائهم، فكانوا حفاة عراة ينامون مع حيواناتهم في بيت واحد( ) ، ويتوزعون على أربعة قبائل رئيسية هي الكلبية، والخياطين، والحدادين، المتاورة( ).
وترتبط فرقتهم بالفرقة المفضلية التي تنتسب إلى المفضل بن عمر الجعفي تلميذ الإمام جعفر الصادق، فعندما بادت المفضلية ظهرت النصيرية بديلة لها ، كما ترتبط فرقتهم بالخطابية، ويقول في ذلك المفضل بن عمر الجعفي، "إن محمد بن نصير قد استنبط من علم أهل البيت واتفق على روايات الهفت والأظلة "( ) ، ويعتقدون أن من عرف الباطن سقط عنه الظاهر من الفرائض وغيرها .
وخلال العهد العثماني، وما قبله، عمدوا إلى غزو المناطق المحيطة بمناطقهم، والتي كانت أكثريتها مسيحيين، مما أضطر المسيحيين للهجرة منها ، وعمدت فرنسا عند إحتلالها لسوريا على إقامة الدولة العلوية وسمتها (دولة جبل العلويين) بمساحة قدرها 6500 كم2( )، لكن تخلوا عنها ورفضوها ووجدوا الاندماج بسوريا عام 1945 ، ويتميزون بالولاء المطلق لمشايخهم ولعائلاتهم وعشائرهم( ) ، وقد كان للتطور التعليمي الذي عظم بعد استقلال سوريا، الدور الأكبر لوصولهم للمدارس العسكرية ومن ثم إلى الجيش ومن ثم إلى السلطة، حيث يعتبرون من أكثر الطوائف التي إنضم أفرادها لجيش الشرق المختلط - الذي أسسته فرنسا زمن الانتداب- بالنسبة لعددها، وتميزوا خلال ذلك الجيش، وفي الحياة العامة , بمساندة بعضهم البعض ( ) وقد قامت إحدى طوائفهم بعصيان مسلح ضد الحكومة الوطنية في عهد الرئيس شكري القوتلي، تمثل بحركة سليمان المرشد الذي ادعى الألوهية ثم شكل عصابات أصبحت تقتل وتنهب وتستولي على أراضي الغير، ثم طالب الحكومة بعدة شروط لوقف عصيانه وهي:
(1) أن يكون في الحكومة السورية وزيراً علوياً.
(2) أن يكون محافظ اللاذقية علوياً.
(3) إطلاق سراح جماعته الذين اعتقلتهم الحكومة بسبب النهب والسلب والقتل، وهددوا إذا لم تفعل الحكومة ذلك سيسعون إلى الانفصال عن سوريا مرة أخرى، وكان المرشدية قبل ذلك قد هددوا في عام 1939، محافظ اللاذقية إحسان الجابري بالقتل، وقد انتهى التمرد باعتقال سليمان المرشد مع إثنين من أشقائه وإعدامهم في 17 ديسمبر 1946 في دمشق، وكان قد قتل زوجته قبل ذلك، وقد شجعه الفرنسيون إبان انتدابهم على سوريا، ولقبوه بالرب، وكانت فرنسا تسلح رجاله، وقد عمل أكرم الحوراني الذي كان ينادي بالإصلاح الزراعي، على استغلال فقرهم واستغلالهم عند ملاك الأراضي، من خلال مطالبته بالاستيلاء على أملاك ملاك الأراضي لتوزيعها عليهم، مما جعل له تياراً شعبياً وسطهم، حيث أعطيت لهم الكثير من الأراضي التي كانوا يشتغلون فيها وخاصة في منطقة الغاب( ).
وقد حاول بعض ضباطهم السيطرة على الحكم من خلال العقيد محمد ناصر( ) عام 1945، ثم حاول تكرارها عام 1950، مما أدى لمقتله على يد رجال المخابرات العسكرية (المكتب الثاني)، ثم شكل غسان جديد تكتلاً علوياً داخل الجيش( )، مما حذا بنائب قائد الأركان عدنان المالكي إلى نقله إلى دمشق مما سبب عداءاً كبيراً بينه وبين غسان جديد، لذلك عمل على التخلص منه ومن الحزب القومي السوري في نفس الوقت حيث كان غسان جديد وأخيه صلاح جديد، وبعض المؤيدين لهما قد انتسبوا لهذا الحزب رغم عدم طائفية الحزب، ولكن لمواجهة المد القومي السوري، حيث كانوا يراهنون على ضرب القومية السورية والعربية، وكان من أعضاء الحزب القومي السوري أيضاً أحد مؤيديهما وهو الرقيب يونس عبدالرحيم الذي قتل عدنان المالكي مع ثلاث عسكريين آخرين هم عبدالمنعم الدبوسي، وفؤاد جديد-شقيق صلاح جديد- وبديع مخلوف، وقد أعدموا جميعاً بعد محاكمتهم، كما تم قتل غسان جديد في لبنان على يد المخابرات العسكرية السورية، لكن بعد أن تسببوا في تحطيم الحزب القومي السوري في سوريا ولوحق أتباعه بسببهم، وهذا ما أكده فيما بعد عصام المحايري من أن بعض أعضاء الحزب قد خانوا مبادئه ونفذوا جريمتهم، ولا علاقة للحزب بذلك.
كما أنهم في ظل حكم الشيشكلي أثار المرشديه فتنة طائفية تمثلت بإدعاء ابن سليمان المرشد الألوهية مثل أبيه، مما حذا بقائد الشرطة العسكرية عبدالحق شحادة إلى قتله( )، فعندما سقط حكم الشيشكلي تخوف عبدالحق شحادة أن تفتح القضية، مما حذا به إلى الاتفاق مع قائد وحدات المدرعات حسين حدة، إلى رفض الاستسلام للمتمردين عقب استقالة الشيشكلي فأيدوا رئاسة مأمون الكزبري الذي كان رئيساً للبرلمان، وتعهد قائد الأركان شوكت شقير بدعم هذا الإجراء، لكن بعد رجوع الرئيس هاشم الأتاسي للرئاسة، فتحت القضية فعلاً، وحكم على عبدالحق شحادة بالإعدام في 11 نوفمبر 1954، لكنه فر خارج البلاد، وقد اجتمع بعد ذلك المرشديون بالابن الآخر لسليمان المرشد الذي ادعى أنه ورث الألوهية عن أخيه، عام 1957 حيث قال لهم: " إن موعد قيام دولتكم قد حان، وإن على الحكومة أن تضرب هؤلاء -الذين قتلوا أخاه- بيد من حديد، وإلا تطور الوضع بشكل خطير "( ) , وقد أثيرت هذه القضية في البرلمان، وأرسلت لجنة برلمانية للتقصي حول هذه الحركة الجديدة، فرأت أن المرشديون يفضلون أن يحكموا من قبل السلطات الإسرائيلية على أن يحكموا من قبل السلطات السورية، وقد أكد الرئيس أمين الحافظ في برنامج شاهد على العصر الذي تبثه قناة الجزيرة، أن محمد عمران قد رتب تكتلاً طائفياً في الجيش أيام الوحدة ثم أيام الانفصال ثم بعد استيلاء البعث على السلطة حيث عمل مع صلاح جديد على تسريح غير الموالين لهما وذلك على أسس طائفية دون أدنى مؤهلات لذلك( )، لكن بعد تكليف صلاح جديد بقيادة التكتل الطائفي في الجيش حيث عين قائداً للأركان بعد استبعاد زياد الحريري، وأخذ بعد ذلك يعمل من خلال تكتله الطائفي على إبعاد السنة عن المراكز الحساسة وخاصة التي قرب دمشق و يحل محلهم ضباط موالين له وخاصة من طائفته ، كما عمل على استبعاد السنة من دخول الكليات العسكرية والأجهزة الأمنية ، ، حتى وصل عدد الضباط السنة المسرحين إلى 700 ضابط خلال الفترة (1963 – 1966) ، واستولى محمد عمران على قيادة اللواء السبعين المدرع، كل هذا والرئيس أمين الحافظ لم يكن يدري بما كان يدور خلفه من وراء الكواليس، وعندما شعر بذلك، صرح الرئيس أمين الحافظ، "إن الصداقة والروابط الأخرى قوضت الانضباط العسكري بالقوات المسلحة " وقال ميشيل عفلق حول ذلك " بعض أصدقائنا في القوات المسلحة نزلوا إلى الشارع بأسلوب فاشستي وسيطروا على الحزب والأمة ".
ثم عمل محمد عمران الذي استلم وزارة الدفاع على إثارة التوجهات الطائفية، وأخذ ينشرها ودعى إلى التكتل مع الأقليات الدينية الأخرى مثل الدروز والإسماعيلية كونهم من أصول شيعية، فقال " إن الفاطمية يجب أن تأخذ دورها "، مما حذا بالرئيس أمين الحافظ لإبعاده إلى الخارج كملحق عسكري( ) ، وبسبب ذلك اندلعت المظاهرات في دمشق التي تدين هذا الحكم في 24 يناير 1965، فقمعها الجيش ودخلت الدبابات الجامع الأموي وقتلت 200 فرد، وقد أكد الرئيس أمين الحافظ أن سبب عزل قائد الأركان زياد الحريري بسبب تصريحه الذي قال فيه عقب انقلاب جاسم علوان وإعدام الـ 30 ضابطاً : " الوحدويون الدموين، البعثيون الدموين، وهم من جبل العلويون"( ) , كما أكد الرئيس أمين الحافظ، أن الأقليات من خلال صلاح جديد قد احتلوا نصف مقاعد مجلس قيادة الثورة عقب انقلاب جاسم علوان، وكانت وراءهم أياد أجنبية، أمريكية، وإسرائيلية، وفرنسية، وبريطانية، أما صلاح جديد فكانت وراءه الشيوعية،
كما أضربت جميع المدن السورية كلها في إبريل 1964 فقمعها الجيش وقتل من سكان حماه أربعين شخصاً، وهدم المسجد الذي أوى إليه المتظاهرون ، وعلى إثر ذلك استقالت حكومة صلاح البيطار، ولم تستطع حكومة سامي الجندي الاستمرار أكثر من يومين بسبب تدخل الجيش ضدها، وبذلك عملوا على العمل على تصديع شرعية الرئيس أمين الحافظ، واستفادوا من ذلك في القيام بانقلابهم في 23 فبراير 1966( )، ليصبح صلاح جديد الرئيس من وراء الكواليس، وليبعد عنه الشبهات حول ماهية الانقلاب الطائفي ، عين الدكتور نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، والدكتور يوسف زعين رئيساً للحكومة، وظل هو ممسكاً بالجيش، وقد أكد ميشيل عفلق أن هذا الانقلاب كان سبباً رئيسياً في كارثة يونيو 1967( )، لذلك تهاوت شرعية نظامهم بعد سقوط الجولان، وقد تمثلت مسؤوليتهم عن ذلك في أنهم تبنوا مواقف متطرفة تجاه إسرائيل من خلال اختلاق صلاح جديد لأزمات ضد إسرائيل فنادى صلاح جديد بحرب تحرير شعبية طويلة الأمد ضد إسرائيل، رغم أن القوة الإسرائيلية تعادل 6 أضعاف القوة العسكرية السورية، وأخذ يقوم من خلال الفلسطينيين بعمليات تخريبية داخل إسرائيل عن طريق الأردن والجبهة السورية، وهذا ما أشعل الموقف وحرك حرب 1967، رغم محاولات الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك تسوية النزاع في 25 ديسمبر 1967، لكن جديد رفض ذلك( )، وبعد الهزيمة تخوف نظام الأتاسي/جديد من المساءلة أمام الجامعة العربية بسبب عدم اشتراكهم بحرب فعلية مع أنهم هم السبب في إشعال الموقف، فرفضوا حضور قمة الخرطوم في 29 أغسطس 1967، مما حذا بالجامعة العربية إلى حرمانهم من المساعدات الاقتصادية.
وبعد تصفية الضباط الدروز من قبل صلاح جديد عقب الانقلابات الدرزية الثلاث ( حمد عبيد، وفهد الشاعر، وسليم حاطوم)، تم تصفية الضباط الإسماعيلية، وأبرزهم رئيس المكتب الثاني عبدالكريم الجندي، وقائد قوات الجبهة، أحمد المير( )، ثم تم تصفية الضباط الحوارنة السنة، عقب الانقلاب الفاشل لأحمد سويداني، ومنهم موسى الزعبي، ومصطفى الحاج علي، بسبب تذمرهم من تسلط صلاح جديد .
وقد تعدت طائفية صلاح جديد المجال العسكري إلى المجال المدني، فبعد مرور سنة على انقلاب البعث العراقي في 8 فبراير 1963 أي في 8 فبراير 1964 والذي كان إحدى أسباب انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963، وبالتالي استيلاء البعث على السلطة إثر ذلك، نزل بعض المؤيدين لصلاح جديد من جبال العلويين إلى مدينة بانياس ذات الأغلبية السنية ، وأخذوا يهتفون "البعثية علوية"( ), فتصدى لهم أهل بانياس، وجرت معركة قتل فيها من الجانبين، وعندما انتشر النبأ في بعض القرى المحاذية تجمع جمهور كبير من عشائرهم وتوجهوا إلى مدينة بانياس لقمع الفتنة التي تسبب بها بعض الأفراد ، لكن تدخلت قوى الأمن وأرجعتهم إلى قراهم، وعلى إثر ذلك أضربت المدينة كلها، ولم تصدر السلطات أحكاماً على من قام بالفتنة، رغم أن المادة 15 من دستور حزب البعث العرب الاشتراكي تقول : "الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة في الدول العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة، وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية "( ) لكن لم يستطع الحزب إنهاء الفتنة الطائفية بين الطوائف المختلفة( ).
كما أن صلاح جديد جاء بزكي الأرسوزي –المعادي لمؤسس الحزب ميشيل عفلق، والذي نزح من لواء الإسكندرونة وكان قبل ذلك عضواً في عصبة العمل القومي قبل عام 1939، حيث اعتزل السياسة بعد ذلك-، وجعله الأب الروحي لحزب البعث العربي الاشتراكي( )، وعمل أيضاً على محاولة تقويض نظام البعث في العراق فدعم الأكراد ضد نظام أحمد حسن البكر، انطلاقاً من مقولة أن الأرض لا معنى لها مادام الحزب باقياً، والمقصود بالحزب هو حزب بعث صلاح جديد وليس بعث العراق، وقد تأكد ذلك عندما ضبطت الحكومة العراقية أسلحة وأموالاً من سوريا( ).
وبعد انقلاب وزير الدفاع حافظ الأسد في 16 نوفمبر 1970 وسمى انقلابه بأنه حركة تصحيحية، وصيرورته رئيساً للجمهورية في 22 فبراير 1971 لم يرى أية معارضة من الجيش أو الحزب أو مجلس الشعب لأنهم جميعاً تم تعيينهم من مؤيديه لذلك لم يعد يلق معارضة منهم بعد سيطرته على جميع أركان النظام السياسي والاقتصادي في سوريا ( )
(2) المسلمون السنة :
وهم غالبية الشعب السوري، ويتوزعون على مذاهب السنة الأربعة وللصوفية ( ) مكانة خاصة عندهم، كما أنهم يقدرون علماءهم، ومرتكب المنكرات مكروه ومنبوذ عندهم، وتسودهم روح العطف ( ) على الغريب ويؤثرونه على الأهل والولد، وأكثرهم من العرب، ولا يستطيع المرء التفريق بين المسلم العربي والمسلم من الأعراق الأخرى، كونهم متمازجين مع بعضهم بشكل كبير، حتى أن الكثير من أهل الأعراق الأخرى ذابوا بهم، وظل القليل منهم محافظاً على ثقافته الخاصة به، وقبل تدخل حزب البعث بشكل كبير في الحياة السياسية السورية-بعد سقوط الرئيس أديب الشيشكلي عام 1954- لم تكن هناك أية تفرقة بين الأعراق، فكان منهم الزعماء مثل حسني الزعيم وحسني البرازي، وفوزي سلو وتوفيق نظام الدين وأديب الشيشكلي وغيرهم من الأكراد، أيضاً كان هناك من أصول تركية أمثال سامي الحناوي وخالد العظم، وبشير العظمة، ولكن التشدد في مفهوم القومية التي اتبعها حزب البعث( )، لم يكن مقبولاً عند الشعب السوري لأن هناك قوميات أخرى غير العربية تشكل النسيج السوري المترابط، فالاعتدال بها دون التفريط في خصوصيات الأقليات أو إلغاء التمايزات ، ضروري لأن التشدد والتفريط بخصوصياتها سيدفعها لرد فعل للحفاظ على تراثها اللغوي أو العرقي ، فالخصم الأول للجميع هو التخلف، وليس شيئاً آخر، لأن هذه الأقليات من الممكن أن تثري المجتمع بالكفاءات الرائعة كما كان ذلك في الماضي، وقد أكد الرئيس شكري القوتلي على ضرورة نبذ أي خلافات طائفية أو عرقية حيث قال في خطاب الاستقلال في 17 إبريل 1946:" نحن أمة واحدة لا أقليات ولا أكثريات بيننا"( ), كما أكدت جميع الدساتير السورية أن يكون رئيس الدولة مسلماً بغض النظر عن عرقه، وهذا حق للأكثرية ، وموجود في كل دول العالم الديمقراطية و غير الديموقراطية , فالعرف البريطاني مثلاً يفرض أن يكون رئيس الوزراء بروتستانياً بالرغم من وجود أقليات كاثوليكية، والعكس في فرنسا فالعرف يفرض أن يكون رئيس الجمهورية كاثوليكياً، بالرغم من وجود أقليات بروتستانية، وهذا ينطبق على جميع دول أوربا، وبالنسبة للولايات المتحدة فرغم وجود أقلية كاثوليكية تشكل الربع، إلا أنه لم يحكمها خلال أكثر من مائتي سنة أي رئيس كاثوليكي سوى الرئيس جون كينيدي الذي قتل قبل أن يكمل مدة رئاسته، أي أن وجوده كان شاذاً , لكن ظهر بعض المتشددين قليلاً، الذين رؤوا في ضرورة ارتداء الطالبات للحجاب ومنع الطلاب من الذهاب لدور السينما وغير ذلك، حيث طالب بذلك بعض النواب من التيار الإسلامي في جلسة البرلمان في 24 يوليو 1950، فرد عليهم وزير المعارف (التربية) بأن قوانين الدولة لا تسمح بذلك، ثم طالب النواب بإلغاء حق المرأة بالانتخابات، وأيدهم بذلك عدة أحزاب سياسية غير التيار الديني( ).
وقد أغضب الرئيس حسني الزعيم ، التيار الإسلامي والقومي، عندما عمد إلى تشجيع السفور واستولى على الأوقاف وجعلها ملكاً للدولة، وأقتبس قوانين علمانية، واعتماده على الأقليات الكردية والشركسية في مراكز حساسة في الجيش وتركه الضباط العرب في الجبهة، وخاصة بعد تعيينه لمحسن البرازي رئيساً للوزراء، وهو من أصول كردية( )، فأصبحت الصحف القومية والإسلامية تهاجمه وتنعت سوريا بـ الجمهورية الكردية العسكرية، كما أنه أسخط الشعب بسبب عدم اهتمامه بلواء الإسكندرونة، واستدعائه لقائد أركان الجيش التركي السابق (الجنرال أوربان) لتنظيم الجيش السوري.
وقد كان الضباط السنة على الدوام قبل انقلاب صلاح جديد في 23 فبراير 1966، يشكلون معظم ضباط الجيش بأغلبية ساحقة( ) ، وهذا ما يفسر أن كل الانقلابات الناجحة وغير الناجحة ، وبسبب ما للدين من أثر على الشعب السوري، نص دستور عام 1950 في مادته الثالثة على ( ) :
1- دين رئيس الجمهورية الإسلام.
2- الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع.
(3) حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية، وتكفل حرية القيام بشعائرها، على ألا يخل ذلك بالنظام العام.
(4) الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية، وتقرر أن يضاف في مقدمة الدستور النص التالي:
" ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام، فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا، ويعلن الشعب العربي عزمه على توطيد أواصر التعاون، بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي، وبناء دولته الحديثة على أسس من الأخلاق القومية التي جاء بها الإسلام، والأديان السماوية الأخرى، وعلى مكافحة الإلحاد والتحلل الخلقي"( ).
وقد وافق كافة رجال الدين من الأديان الثلاث والطوائف الإسلامية على ذلك، وقد عملت الكتلة الوطنية برئاسة الرئيس شكري القوتلي على تكريم كل من قاوم الانتداب الفرنسي فعلى سبيل المثال أقاموا في 25 إبريل 1945 حفلة كبرى على شرف الشيخ صالح العلي، وألقيت فيها القصائد المادحة، والخطب، وأطلقوا اسمه على عدد من شوارع المدن السورية، كما أبَّنه البرلمان( )، وفعلوا نفس الشيء بالنسبة لقائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، حيث عمل الرئيس شكري القوتلي على تكريمه بقصر في دمشق( )، كما ألغى القوتلي مخصصات الجمعية الغراء الإسلامية*، مما أثار أعضاءها لكن في ظل حكم الرئيس أديب الشيشكلي عمل على إتباع بعض الإجراءات التي استاءت منها الأقليات الدينية والعرقية الأخرى، رغم أنه كان يهدف بهذه الإجراءات لتحقيق الانسجام في المجتمع والقضاء على العصبيات الدينية والعرقية ومن هذه الإجراءات( ):
1- إلزام أصحاب المحلات العامة باستخدام اللغة العربية في اللافتات.
2- إلزام رجال الدين على مختلف المذاهب والأديان باستخدام اللغة العربية في الأعياد.
3- اشتراطه على جميع المؤسسات الرياضية بتخصيص نصف المقاعد للسنة بشكل دائم.
وقد عمل نظام القوتلي على تشجيع الفلاحين الدروز على تولي المناصب السياسية عام 1945 في جبل الدروز (العرب) ، وعدم استئثارها على عائلة آل الأطرش، مما كان له آثاراً سيئة على ولاء آل الأطرش له، فدفعهم هذا إلى تأييد حسني الزعيم في انقلابه، بنتيجة ما خسروه من نفوذ كانوا يتمتعون به في الجبل، قبل أن يثور الفلاحون (بثورة الشعبيين) ضدهم( ) ، ولم يكن نظام القوتلي يقصد من وراء ذلك سواء إتاحة الفرصة للأكثرية لتشارك في الحياة السياسية، وفي عهد الشيشكلي إبان ضرب جبل العرب ومقتل 66 شخصاً كان الضباط الحمويون -الذين ينتمون لمدينة حماه وهي بلد الرئيس أديب الشيشكلي- قد وقعوا ضد ضرب جبل الدروز، وانتفض الإخوان المسلمين والشيوعيين والأحزاب الأخرى ضد نظام الشيشكلي بسبب ذلك( )، كما اندلعت المظاهرات في كل المدن السورية ضد ضرب الجبل، رغم أنه لم يكن لذلك الضرب أي مظهر طائفي، لكن الديكتاتورية العسكرية الحاكمة واجهت التمرد الدرزي وتوزيع المنشورات ضد حكمها بالعنف.
وفي انتخابات 1954 أعطت المناطق الإسلامية في دمشق أصواتها للدكتور عوض بركات المسيحي الأرثوذكسي، أكثر مما أعطته المناطق المسيحية( )، وتفسير ذلك أن دمشق لا تحب التعصب، فالمرء يمكن أن يكون مؤمناً دون التعصب، الذي يعطل وحدة الوطن ويجعل قيادته مهزوزة الوجود، ويعرض الوطن للأخطار، لذلك قاومت على الدوام المتعصبين وأبعدتهم، وحذت حذوها كل المدن السورية.
وقد كان الرئيس أديب الشيشكلي يرفض العنصرية والطائفية، فكان الجيش يضم كل العناصر والفئات حسب مؤهلاتهم، فكان فهمي سلطان وهو علوي مسؤولاً عن أسراب الطائرات في الجيش، وقد أوفده الشيشكلي مع فريد حيدر، وجميل شقير إلى الخارج، وكانوا من الأقليات، من أجل دورات عسكرية( )، كما كان قائد الأركان شوكت شقير درزياً، وقد ضم مجلس العقداء وهو بمثابة مجلس قيادة ثورة كل الفئات، فكان يضم [ (توفيق نظام الدين (كردي)، محمد ناصر (علوي)، أمين أبوعساف (درزي)، أحمد عبدالكريم عربي (سني) ] وقائد هذا المجلس هو الشيشكلي وهو سني من أصول كردية ، وكان يسعى لتقوية الجيش بتشجيع الانضمام إليه من جميع الفئات.
كما أن قائد المجلس الثوري الأعلى للجيش والقوات المسلحة المقدم عبدالكريم النحلاوي ، آثر إعطاء قيادة الأركان للواء الدرزي، عبدالكريم زهر الدين، وكان يستطيع أن يحتفظ لنفسه بها، أو يسلمها لغيره من أبناء الطائفة السنية( ).
وكما ذكر سابقاً فإن معظم الأكراد من السنة، حيث يتركزون على طول الحدود السورية التركية، وبعضهم يعيش في المدن السورية، دمشق، حلب، حماه ..... الخ لكنهم لا يمثلون وحدة اجتماعية واحدة( )، فمنهم الكرادغ الذين سكنوا سوريا منذ عدة قرون، ومنهم من سكن سوريا في العشرينات وما بعدها، في الجزيرة السورية، إثر الاضطهاد التركي لهم، لكن ضعف شأنهم في الجيش بعد سقوط الشيشكلي، مما حذا بهم إلى تأييد خالد بكداش في انتخابات 1954، بسبب التشدد في موضوع القومية الذي قاده البعث آنذاك، وقد عمل الرئيس ناظم القدسي على إسقاط الجنسية عن الذين هاجروا إلى سوريا إبان الوحدة مع مصر، كما عمل على تعريب المناطق التي سكنوها، مما أثارهم وقد أنشأ الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) في أغسطس 1957، وبما أنه لم يكن له تأثير يذكر على الحياة السياسية في سوريا، لذلك أدرجه الباحث في حقل الصراع الاجتماعي( )، وقد برز منهم قادة عظام أمثال قائد ثورة الشمال إبراهيم هنانو، ووزير دفاع الملك فيصل وهو الشهيد يوسف العظمة، وكان لهم دور كبير في مقاومة الانتداب الفرنسي، كما أنهم انخرطوا في المقاومة المسلحة عندما تهددت أرض الوطن عام 1957، وحزبهم ذو تيارين تيار متشدد يدعي أن أصولهم من سوريا وأنها أرضهم التاريخية، ويرون توحيد كردستان الكبرى، وتيار معتدل يرى أنهم أقلية مهاجرة، وهو يسعى لإصلاح شأنهم، وقد رفضوا فصل الجزيرة السورية عن الوطن الأم، إبان الانتداب الفرنسي، لكن كان للوحدة مع مصر أثراً سيئاً على سوريا، فتشددها تجاه القومية العربية جعلهم ينادون بضرورة أن تكون لهم ثقافتهم الخاصة، وقد شجعتهم سلطة دولة الوحدة على ذلك، رغم اعتقالها بعضهم عام 1960، ثم تعرضوا للاضطهاد والاعتقال إبان حكم نور الدين الأتاسي عام 1968 بسبب مناداتهم بأن يكون لهم وضع خاص كونهم يحملون ثقافة خاصة، وقد طالب خالد بكداش وهو من أصول كردية بضرورة ذوبانهم بالجسم السوري، كما قال الزعيم الكردي لحزب العمال الكردستاني في تركيا عبدالله أوجلان "إن أكراد سوريا جاؤوا من الشمال وعليهم العودة إلى هناك من خلال حزبه"، كما أكد جلال طلباني أنه لا توجد مشكلة كردية في سوريا، وقد أكد عزيز الحاج أنه كان على مر العصور تعايش بينهم وبين العرب ، حتى أن كل زعيم كردي كان يفتخر بأنه من أصل عربي، ويحاول إرجاع أصله إلى سلالة الرسول أو أحد أصحابه( ) رغم أن المؤرخين إختلفوا حول أصولهم أهم آريين أم أتراك أم عرب، لكن يرجح البعض أنهم آريين نتجوا عن إختلاط قبائل راجوس مع القبائل الهندو أوربية( ).
وقد أساء نظام الوحدة بين سوريا ومصر للوحدة الوطنية في سوريا والعراق، حيث عمدت إذاعة صوت العرب على توجيه النداءات الكثيرة للأكراد، على أساس أنها المدافعة عنهم، مما حذا بهم إلى المطالبة بدولة كردية لهم، فتخوف عبدالكريم قاسم في العراق، وعمل لامتصاص نقمتهم على تأييد إقامة حكم ذاتي لهم، بسبب أن أكراد سوريا يميلون لأكراد العراق كونهم نفس الامتداد، وبذلك يتاح له فصل سوريا عن مصر وضمها للعراق، من خلال الأكراد أنفسهم( ) ، كونهم يتوزعون في عشائر مترابطة ومتصلة( )، وقد عمد نظام الوحدة على توزيع أسلحة عليهم في العراق من خلال مصطفى البرازني الذي كان يأتي سراً إلى سوريا، وكان قبل ذلك محسن البرازي الذي عمل على عرقلة بعض الحكومات إبان حكم القوتلي تمهيداً لانقلاب الزعيم*، وبالنسبة للتركمان فهم يشبهون الأتراك خلقة ولغة وعرقاً وقد نزحوا مع الشركس من القوقاز، بسبب الحرب العثمانية الروسية بين عامي (1877 – 1887) ( ) ، واشتغل أكثرهم بالتجارة في ظل الحكومات الوطنية، وتعرب أكثرهم، لكن الأتراك هم من بقايا العثمانيين، وتعرب أكثرهم أيضاً، وشغلوا مناصب مهمة منذ زمن العثمانيين، واستاؤوا كغيرهم لفصل لواء الإسكندرونة عن سوريا، ومنهم سامي الحناوي، خالد العظم، أسعد الكوراني، ولم يكن لهم أي تأثير سيء على الاستقرار السياسي في سوريا، والاختلاف بين التركمان والأتراك، أن الأتراك من أصول فارسية، أما التركمان فهم المغول المتتركين الذين أصبحوا أتراكاً وقد جاؤوا من قيرغستان وامتدوا إلى منشوريا والتركستان ومنغوليا، ومنهم السلاجقة والخوارزمية.
وعلى ذلك فتأثير التيار الديني للطائفة السنية -التي تشكل الأكثرية في النسيج السوري- لم يكن لها دور يذكر في الفوضى السياسية فحتى التيار الغير الإسلامي كان يرى أن الأخذ بالحضارة وسبل التطور لا يكون بنبذ الإسلام( )، ومثال على ذلك أن الحضارة اليابانية ازدهرت ووصلت إلى آخر ما توصل به العلم رغم أنها حافظت على تراثها الروحي، وهذا ما أكده مورو بيرجر في كتابه العالم العربي اليوم بقوله : " لقد ثبت تاريخياً إن قوة العرب تعني قوة الإسلام "( ).
كما أن التيار الإسلامي عني بشكل كبير بالعروبة، لكنه كان على الدوام يرى أن الفضل الأكبر للإسلام على العرب، كونه هو الذي صنع الأمة العربية جسماً وروحاً، فلولاه لبقي العرب قبائل جاهلية لا تعرف شيئاً عن الثقافة الإنسانية، كونهم كانوا معزولين في الصحراء، ولما كان التاريخ سجل لهم إلا سطوراً تافهة في زوايا مهجورة من صحائفه، فالعروبة ارتبطت بالإسلام بحضارة واحدة وتاريخ واحد، لأن الله قد اختار العرب ليحملوا رسالته، واختار لغتهم لتكون لسان الوحي الإلهي، وبها انتهت صلة الأرض بالسماء، وإن قيادة المسلمين لا تصلح لغير العرب سواءاً كانوا أصليين أو ممن تكلم العربية وفهمها وناصرها واقتنع بالعرب قادة للمسلمين ، مثل الإمام أبي حنيفة، وصلاح الدين الأيوبي، وسيبويه وغيرهم، لأن ينابيع الإسلام لا يمكن أن تكون صافية إذا لم يكن العرب قادة للمسلمين، ولن تكون هناك أية نهضة إسلامية إلا من خلال العرب ليؤدوا واجبهم ورسالتهم الكبرى ويستعيدوا مجدهم، وعلى ذلك يقول أحد المسيحيين وهو إسماعيل مظهر: " العربي النصراني، مسلم بصفاته العربية، والمسلم الهندي أو الفارسي عربي بما في الإسلام من روح العرب" ( ).
فالعرب وإن كانوا أقاموا الحضارات السامية كلها* ، إلا أنهم تعرضوا للاضطهاد والذل على أيدي الفرس والروم، وأبيدت حضاراتهم ولم يعيدها سوى الإسلام، ورسالتهم الخالدة تختلف عن رسائل الأمم الأخرى ومنها حراسة الفضائل ونشرها وتحطيم الرذائل وطي عارها، والإيمان بالله وقمع الإلحاد والعوج، وتسخير موارد الأمة لتحقيق هذه الأهداف، التي بموجبها سيحققون العدل والحرية، واليقين والتقوى، لأن طبيعة الأمة العربية ترفض التمزق، كما أن طبيعة رسالتها ترفض هذا التمزق، وبالنسبة للأقليات العرقية، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكذلك الأقليات الدينية شريطة احترام رأي الأكثرية، كما أن الإسلام يدعو للاشتراكية باعتبارها نظام صالح للمجتمع الإنساني بشرط حرية الفرد وكرامته الإنسانية، ويرفض حرب الطبقات، وعلى هذا الأساس فالقومية العربية المعتدلة لا تتعارض مع الإسلام، أما الدعاوى الإلحادية فستكون عامل عدم استقرار في المجتمع السوري كونها لا تتوافق مع طبيعته ، ولهذه الأسباب مجتمعة كانت الكثير من الانتفاضات السنية ضد علمانية نظام البعث في ظل تسلط صلاح جديد على المجتمع والجيش، وهذا ما أشعر الناس أن البعث يرفض في دستوره أن يعترف بأنه لولا الإسلام لما كان هناك اسم للعرب في التاريخ، كما أنه يرفض الاعتراف بالقوميات الأخرى في سوريا، وإضافة لذلك أنه منذ انقلاب عام 1963 ترافق مع الطائفية بكل المعاني في ظل تسلط صلاح جديد على المجتمع من خلال البعث، فكان سبباً في سقوط حكم الأكثرية لصالح الأقلية التي كان يمثلها صلاح جديد ، فسوريا لا تشكل بيئة لنمو الأفكار البعثية في ظل وجود تيار صلاح جديد لأنها مركز للحضارات الأموية والأيوبية والحمدانية وغيرها من الحضارات الإسلامية الأخرى، وفيها مراقد الكثير من الأنبياء والأئمة ، كما أن فيها تقاليد عربية أصلية مندمجة مع تقاليد تركية وكردية يسود فيها روح الولاء لشيخ القبيلة وأعرافها أو لوجيه المدينة أو الحي، أكثر من أي تنظيم آخر، فوجود تيار جديد البعثي في السلطة أو في الحياة السياسية كان عاملاً لعدم استقرار سياسي واجتماعي في سوريا.
3- الدروز:
ويدعون بالموحدين لإيمانهم بوحدانية الله، وظهر مذهبهم في القرن الحادي عشر للميلاد، ويعتبرون الحاكم بأمر الله وهو أحد خلفاء الدولة الفاطمية، أنه تجسيد للذات الإلهية( )، وأن اختفائه مؤقت، ويعتمدون مبدأ السرية في معتقداتهم، وقد انقسموا إلى عقال أي من اضطلع على أمور الدين منهم، وجهال الذين لم يضطلعوا على أمور الدين، ويعترفون بأصولهم الإسلامية، وكان لهم دور كبير في إثراء الأدب العربي، ويؤكد مؤسس مذهبهم حمزة بن علي أنهم ليسوا من الشيعة ولا ينتمون لها بأي صلة، كما يقول أحد زعمائهم وهو كمال جنبلاط:
"إن الشريعة الدرزية مأخوذة من القرآن ومن ستة عشر كتاباً مخطوطاً، لا يسمح بالاطلاع عليها... والدرزية تنهل تعاليمها من الفلسفة اليونانية خصوصاً الأفلاطونية القديمة والمسيحية والبوذية والفرعونية القديمة والإسلام ....... إن شيوخ الطائفة الدرزية كانوا يصلون في المساجد ويصومون ويحجون البيت، لكن هذه الفرائض جميعاً قد رفعت عنهم واستبدلت بها تكاليف أخرى ..... إن الدرزية مرت بالإسلام كمرحلة ثم تجاوزته وأصبحت ديانة مستقلة "( ),
وجاءوا سوريا من لبنان واستوطنوا في جبل حوران منذ 200 سنة، وأصولهم عربية خالصة من قبائل تنوخ أي المناذرة، ويعتقدون بالتناسخ، وخلال الدولة العثمانية أسسوا الدولة المعنية والدولة الشهابية، وتقوم سياستهم على موالاة حاكم الدولة التي هم فيها والخضوع له بشرط عدم تدخله في شؤونهم الداخلية أو أن يظلمهم، وإلا فيخرجون عليه، وتكون الصلة بينهم وبين رأس الدولة هو أمراؤهم ومشايخهم الذين يطيعونهم طاعة عمياء ( ) ، وبسبب عزلتهم حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم، وقد أصدر الجامع الأزهر الشريف فتوى في عام 1960بأنهم إحدى الفرق الإسلامية( ) ، كما أن الدولة العثمانية أدخلتهم ضمن نظام الملة باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية ، أيضا مؤسس دينهم حمزة بن علي قال في رسالة الغاية والنصيحة: " يجب عليكم أن تنظروا ما جاء في القرآن وتدبروا معاني حقائقه ", ولهم أيام خاصة يصومون فيها، كما أن لهم مجامع دينية تسمى "جمع"، يصلون فيها يوم الجمعة، لكنهم يعيدون مع المسلمين في العيد الأضحى، وينقسمون لعدة عشائر في سوريا وعددها (32) ويتواجدون في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، أما في سوريا فيتركزون في جبل العرب أي جبل حوران ويطلق عليه أحياناً جبل الدروز كما يتواجدون في الجبل الأعلى قرب حلب، إضافة لبعض الضواحي في دمشق، ويقول مؤسس دينهم حمزة بن علي: " إتبعوا كل أمة أقوى من أمتكم وحافظوا على داخل قلوبكم "( ) ويتميزون بترابطهم الاجتماعي القوى، وخاصيتهم العسكرية، مثل أمين أبو عساف وفضل الله أبو منصور، وشوكت شقير، وعبدالكريم زهر الدين، وحمد عبيد وسليم حاطوم، وفهد الشاعر، وزيد الأطرش، وكان قائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش منهم، وكان عضواً في الكتلة الوطنية،( ) وقد أنتسب قسم منهم للأحزاب الراديكالية خاصة القومي السوري والبعث، وعمل صلاح جديد على استقطابهم لتنفيذ انقلابه الطائفي في فبراير 1966، رغم عدم إدراكهم لماهية هذا الانقلاب إلا بعد فوات الأوان، لذلك عملوا على التحالف مع القيادة القومية التي يمثلها الرئيس أمين الحافظ مرة أخرى لإسقاط حكم صلاح جديد، فكانت انقلاباتهم الثلاث ( حمد عبيد، فهد الشاعر، سلم حاطوم) ضد حكم صلاح جديد، لكن فشلت جميع هذه الانقلابات( ).
وبما أنهم يمتازون بالترابط العائلي ، فكان اعتقال أقارب سلطان الأطرش من قبل الشيشكلي في مدينة السويداء، قد أثارهم فعملوا لتخليص السجناء بالقوة، مما أدى إلى اصطدامهم مع قوى الأمن في ديسمبر 1953، فتدخل الجيش وقتل منهم حوالي 66 فرداً، ولجأ سلطان الأطرش للأردن( )، لذلك عمل دروز لبنان على التحالف مع قوى المعارضة السورية لإسقاط حكم الشيشكلي، وكان من أسباب معارضتهم للشيشكلي هو الخطأ الذي ارتكب حول عدد الطوائف في سوريا، فجعلت نسبتهم أقل من النسبة الحقيقية مما كان له تأثير سيء عليهم( )، وكانت انتفاضة فلاحيهم ضد آل الأطرش بسبب سيطرة آل الأطرش على المناصب السياسية في جبل العرب ودعم نظام القوتلي لها، مما حذا بآل الأطرش إلى دعم انقلاب حسني الزعيم عام 1949( ).
وما تزال نزعة الثأر متأصلة في نفوسهم كونهم قبائل عربية محافظة على عاداتها وتقاليدها، وهذا ما حذا برئيس الحرس القومي حمد عبيد إلى المشاركة مع عزت جديد في قمع عصيان حماه عام 1964( )، انتقاماً لحادثة جبل العرب التي اشترك فيها ضباط حمويون، ولكن كان هناك بعض المتعصبين من الدروز الذين عملوا عام 1955 على إنشاء ما سمي "بمنظمة الدروز الأحرار" ( )، لكن سلطان الأطرش انتقدها وعمل على تفكيكها من خلال أمراء ومشايخ الدروز كونهم يؤمنون بوحدة سوريا وبالوحدة العربية وبالاعتزاز بالإسلام وهذا ما أكده أمرائهم مثل الأميرين شكيب وعادل أرسلان وسلطان الأطرش، فكان رفضهم لفصل جبل العرب عن الوطن الأم في عهد الانتداب الفرنسي أكبر دليل على إخلاصهم للوطن .
وقبل سقوط حكم أمين الحافظ في فبراير 1966 تولوا مناصب رفيعة جداً، فعهد الأمير عادل أرسلان بتشكيل حكومة في عهد شكري القوتلي، كما وصل عدد منهم لوزارة الدفاع كل من عبد الغفار الأطرش، وحمد عبيد، وإلى قيادة الأركان كل من شوكت شقير وعبدالكريم زهر الدين، وكان منهم أعضاء في مجلس العقداء في عهد الشيشكلي مثل شوكت شقير وأمين أبوعساف، وأعضاء في مجلس قيادة انقلاب البعث (الثورة) عام 1963 ومنهم شبلي العيسمي، كما وصل حمود الشوفي لرئاسة القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1964، لكن تبقى النزعة الطائفية لها مجال خصب عندهم وهذا ما يفسر تدخلهم في النزاع الطائفي في لبنان، أعوام 1958- 1975- 1990( )، أيضاً اصطداماتهم مع البدو منذ الانتداب الفرنسي بسبب تدخلات السلطات الفرنسية في إثارة هذه النزاعات، كون تنظيماتهم وعلاقياتهم الاجتماعية وفق أعرافهم العشائرية مندمجة بالعلاقات العشائرية والدينية والشخصية( ).
(4) الإسماعيلية :
ظهر مذهبهم في القرن الثامن الميلادي، حيث لم يعترفوا بإمامة موسى الكاظم ابن جعفر الصادق وبذلك اختلفوا عن الشيعة الاثني عشرية، لذلك سموا بالشيعة، واهتموا بالرقم (7)، وقد تسموا بعدة تسميات منها الباطنية، والحرمية، الحشاشين، والقرامطة كانوا جزء منهم( )، ويدعون أن لكل شيء ظاهر وباطن، وقد صبغوا جميع الأديان والفلسفات بالصبغة الإسلامية على مذهبهم، مثل "رسائل إخوان الصفا وخلان الوفى"( )، وقد أسس مذهبهم عبدالله المهدي الذي أسس الدولة الفاطمية حيث انطلقت دعوته في منطقة سلمية، وهي من أقضية حماه، وقد امتدت دولتهم لتشمل كل شمال أفريقيا والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق -عدا بغداد-، وانقسموا إلى نزارية في الشام وإيران، ومستعلية في مصر، وقد اضطهدهم السلاجقة والأيوبيون بسبب تحالفهم مع الصليبيين( )، وإمامهم الحالي هو كريم آغاخان الرابع*، لكن بعضهم لا يعترفون به على أساس أن الإمام مازال غائباً، وينتشرون في سوريا في السلمية والخوابي، والقدموس (الشيخ بدر)، ومصياف.
وقد عملوا على تقويض الدولة العباسية بدعايتهم ومن خلال منظماتهم السرية مستغلين الصراع الطبقي في المجتمع، كما يؤكد أحد دعاتهم وهو عارف تامر أنه كان لهم الدور الأكبر في تفتيت عرى العالم الإسلامي، كما أنهم تعاونوا مع الاستعمار وسهلوا له السيطرة على البلدان الإسلامية، ومعابدهم تسمى "جمعة خانا"، ويخضعون لشيخهم الأكبر الذي له وكلاء في كل منطقة، ولهم تنظيم خاص، ويتلون القرآن في مآتمهم، وكان لهم الدور الأكبر في سقوط بغداد بتحالفهم مع هولاكو حيث كان أحد وزرائه منهم وهو (نصير الدين الطوسي)، وكانوا على عداء دائم مع العلويين، وآخرها حربهم مع الشيخ صالح العلي، ورغم عدم وجود تأثير لهم في عدم الاستقرار السياسي بشكل كبير قبل انقلاب 8 مارس 1963، إلا أن سامي الجندي الذي كان من الوحدويين الناصريين، كانت له لقاءات مع النظام المصري لأجل إسقاط نظام ناظم القدسي، وإقامة تنظيمات سرية من أجل ذلك، كما أن منهم من كان ضمن اللجنة العسكرية البعثية، التي تشكلت في عهد الوحدة مثل عبدالكريم الجندي وأحمد المير، والتي اشتركت في انقلاب 8 مارس 1963 رغم أن تأثيرها كان طفيفاً، إلا أنها زادت أهميتها بعد فشل الانقلاب الناصري بقيادة جاسم علوان في 18 يوليو 1963 ‘إلا أنها لم تستطع الاستمرار أكثر من يومين بسبب أنه كان من الناصريين الذين أصبح لا تأثير لهم في الجيش، -بعد فشل انقلاب جاسم علوان-، ورغم الروح الوطنية التي تمتع بها إلا أنه لم يستطع تغيير شيء من الطائفية التي اعتنقها صلاح جديد في فبراير 1966، حيث اشترك في هذا الانقلاب أحمد المير وعبدالكريم الجندي، وبالنسبة لأحمد المير فقد عين قائداً لقوات الجبهة، وإبان حرب يونيو 1967 انسحب من القتال دون معارك تذكر تاركاً الأسلحة كما هي، حيث استولت عليها إسرائيل بعد احتلالها للجولان، وقد رفع بعد ذلك من رتبة عقيد على رتبة عميد( ) ، أما بالنسبة لعبدالكريم الجندي فقد عين قائداً للمكتب الثاني (المخابرات العسكرية) ، وقام بعمليات رهيبة في تعذيب المعتقلين السياسيين وبعد انتهاء دورهم في تثبيت حكم صلاح جديد ، تخلى عنهم حلفاءهم من اتباع صلاح جديد ، ثم أبعد أحمد المير عن الجيش وعين ملحقا عسكرا في الخارج، ثم أعتقل سامي الجندي، وبذلك انتهى دورهم في الحياة السياسية في سوريا ولم يعد لهم دور يذكر في الحياة السياسية سوى بعض المناصب المدنية أو العسكرية غير المؤثرة .

(5) الشيعة :
ظهروا بظهور الخلاف بين الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ، وبين معاوية بن أبي سفيان في القرن السابع الميلادي، حيث قالوا بوجوب إمامة الإمام علي بن أبي طالب وأولاده من بعده، وأن ذلك منصوص عليه في القرآن والسنة، وعباداتهم لا تختلف عن أهل السنة، لكن لهم بعض المناسبات الخاصة بهم التي يحتفلون بها، ويقول حولهم ماكونالد، "إن الخلاف بين السنة والشيعة خلاف غير جوهري فهو حول العبادات والمعاملات لكن العقيدة واحدة"( ), ويؤكد الباحث جولد تسيهر أن الشيعة أقرب إلى فقه الشافعية وإن الخلاف حول قضية الإمامة هو خلاف سياسي بحت لا يمت إلى العقيدة بأي صلة، وإن أصحاب الرسول محمد عليه الصلاة والسلام قد اختلفوا فيها، وحارب بعضهم بعضاً بسببها، كما يعتبرهم أحد علماء الأزهر الشريف أنهم المذهب الخامس، وهم مثل السنة يكفرون من يعتقد بتجسيم الخالق، كما أن إمامهم الإمام جعفر الصادق هو أستاذ الإمامين مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان، وقد أكد الإمام جعفر الصادق على ضرورة محاربة الحركات الهدامة التي تدعي الولاء لأهل البيت وتتقول عليهم بما ليس حق، بقوله: "لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة "( ), وينتشرون في سوريا في عدة مناطق في حمص، وحماه وحلب ودمشق حيث لهم بعض الأحياء والقرى، ويتميزون بالولاء المطلق لمجتهديهم، وعلمائهم، ويعتبرون القضاء الحكومي غير شرعي، على أساس الحكم الشرعي، يصدره مرجعهم الأعلى، وقد استقطبتهم جماعة صلاح جديد ، ولم يساهموا في الحياة السياسية أو يؤثروا عليها أو على الاستقرار السياسي فيها، لا سلباً ولا إيجاباً ، لكن بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1971 ، عمل على استصدار فتوى من المرجع الشيعي في لبنان موسى الصدر على أساس أن العلويين هم إحدى الطوائف الشيعية ، لأن الشيعة قبل ذلك لم تكن تعترف بهم كمسلمين بسبب غلوهم في الإمام علي كرم الله وجهه ، وعلى ذلك انضم قسم منهم إلى نظام الأسد وأيده بعضهم ، خاصة بعد دعم الأسد لحزب الله الشيعي في لبنان ، تأكيد زعيم ذلك الحزب حسن نصر الله على ضرورة دعم الشيعة لنظام الأسد وابنه الذي تولى السلطة بعد موت أبيه عام 2000 ، وبالمقابل عمل نظام الأسد على تشجيع الجمعيات الشيعية في سوريا تلك الجمعيات المدعومة من إيران والتي تعمل على نشر التشيع في سوريا في مقابل مادي معين لكل من يتشيع ، مما قد يكون له تأثير سلبي على هذه الفئة فيما لو تغير الوضع في سوريا كون التدخل في الدين من أخطر الأشياء التي تؤثر على الوحدة الوطنية .
(6) اليزيدية:
يقولون بألوهية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ومعتقداتهم مزيج من الرسالات السماوية والوثنية، ومعظمهم من الأكراد، ويمتهنون الرعي والزراعة، وينتشرون في جبال سنجار على الحدود العراقية السورية، وفي الجزيرة السورية( )، ويقدسون إبليس باعتباره أحد الآلهة السبعة عندهم، كما أن لهم كتاب مقدس هو كتاب "الجلوة لأرباب الخلوة"، وكتاب "ومصحف رش"، و كتاب " الخلوة"( ) ، ويعتبرون أن نبيهم هو عدي بن مسافر، ولهم معبد يزورونه يضم رفات، ولهم أقارب في العراق كونهم عشائر موحدة معهم، وهم أقلية صغيرة جداً، لذلك فلا تأثير لهم على الحياة السياسية أو الاستقرار السياسي في سوريا كونهم يحبون الانعزال بشكل كبير، لكن أعطتهم السلطات السورية على الدوام حقوقهم كاملة، وإن كانوا يؤيدون الحزب الكردي (البارتي).
7- النور :
ويدعون كذلك بالقرباط أو الغجر، ولغتهم شبيهة بالهندية، ويشتهروا بالبخل الشديد والتخلف والجهل ، ويضرب بهم المثل في هذه الصفات، ومنهم الفقراء ومنهم الأغنياء، ومنهم من يأكل الجيف، ويسكن أكثرهم في بيوت من الشعر أو الطين، كما يمتهنون صناعات يدوية محتقرة من عامة الشعب مثل صناعة المناخل والغرابيل والطبول والدفوف، من شعر أذناب الخيل والدواب الميت، ويعبدون الإله سيدا، وليس لهم أماكن للعبادة، كما أنهم يسكنون على أطراف بعض المدن، وعددهم قليل جداً، وتشتغل نساؤهم في أحياء الأفراح والرقص والغناء ... ولهم انتشار في كثير من دول العالم، وهم منبوذون من معظم دول العالم كونهم يفضلون التسول و أحيانا الأعمال غير الشرعية على الأعمال الأخرى، وقد منحتهم السلطات في الآونة الأخيرة الجنسية السورية وقدمت لهم جوازات سفر، وأجبرتهم على أداء خدمة العلم، رغم أن الأنظمة قبل 16 نوفمبر 1970 لم تعترف بهم كسوريين، كونهم يتمايزون عن أفراد الشعب السوري بشكل كبير( ) ، وقد نشط هؤلاء بعد الحصار الاقتصادي على العراق عام 1991 ، هيث هاجر قسماً من غجر العراق الذين يعرفون بالكولية إلى سوريا وقاموا بالتنسيق مع نور سوريا في نشر الملاهي الليلية وأمكن اللهو والعبث ، وأكثر ما يظهرون في قناة غنوة السورية تلك القناة الفضائية التي تعمل على ترويج أعمالهم وفنونهم .
(8) المسيحيون :
يقسمون إلى أربعة عشرة طائفة مذهبية ( ) ، وقد زاد عددهم في سوريا بعد الحرب العالمية الأولى إلى الضعف، بسبب الاضطهاد التركي لمهاجريهم إلى سوريا، وخاصة الأرمن واليعاقبة، والنساطرة ( )، فرأوا كل الرعاية الشعبية السورية، وقد أدت الوحدة مع مصر إلى نزوح عددا كبيرا منهم من سوريا إلى لبنان فانخفضت نسبتهم من 14% إلى حوالي 9% , وكانت المذابح التي تعرضوا لها من قبل الدروز والبدو عام 1840، بسبب تدخلات خارجية أولاً، وأسباب مادية بحتة ثانياً عقب انتهاء الحملة المصرية على سوريا، كما أن اضطهاد قائد أركان الجيش العراقي بكر صدقي في عام 1933، للنساطرة والأثوريون جعلهم يهاجرون إلى سوريا، وقد شجعتهم السلطات الفرنسية على ذلك رغم أنهم من أصول سورية أصلية، من المناطق التي اغتصبتها تركيا من شمال سوريا، وقيامها بعمليات التطهير العرقي في تلك المناطق، وإن* كانوا في الماضي تحالفوا مع المغول، وأيدوا سقوط بغداد وكانت زوجة هولاكو وزوجة ابنه وزوجة حفيده منهم.
وقد رفضوا مسودة الدستور السوري عام 1950 (قبل تعديلها)، والتي كانت تدعو إلى أن دين الجمهورية السورية هو الإسلام، فعقدوا اجتماعاتهم وطالبوا بتعديل المادة التي تدعو لذلك، وقال مطران حماه ، أغناطيوس حريكة في ذلك: " إننا كثيراً ما كنا نعلن للأجنبي أن لا أقلية في البلاد إلا أقلية الخونة والمارقين، فماذا نقول لهم غداً وقد وجدوا في صلب دستورنا مادة تسجل علينا نحن النصارى أقلية؟ "( )،مما حذا بالبرلمان إلى تعديلها على الفور، حيث قرر بأن يكون دين رئيس الجمهورية هو الإسلام والفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع، وحرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية ...
ولهم تاريخ مشرف في الجهاد مع المسلمين ضد أعداد الأمة ، فاشتركوا مع صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، وفي النضال ضد الانتداب الفرنسي، وقدموا الشهداء، فكان منهم جول جمال الذي حاول تدمير إحدى البوارج الفرنسية خلال حرب السويس عام 1956، لكنه استشهد قبل وصوله إليها( )، ومنهم أنطون سعادة زعيم الحزب القومي السوري الذي دفع حياته ثمناً من أجل وحدة سوريا الطبيعية وتقويتها، وميخائيل إليان زعيم الحزب الوطني في حلب والذي ضحى بكل أمواله لأجل وحدة سوريا والعراق، ومنهم نعيم انطاكي وفارس الخوري وكثيرين غيرهم من رموز الوطنية والفداء من أجل الأمة، ويحبون الانصراف للتجارة، والأعمال الاقتصادية والمهن الحرة، وقد قاوموا تفتيت سوريا إلى دويلات عديدة، كما قاوموا فكرة إنشاء لبنان الكبير( )، أو التحالف مع أي كان لإقامة كيان مسيحي في لبنان، مؤكدين على الوحدة الوطنية مع بقية أبناء الشعب السوري، وقد ندد وجهاء الأرمن بالسلطات الفرنسية لاستخدامها أبناءهم ضد الشعب السوري، وأبرقوا إلى المفوضية الفرنسية العليا في بيروت يرجون فيها بعدم استخدام أبناءهم مع سلطات الانتداب، بسبب ما لاقوه من عطف إنساني من الشعب السوري، كما وقفوا موقفاً مشرفاً مع المسلمين ضد ضم لواء الإسكندرونة إلى تركيا، ففتحوا كنائسهم للمسلمين ليصلوا فيها بعد أن منعهم الأتراك من الصلاة في المساجد- إبان وجود اللجنة الدولية المنتدبة من عصبة الأمم خوفاً من التجمع والتظاهر أمامها، لأجل لواء الإسكندرونة-( ).
وتعتبر سوريا هي موطن المسيحية الأصلي ومنها انطلقت المسيحية لتنشر تعاليمها الدينية السمحاء( )، كما أن اللغة الآرامية هي التي تكلم بها السيد المسيح عليه السلام ، وتعتبر الآرامية هي أصل السريانية التي تفرعت عنها العبرية والعربية، كما أنهم حاربوا مع المسلمين في اليرموك، وأهم طوائفهم الـ 14 هي اليونان الأرثوذكس،و اليعاقبة، والروم الأرثوذكس ، والأرمن الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والنساطرة، و المارون .. الخ، الأقليات العرقية منهم مثل الأرمن ومدارسهم الخاصة بلغتهم الخاصة، كما أن لهم إصداراتهم الثقافية في مناطقهم، ويتركزون في حلب والقليل في دمشق( ) ، وكان يحق لهم الإنضمام إلى الأحزاب الدينية الإسلامية مثل الإخوان المسلمين والترشح باسمهم، مثل رزق الله انطاكي الذي رشح نفسه ضمن قائمة الإخوان المسلمين في حلب( ), وبسبب مساوئ حكم الوحدة، وتدني شأنهم خلالها أيدوا انقلاب عبدالكريم النحلاوي، ووقعوا على وثيقة الانفصال ، واعتبروها ثورة الوحدة الوطنية في سوريا ضد الانحراف والفساد في النظام المصري( )، وما يؤكد على الوحدة الوطنية في سوريا ضد الانحراف الإلحادي أنه في الانتخابات البرلمانية عام 1954، أعطت المناطق المسيحية في دمشق أكثر أصواتها لزعيم حزب الإخوان المسلمين الدكتور مصطفى السباعي، وصرح مطران المسيحية بذلك جهارة( )، كما أكد رئيس الوزراء فارس الخوري الذي يعتبر حفيد أقدم بروتستاتي سوري يومئذ بقوله: " يمكن تطبيق الإسلام كنظام، دون الحاجة للإعلان عن أنه إسلام، ولا يمكننا مكافحة الشيوعية، مكافحة جدية إلا بالإسلام، ولو خيرت بين الإسلام والشيوعية لاخترت الإسلام "( ), وأوصى قبل وفاته بأن تقرأ آيات من القرآن والإنجيل على جثمانه، فكانت العروبة والإيمان بها قد جعله يصل إلى أعلى المناصب في سوريا من رئاسة البرلمان عدة مرات والحكومة عدة مرات، وكذلك ابنه سهيل الخوري( )، لأنهم آمنوا بالوحدة العربية وبوحدة الشعب السوري والعربي, لذلك فالمسيحيون عامل استقرار سياسي وليس عامل عدم استقرار لأنهم من صلب النسيج السوري وركناً أساسياً من أركانها( ).
9- اليهود :
كان العرب واليهود قبل احتلال فلسطين عام 1948 يعيشون في إخاء وسلام فيما بينهم، حتى أنه كانت عندهم عادة متبعة في أنحاء سوريا هي أن الأولاد الذين يولدون في نفس اليوم يصبحون أخوة فيما بينهم بغض النظر عن ديانتهم( )، وقد شاركوا في النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي مع بقية فئات الشعب السوري ، ويؤمن العرب واليهود أنهم من أصول سامية واحدة وأن جدهم الأكبر هو إبراهيم الخليل، وقد رفض يهود سوريا التسلط الصهيوني عام 1948، وتبرع يهود المغرب بدمائهم لصالح جرحى حرب1967 من العرب( )، وكان لهم ممثل واحد في البرلمان عن دمشق، وآخر عن حلب، عام 1947، وقد حصل يوسف لينادو عام 1936 على أعلى الأصوات في دمشق( )، ويتميزون عن بقية شعوب العالم بأنهم لا يذوبون أو ينصهرون مع أي مجتمع، ففي المجتمع الأمريكي على سبيل المثال ذابت كل القوميات إلا قوميتهم، لأن القومية والدين عندهم شيئاً واحداً ، وفي ذلك يقول ديفيد غوريون : " إن اليهودي يختلف عن الآخرين ، في أنه قد يكون ملحداً ولكنه يظل مع ذلك يهودياً"( ), ويتوزعون في سوريا على عدة طوائف هي( الحخاميون ، القراؤون، السامريون) ( ) وقد انتشر بينهم حزب شهود يهوه ( ) ،لكن بعد مجيء الصهاينة من أوربا عملوا على قطع صلات الأخوة بين العرب واليهود، كما ساهمت جهات خارجية في تشويه اللحمة الوطنية بينهم وبين العرب من خلال بعض الأعمال الإرهابية ( ) ضدهم في دمشق وحلب من خلال منظمة الفداء العربي التي تمولها السعودية ومصر ، لكن وقف رجال دينهم موقفاً مشرفاً عندما أيدوا الحكومة ورجالاتها واعتبروا هذه الأعمال ضدهم لا علاقة للشعب السوري فيها.

• العشائرية
كانت العشائر في سوريا تشكل ربع السكان، وقد خصهم الدستور السوري علم 1928 بمادة للعناية بأمورهم هي المادة رقم 13 التي تقول: " تقوم بشؤون العشائر البدوية إدارة خاصة تحدد وظائفها بقانون يراعي حالتهم الخصوصية" ( )والمقصود بهؤلاء العشائر هم الرحل، الذين عملت الدولة العثمانية من خلال إجراءاتها التنظيمية على الحيلولة دون توطينهم قبل الاستقلال عنها، كما أن معظم أرياف الشعب السوري هم عبارة عن عشائر لكنها غير متنقلة( )، فهناك عشائر العلويين، وعشائر الدروز، وعشائر الأكراد .... الخ، لكن تقل الروح العشائرية في المدن خاصة دمشق وحلب وظلت العشائر البدوية بعد الاستقلال لا تخضع للقوانين المدنية والجزائية التي يسري مفعولها على بقية أبناء الشعب، وكان رؤساء عشائرهم يتفقون فيما بينهم على اختيار نوابهم واقتسام مقاعدهم في البرلمان( )، وكانوا هم يفرضون الضرائب على أفراد عشائرهم، ويمتلكون الأراضي الشاسعة، ولم يخضعوا أفراد قبائلهم لقانون التجنيد الإجباري العام، رغم أن الدولة قد وطنت معظمهم بعد حين من الاستقلال، لكن ظلت الدولة تسمح لهم بامتلاك جميع أنواع الأسلحة دون ترخيص، مما أدى للكثير من الحروب والغزوات فيما بينهم، وقد طلب أكرم الحوراني في البرلمان بضرورة إلغاء هذا القانون وذلك بعد سقوط الشيشكلي، ثم أصدر الرئيس جمال عبدالناصر في 22 فبراير 1959 قانوناً ألغى فيه هذا القانون، مما أدى إلى استياء رؤساء العشائر منه، وهذا مما دفعهم لتأييد انقلاب عبدالكريم النحلاوي عام 1961، وكانت قبل ذلك قد اندلعت عدة حروب بين عدة عشائر مثل حرب بين عشيرتي الحسنة ونعيم عام 1946، وبسبب قانون العشائر قتل طراد الملحم شيخ الحسنة، بعد أن حاول الاعتداء على أكرم الحوراني في البرلمان حيث شهر مسدسه ضده في جلسة 10 يناير 1946، ورغم أن الروح العشائرية في المعاملات التجارية بين أبناء دمشق وباقي المدن، كونها تتمسك بالتقاليد، والشعائر الدينية، إلا أن ذلك لم يؤثر على عدم الاستقرار السياسي فيها، بخلاف الوضع بالنسبة لعشائرية صلاح جديد ، فكان الخلاف ( ) بين صلاح جديد وحافظ الأسد من أسبابه أن حافظ الأسد كان يرفض العشائرية أما صلاح جديد فكان يبدي أتباعه من قبيلة الحدادين، فعمل على تقريب خاصته، مما حذا باللواء حافظ الأسد بعد حرب 1967 باعتباره وزيراً للدفاع، على القيام بجملة تنقلات أهمها نقل شقيق صلاح جديد وهو عزت جديد من قيادة اللواء السبعين المدرع والمرابط في قطنا قرب دمشق، ثم عمل على إبعاد مؤيدي صلاح جديد وأهمهم عبدالكريم الجندي، ثم أبعد أحمد المير، مما حذا بصلاح جديد أن يقوم بتشكيل قوة الصاعقة لإضعاف قوة حافظ الأسد العسكرية وظل مسيطراً على المكتب الثاني ، مما حذا باللواء حافظ الأسد إلى القيام بانقلابه في 16 نوفمبر 1970 ومن ثم إبعاد كل مؤيدي صلاح جديد من أبناء عشيرته والانفراد بالحكم وسيادة روح الأسرة الحاكمة والعشيرة الحاكمة في الحياة السياسية( ).
الإقليمية :
إن الإقليمية في سوريا كانت لها تأثير كبير على عدم الاستقرار في سوريا ، خاصة ممن امتهن السياسة وجعلها سلماً وطريقاً لوصوله إلى الحكم، فكان يعتمد على إقليمه أو مدينته، لأنه يرى فيها السند الذي يعتمد عليه، وقد يكون بعضهم يفضل الإقليمية بغض النظر عن الدين أو الطائفية كما فعل الحوراني الذي كان يعتمد على أتباعه في القرى المحيطة في حماه، وخاصة الأقليات الدينية ( )، كما عمل الحوراني على إسقاط الحكومات والأنظمة من خلال الانقلابات التي خطط لها أو أيدها، وتشمل معظم الانقلابات العسكرية، وكانت إستراتيجيته في ذلك هو اعتماده الأساسي على الجيش، وبسبب هذه التدخلات الإقليمية للحوراني وجماعته من ضباط حماه بالذات مثل الشيشكلي، وعبدالحميد السراج، وخليل كلاس وبهيج كلاس، ونخلة كلاس، وعبدالغني قنوت، ومصطفى حمدون، وعدنان حمدون، وعبدالكريم زهور، وزياد الحريري، ومحمد الصوفي وغيرهم، ممن ساهموا في الانقلابات السورية أو في إسقاط الحكومات والوقوف في وجه الأكثرية من حزب الشعب أو الوطني، وخاصة في موضوع الوحدة العربية، كون الحوراني ومؤيديه يتسمون بالإقليمية وهذا ما أكده الرئيس أمين الحافظ في برنامج شاهد على العصر الذي تبثه قناة الجزيرة، كل ذلك دعى أحد أعضاء حزب الشعب، للقول في البرلمان: " لقد أصبحت حياتنا جحيماً لا يطاق، إن لدي اقتراحاً يخلصنا مما نحن فيه، هو أن نمنح مدينة حماه، استقلالاً ذاتياً كإمارة موناكو أو اللوكسومبورغ"( ).
كما أن خيانة عبدالكريم زهر الدين – الذي جعله قائد الانقلاب عبدالكريم النحلاوي عام 1961، قائداً للأركان – لعبد الكريم النحلاوي في مؤتمر حمص عام 1962 واتفاقه مع المعارضة ضده، مما أدى لنقله للخارجية وتسفيره للخارج، وهذا جعل الضباط الشوام لا يتحركوا إبان انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963 كون عبدالكريم النحلاوي من دمشق ( ) ، كما أن عصيان دمشق عام 1962 بقيادة العقيد محمود عودة كان ضد تسفير النحلاوي( )، أيضاً كان انقلاب صلاح جديد في 23 فبراير 1966 مؤثراً عند سكان حلب بالدرجة الأولى( )، وكذلك الموالين لأمين الحافظ في غرب سوريا حيث وقعت صدامات في حلب وسيطر الموالون لأمين الحافظ على محطة الإذاعة *، كما حدثت مظاهرات في حماه، قمعها مصطفى طلاس، وأيضاً في دير الزور وقعت مواجهات بين الموالين لأمين الحافظ ومؤيدي الانقلاب الجديد.
وكان من أسباب الخلاف ** بين محمد عمران من جهة وصلاح جديد من جهة أخرى، أن محمد عمران من علويي الغاب (قضاء حماه)، أما صلاح فهو من علويي الساحل ، كما أن من أسباب الخلاف بين الحزب الوطني وحزب الشعب وهما الحزبان الرئيسيان في كل العهود الديموقراطية في سوريا، أن حزب الشعب معظمه يمثل حلب، والحزب الوطني معظمه يمثل دمشق، وقد ظهر الخلاف حول مسودة الدستور عام 1950 في المادة الخامسة منه التي تقول: " إن دمشق عاصمة الدولة على ألا يكون ذلك قطعاً"( ) ، ففسر المعارضون لحزب الشعب الذي كان على وشك توقيع الاتفاق حول الوحدة العراقية السورية، أن الهدف هو نقل العاصمة لبغداد أو لحلب في حالة الوحدة مع العراق.
وإبان عهد الوحدة تزمر الشعب السوري من استهتار الفئة الحاكمة بالقاهرة، وضعف شأنها بسبب أن العاصمة أصبحت القاهرة، لذلك قرر عبدالناصر في المراحل النهائية للوحدة أن تكون إقامته في دمشق لمدة 4 أشهر مقابل 8 أشهر في القاهرة.
كما تذمر السوريون من تسلط قيادات من النظام المصري على سوريا، فعندما نشب الصراع بين وزير الداخلية عبدالحميد السراج وهو سوري، وبين عبدالحكيم عامر (وهو مصري) حيث عينه عبدالناصر حاكماً على سوريا نيابة عنه، لذلك وقف جميع الضباط السوريين وأعضاء الاتحاد القومي والنقابات في سوريا إلى جانب السراج( )، وجرت محاولات للتظاهر والإضراب، مما حذا بعبدالناصر إلى إنهاء دور السراج في سوريا كوزير للداخلية ورئيس للاتحاد القومي في سوريا، وعمل على إدماج الاتحاد القومي السوري بالمصري، ودمج المخابرات السورية مع المصرية تحت رئاسة وزير الداخلية المصري عباس رضوان، ثم عمل عبدالحكيم عامر على تسريح ونقل مؤيدي السراج الذي عينه عبدالناصر نائباً له مما حذا بالسراج إلى الاستقالة في 22 سبتمبر 1961 احتجاجاً على إجراءات عبدالحكيم عامر بحق مؤيديه، كما انزعج الحوراني ، وصلاح البيطار من جعل عبدالحكيم عامر حاكماً عاماً لسوريا، مما حذا بهم وبالوزراء السوريين إلى الاستقالة( )، وفي ذلك يقول عبدالناصر حول فشل الوحدة : ، " إن الخطأ في الوحدة هو استغلال الإقليمية، وظهر استغلال الإقليمية أول ما ظهر من بعث سوريا "( ).
لكن تجدر الإشارة هنا إلى القول إن بعض الضباط المصريين كانوا إقليميين إلى أبعد مدى، ولم يكن وجودهم في سوريا سوى وجود استغلالي كما أنهم أصبحوا وكأنهم حكاماً لسوريا على غرار الاستعمار، ولم ينتهي الأمر عند إقليمية السوريين فيما بينهم أو بين السوريين والمصريين إبان الوحدة، بل تعدى ذلك إلى النازحين الفلسطينيين الذين جاءوا سوريا بعد عام 1948، حيث رأوا في الوحدة مع مصر أفضلية لهم في الوقوع تحت حكم السوريين، لذلك آثروا معاداة انقلاب عبدالكريم النحلاوي والمناداة بعودة الوحدة مع مصر، بالرغم مما فيها من إجحاف ومساوئ على الشعب السوري، لذلك فقد اشتركوا في انقلاب 8 مارس 1963 من خلال ضباطهم في الجيش السوري، كما شاركوا في المظاهرات المؤيدة للوحدة مع مصر، وكان بعضهم من مؤيدي صلاح جديد.
ورغم ذلك كله تبقى الديمقراطية أهم عامل للقضاء على الإقليمية من خلال توزيع المقاعد على الأقاليم في البرلمان، إضافة لتوزيع المناصب بدون استبعاد رجال أي إقليم كونهم أصحاب أرض واحدة ووطن واحد وشعب واحد، ويبقى العدو الرئيسي لهم هو التخلف كما ذكر سابقاً والذي يفرز كل المساوئ ويفتت الوطن والشعب.
2- العوامل الشخصية وخصوصية الشعب :
1- العوامل الشخصية :
إن للعوامل الشخصية تأثيراً كبيراً على الاستقرار السياسي، لأن الروابط الشخصية تساهم في عدم وجود كفاءات قادرة على تطور المجتمع في جميع المجالات، وخاصة في المجال السياسي، وكان لهذه العوامل تأثيراً كبيراً على عدم الاستقرار السياسي في سوريا منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1943، وهي ما تزال ماثلة حتى تاريخ كتابة هذه السطور، فعندما كلف جميل مردم بك في 28 ديسمبر 1948 في تشكيل حكومة، استبعد خالد العظم وميخائيل إليان، من الحكم مما أثارهما فعملا لحجب الثقة عن الحكومة، واستعمال الصحف ضد هذه الحكومة( )، كما أن اعتماد جميل مردم بك في حكومته على أشخاص من غير ذوي الكفاءات الكاملة أسخط النواب في البرلمان، فغاب عن يمين الرئاسة لشكري القوتلي عام 1947، -إضافة لكسب ثقتها في البرلمان-، 48 نائب دون إخطار سابق، وكان أبرز الغائبين زعيم حزب الشعب رشدي الكيخيا، وعضو الحزب القومي السوري وحزب الشباب أكرم الحوراني، مما كان لذلك أثراً سيئاً على شرعية النظام.
كما كان ارتباط الرئيس شكري القوتلي بعلاقات تجارية مع أسرة آل سعود في المملكة العربية السعودية، حيث كان آل القوتلي يعملون كوكلاء تجاريين لهم في دمشق، لذلك كان شكري القوتلي مؤيداً لنهج آل سعود والتقارب معهم وتفضيلهم على التقارب مع العراق، كما ساعد في دعم الحكومة السعودية بتجنيده لمساعدين للملك عبدالعزيز مثل يوسف ياسين الذي تولى منصب مستشار الملك للشؤون الخارجية( )، وهذا أثار حزب الشعب المؤيد للتقارب مع العراق، وساهم في انقلاب حسني الزعيم، وتأييد سامي الحناوي لحسني الزعيم في انقلابه، وقد استغل هذا الوضع أكرم الحوراني الذي كان والده أيام الحكم العثماني من كبار الملاك، حيث فشل في الترشح للبرلمان العثماني، بسبب عدم مساندة وجهاء حماه له في ذلك، وقد بدد ثروته كلها أحد أعمام أكرم الحوراني( ) ، لذلك عمل الحوراني على تشكيل عصابة مسلحة من قطاع الطرق، وأخذ يحث الفلاحين على ملاك الأراضي وحرق محاصيلهم ورفض العمل، حتى أن أحد الملاك قال عنه: " لو كان في مقدوره أن يشرب دمائنا ويأكل لحومنا لفعل ذلك"( ) ولم يتوقف حقد الحوراني على الملاك في الشارع بل تعداه إلى البرلمان، فكان يقاطع النائب في البرلمان عبدالرحمن العظم عندما يتكلم في البرلمان، وينتقد جميع آرائه بكل عصبية ، كما حدث في جلسة 7 فبراير 1949( )، كما أنه بسبب حقده على شكري القوتلي أخذ يحرض ضباط الجيش على شكري القوتلي والإساءة إليه، حيث أكد الرئيس شكري ذلك( )، ولم يكن رفض الحوراني اغتيال الرئيس أديب الشيشكلي الذي اتخذه قادة البعث عام 1953، سوى لتخوفه من عمليات انتقامية قد تتعرض لها عائلته في حماه، إضافة لتخوفه من سيطرة قائد المكتب الثاني إبراهيم الحسيني على الرئاسة( )، وهو على عداء مع الحوراني، وكان عداء الحوراني للوحدة بين سوريا والعراق، أنه كان يكره العائلة الهاشمية منذ صغره وخاصة الملك فيصل الأول بالدرجة الأولى، رغم أن الشعب السوري كله كان مع الملك فيصل، حتى أنه حين وفاته أطفأت جميع المدن السورية أنوارها حزناً عليه( )، وتعدى ذلك إلى حقده على جميع المسؤولين الوطنيين والعمل لإثارة المشاكل التافهة ليحط من مكانتهم دون أدنى أدب أو تهذيب أو لباقة( )، وللوصول للسلطة عمل على تشجيع أقربائه في المدرسة العسكرية، حتى يتخرجوا فيما بعد ويكونوا طوع بنانه، فكان منهم عدنان حمدون ومصطفى حمدون، وزياد الحريري حتى أن الشيشكلي كان قريبه( )، وهذا ما يفسر تأثيره على معظم الانقلابات في سوريا، أو تأثيره في إسقاط الحكومات بتأثير الجيش ورغم مناداته بالإصلاح الزراعي والعدالة الاجتماعية ، إلا أنه استغل وضعه مع قريبه أديب الشيشكلي، وأصبح أقاربه يغتصبون أراضي الغير ويسجلونها بأسمائهم كما فعل أخوه واصل الحوراني( )، وقد ورد ذلك عام 1951 للبرلمان، إلا أن البرلمان أحال الشكوى إلى دائرة التفتيش العامة، بسبب تسلط الحوراني على الجيش، وبسبب اشتراك الحوراني بانقلاب حسني الزعيم فهو الذي كتب البيان الأول للانقلاب، وأصبح الحوراني مستشاره الخاص، وأصبح أصدقاء الحوراني وهما أديب الشيشكلي الذي أصبح مديراً للشرطة والأمن العام، كما أصبح بهيج كلاس نائباً لحسني الزعيم( )، وحتى منتصف الخمسينات كانت نساء سوريا لا يبالين بالانتخابات البرلمانية كثيراً، مما حذا بالحوراني إلى بعث زوجته الدمشقية نزيهة الحمصي، للعمل على الاستفادة من الأصوات النسائية في دمشق لصالح صلاح البيطار وهو مرشح حزب البعث، وبالفعل نجح بسبب ذلك( )، وعقب تولي شكري القوتلي لمقاليد الحكم وفق انتخابات 1954، استاء الحوراني من ذلك، لذلك عمل على تدخل الجيش في الحكم تمهيداً لإسقاطه، وبالفعل كان تآمره مع عفيف البرزي في انقلاب 1958، وفرض الوحدة بين سوريا ومصر لصالح النظام المصري( )، وعمل إبان الوحدة على تنفيذ الإصلاح الزراعي بواسطة قريبه مصطفى حمدون *الذي عين وزيراً للإصلاح الزراعي فقام بعمليات عدائية تمثل دوافع الحقد والانتقام من أعداء الحوراني وهم ملاك الأراضي في سوريا ، كما اقترح على الرئيس عبدالناصر أن يكون مصطفى حمدون قائداً للجيش الأول، خاصة أن عبدالحميد السراج كان حليفه ومؤيداً له، وبذلك يتاح له حكم سوريا، كما أنه كان عالماً بموعد انقلاب 8 مارس 1963 من خلال قريبه زياد الحريري( )، وبسبب أن قادة الانقلاب لم يعطوه أي مجال للحكم فقد عادى الحكم فعمل أمين الحافظ على سجنه حتى أواخر 1965( ) ، وبسبب حقده على الرئيس أمين الحافظ، لم يقف في وجه الانقلاب الطائفي في فبراير 1966، حيث كان قد بعث له صلاح جديد من خلال موفده الضابط الفلسطيني مجاهد سمعان عند خروجه من السجن للاستماع لنصائحه حول انقلاب عسكري يطيح بأمين الحافظ ، ورغم ما لهذا الانقلاب من خطورة طائفية إلا أن الحوراني، لم يحذر الرئيس أمين الحافظ من ذلك الانقلاب.
ولم يقتصر الأمر على الحوراني في إثارة الفوضى السياسية في سوريا بل تعداه إلى بعض وجوه السياسة الآخرين كون الزعامات في سوريا محلية وليست قطرية، فلا يتقيد الحاكم أو الزعيم بحزبه بقدر تقيده بمنطقته ومعارفه( )، ورغم ذلك فإن أي وزير أو مسؤول قبل انقلاب مارس 1963 كان يتصف بالعلم الغزير والثقافة العالية والأمانة والاستقامة ماعدا الشواذ أمثال الحوراني ومصطفى حمدون وغيرهم ممن كانوا يؤثرون مصلحتهم الشخصية على مصلحة الوطن، فقد استقال في 8 مارس 1949 وزير الداخلية عادل العظمة بسبب عدم مصادقة البرلمان على توحيد قوى الأمن حتى يستطيع التحرك من خلالها، مما حذا بأخيه نبيه العظمة إلى الاستقالة من رئاسة الحزب الوطني( )، كما كان إهمال رئيس الحكومة خالد العظم عام 1949 لقائد الأركان حسني الزعيم واحتقاره له، خاصة عندما كان يزوره في مكتبه، فيجعله ينتظر طويلاً كأي مواطن آخر، مما كان يؤثر على نفسية حسني الزعيم( )، وقد أيد عدنان المالكي انقلاب حسني الزعيم ، وسعى لعدم مجيء شكري القوتلي قبل مقتله عام 1954( )، بسبب أنه كان يكره شكري القوتلي لمسائل شخصية تتعلق بخلافات على أرض زراعية في ضواحي دمشق، حيث كانت مزرعة الرئيس شكري القوتلي بجوار مزرعة عائلة المالكي، ولم يكن مقتل المالكي نفسه، إلا بسبب عامل آخر وهو خلافه مع اللواء ( ) شوكت شقير الذي كان قائداً للأركان وكان المالكي نائبه ، ويتخوف من عدنان المالكي كونه القائد الحقيقي للجيش وكله يأتمر بأمره، فكان مقتله عام 1954 ذو فائدة لشوكت شقير الذي قد يكون له يد في ذلك، خاصة أن شقير كان على علاقة طيبة بالسفير المصري محمود رياض، باعتبار أن النظام المصري كان يرغب في عودة شكري القوتلي إلى السلطة كونه ضد فكرة الهلال الخصيب، وكان المالكي العقبة الرئيسية لتحقيق ذلك( )، وخاصة أن قادة البعث من الحواراني والبيطار وغيرهم كانوا على علاقة طيبة مع السفير المصري أيضاً وكانوا يعادون الوحدة مع العراق أو التقارب معه، لذلك فإن مقتل المالكي ذي فائدة لهم لأن المالكي عمل على تعيين ضباط مناهضين للبعث في الأركان مثل أحمد عبدالكريم وأمين النفوري، وشكل مجلس قيادة الثورة على الطراز المصري ليستأصل العناصر الغير موالية له( )، بسبب أنه اعتبر أن البعث مسؤول عن فشل أخوه رياض المالكي في انتخابات 1954، وكان من العناصر الغير موالية له والتي نقلها من الجيش غسان جديد - بسبب تكوينه تكتل طائفي نصيري في الجيش-، وتهديده لزعيم الحزب القومي السوري جورج عبدالمسيح بتسليمه للحكومة اللبنانية، التي حكمت عليه بالإعدام، وكان خلافه مع جورج عبدالمسيح أن أعضاء حزبه في الجيش كانوا يقتادون بأمره ويحترمونه أكثر من غيره مثل عدنان المالكي، كون جورج عبدالمسيح هو زعماً للحزب القومي السوري، فرأى عدنان المالكي أن ذلك يسيء للضباط في الجيش، كما أنه بعد مقتل المالكي تقسم الجيش إلى حوالي 20 فئة، وهذا ما كان له فائدة لمصر، حيث أصبحت العداوات الشخصية في أوجها بين زعماء الفئات المتناحرة في الجيش التي تشكلت بعد مقتل المالكي، حيث أصبح الجيش مجموعة أجنحة متصارعة، كل منها تخشى الأخرى أكثر مما تخشى العدو الخارجي، مما أضعف الجيش الرسمي إلى حد أن كل وحدة فيه كانت تتصرف كجيش مستقل( )، وهذا ما حذا بمعظم رؤساء هذه الكتل إلى تأييد عفيف البرزي في الذهاب لمصر وفرض الوحدة بقوة الجيش ، بدون أية شروط أو مشاورات مع السياسيين حول هذه الرحلة.
أيضاً عقب انقلاب حسني الزعيم استدان أحد التجار مبلغ نصف مليون ليرة، وهو وهبة الحريري، الذي وصلت ديونه إلى 6 ملايين ليرة للدولة، فكان بحاجة لحل البرلمان باعتباره بحاجة لحكومة تكفله وتساعده دون رقيب أو حسيب، وكان على علاقة بنذير فنصة( )، وكان هذا المبلغ قد أخذ سلفة من وزارة الدفاع وفي ظل حكم الزعيم عمل رئيس وزرائه محسن البرازي على إقصاء الحوراني من موضعه كمستشار للزعيم، بسبب العداوة بين الحوراني وآل البرازي في حماه، مما أثار الحوراني( )، أيضاً عمل على نقل أسعد طلس وهو عديل لسامي الحناوي، من منصبه كأمين عام لوزارة الخارجية، مما أثار الزعيم سامي الحناوي من هذا العمل، وكان لذلك أثراً كبيراً على انقلاب سامي الحناوي فيما بعد( )، لكن بعد الانقلاب الأول لأديب الشيشكلي ضد سامي الحناوي عمل على قتل سامي الحناوي عن طريق أحد أقارب رئيس الوزراء الذي أعدمه سامي الحناوي، لأن الشيشكلي كان قريب لعائلة البرازي( )، وكان لشخصية الرئيس أديب الشيشكلي دوراً في استجابته لإنذار المعارضة ضده كونه كان يكره سفك الدماء، وتخوفه من انقسام الجيش الذي بناه على أحسن طراز، وتفضيله الخروج حياً من الحكم ويستفيد مما جمعه من أموال على أن يقامر بحياته( )، لكن بعد ذلك اغتاله في البرازيل -حيث هاجر لهناك- أحد الدروز وهو نواف غزالة بسبب خلافات شخصية معه، وقال في المحكمة أنه اغتاله انتقاماً لضرب جبل الدروز، حتى يخفف عنه الحكم( )، لكن قام ابن أديب الشيشكلي وهو خالد الشيشكلي بقتل نواف غزالة بعد خروجه من المحكمة في دمشق، رغم أن قائد الأركان في عهد الرئيس أديب الشيشكلي شوكت شقير وهو درزي من لبنان، هو الذي حذره من أن هناك تمرد سيقوم به جبل الدروز وسيعم أنحاء البلاد، قبل عدة أشهر من ذلك التمرد( )، وعندما حمل البرلمان السوري -بعد حرب فلسطين-وزير الدفاع السوري أحمد الشرباتي بسبب الأداء الضعيف للجيش السوري في هذه الحرب، فاشتبك أحمد الشرباتي مع أحد نواب البرلمان، وكان ذلك الشجار سبباً في سقوط حكومة جميل مردم بك عام 1948( )، أيضاً كان الخلاف الشخصي بين عبدالحكيم عامر وعبدالحميد السراج في سوريا، حيث كان عبدالحكيم عامر مقرباً من عبدالناصر، وبسبب ذلك نقله السراج من سوريا إلى مصر، وجعله نائباً له، مما حذا بعبدالحكيم عامر إلى تصفية جماعة السراج في سوريا، فاستاء السراج من ذلك واستقال من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية وذهب إلى سوريا، لينتقم من عبدالحكيم عامر من خلال انقلاب يطيح بالوحدة ( ) ، وبعد انقلاب 18 يوليو 1963 ظهر الخلاف( ) بين وزير الدفاع محمد عمران وقائد الأركان صلاح جديد الذي عمل على السيطرة على الجيش من خلال مؤيديه في الجيش، فعين المقدم أحمد المير قائداً للواء السبعين والمقدم عبدالكريم الجندي آمراً لسلاح الإشارة فتذمر محمد عمران من ذلك، واستقال من وزارة الدفاع ومن منصب نائب رئيس الوزراء، ونقل إلى الخارج كملحق عسكري، مما حذا بصلاح جديد إلى تصفية جماعته، مستغلاً وجوده في الخارج.
وفي أعقاب انقلاب النحلاوي عام 1961 ظهرت الخلافات الشخصية بين قادة الانقلاب وكلهم من دمشق، مما مهد لتفكك الجيش وانقسامه، وإثارة عدم الاستقرار الحكومي، مما مهد لانقلاب 8 مارس 1963( )، وبعد هذا الانقلاب أخذ صلاح جديد يعمل من أجل انقلابه الطائفي( ) ، من خلال سماته الشخصية التي تتسم بالانتهازية واستغلال وتسعير الفتن والحقد واللؤم، وكرهه لجميع من ليس من طائفته، ونفاقه، لكنه كان يستعمل التقية في معاملاته مع الآخرين، ثم عمل على استغلال القوى المدنية والعسكرية والطائفية، لكسب ثقة الرئيس أمين الحافظ، كما عمل من وراء الستار على تعيين كل أقاربه في الجيش والوظائف المدنية المهمة، وقد ساهمت كل الإذاعات الغربية بالتستر عليه وتجنيبه مسؤولية الأزمات، في سوريا، حيث أن حملاتهم على نظام أمين الحافظ لم تكن تتناوله، مع أنه كان المسؤول الأول عن وجود الطائفية في سوريا، باعتماده عليها وتنظيمها بين أبناء طائفته ، وجعلهم يشكلون جمعيات طائفية على أساسها، رغم تستره بالماركسية ستاراً لطائفيته، مما جعل بقية الطوائف في سوريا تنفر منه، وعندما نبهه رئيس الوزراء السوري سامي الجندي على خطورة ذلك على الوطن والطائفة نفسها، فأجابه صلاح جديد، "لو فعلنا لسحقنا المشايخ "( ) ، وبعد انقلابه في فبراير 1966، عمل على توريط مصر بحرب يونيو 1967 كونه كان يكره الرئيس عبدالناصر ويعتبره مسؤولاً عن قتل أخيه غسان جديد، وقبل ذلك كان قد عمل على إفشال برنامج الوحدة مع مصر والعراق فيما عرف بالوحدة الثلاثية، ثم عمل بعد ذلك على إفشال الوحدة العراقية السورية.
مما سبق يتبين أن العوامل الشخصية كان لها تأثيرها الكبير على وجود عدم الاستقرار السياسي في سوريا خلال مدة الدراسة، لكن يرى البعض أن هذه العوامل قلت بعد انقلاب حافظ الأسد في 16 نوفمبر 1970 حيث أبعد معظم أقارب صلاح جديد في الجيش وقل انتشار المحسوبية والمحابات في العلاقات الاجتماعية بشكل كبير( ).

خصوصية الشعب السوري :
تعتبر دمشق أول مدينة في التاريخ، وأكثر بقاع الأرض عامرة بالأحداث( ) ، فهي بوابة العالم ومفتاحه، وتتميز بأنها استطاعت على الدوام استيعاب جميع الفاتحين وطبعهم بطابعها وأعطت الإمبراطورية الرومانية الكثير من الأباطرة مثل فيليب العربي وكاراكلا، وكان أول مشرع في التاريخ هو حمورابي التي كانت دمشق أهم حواضره، وفيها تأسس القانون الروماني، وكانت أول كتابة في التاريخ هي أبجدية أوغاربت، وكان العرب الساميون من عموريون وكنعانيون وكلدان وبابليون وأشوريون وأراميون وعبرانيون، قد أقاموا فيها حضارات عظيمة، كما أقاموا بعض الدول في ظل الدولة الفارسية والرومانية مثل تدمر والبتراء والحيرة، وكانت منازل لآل غسان في الشرق وآل المنذر اللخميون في الغرب، ولم يصبح الإسلام في أوج عظمته إلا حينما حملت دمشق رايته، وتاريخ قرطاجة القديم دليلاً على رفعة حضارتها الغابرة، فهم وصلوا إلى العالم الجديد منذ القرن التاسع قبل الميلاد( )، وكانت هي أساس حضارة الأندلس التي اعتمد كولومبس على خرائطها في الوصول إلى العالم الجديد، وما كان لامبراطوريتي البرتغال وأسبانيا أن تقوما في القرن الخامس عشر لولا حضارة الأندلس التي ورثوها بعد سقوط غرناطة 1492، وما أحرقوه من كتب فيها تزيد عن المليون كتاب( ) ، شاهد على تقدمها وازدهارها، وما كان لحضارة الغرب أن تقوم لولا أنها اعتمدت على الكتب العربية، والكفاءات العلمية من اليهود الذين نهلوا من علوم الأندلس وكان عصرهم الذهبي فيها، وظلت دمشق قلب العروبة النابض من المحيط إلى الخليج، فكانت في العصر الحديث موئلاً لكل أحرار العرب، مثل علال الفاسي، وأحمد بلفريح والأمير عبدالقادر الجزائري، والحبيب بورقيبة، وأحمد الشرف ، ونالوا كل ترحيب شعبي ورسمي وكل دعم لهم، قبل أن تستقل بلدانهم، وظلت دمشق مؤثراً حقيقاً يتأثر العرب بكل ما جاء منها، كونهم يرون فيها صدى الأصالة وأرستقراطية الفكر، وما كان لفكرة القومية العربية أي شأن إلا حينما حملت دمشق رايتها، لكنها رفضت على الدوام قبول البعث وتحول رفضها إلى استحالة استمراره على الدوام.
هذا التاريخ الحافل لدمشق ظل يراود مخيلتها على الدوام، وظلت مقر آمال العرب ومركز سوريا الطبيعية، وظل مجتمعها يمثل المثل العليا بسائر المجتمعات التي حولها، وظلت تحتفظ بتراثها الشرقي مما جعلها نبراساً لسائر الوطن العربي، وظل شعبها يفضل الموت على أن يعيش ذليلاً، فهو الذي جعل الملك فيصل الأول يرضخ لرغبة الشعب في إعلان الحرب على الفرنسيين رغم استحالة النصر، حيث قال الملك فيصل في ذلك : " أنا أفضل الموت جندياً شريفاً على اعتلاء العرش ذليلاً" ( ) فظلت ترفض حدود سايكس بيكو وكل ما جرى عليها من تعديلات، وعمل سياسيوها على الدوام للتأكيد على وحدة سوريا الطبيعية، فكان هذا الهدف هو أساس نضالها ضد الانتداب، لذلك عمل الكثير منهم من أجل مشروع الهلال الخصيب أو سوريا الكبرى ( ) ، لكن ظهر من بينهم اتجاه لا واقعي تمثل في الهروب إلى الأمام من خلال برنامج مثالي طوباوي غير منطقي يطالب بوحدة الأقطار العربية كافة، بدون المرور بأي مرحلة جزئية، إضافة إلى عدم تحديده لأي إستراتيجية لتحقيق هذا الهدف، كما عمل ذلك بسمارك عندما وحد ألمانيا، أو كما عمل غاليباردي عندما وحد إيطاليا، لكن ظلت سوريا على الدوام تعتبر أن ما سلخ منها من زاغوس إلى طوروس وغيرها من المناطق التي سلختها تركيا أو إيران، أو ما انفصل عنها مكوناً دولاً جزئية، لم تعترف بها، وظلت تدرج لواء الإسكندرونة ضمن حدودها وتطالب بالأجزاء الأخرى( )، وهذا ما سبب لسوريا الكثير من المشاكل الداخلية فيها وساهم في عدم استقرارها السياسي بسبب مطالبة الشعب على الدوام بضرورة استعاده الأجزاء المسلوخة منها ( )، وتحقيق وحدتها الطبيعية، أو وحدة الوطن العربي ككل، وقد تأثر الشعب السوري بالبرلمانية، التي لم تكن وليدة استقلال سوريا عن الدولة العثمانية، وإنما كان لهم مندوباً في البرلمان العثماني الذي تشكل منذ عام 1908، كما أنهم في العهد الفيصلي شكلوا نظام برلماني على الطريقة الأمريكية، وكان أول دستور لسوريا بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية عام 1920( )، وعرفت سوريا الانتخابات البرلمانية منذ عام 1936، لذلك كانت سوريا ترفض الديكتاتوريات العسكرية على الدوام وتعمل لإسقاطها بكل السبل، ولم تعترف على الإطلاق بالمجالس التي يقيمها العسكريون ولا بالأحزاب التي ينشؤوها، حتى أن البعض وصف الشعب السوري بميله إلى العنف في الصرع الداخلي، لكن تسامح الشعب مع بعضه البعض كان ينهي الخلافات ويحقن الدماء، مهما بلغت شدة التهديدات( ) ، كما أن هذا الشعب لم يعترف بكل الإشاعات التي كانت تطلقها الديكتاتوريات العسكرية، رغم ما حاولوه من إثارة الشائعات، وتجنيد العملاء، إضافة إلى ما حاولته الدول الأجنبية بهذا الصدد، لكن لابد أن ذلك كان له تأثيراً في ظل عصور التخلف والجهل التي كانت في ظل الدولة العثمانية إضافة إلى ما رسخه الانتداب الفرنسي من انقسامات في جسم المجتمع السوري، ورغم ذلك ظلت المجتمعات السورية تعتبر نفسها جزءاً من الوطن الأم( ).
وقد وصفها العديد من السياسيين في العالم ليبينوا بعض خصوصيات هذا الشعب، فقال المندوب السامي الفرنسي المسيو بيو: " إن السوريون شعب أعطى الأباطرة لروما، والآباء للكنيسة، وقدم خلفاءهم أعظم الخدمات للمسلمين، لكنهم لا يجتمعون دون تحفظ حول شخص أو عقيدة أو فكرة، فالأديان والمذاهب والطوائف، عندهم تشكل موزاييك غريبة، حيث معظم الأديان والمذاهب والطوائف موجودة فيها"( ).ويقول الجنرال شارل ديغول: " إن سوريا أقدم البلاد التي وعاها التاريخ، وكانت بسبب شعوبها تضع العالم دائماً أمام مشاكل حساسة، وإن سوريا مؤلفة من أقاليم متميزة بعضها عن بعض، آهلة بمجموعات من السكان مختلفين جداً، بعضهم عن بعض ويمارسون ديانات مختلفة"( ). ويقول جمال عبدالناصر : " إن سوريا قلب العروبة النابض، وحاملة راية القومية العربية، والمنادية بها، وهي التي تفاعلت مع العرب على الدوام"( ) يقول المستشرق الفرنسي جاك برك : " أحبكم أيها السوريون، لأنكم كالفرنسيين ، في شطحاتكم العاطفية ونتعاتكم الخيالية "( ) .
لكن بالرغم من بعض التمايزات في هذا الشعب إلا أن هناك سمات مشتركة آمن بها الشعب السوري ككل، فآمن بالوحدة السورية وبالوحدة العراقية السورية (الهلال الخصيب) وبالوحدة العربية وبالوحدة الإسلامية، فجميع تياراتها بلا استثناء كانت مع الوحدة لذلك آمنوا بمحبة الرئيس هاشم الأتاسي الذي طالما عمل لوحدة سوريا والعراق، كما آمنوا بالرئيس ناظم القدسي كرمز وطني أصيل لهذه الوحدة أيضاً، وآمنوا برمز الوحدة الوطنية ورمز استقلال سوريا الرئيس شكري القوتلي، وأعزوا قادة الثورات السورية مثل سلطان الأطرش، وإبراهيم هنانو، وعبدالرحمن الشهبندر ، وصالح العلي وغيرهم، وقبل كل شيء آمنوا بالملك فيصل ملكاً على سوريا بأسرها، وآمنوا بالزعيم أنطون سعادة، كرمز من رموز الوحدة السورية، وآمنوا بتواضع الرؤساء الديمقراطيين أمثال شكري القوتلي وهاشم الأتاسي وناظم القدسي( )، ورفضوا دعاة الانفصال والواقفين ضد وحدتها مثل الرؤساء حسني الزعيم وأديب الشيشكلي وغيرهما، هذه الطبيعة والخصوصية لشعب سوريا جعلت المؤامرات عليه كبيرة، وهذا ما ساهم مساهمة كبيرة في عدم استقراره السياسي، مما حذا بونستون تشرشل إلى القول، " إن سوريا لا تعرف كيف تحكم نفسها ولا تدع أحداً يحكمها ".
صراع الأجيال :
إن صراع الأجيال في سوريا خلال فترة الدراسة كان له دوراً مهماً على صعيد عدم الاستقرار السياسي فيها، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك حيث أنها كانت ممتدة خلال جل فترة الدراسة، وإن كان تأثيرها خلال بعض الفترات المتفرقة من مدة الدراسة أقل من مدد أخرى، فعلى سبيل المثال كان الحوراني يطمح إلى السلطة وكانت تراوده روح الشباب والقوة فكان من مواليد 1911( )، أيضاً الشيشكلي الذي كان ميلاده عام 1910، فكان الانقلاب الأول لحسني الزعيم والذي اشتركا فيه بشكل أكبر من غيرهما، من أسبابه ميلهما إلى السلطة وتسلمها، كما أن الحوراني نفسه هو الذي أوحى لقائد الجيش سامي الحناوي في 25 نوفمبر 1949، بضرورة تسريح اللواء عبدالله عطفة من الجيش، ليمهد الطريق أمام أتباعه الذين كان يشجعهم على الدخول في المدارس العسكرية، ليكونوا تابعين له فيما بعد ويصل من خلالهم إلى السلطة، أمثال عبدالحميد السراج، ومصطفى حمدون، وعبدالغني قنوت، وعدنان حمدون، وزياد الحريري، ومحمد الصوفي، وغيرهم، وكان السراج ذو الميلاد 1925 يطمح إلى السلطة بعد اشتراكه في ثلاث انقلابات عسكرية، فسعى للتقارب مع عبدالناصر قبيل الوحدة مما جعله الحاكم المطلق على سوريا إبان الوحدة وعمره لم يكن يتجاوز الثلاثة والثلاثين سنة، وعندما تقلصت سلطته بفعل عبدالناصر واستيائه من عزل عبدالحكيم عامر لبعض أتباعه في سوريا، قرر الانتقام من خلال انقلاب يطيح بالوحدة، فكان يخطط لذلك الانقلاب لولا أن قام به المقدم عبدالكريم النحلاوي الذي كان أيضاً يطمح إلى السلطة وعمره لم يكن يتجاوز الخمسة والثلاثين سنة، كما حاول عدنان المالكي الذي كان أقوى شخصية في الجيش بعد سقوط الشيشكلي، أن يكون له دور في الحياة السياسية، فقام بانقلابه العسكري الأول ضد الشيشكلي عام 1952، ثم كان القائد الحقيقي من وراء الستار في الانقلاب ضد الشيشكلي عام 1954، وبعدها سيطر على الجيش، فكان استياء اللواء شوكت شقير الذي كان قائداً للأركان بسبب طموحات عدنان المالكي وهذا كان من أسباب مقتله إضافة إلى منافسة أقرانه في الجيش أمثال غسان جديد ومصطفى حمدون وغيرهم في الجيش، لكن باغتياله انقسم الجيش أكثر من 20 فئة بعد مقتله.
وكان الشيشكلي إبان حكمه قد عمل على تمييز الضباط الشباب فأكرمهم وأعزهم، ولم يميز فيما بينهم، فكانوا ينتمون لجميع فئات المجتمع السوري دون أدنى تمييز، فكان مجلس العقداء يضم ضابطين درزيين وآخر علوي، وآخر كردي، وأحدهم كان عربي( ) هذا مما أثار الحوراني الذي كان يواليه بعض الضباط الكبار، وهذا جعل بقية الضباط الكبار تحذره ولم تعد تثق به، بسبب ما حدث لأقرانهم من تصفيات، إضافة إلى أن إبعاده وسجنه لبعض السياسيين الكبار والذين لهم أقارب أو مؤيدين من الضباط الصغار ساهم في الانقلاب ضده، فكان معظم الضباط الذين نفذوا الانقلاب ضد الشيشكلي عام 1954، وعصيان قطنا عام 1956، ينتمون لجيل الشباب الذين أرسلوا للتدريب في الخارج إبان حكم الشيشكلي، وقفزوا بسرعة فوق سلم الرتب العسكرية وكان معظمهم من جماعة الحوراني( ).
وكان أكثر من نصف قادة الكتل العسكرية من جيل الشباب والذين أيدوا اللواء عفيف البرزي في انقلابه عام 1958 لفرض الوحدة مع مصر بقوة الجيش، وكذلك كان معظم القادة الدماشقة الذي قاموا بانقلاب عبدالكريم النحلاوي ينتمون لجبل الشباب، خاصة أن قائدهم نفسه كان في منتصف العقد الرابع من عمره، وكذلك كان معظم قادة انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963 من جيل الشباب الذين تقل أعمارهم عن متوسط أعمار ضباط الجيوش النظامية الأجنبية، وكانوا متميزين بانخفاض مستواهم التعليمي عن مستوى الصفوة السياسية المدنية، التي كانت سائدة قبل ذلك( )، حيث أخذ هؤلاء الشباب يبعدون خصومهم السياسيين، معتمدين على الولاء الطائفي في تعييناتهم للآخرين، معتبرين أنفسهم أداة التغيير الاجتماعي والمدافعين عن الوطن، وهذا مما كان له آثاراً سلبية كثيرة على المجتمع والشعب، والاستقرار السياسي في سوريا، فكانت اللجنة العسكرية التي تشكلت من عدد من الشباب منهم (أحمد المير، صلاح جديد، حافظ الأسد ، عبدالكريم الجندي، حمد عبيد، صلاح الضللي، عبدالغني إبراهيم، محمد رباح الطول، محمد عمران،)، قد شكلت الجناح العسكري لحزب البعث سابقاً خلال الوحدة، وبسبب تجمعاتهم السرية إبان الوحدة تعرضوا للنقل إلى مصر، وكانوا قد وصفوا قادة البعث بالانتهازية بسبب حلهم للحزب، فكانت روح الشباب التي تراودهم عاملاً مسبباً لعدم الاستقرار ، وخاصة بعد نقلهم إلى مصر وتكليفهم بأعمال روتينية وغير مهمة عسكرياً، حتى أن بعضهم لم تكن أية وحدة عسكرية أو مسؤولية محددة، وكان تشكيلهم لهذه اللجنة على أساس أن الجيش أصبح تحت قيادة معادين للوطن، وأنه يجب توحيد موقفهم وممارسة الضغط من خلال الحوراني والبيطار ووزراء البعث الآخرين، لتعديل مسار الوحدة، وبعد الانفصال أظهروا أنفسهم على أساس أنهم الكتلة الأساسية للبعث باعتبارهم أن التنظيم المدني أصبح أقل فعالية من التنظيم العسكري، خاصة أن لهم أتباعاً في صفوف المتطوعين من صف الضباط ( ) ، يستطيعون توجيههم حسب ما يرتئون، فكانت التصفيات الكثيرة للضباط المحترفين عقب انقلاب صلاح جديد بشكل خاص عام 1966 سبباً مهماً في هزيمة يونيو 1967، وفي انخفاض أداء الجيش بشكل كبير أيضاً.









الفصل الثالث
دور العامل الاقتصادي والطبقي والصراع الحزبي
في التناقض السياسي
أ- العامل الاقتصادي والطبقي :
إن ارتباط العامل الاقتصادي بالصراع الطبقي في المجتمع يجعل تأثيرهما على الاستقرار السياسي متشابكاً، ومن غير المعقول فصل هذين الجزأين عن بعضهما كونهما شيئاً واحداً، لأن التوازن في الاقتصاد فقط هو الذي يحافظ على الاستقرار السياسي في المجتمع، فزيادة الاقتصاد (الدخل القومي)، أو نقصانه لابد أنه سيؤثر على الصراع الطبقي وبالتالي سيساهم في عدم الاستقرار السياسي في المجتمع.
فسوريا قبل استقلالها لم تكن فيها طبقة عاملة كبيرة بسبب قلة التصنيع، ولم يكن للعمال تشريعات كافية لحمايتهم من البطالة وصيانة حقوقهم، مما جعلهم يعانون مرارة الفقر مثلهم مثل بقية أفراد المجتمع من الطبقة الدنيا( )، وكان بعض البرجوازيين يمانع من انتسابهم لنقابات العمالية، أما الفلاحين فكان المرابين وأصحاب الحوانيت يستغلون حاجتهم بفوائد عالية، وقد يضطرون بسبب سوء الموسم إلى الذهاب للمدينة والعمل فيها، وفي غيابهم كان بعض الملاك يستغلون أرضهم، وقد أحدث ذلك فجوة بين الريف والمدينة حيث أصبح أهل الريف ينظرون إلى أهل المدينة على أنهم مترفين ومستغلين( ) ، رغم أن خصائص أهل المدن كما يؤكد ابن خلدون تختلف عن أهل الريف في كثير من الأشياء، من حيث أحوالهم المعيشية والسكن والبناء وتشبه هذه الحالة ما تنظر إليه شعوب العالم المتخلف إلى شعوب العالم المتحضر، فمنذ العهد العثماني كان النظام الطبقي موجوداً حيث كان هناك ثلاث طبقات هي( ):
1- طبقة الحكام ومعاونيهم ورؤساء الدين والعلماء.
2- طبقة الأسر العريقة وأصحاب المهن اليدوية المختلفة.
3- طبقة العمال والخدم.
وظلت نسبة المشتغلين بالزراعة تشكل حوالي 70% من السكان مقابل 1% في الصناعة، أما الآخرون فكانوا يشتغلون بالمهن الحرة، لكن تقلصت الملكية الكبيرة التي تزيد عن المائة هكتار بعد الاستقلال من 60% إلى 29%،وزادت نسبة الطبقة المتوسطة التي تمتلك عشرة هكتار فما فوق من 19% إلى 33% ، أما الصغيرة فظلت على حالها وهي تقل عن عشرة هكتارات، وقد شجعت السلطات في عهد الانتداب توظيف رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع نمو الرأسمال التجاري بتوظيفه للأموال في كل المجالات، من أجل ربط سوريا بالسوق الأجنبية وبالرأسمالية العالمية، وإغراقها بالمنتجات الأجنبية( )، لكن خلال الحرب العالمية الثانية تطورت الصناعة السورية بسبب نمو حاجة جيوش الحلفاء لها، وزادت قوتها بعد الاستقلال، فتشكلت سبع شركات صناعية مساهمة برأسمال وطني قدره تسعة عشرة مليون ليرة و46 مصنعاً ، وكان تطور الصناعة قد أدى لتطور الزراعة لاعتماد الصناعة على الزراعة، وبذلك كان يعمل النظام بعد الاستقلال على بناء الاقتصاد بشكل منتظم، بالرغم من خروج سوريا بعد الاستقلال مباشرة منهكة اقتصادياً، ورغم ما حدث من تطور صناعي وزراعي إلا أن الأحزاب الراديكالية والصحافة كلفوا الحكومة فوق طاقتها، كما عمل الحوراني على معاداة النظام ورجال الحكومات على أساس أن هدفه تحقيق العدالة الاجتماعية، رغم أنها كانت سائدة إلى حد بعيد باستثناء بعض الحالات الشاذة، حيث وصف الحوراني أعداءه من ملاك الأراضي بالرجعية والعمالة والخيانة، فكان أول من أطلق كلمة رجعية وتقدمية في المجتمع السوري ليحدث شرخاً اجتماعياً في جسم المجتمع بشقيه المدني والعسكري، وكان حثه لمقربيه على الانتساب للجيش ولحزبه بحيث أصبح له مراكز قوة في الجيش يأتمرون بأمره مخالفين بذلك كل الأعراف الدستورية، بما فيها قسم يمين الولاء للدستور، فكان هدفه أن يجعل الجيش سلماً لوصوله إلى السلطة( ).
وبعد الاستقلال سمح النظام للتنظيم النقابي أن يكون ذا شقين مستقلين، إحداهما للعمال وآخر لأرباب العمل، بعد أن كان قبل ذلك مندمجاً مع بعضه عمالاً وأرباب عمل في نفس الوقت، ثم أقر دستور 1950 حق العمل لجميع المواطنين، وألزم الدولة بتوفيره للجميع وضمانه من أجل توجيه الاقتصاد الوطني ونهوضه، كما أقر قانون العمل، مثل الساعات، والتعويض، والتأمين، وغير ذلك، كما أقر الوسيلة المناسبة للمطالبة بحقوقهم، وأقر التنظيم النقابي، معتبراً النقابات شخصية قانونية اعتبارية، لها حق في الاجتماع والتظاهر السلمي، لكن خلال فترة الوحدة مع مصر ضعف دورهم، فصدر مرسوم يقتضي بـ : " لا يجوز للنقابات الاشتعال بالمسائل السياسية والدينية "( ) ، كما صدر مرسوم آخر يقضي، بأنه من حق وزير الشؤون الاجتماعية والعمل حل النقابة في حالة التحريض على قلب نظام الحكم أو كراهيته أو الازدراء به...، ولكن النظام الذي ساد بعد مارس 1963 عمل على دمج هذه النقابات ضمن النظام السياسي، بحيث تصبح مقيدة به وتخضع لقراراته، وربطها بحزب البعث، حيث أن جميع رؤساءها وقياداتها في مختلف المستويات أعضاء عاملين في حزب البعث، وكان لهذه النقابات دور كبير قبل مارس 1963 في النضال ضد الديكتاتوريات العسكرية، ومعظم قياداتها كانت مرتبطة بالأحزاب.
لكن كان هناك عائق ساهم في الشقاق بين الريف والمدينة تمثل بحصول أعيان المدينة في بعض الحالات على مقاعد أهل الريف، من خلال تحالفهم مع أعيان الريف الذين كانوا يعطونهم التنازلات على حساب أبناء مناطقهم، ورغم ذلك كان باستطاعة الفلاحين وصغار الكسبة الضغط على السلطة لإقصائهم عند الضرورة( ) ، بسبب أن السلطة في معظم فترة ما قبل عام 1963 كانت ديمقراطية، لكن محاباتها أحياناً لأصدقاء المسؤولين على حساب الفلاحين وصغار الكسبة، ولد رد فعل عند هؤلاء تمثل بدخولهم في الأحزاب الراديكالية والجيش ليسقطوه وليحلوا محله حكماً ديكتاتورياً صارماً، خاصة بعد انقلاب 23 فبراير 1966، بالرغم من أن هؤلاء الفلاحين كانت تنتشر في مناطقهم نفسها الملكيات الصغيرة والمتوسطة( )، وكانوا في معظمهم من الأقليات الدينية، ويخضع فلاحيهم لأسيادهم من نفس الطائفة في جبل العلويين، أما في المناطق الأخرى التي كانت مملوكة للسنة خاصة، فكانوا يخضعون لهم باعتبارهم جاءوا من مناطقهم للشغل في مناطق أخرى غير مناطقهم، وكان يفضلهم ملاك الأراضي في هذه المناطق ، كما أن رؤساء عشائرهم ومشايخهم من نفس الطائفة كانوا ذوي ملكيات كبيرة، وكانوا يجمعون منهم الضرائب وأجور الزواج والهدايا ويخضعونهم للسخرة، لكن بعد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في ظل الوحدة، وبعده، حصلوا على أراضي الملاك الكبار ، وكان الهدف من الإصلاح الزراعي في سوريا هو تجريد الطبقات المهيمنة من امتيازاتها الاقتصادية وعزلها سياسياً تمهيداً لتصفيتها، وإقامة علاقة بين النظام ومن سيستفيدون من هذه التجربة (في ظل حكم الوحدة) ( ) ، حيث جعلت سوريا تجربة للإصلاح الزراعي، ولم يحصل مثل هذا الأمر في مصر حيث حدث بشكل تدريجي على عكس سوريا التي أخذت الأرض من أصحابها مباشرة، كما أن نظام الوحدة لم يصفي الإقطاع في مصر، فظل أكثرهم يتمتعون بمراكز مهمة في الدولة، وأعاد لهم أراضيهم بعد هزيمة يونيو 1967، وزادت قوتهم في ظل حكم أنور السادات، لكن في سوريا اعتلى مكانهم طبقة المندوبين الذين شكلوا حاجزاً بين الشعب والنظام الحاكم، بالرغم من أن ملاك الأراضي في سوريا قد حصلوا على أراضيهم خلال العهد العثماني بطرق شرعية، فوزعت عليهم أراضي صغيرة مقابل خدماتهم في إدارات الدولة ليستثمروها، كما وزعت على غيرهم من الفلاحين( ) ، لكن أعيان الدولة زادوا على أراضيهم من خلال شرائهم أراضي من غيرهم من الفلاحين، حتى أن الملاك الكبير منهم كان يملك أكثر من (40) سند طابو، وهذا حق شرعي له، وكان شراءهم لهذه الأراضي بسبب استثمارهم لأراضي الريف، وقد شجعتهم الدولة العثمانية على ذلك من خلال تعاملها مع هؤلاء الملاك في جباية الضرائب، حيث كان من الأسهل لها التعامل مع ذوي الملكيات الكبيرة أكثر من الصغيرة، كما أن الملاك الصغار لم يستطيعوا منافسة الإنتاج الكبير للملاك الكبار، فباعوا أراضيهم بأسعار زهيدة، ثم أخذوا يعملون في خدمة طبقة الملاك الكبار على شكل شراكة، فكان رأس المال كله من أراض وبذار وسماد وضرائب وما إلى ذلك، من المالك أما العمل والحراسة فمن الفلاح لقاء ربع المحصول، حيث كان الفلاح يسمى بالمرابع بالاصطلاح الزراعي ، وكان لكل مالك عدداً كبيراً من المرابعين، أما في مجال الصناعة، فكان عمال الصناعة أيضاً غير قادرين على منافسة المنتجات الأجنبية المستوردة، بسبب رخصها وقلة تكاليفها، فتركوا مشاغلهم الخاصة والتحقوا بسوق العمل عند المستثمرين الصناعيين الذين أحدثوا مع أقرانهم الأرستقراطيين الزراعيين قفزة في مجال سوق العمل والصناعة والزراعة بشكل لم يسبق له مثيل في دول الشرق الأوسط منذ عام 1838 ( ).
لكن عند إصدار قانون الإصلاح الزراعي عام 1959 بضغط الحوراني وأعوانه ممن ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة، بإلحاحهم على الرئيس عبدالناصر ليصدر هذا القانون، بسبب حسدهم وحقدهم وليس بسبب ميلهم لإنصاف الفلاح وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، والدليل على ذلك أنهم وجهوا الموظفين إلى إعطاء المالك من الأرض ليس كما يختار من الأرض ( كما نص قانون الإصلاح الزراعي نفسه)، وإنما أعطوه حسب ما يريدونه هم، كما صادروا أدواتهم الزراعية وشهروا بهم في الإذاعة ليحطوا من قدرهم، رغم كون أكثرهم من أبطال استقلال سوريا والذين وقفوا في وجه الديكتاتوريات العسكرية، مثل الرئيس الجليل هاشم الأتاسي، ورئيس البرلمان رشدي الكيخيا، وغيرهم، فكان الرئيس هاشم الأتاسي على سبيل المثال يمتلك أراض صخرية، يستصلحها حسب إمكانياته، وكان الخبراء المصريين الذين جاءوا إلى سوريا قبل الوحدة، ومنهم وزير الإصلاح الزراعي المركزي سيد مرعي، قد أكدوا أنه من الخطأ تطبيق الإصلاح الزراعي في سوريا لأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي فيها لا يتطلب ذلك، حيث الزراعة في سوريا تشكل الركن الأساسي للاقتصاد السوري، ومعظمها بعلية وليست مروية كمصر، وإن من ضروراتها أن تكون الملكية واسعة، لأن الملكية الصغيرة لا تفي بدخل صاحبها ولا تقوى الاقتصاد القومي، كما أن صاحب الأرض في سوريا يستثمرها ولا يؤجرها مثل الحالة في مصر، فالإنتاج الزراعي لـ 300 هكتار بعلي في سوريا، أقل من إنتاج 80 هكتار مروي في مصر، كما نص قانون الإصلاح الزراعي، في مجال توزيع الأراضي في سوريا ومصر، حتى أن 80 هكتار مروي في سوريا أقل إنتاجية من 80 هكتار مروي في مصر، وإنتاجها لا يعتبر إنتاجاً معتبراً، إضافة إلى أن ما يطرأ على الأراضي من ظروف طبيعية تؤدي إلى تقليص الإنتاج، وإن معظم من أعطيت لهم أراضي من الفلاحين أصبحوا يؤجرونها ، وبذلك أصبحوا مستهلكين بعد أن كانوا منتجين قبل ذلك، كما تملك مهاجرون من خارج البلاد مثل النساطرة والأشوريين، أراض أخذت من العشائر العربية في الجزيرة السورية، وهذا يتنافى مع القومية العربية التي يدعيها النظام.
وقد أدى هذا الإجراء العنيف إلى جعل الملاك يتركون الاستثمار الزراعي، ويتوجهون للاستثمار الصناعي أو التجاري، وهاجر قسم كبير منهم من البلاد إلى الخارج، وأغلبهم من ذوي المؤهلات العالية، ففقدت البلاد خبراتهم، كما أن معظم الأراضي التي أستولي عليها لم توزع على الفلاحين بل بقيت بيد الدولة، التي أهملتها وحولتها إلى أراض قاحلة، ولم تدفع لأحد ممن أخذت أراضيهم أي تعويض خلافاً لما نص عليه قانون الإصلاح الزراعي.
وبعد انقلاب 8 مارس 1963، ازداد مدى الاستيلاء على الأراضي، وقامت حكومة صلاح البيطار( ) بإنشاء سد الفرات مستعينه بالسوفييت في ذلك، رغم أنه لم يكن له أية فائدة للحصول على الكهرباء لأن 90% من كهرباء سوريا معتمدة على النفط، كما لم يكن له أية فائدة في استصلاح الأراضي رغم ما صاحب إنشائه من دعاية واسعة، فقد أتلف 300 ألف هكتار من أجود الأراضي الزراعية مقابل استصلاح 600 ألف هكتار ، التي لا تجدي زراعتها بسبب الملح، ولم تستطع الحكومة التخلص من مشكلة ملوحة التربة، زد على ذلك أن معظم الأراضي التي أستولي عليها بعد انقلاب مارس 1963، ثم بعد انقلاب فبراير 1966 قد أخذت من الملاك( )، وأعطيت للفلاحين من الأقليات الدينية بشكل خاص، وكذلك المنشآت الصناعية والتجارية، مما كان لذلك آثاراً مدمرة فحدث الصدام الطائفي في عام 1963 في حمص، وفي 1964 في بانياس وحماه ، لكن تجدر الإشارة إلى أن حكومات ما قبل الوحدة كانت تنفذ الإصلاح الزراعي منذ الاستقلال، ولكن بشكل تدريجي على أساس الملكية الصغيرة والمتوسطة، بحيث لا يمضي أكثر من جيلين أي ما يعادل 66 سنة حتى يكون قد اكتمل، بشكله النهائي، وهذا ما أكده دستور 1950 حيث نصت مادته الـ 22 على ما يلي: " لإقامة علاقة اجتماعية عادلة بين المواطنين، يسن تشريع خاص يتضمن حداً أعلى لحيازة الأرض تصرفاً أو استثماراً، بحسب المناطق على أساس تشجيع الملكية الصغيرة والمتوسطة، من دون أن يكون له مفعول رجعي"، ولو ظل هذا القانون يطبق، لما حدثت الرشاوي ولا وسائل الانتقام كما حدث بالفعل نتيجة قانون الإصلاح الزراعي منذ عام 1959.
وكان إصدار قرارات التأميم في يوليو 1961 بتأميم المصارف والشركات الصناعية، بحجة أن هذه الشركات يمتلك أسهمها في مصر سوريون ولبنانيون ويهود وغيرهم، بالرغم من أن النظام كان يؤكد نظرياً أن كل ما هو عربي لا يعد أجنبياً( )، كما أن السوريون جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة، والوضع في سوريا يختلف تماماً عن الوضع في مصر، لأن هذه المؤسسات في سوريا مملوكة فقط للسوريين، ويشترك فيها حتى صغار الكسبة من خلال أسهمها، وكان لها دوراً كبيراً في تشجيع الاستثمار الوطني، وزيادة الاقتصاد القومي، وبالنسبة للمصارف فإن رأسمالها مرتبط بالمراكز الرئيسية في الخارج، أما بالنسبة للصحف فكان تأميمها قد عمل على عدم القدرة في إمكانية الكشف عن الأخطاء في الإدارة، وتوعية الشعب وفضح المخالفين، وأصبحت، رهينة بيد الحكومة تعلن ما ترضى عنه السلطة، وكان التأميم الذي اتبع بعد انقلاب 8 مارس 1963، قد توسع ليشمل المؤسسات الصناعية والتجارية الصغيرة، ووصل الحقد بأقطاب البعث إلى تسريح محامي المؤسسات المؤممة، والتشهير بهم في الإذاعة من خلال التهجم عليهم بالتهم الكاذبة، مثل نعيم الانطاكي أحد رموز الوطنية في سوريا، وهرب بنتيجة ذلك أكثر من مليار ليرة سورية من رؤوس الأموال، وزاد التأميم بعد انقلاب 23 فبراير 1966 حتى شمل المعامل الفردية، فازدادت أعداد العاطلين عن العمل، وانخفض الإنتاج بشكل بلغ أقل من عشرين ضعف عما كان قبل ذلك، كما أن ازدياد تخفيض أراضي الملاك عما كان من قبل، جعل الأحقاد المحلية هي قانون الإصلاح الزراعي، فكان حزب البعث أقرب إلى حزب شيوعي مع استعمال كلمة قوميين كادحين بدلاً من البروليتاريا( ).
ويرى البعض أن الطبقة العليا في المجتمع ، والتي يعيش معظم أعضائها في المدن الكبرى بثرواتهم ومراكزهم من خلال سيطرتهم على المال والصناعة والتجارة، واعتمادهم على الملكيات الزراعية الكبيرة، إضافة لتأثرهم بالغرب، وتشكيلهم لمعظم نواب البرلمانات( )، لكن عدم استطاعة هذه الطبقة على ردم الهوة بين طبقتهم والطبقة المتوسطة والدنيا، وبالتالي لم تستطع هذه البرلمانات تحقيق رغبات الشعب السوري بشكل كامل، رغم أن معظمهم هؤلاء النواب من ذوي التاريخ الوطني المشرف، وعلى يدهم تحقق استقلال سوريا، لكن كان نقص خبرتهم وكفاءتهم الإدارية، إضافية لعدم قدرتهم على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وعدم قدرتهم على تحقيق التضامن العربي كبديل لسد عجز نظام حكمهم عن كبح جماح الصهيونية عن فلسطين، مما ولد الأحزاب اليسارية الراديكالية، التي أخذت تنادي بالصراع الطبقي القائم في المجتمع بنظرها، بالرغم من أن كل الدساتير التي سادت خلال هذه الفترة كانت تتضمن حماية العمال وتشجيع الملكيات الصغيرة والمتوسطة، وتعيين حد أعلى لحيازة الأرض، كما أعطت هذه الدساتير حق تأميم كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة، مقابل تعويض عادل، وهذا ما أكده رئيس الحزب الوطني عام 1962 عندما أثار اليساريون من خلال الحوراني موضوع الصراع الطبقي في البرلمان، حيث قال في ذلك :
" يجب إبقاء الطبقة الفوقية حيث هي، لا أن تنزل هذه الطبقة إلى تحت، مع إمكانية الحد من استثمارها بوضع مشاريع وقوانين تفرض قيوداً على الأرباح بضرائب تصاعدية تصل إلى 70، 80، 90 في المائة على الأرباح، لا قيوداً مقيدة توضع على رؤوس الأموال، وهذه الضرائب التصاعدية على الأرباح،لا قيوداً مقيدة توضع على رؤوس الأموال، وهذه الضرائب التصاعدية يمكن إنفاقها على الطبقة التحتية في خدمات عامة كالصحة والتدريس والتعليم، وتكافؤ الفرص ميسوراً بذلك للطبقة التحية، حيث تمشي متدرجة إلى فوق، ويمكن بالتالي أن تكون متدرجة، وئيدة إلى أن تتقارب مع الطبقة الفوقية، لا أن تلتقي هي والأخرى، ولا وجود للإقطاع، كما أن القيود المقيدة للاقتصاد هي ضرر وضرار لعامة البلاد وكافة المواطنين أصحاب رؤوس الأموال، والصناع والعمال أيضاً، ويجب أن يكون الاقتصاد خالصاً من كل قيد يقيده، فالعدل والواجب الوطني، يحتمان بلا تردد إلغاء قوانين التأميم، لأن التأميم قد أضعف القوى الإنتاجية، وأوقف حركة العمل في البلاد، وأبعد الناس عن رغبة الاشتراك أو المساهمة في الصناعة أو التجارة أو الزراعة، ويجب أن يكون التعاون صادقاً ووثيقاً بين صاحب الأرض والفلاح وبين صاحب المال والعامل وبين جميع الطبقات"( ) .

وكان قبل ذلك قد أكد هذا الرأي الرئيس شكري القوتلي في مارس 1943 عندما زار حماه، فقام جماعة الحوراني برفع لافتات ضد ملاك الأراضي والأعيان، مما حذا بالرئيس شكري القوتلي إلى القول:
" في هذه المدينة توجد طبقة يقال لها طبقة الذوات وأنا من هذه الطبقة، أنا من الذوات وعائلتي من أقدم العائلات، وأنا من أصحاب الأملاك وأرباب الأراضي، وهناك طبقة أخرى تقول أنها من الشعب، وأنا أيضاً من الشعب، وقد أمضيت عشرات الأعوام مناضلاً في سبيل الشعب، إنني أعلم معنى الفكرة التي يعتنقها كل ذات من الذوات، كما أعلم ماهية الفكرة التي يعتنقها كل رجل يقول إنه من الشعب، لكن اسمحوا لي أن أضع هذه الأمور في مواضعها، إنني على استعداد لأن أضحي بأولادي وبعائلتي في سبيل الوطن"( ).
ورغم ذلك ظل الحوراني معارضاً لكل الأنظمة التي لا تسعى للإصلاح الزراعي الفوري( )، وقد كسب تأييد وتعاطف بعض الفلاحين، كونه كان ينتمي لحركة الأشقياء الشعبية التي كانت تفرض الخوة على الأثرياء، رغم أن الحزب الشيوعي نفسه لم يكن يدعو للإصلاح الزراعي في ذلك الوقت، كما لم يكن يدعو للتأميم، على أساس أن هدفه هو تشجيع وزيادة الاقتصاد من خلال المشاريع الواسعة، رغم أن الهدف الأساسي من تصريحاته هذه هو وصول بعض أعضائه إلى البرلمان( )، لأنه كان يدرك أن النظام الطبقي من صميم الحياة الاجتماعية السورية في تلك الفترة، مثل اقتصاد جبل العرب، وغيره( )، ولم تكن حركة الشعبيين في جبل العرب عام 1945 ضد آل الأطرش الذين يتولون كافة المناصب السياسية الدرزية، في جبل العرب والتي كانت ثورتهم هذه بعد ثورة العامية عام 1886 سوى دليلاً على الصراع الطبقي، فاعترف آل الأطرش بحق الفلاحين في التملك في أعقاب ثورة العامية، أما في ثورة الشعبيين فقد تنازل آل الأطرش عن المناصب السياسية لصالح الشعبيين الذين شجعهم الرئيس شكري القوتلي، حيث أيدوا فيما بعد انقلاب حسني الزعيم.
كما ظل الحوراني يحرض الفلاحين الأكراد في يونيو عام 1947 ضد زعمائهم من ملاك الأراضي الواسعة، مما أدى إلى مصادمات قتل على إثرها حوالي 30 شخصاً( )، ثم أثار في أكتوبر عام 1948 قضية بين الريف والمدينة، حيث رأى أن القرى التي يسكنها العلويون لا تحظى بالرعاية الكافية مثل بقية المدن السورية، على أمل ولاء هذه الطائفة له، لكن كان لطائفة المراشدة دور في إحداث الإخلال بالأمن من قبل جماعة سليمان المرشد عام 1945، وتواكب نشاطها مع إضراب عمال مرفأ اللاذقية عام 1945 بتشجيع من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، لذلك عمل محافظ اللاذقية آنذاك عادل العظمة على تشكيل جمعية تضم جميع الطوائف وتوزيع أراضي أملاك الدولة والخالية على الفلاحين الذين لا أرض لهم( )، ثم قام الحوراني بعد سقوط سامي الحناوي، بتنظيم كتائب مسلحة مدعومة من الجيش ضد الملاك الكبار( )، وصارت هذه الكتائب تتدخل في كل قضية بين الملاك وفلاحيهم في كل أنحاء سوريا، ثم أصدرت الحكومة عام 1950 قراراً للعمل بالتعرفة الموحدة ( )، مما حذا بأرباب العمل في دمشق إلى إغلاق معاملهم، وهذا أدى بقضاة الدولة كلهم إلى المطالبة برفع أجورهم، وعلى ذلك فكانت الشعلة التي أوقدها الحوراني قد أثرت سلباً على جميع المصالح الاقتصادية في الدولة.
لكن بعد الانقلاب الثاني للشيشكلي عام 1951، عمل على وضع رقابة على خروج الأموال في البلاد وأمم بعض الشركات الأجنبية، وألزم الشركات الأجنبية التي لها فروع في البلاد أن يكون ممثلوها في سوريا من الموظفين ورفع الضريبة على الدخول إلى نسب عالية وصلت إلى 36% لتحطيم قواعد الاقتصاد الحر الذي كان سائداً في سوريا، ثم أصدر في يناير 1952 قانوناً بتحديد الملكية الزراعية في المستقبل، وإعطاء الفلاحين المستأجرين للأراضي نسبة أعلى من المحصول، حيث كان المالك يأخذ 75% من المحصول بينما الفلاح المستأجر يأخذ 25%، فأخذ وفق قانون الشيشكلي، نصف المحصول أي 50% ( ) ، لذلك ازدهرت الزراعة والصناعة بشكل لم يحصل في كل تاريخ سوريا حتى الآن، حين استصلحت الأراضي واستثمر مشروع الغاب، وازدهرت صناعة النسيج، ووضع حجر الأساس لموقع معرض دمشق الدولي، وأمم الحافلات وكهرباء دمشق، وألغى امتياز حصر التبغ والتنباك، وألحقها بوزارة المالية، كما أنشأ شركة سورية مساهمة لإنشاء واستثمار مرفأ اللاذقية، وتوسعت في عهده المدن بشكل كبير( )، لكن في أواخر 1953 ضعف الاقتصاد قليلاً مما قوى من المعارضة، خاصة أن عدد المثقفين زاد في عهده، وتوسع الجيش السوري بشكل كبير، وبسبب وجود الحوراني في المسرح السياسي عمل على عقد الاجتماعات الفلاحية عام 1951، في حلب ، حيث شجعهم على المطالبة بالإصلاح الزراعي الفوري، ثم قام بحملة عنف وإرهاب ضد ملاك الأراضي في يناير عام 1952، وكان يستطيع الاستغناء عن ذلك من خلال استطاعته توطين فقراء الفلاحين في مشاريع الري الخاصة بالدولة، والتي ازدادت في عهد الشيشكلي بشكل كبير، لكنه عمل على منع تشغيل رأس المال هناك، باعتباره كان وزيراً للزراعة، مما منع استفادة الفلاحين المستوطنين هناك من أي فائدة( )، وعمل في يونيو 1951 على مهاجمة حكومة خالد العظم من خلال حزبه الجديد العربي الاشتراكي، على أساس أن الحكومة لم تغير في مشروعها عن الحكومة السابقة، ولم تحقق الإصلاح الزراعي مباشرة، فعمل على التمهيد لإضراب موظفي الدولة في سائر المحافظات السورية ثم حثهم على المطالبة بزيادة الأجور فأسقط الحكومة، بسبب عدم قدرتها على تحمل هذه الأعباء، فكانت ردة فعل ملاك الأراضي على تجاوزات الحوراني، أن قاموا بالاجتماع في معرة النعمان في خريف 1951، وعقدوا مؤتمراً لهم فرد، الحوراني بعقد مؤتمر فلاحي آخر في سبتمبر عام 1951، أخذ ينادي بنزع ملكية أصحاب الأملاك الكبيرة، وألقى خطاباً فيهم جاء فيه : " أيها الاشتراكيون، يا رفاق الجهاد، سنوات عديدة مرت علينا ونحن في جهاد مستميت، نحارب على جبهات عدة، ضد الصهيوني والأجنبي والإقطاعي"( ) ، ثم اختلف الحوراني مع الشيشكلي حول موضوع الإصلاح الزراعي بسبب أن الشيشكلي لم ينفذ الإصلاح الزراعي كما يريده الحوراني، رغم أنه أصدر مرسوم قانون الإصلاح الزراعي رقم 96، الذي قضى بتوزيع خمسة ملايين هكتار من أراضي الدولة على الفلاحين، وتوطين مليون أسرة فلاحية، ثم أصدر مرسوماً آخر حول ذلك جاء فيه : " إذا تبينت أن أملاك الدولة من الأراضي لا تكفي لتنفيذ أهداف القانون الأخير، فإن الحكومة ستلجأ إلى إصدار قانون خاص يقتطع أجزاء من ملكية أصحاب الأراضي الكبيرة لتوزيعها على الفلاحين"( ) ، وكانت هذه الإصلاحات قد توافقت مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة، والتي كانت تأمل تحقيق إصلاحات اجتماعية داخلية، حيث كان الشيشكلي قد وعد السفير الأمريكي بها، وبسبب الخلاف بين الحوراني والشيشكلي، وضع الشيشكلي، الحوراني في الإقامة الجبرية أواخر 1952، وأغلق صحيفة حزبه العربي الاشتراكي، وكانت تسمى الحرية، وبعد سقوط حكم الششيشكلي عام 1954، تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً، خاصة في ظل حكومة سعيد الغزي ( ) عام 1954، مما حذا بعمال الغزل والنسيج للمطالبة بزيادة أجورهم وتحديد ساعات العمل والاعتراف بحقهم في الانتساب للنقابات، مما حذا بأرباب العمل أن قاموا بإضراب شامل في 24 يوليو 1954 استمر يومين، في دمشق وحلب، مما حذا بالبرلمان إلى الموافقة على تعديل قانون 1946 الذي يعطي الحق للبرلمان في إقرار ما إذا كان إضراب العمال شرعياً أم لا، ثم حدث إضراب آخر في 30 يونيو 1954 لتحديد ساعات العمل، فتأجلت الانتخابات نتيجة لذلك شهراً كاملاً، وبسبب إضرابات عمال شركات النفط الإنكليزية العراقية، وأرامكو، زادت هذه الشركات أرباح الحكومة من الخطوط المارة بسوريا.
وفي أغسطس 1956 قام جماعة الحوراني من بعثيي حماه، بالاشتباك مع جماعة الحزب القومي السوري الذي ينتمي إليه بعض الملاك ومنهم آل العظم( )، وبضغط الحوراني، أصدرت حكومة صبري العسلي في أواخر ديسمبر 1956 قانوناً بمنع تهجير الفلاحين من الأراضي التي يشتغلون فيها، رغم أنهم كانوا عمالاً زراعيين ليس أكثر، فكان ذلك تمهيداً للاستيلاء على أراضي الملاك وتوزيعها على الفلاحين وأكثرهم من الأقليات الدينية ، رغم معارضة البرلمان التدخل في أملاك الدولة وتوزيعها على الفلاحين، مما حذا بالبعث في يونيو 1955 إلى التهديد باستقالة النواب من البرلمان( )، ثم نظم اليسار في فبراير 1956 مظاهرات عمالية في حلب، تطالب بإلغاء مرسوم الشيشكلي رقم (243) الذي يمنع العمال من الانتساب للأحزاب السياسية، وأعلنوا الإضراب العام، وأصيب ثلاثة عشر بجراح، ثم وقعت اشتباكات بين أنصار البعث من الفلاحين وكبار الملاك أسفرت عن 32 جريح.
كما قام الحوراني باستغلال عدم الاستقرار السياسي بعد سقوط الشيشكلي منذ عام 1954، لإثارة الفلاحين ضد الملاك، فقام بإقامة مهرجان الشيخ بدر عام 1954، ثم مهرجان آخر في الشيخ بدر نفسها أواخر 1957، وفي كلا الاجتماعين اجتمع أكثر من 20 ألف فلاح معظمهم من الأقليات الدينية( )، تحت رعاية عم أكرم الحوراني الذي كان محافظاً للاذقية، ويدعى مصطفى الحوراني، وكان هدف المهرجان تأكيد قوة حزب البعث، وتوسيع نطاق الانتساب إليه، والدعاية له، أمام منافسيه، سواءاً في انتخابات 1954، أو في الانتخابات البلدية، ثم قام بمهرجان محردة عام 1954 وحضره أكثر من 35 ألف فلاح معظمهم من الأقليات، وحرض فيه الفلاحين على الملاك، ويلاحظ من هذه المهرجانات أنها كلها قد قامت في مناطق الأقليات.
وبسبب إصدار عبدالناصر لقرارات التأميم عام 1961، اعترض وزير الاقتصاد في الإقليم السوري حسني الصواف، على أساس اختلاف الأوضاع في سوريا عن مصر، باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى الحد من نشاط القطاع الخاص السوري، مما أدى لإقالته من منصبه ( ) ، كما أدى تأميم المصارف والشركات المساهمة والشركة الخماسية المتعددة النشاطات، إلى أضرار كبيرة بالاقتصاد السوري، كونه يقوم أساساً على التجارة منذ القدم، كما كان إصدار قانون الإصلاح الزراعي في 27 سبتمبر 1958، واستيلاء الدولة على 586 ألف هكتار من أصل 8.5 مليون هكتار، حيث شمل الإصلاح 3240 مالك يملكون 94 ألف هكتار مروري، ومليون وأربعمائة ألف هكتار بعلي، لكن لم توزع الدولة على الفلاحين سوى (116) ألف هكتار ، وبقى القسم الآخر دون استثمار( )، كما لم يستطع الفلاحين الذين أخذوا الأراضي بموجب الإصلاح الزراعي، من استثمار الأراضي المعطاة لهم، كما لم تستطع الحكومة مساعدتهم، حيث أعطيت لكل واحد مساحة قدرها ثمانية هكتارات مروي أو ثلاثين هكتار بعلي، وكانت نسبة الأراضي التي شملها الإصلاح تشكل 29% بينما الملكيات الصغيرة 15% والمتوسطة 33%، وللدولة 22%، لم يشملها الإصلاح الزراعي، وأثبتت الوقائع العملية أن الإصلاح الزراعي قد أرجع سوريا خطواط كبيرة إلى الوراء، بالرغم من كل ما ادعاه الحوراني عن فوائده، فكان من أهم الآثار السلبية لتطبيقه خلال الوحدة: ( )
1- كان تطبيقه مماثلاً لما تم في مصر، بحيث لم يأخذ خصائص الأوضاع السورية، وخصوبة التربة في سوريا.
2- لم يحصل على الأراضي المستولى عليها سوى ثلث الفلاحين أما الباقين فقد حرموا من هذا الحق.
3- قاطع الملاك لجان مصادرة الأراضي، واتجهوا للمحاكم، وفكوا أجهزة الضخ في الأراضي المروية، وحولوها لأراضي بعلية ليتمكنوا من أن يحتفظوا لأنفسهم بمساحة أكبر من الأراضي، فتقلصت رقعة الأرض المروية في سوريا بشكل كبير، ومن ثم تقلصت رقعة الأرض الزراعية في سوريا كلها بشكل عام.
إضافة لما حدث من جفاف خلال سنوات الوحدة الثلاث، ونزوح الفلاحين للعمل في المدن أو في الدول المجاورة، فكان المواطن السوري لأول مرة يهاجر من سوريا طلباً للرزق منذ الحرب العالمية الأولى، وأصبحت سوريا تستورد ما كانت تصدره من القمح والشعير وغيرها من المنتجات الزراعية، وحلت الاحتكارات المصرية محل شركاء سوريا التجاريين السابقين لبنان والعراق وفرنسا ....، وأصبحت سوريا مضطرة إلى استيراد كميات كبيرة من السلع المصرية الرديئة مقابل صادراتها الجيدة( )، كما استمر السوريون يدفعون رسوم جمركية على صادراتهم من مصر كما كانوا قبل الوحدة، وانخفض سعر الليرة أمام الجنيه المصري، رغم أنها كانت أضعاف قيمته، واستغلال بعض المسؤولين المصريين في سوريا لموارد الإقليم السوري إضافة إلى مساوئ البيروقراطية المصرية العقيمة التي أعاقت تنفيذ القرارات الاتحادية، مما أدى إلى انتشار البطالة، وانخفاض مستوى المعيشة، وكانت هذه الأشياء من أسباب استقالة الوزراء السوريون من الحكومة المركزية، ويحدد أحد هؤلاء الوزراء وهو أحمد عبدالكريم أن أسباب استقالتهم كانت: ( )
1- قرار تنظيم الاستيراد الذي أقره المجلس التنفيذي السوري ورفض عبدالناصر التوقيع عليه، والتهجم على هذا القرار والمسؤولين السوريين من قبل النظام الحاكم.
2- قانون العمل الموحد الذي يلغي الحرية النقابية، وتسلط المباحث والاتحاد القومي على النقابات.
3- تأخير بعض المشروعات الأخرى كتعديل الاتفاقية مع شركة التايلاين وعرقلة تنفيذ الاتفاقية التنموية الاقتصادية مع الاتحاد السوفياتي.
4- التدخلات في لبنان، وإنفاق الأموال الطائلة على هذا التدخل، دون عرض الموضوع على الوزراء السوريين، وحصر قضايا مشاكل لبنان على عبدالحميد السراج، والذي عين وزيراً للداخلية ومسؤولاً للمخابرات والاتحاد القومي.
5- عدم وجود وزير للصناعة من السوريين، وتركيز منح الرخص بإقامة المصانع الجديدة في القاهرة.
6- عدم إرسال البعثات الدراسية للدول الاشتراكية، واستدعاء من كانوا يدرسون فيها.
7- التمييز بين المعلمين السوريين والمصريين، وتوظيف المعلمين المصريين في سوريا على حساب المعلمين السوريين فيها.
8- عزل سوريا تماماً عن الأقطار المحيطة بها بشكل خاص، وعن العالم بشكل عام، مما أدى لإغلاق الكثير من الأسواق العربية في وجه المنتجات والصناعات السورية، وانقطاع الصلات الفكرية تماماً مع هذه الأقطار.
وقد أدت استقالة الوزراء السوريون في الحكومة المركزية إلى إحداث خللاً في الحكومة بحيث أصبح معدل الوزراء السوريين في الحكومة 1/7 رغم أن عدد سكان سوريا يقترب من ثلث عدد سكان مصر( )، وكان لذلك تأثيراً سيئاً على الشعب السوري ، لذلك بعد وقوع الانفصال بقيادة المقدم عبدالكريم النحلاوي في 28 سبتمبر 1961، أيد الانفصال معظم وجوه المجتمع السوري، وطالبت حكومة معروف الدواليبي علم 1962 بإلغاء قانون الإصلاح الزراعي وإعادة الأراضي المستولى عليها لأصحابها وأيد البرلمان هذا القرار، وبسبب ذلك عمل النظام المصري على تشويه صورة رئيس الحكومة ونعته بالمرتشي من قبل النظام العراقي( ) ، وكان لذلك تأثيره على العقيد عبدالكريم النحلاوي، مما حذا به إلى القيام بانقلابه الثاني في عام 1962، وبعد ذلك تشكلت حكومة بشير العظمة وانقسم أعضاءها بين مؤيد ومعارض للإصلاح الزراعي والتأميم ، الذي تم خلال الوحدة بشرط تعويض المتضررين ( ) ، وبعد تشكيل خالد العظم دعت إلى إبقاء ما تم من إصلاح زراعي وتأميمي مقابل تعويض المتضررين وفتح صفحة جديدة في العلاقات الاجتماعية،ورغم ذلك اشتدت هجمات البعث وطالبوا بتأميم الشركات الصغيرة، مثل ما فعل هاني الفكيكي عضو القيادة القطرية لحزب البعث العراقي حيث قام في عام 1962 بزيارة مدينة السويداء، ودعى لإضراب ضد شركة كهرباء خاصة تعود لصغار المساهمين وتتقاضى أسعاراً معينة مقابل خدماتها، واشترك الطلاب في هذه الإضرابات، مما حذا بالنظام أن يقوم بحملة اعتقالات واسعة( )، ومهما يكن من أمر الإصلاح الزراعي أو التأميم ومهما كانت الأسباب في اللجوء إليهما ، فإن هذا لا يبرر اللجوء إلى وسائل سرقة أموال الناس لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين ومثله في ذلك مثل الوصول والسعي إلى الرقي والتقدم باعتباره غاية شريفة لكن لا يبررها سلك طريق الرشوة والسمسرة، لكن في الأنظمة العسكرية والديكتاتورية يعمدون إلى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وهو مبدأ ميكافيلي، تلجأ إليه هذه النظم سواءاً كانت يمينية كالنازية أو الفاشية أو يسارية كالشيوعية، ولكن تبقى الحقيقة أنه لا يمكن تحقيق الغاية إلا بوسائل شريفة، لأن الوسائل السيئة لن تؤدي إلى غايات شريفة مهما حاول المرء ذلك.
وقد اتبعت حكومة الوحدة الوطنية لخالد العظم عام 1962 والذي سيطر حزب الأكثرية (الشعب) على أكثر الحقائب بالنسبة للأحزاب الأخرى، وبدأ الوضع يستقر خاصة بعد أن حددت الحكومة ماهية الأسس التي سيكون عليها المستقبل الاقتصادي والسياسي والتنموي لسوريا، بعد خطاب رئيس الحكومة خالد العظم في 21 ديسمبر 1962، وإزالة كل العوائق التي تكبل الاقتصاد السوري ونموه، وبالتالي عقدت الفعاليات الاقتصادية مؤتمراً لها في حلب بتاريخ 19 نوفمبر 1962، وأصبح من المأمول فيه عودة رؤوس الأموال التي هربت في زمن الوحدة إلى الخارج، وتحسن الاقتصاد فزاد الدخل القومي 350 مليون ليرة وأصبح في أقل من سنة مليارين وسبعمائة وخمسون مليون ليرة، بسبب ما أصاب الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري من تحسن، وزادت قوة النقد السوري، وحدث استقرار اقتصادي ،لكن ثمة نظرية تقول إن زيادة الدخل القومي في الدولة ستؤدي إلى حدوث عدم استقرار سياسي، وهذا ما حدث بالفعل بعد النشاط الاقتصادي الكثيف قبل انقلاب زياد الحريري في8 مارس 1963، وهذا مما ساهم في الانقلاب نفسه، وخاصة بعد وصول البعث إلى السلطة بعد انقلاب أمين الحافظ في 7 أغسطس 1963، فاتخذ نظام أمين الحافظ مراسيم وقوانين تأميم للشركات المساهمة الصناعية والزراعية التي عادت بعد الانفصال إلى مواقعها، مما أدى لاندلاع إضراب عام واشتباكات دامية، وأصدر النظام أحكاماً بإعدام 400 شخص لكنه لم ينفذ الحكم فيهم بعد تدخل الرئيس أمين الحافظ، ومصادرة ممتلكات اثنين وعشرين تاجراً، وتسعة وستين مخزناً من مخازن سوق الحميدية التي تقدر كل واحدة منها بملايين الليرات، كما عمد النظام إلى إنهاء الإضراب بالقوة بتحطيمه لأقفال المتاجر المغلقة بالمطرقة، ثم عمد النظام إلى تنظيم مظاهرة مؤيدة للتأميم ، وهذا ما يحدث عادة في الأنظمة العسكرية الديكتاتورية، وخطب أمين الحافظ في المظاهرات قائلاً: " سنسحقهم، سنقتلهم باسم الشعب، لقد قتلوا من جنودنا، وجرحوا ضباطاً، وقتلوا من العمال، وسنعمل السيوف قريباً في رقابهم .... ستسحقون هؤلاء المتآمرين بأحذيتكم"( )،وبسبب ما اقترفه النظام بحق الشعب أضرب المحامون في كل أنحاء سوريا، فخطب الرئيس أمين الحافظ موجهاً خطابه لهم : " إنهم سينالون عقاباً حتى يتعلموا كيف يكون الحق، وكيف يكون الوقوف إلى جانب الحق "( ) ، ثم حمل على المواطنين والإخوان المسلمين ووصفهم بالعملاء، فاندلعت الصدامات المسلحة في إبريل 1964 بسبب الاستيلاء على الأراضي وقامت مظاهرات( )، في حلب ودمشق وحمص وحماه، ضد إجراءات النظام، لكن نظام أمين الحافظ أخمد المظاهرات بكل عنف، بعد أن فشل في جميع الخطط الاقتصادية التي اتبعها، وحدث إفلاس اقتصادي كبير، وتقلص الإنتاج الصناعي، وانخفاض قيمة الأسهم، وتسريح عشرات آلاف العمال، وهروب معظم رؤوس الأموال إلى الخارج ويقدر بـ 600 مليون ليرة، بين عامي ( 1963 و 1965)، فاستغل قائد الأركان صلاح جديد هذه التناقضات وعمل للسيطرة على الجيش والحزب، كما دعم زعيم الحزب الشيوعي خالد بكداش هذه الإجراءات، وعندما رأت القيادة القومية لحزب البعث، ما أصاب الاقتصاد السوري بسببها عمدت إلى إلغاء قوانين التأميم والإصلاح الزراعي وتشجيع الاستثمار، والعودة للسوق الحرة، حيث طالب رئيس الوزراء صلاح الدين البيطار بالاشتراكية على النمط الغربي، بدلاً من الشيوعية، مما حذا بالاتجاه اليساري في حزب البعث بالتعاون مع الشيوعيين لتنظيم مظاهرات، احتجاجاً على قرارات الحكومة،وكان لهذا مساهمة في انقلاب صلاح جديد في 23 فبراير 1966، فكانت محاولة العودة بالنظام إلى وضع ما قبل 8 مارس 1963 مستحيلاً بالنسبة له بعد أن فرض الرقابة على رؤوس الأموال، وأغلق المصارف الحرة، وأمم البنوك، ومصارف التأمين الاجتماعي، وتقليص الملكية الزراعية إلى 35 هكتار فقط بعد أن كانت في زمن الوحدة 80 هكتار من الأراضي المروية ، وتأميم الشركات، وقرارات نظام الرقابة على الصرف، تلك الإجراءات التي أدت إلى انخفاض مستوى تطور الاقتصاد الصناعي والزراعي وسوء أوضاع العمال والفلاحين بشكل كبير، وهجرة الفلاحين للمدن من أجل العمل، وانخفاض رواتب العمال، وانتشار البطالة، وتكدس البضائع والمنتوجات في مستودعات التجار لعدم وجود أسواق لها، وتجميد التجارة الداخلية بشكل كبير، وهجرة مائة ألف مواطن إلى خارج البلاد، بحثاً عن العمل، خاصة بعد أن أصدرت حكومة صلاح البيطار قوانين تأميم الشركات الخاصة بكل أنواعها مثل القانون رقم 129 القاضي بحق الدولة تأميم أي مؤسسة تراها مناسبة، وهذا ما يفسر سقوط الحكومات التي شكلها البيطار أو التي تشكلت في ظل حكم الرئيس أمين الحافظ.
وبعد سقوط نظام أمين الحافظ إثر انقلاب صلاح جديد في فبراير 1966، أخذ يدعي أنه سيقوم بخطة تنموية أهدافها معاداة الرأسمالية والإمبريالية العالمية، وتعبئة قوى الشعب الفلاحية والعمالية للقيام بثورة علمية تحل محل الأيديولوجيا القومية أي تطبيق الاشتراكية العلمية الماركسية( )، لكن في حقيقة الأمر لم يكن هناك أي وجود للسلطة العمالية والفلاحين في ظل هذه الإجراءات، لأن تطور رأسمالية الدولة في ظل هذا النظام اتجه نحو رأسمالية تابعة استنزافية غير تنموية تنهب بلدانها بالتعاون، والتنسيق مع الرأسمالية العالمية في الخارج والتي تكفل استمرارها باعتبارها جزءاً من شروط إعادة إنتاجها على الصعيد المحلي والعالمي، حيث أصبحت السلطة منذ ذلك الوقت سلطة دولة مرسملة، في مجتمع غير رأسمالي تتبع النظام العالمي، وتمنع تقدم المجتمع نحو ثورة رأسمالية تامة على النمط الغربي، كما تمنعه في نفس الوقت من الاتجاه نحو نظام شيوعي على النمط السوفياتي أو الصيني أو الكوبي، فسيطر جزء من الطبقة الوسطى وهي الطبقة العسكرية على المجتمع مسخرة الطبقة البرجوازية لخدمة مصالحها من خلال اندماجها بها، بينما بقيت الطبقة العمالية كما هي وازدادت بشكل كبير، من خلال سيطرة نمط الإنتاج الثانوي التابع عليها، والذي يتحدد إنتاجاها بحاجات نمط الإنتاج العالمي، من خلال سعيه لخلق شروط رأسمالية مناسبة من أجل إعادة إنتاجه في البلدان التابعة له، ومنها سوريا في ظل نظام الأتاسي/ جديد وما بعده، والتي أصبحت ترتبط بنمط إنتاج سياسي كومبرادوري، طبقته السياسية، هي السائدة والمهيمنة على الدولة، وهي نفسها الدولة المرتبطة بالخارج بشكل جذري، وبالتالي فإن هذا النمط من الإنتاج سيعيد إنتاج نفسه مادامت الرأسمالية العالمية بحاجة إليه، وما دامت آليات إعادة إنتاجه موجودة بصورة أساسية، وتخضع لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، ويكون دور القوانين الاقتصادية فيها ثانوي مساعد فقط ، وعلى هذا الأساس ظهر الصراع بين تيار اللواء صلاح جديد وتيار اللواء حافظ الأسد الذي بدأت قوته بعد تعيينه وزيراً للدفاع وآمراً لسلاح الجو( )، فكان صلاح جديد يرى إعطاء الطبقة الوسطى السياسية الحق في المشاركة ببعض القرارات في السلطة من خلال الهيئات الحزبية المختلفة، لكن رأى الأسد خلاف ذلك على اعتبار أن سوريا في حالة حرب مع إسرائيل لذلك فقد رأى ضرورة بقاء طبقة الدولة العليا هي المقررة للسلطة، ولها وحدها حق اتخاذ القرارات على كافة المستويات، ومهمة الطبقة الوسطى هو تقديم الكوادر المنفذة لقرارات الطبقة العليا، ولا يحق لها الاعتراض عليها مهما كانت صفتها، بالرغم من أن حافظ الأسد وصلاح جديد كلاهما من نفس الطبقة الوسطى التي تحالفت مع الطبقة الوسطى المدينية، وسيطرت على وسائل الإنتاج الزراعي والصناعي وانفصلت عن مجتمعها وارتبطت بالسلطة، وتحولت لطبقة سياسية سلطوية تدين بدورها وثرواتها، وصعودها للسلطة التي تملكها، لكن هذه السلطة انتمى إليها حافظ الأسد وصلاح جديد من موقفين مختلفين هما:
1- تيار صلاح جديد، ينظر إلى الأصول الاجتماعية التي أتت منها طبقته السياسية، ويحاول إجبار طبقته على الوقوف عند حد التطور الذي وصلت إليه، بحيث يحاول منعها من استكمال تطورها نحو طبقة دولة تمتلك سلطة مرسملة وتابعة بشكل أكبر.
2- تيار حافظ الأسد، يرى ضرورة تطور الطبقة الوسطى السياسية إلى طبقة منفصلة عن الدولة، بمتابعة تطورها إلى طبقة دولة تمتلك سلطة مرسملة وتابعة، من خلال إنتاج جهاز هو جهاز إعادة إنتاجها، وعليه يتوقف استقرارها واستمرارها( ) .
لكن ضغط تيار صلاح جديد للعمل على تغيير هيكلية الإدارة البيروقراطية بحيث تمتلئ من أتباعه فكلف صلاح جديد، أحد المسؤولين في البعث وهو اللواء خالد الجندي ، بتشكيل ما سمي بالكتائب العمالية المسلحة، وهي عبارة عن عناصر عسكرية من اللواء السبعين المدرع، ونزلوا إلى الشوارع رافعين شعار تصفية أعداد الثورة، فعملوا على طرد معظم الموظفين من وظائفهم ، بحجة أنهم برجوازيين، وخطب فيهم خالد الجندي قائلاً: " لقد طردناهم، وحجزنا حريتهم فاضطروا لتقديم استقالاتهم، وقدموا ضمانات بأنهم لن يحاولوا العودة إلى أعمالهم، ومن يخالف فسوف يتعرض لعقوبة الإعدام "( ) ، وكان الهدف من ذلك ملء هذه الشواغر بأتباعه من نفس الطائفة الدينية ( ) ، بعد ازدياد الهجرة من قراهم إلى المدن، مما كان لذلك مضاعفات اقتصادية وديموغرافية سيئة، وناقلة معها التناقضات الاجتماعية والطائفية في الريف، وهذا ما يفسر ارتباط الديمقراطية بالقوى المدينية، وعسكرة المدن بالريفيين الذين وجدوا الانتساب إلى الجيش الطريقة المثلى والأسرع للارتقاء في السلم الاجتماعي والسياسي وللانتقال من العموميات إلى الخصوصيات، رغم أن البرلمانات كانت على الدوام تنقد ذلك النظام الاجتماعي، الذي كان سائداً، وتعتمد على صوت الناخبين المدينيين والريفيين لتصل إلى البرلمان والحكم، لكن الريفي العسكري الذي ادعى أنه يحمل مشروعاً قومياً صادقاً، عمل على حل الديمقراطيات وإبعاد الأحزاب والتنكيل بها، كونه يؤمن بإخضاع الآخر، ولا يرضى بالمجادلة، فألغى المؤسسات الموجودة في النظام القديم، تلك التي كانت تميزها المنافسة الحرة لمستقبل البلاد وموضوعاتها، بصوت عال ومسموع، لكنها أصبحت في ظل حكم الريفي العسكري، ساكنة هادئة، وتفسير ذلك أن الريفي** يحب أن يرى الناس كلهم على شكل ولون وصوت وهدف واحد هو الصوت والهدف واللون والشكل والذي يحدده، مصوراً أن الإقطاع الذي كان يضربهم بالكرباج (رغم أن هذه الحالة كانت نادرة جداً ولم توجد في المجتمع السوري كظاهرة عامة مثل مصر)، يمثل تلك الطبقة.
فأصبح العسكري هو الذي يضرب المدنيين في فروع الأمن والجيش بدون أدنى رحمة، ونسي أن المدينة هي التي قادت البلاد نحو الاستقلال، وأن معظم عملاء فرنسا كانوا من الريفيين، خاصة الأقليات الدينية، الذين كانوا يقمعون الشعب بالتعاون مع سلطات الانتداب، ولم يكن الخراب والفساد الذي أصاب الاقتصاد والإدارة والتعليم والقضاء والجيش سوى بسبب وصول هؤلاء الريفيين إلى السلطة، حتى أن العمل الأدبي تحول في ظل حكمهم إلى شعارات سياسية صيغت لتردد من قبل الجماهيري فقط .
وبعد أن استكمل صلاح جديد تطبيق الإصلاح الزراعي والتأميم حتى شمل المشروعات الفردية والخاصة، حدثت البطالة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ سوريا، وشلت حركة التصنيع والزراعة، ورغم الإدعاء بالاشتراكية إلا أن النظام استمر بمعاملاته التجارية مع الدول الغربية بشكل أكبر بكثير من الدول الشيوعية وعملت السلطة على تشجيع البرجوازية الخدمية الغير منتجة، والغير قادرة على حل مشكلة البطالة، فكانت السلطة يمينية عملياً لكنها يسارية قولاً، بتشجيعها وتعاونها مع البرجوازية الخدمية، ومحاربتها البرجوازية الصناعية والزراعية المنتجة، ومصادرة أملاكها بالرغم من أنها كانت تعمل على خدمة الاقتصاد، والشعب والدولة، وهذا أدى إلى تدني مستوى المعيشة بشكل كبير، وازدياد البطالة، مما حذا بهؤلاء الذين لا عمل لهم إلى الانخراط في العمل داخل أجهزة القمع من جيش وشرطة وغيرها وبالتالي تعزيز سلطة النظام القمعية.
وهكذا تحول التأميم والإصلاح الزراعي إلى سببين لانخفاض إنتاجية الزراعة وتحويل الصناعة من ميزة إلى عبء على كاهل الاقتصاد الوطني، نتيجة للأعباء التي ألقتها على عاتقها الإدارة الجديدة التابعة للدولة، والتي تجهل أصول العمل الإداري ( )، وتعيشه بمعايير سياسية، فتضخم الجهاز الإداري غير المنتج على حساب العمل المنتج من خلال زيادة العلاقات المتشعبة في ظلها بشكل كبير، فكان الهدف من الإصلاح الزراعي والتأميم من خلال هذا التحليل هو الوصول إلى رسملة الدولة، وإعادة بنية المجتمع وفق تمايز طبقي هو إنشاء مجتمعان في الدولة هما : ( )
1- مجتمع سياسي يتكون من السلطة وطبقاتها المحدثة.
2- مجتمع اجتماعي قوامه المجتمع القديم بطبقاته المفككة المفتقرة إلى وعي سياسي خاص بها وتغيرات سياسية متبلورة تمثلها، وهذا أدى إلى احتواء أكبر عدد ممكن في صفوف الدولة، وأجهزتها وإداراتها ومعاملها، لشل حركة القوى التي تهددها، وهي قوى المجتمع الحقيقية وطبقاتها العاملة، فكان الهدف هو تعطيل الطاقات الداخلية، وليس تفعيلها، زد على ذلك إخضاعها لرقابة دائمة ترصد حركاتها وسكناتها، وتبلور وعيها السلطوي المعادي لمجتمعها وترسم دورها بطريقة تخضعها في خدمة قيادة السلطة.
وبعد الحركة التصحيحية بقيادة اللواء حافظ الأسد من خلال عام 1970 ، وعد بتصحيح ما خلفة النظام السابق من مساوء لكن وعوده لم يصلها النور واستمرت الطائفية بشكل صاخب في كل أنحاء الحياة السياسية في سوريا وترافقت مع ظهور الطبيقية من خلال تزاوج المال بالسياسة ، فظهرت الطبقة العليا من جديد والتي أصبحت تمثل 3% من السكان أما الطبقة المتوسطة فأصبحت تمثل 50%، والطبقة السفلي 47%، وازدادت الفوارق الطبقية بشكل كبير( ).
ويبقى الصراع الطبقي عاملاً مهماً أثر على الاستقرار السياسي في سوريا منذ الاستقلال وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، رغم أنه في بداية كل عهد ديكتاتوري لابد أن يكون أفضل من المراحل التي تأتي بعد ذلك، فعلى سبيل المثال قام حسني الزعيم بتخفيض أسعار المواد الغذائية، ورفع رواتب العسكريين والمدنيين، لكنه ما أن استقر بالحكم حتى فرض ضرائب جديدة ووضع دخل البلاد في خدمة الجيش( ) .
وتبقى المشكلة الرئيسية للمجتمع السوري للتقليل من الهوة بين الطبقات وتقليل حدة الصراع الطبقي، بإيجاد تنمية اقتصادية حقيقية على أسس موضوعية تراعي خصوصيات المجتمع السوري، ولاشك أن تجربة الديمقراطية قد أثبتت على الدوام نجاعتها في تحقيق هذا الهدف بالرغم مما أصابها من نكسات على أيدي الديكتاتوريات العسكرية حيث سيطرت طبقة تشكل 3% من مجموع السكان على معظم موارد المجتمع، وزادت الطبقة السفلي في المجتمع إلى حدود النصف( )، وهذا ما يفسر ازدياد هجرة أفراد الشعب السوري إلى الخارج في ظل غلاء المعيشة خلال هذا الحكم إلى درجة لم يصلها أي مجتمع آخر، إضافة إلى البطالة التي وصلت إلى درجة كبيرة( ).
2- الحزبية والصراع الحزبي :
ظهرت أول حركة حزبية في سوريا عام 1883 في الكلية اليسوعية في بيروت عام 1883، ثم ظهرت جمعية الإخاء العثماني 1908 في الأستانة، ثم المنتدى الأدبي 1909 في الأستانة، ثم الجمعية العربية الفتاة، والجمعية القحطانية وجمعية بيروت الإصلاحية، ومؤتمر باريس العربي، وجمعية العهد، وكلها في العهد العثماني( )، ثم ظهرت جمعيات أخرى في العهد الفيصلي 1918 مثل جمعية العهد السورية، واللجنة الوطنية العليا، في دمشق 1918، وحزب الاتحاد السوري، وحزب الاستقلال العربي، وغيرها من الأحزاب الكثيرة الأخرى، واتسمت هذه الأحزاب أنها كانت تضم أعضاء من جميع مناطق الهلال الخصيب (سوريا الطبيعية)، وفي عهد الانتداب الفرنسي ظهرت عدة أحزاب أهمها حزب الشعب 1920، والحزب الحديدي 1922، وحزب الوحدة، والكتلة الوطنية في 26 يونيو 1926، وعصبة العمل القومي، والجبهة الوطنية المتحدة 1935، والهيئة الشعبية 1938، فكانت سوريا زاخرة بالتجارب الحزبية بشكل أكبر بكثير من أي منطقة أخرى في الشرق الأوسط، وتميزت السمات الرئيسية لهذه الأحزاب ما قبل الاستقلال، أنها كانت امتداداً للتأثيرات الفكرية التي تأثر بها المثقفون الذين تلقوا علومهم في الغرب، فبعضهم كان يمثل صيغة الديمقراطية الغربية، وأخرى كانت تمثل صيغة الديمقراطية البرجوازية وأخرى كانت تمثل الفاشية أو متأثرة بها أو بالشيوعية، أو الاشتراكية المعتدلة، فمعظمها لم يمثل الواقع الذي انطلقوا منه، بل كان ما تأثروا به هو الأساس، فكان الطابع النسبي المقلد هو الطابع الذي غلب على هذه الأحزاب، وقد مرت دول الهلال الخصيب ومنها سوريا، بموجات متزايدة من الصراع خلال هذه الفترة من متطلبات ومواقف ومصالح مختلفة، وهيمنة الطابع الإقليمي عليها، حيث ركزت على تحقيق الاستقلال السياسي ضمن حدود الدولة التي حددتها اتفاقية سايكس بيكو، لكن ظهر شعور بالتعاطف والتضامن بين الحركات الإقليمية في الدول المجاورة، إضافة إلى تنامي الشعور القومي الذي اقترن بالوعي القومي الأرستقراطي، وسيطرة الطبقة العليا في المجتمع على قيادات الأحزاب والمنظمات السياسية، رغم بروز طبقة وسطى من خلال بعض المثقفين والضباط وغيرهم، فبرز دورهم بشكل أكبر ودعوتهم للتغيير الاجتماعي في ظل إهمال الطبقة العليا لذلك، كما كان للتنوع العرقي والديني في سوريا أثراً في وجود هذه الأحزاب.
ويرى عز الدين دياب في دراسة أجراها على أحد المجتمعات السورية وهو مجتمع مدينة حماه -التي كانت أكثر المدن السورية رفداً للسياسيين والعسكريين الذين ساهموا في عدم الاستقرار في سوريا قبل انقلاب 23 فبراير- أن الحياة السياسية لأعضاء الأحزاب فيها تميزت بعدة سمات هي( ):
1- الانتماء إلى الأحزاب، كان يتم بدوافع وغايات عائلية.
2- أغلب أفراد الأسر والعائلات، كانوا يعطون أصواتهم إلى القائمة الانتخابية التي يختارها وجهاء رؤساء الأسر التي تتكون منها العائلة.
3- الصراع بين المناطق وبين العائلات له تأثير على توجيه الأصوات الانتخابية تجاه الأحزاب، بناء على آلية الصراع بين هذه الاتجاهات وموقع الأحزاب.
4- مصالح العائلات وجاهها وقوتها المعنوية تشكل الخلفية الثقافية للانتماء والولاء معاً.
5- العشائر بكاملها تساند الحزب التي ينتمي إليه المرشح، فإذا اختلف رئيس العشيرة مع رئيس الحزب، فهذا يعني أن سائر أفراد العشيرة يختلفون مع الحزب، ويبتعدون عنه، لذلك كانت تسبق الانتخابات الكثير من المساومات بين الأحزاب، وقادة العشائر في المحافظات التي تتواجد فيها العشائر.
6- الولاءات المذهبية والأثنية، كان لها دورها وتأثيرها في الانتساب للأحزاب.
7- كلما كان النظام مستبداً، كلما تكاثرت ظاهرة الانسحابات الجماعية، على أسس عائلية ومنهجية وجهوية.
8- معارضة شيخ العشيرة أو العائلة أو الحي تقود إلى معارضة العشيرة أو العائلة أو الحي وكل من يتبعها.
ويرى الباحث أن هذه العناصر تنطبق على الأقليات الدينية والمذهبية أكثر مما تنطبق على المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص، بالرغم من تأثير الوجاهة والعائلة على الحياة السياسية فيها.
وأهم الأحزاب السياسية التي ظهرت بعد الاستقلال أو كانت موجودة منذ ما قبل الاستقلال لكنها استمرت بعد الاستقلال خلال فترة الدراسة، ومدى مساهمة كل واحد منها في عدم الاستقرار السياسي في سوريا خلال مدة الدراسة:
1- الحزب الوطني:
تضمنت المادة الثانية من دستوره على توحيد الأقاليم المجزأة عن سوريا( )، وكان قد تشكل في عام 1948 برئاسة نبيه العظمة، بعد انحلال الكتلة الوطنية إلى الحزبين الرئيسيين وهما الشعب والوطن، وقد انتسب إليه معظم سياسي دمشق، دعى إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع جميع الدول على قدم المساواة، والعمل على تحرير البلاد العربية المستعمرة، وضرورة استثمار مرافق البلاد وزيادة إنتاجها مع الاستفادة من رأس المال الأجنبي والخبرة الأجنبية بحيث لا تمس مصلحة واستقلال الوطن وتقدمه، وكان أهم رموز هذا الحزب الرئيس شكري القوتلي ، ورئيس الحكومة فارس الخوري، ولطفي الحفار، وميخائيل اليان، وغيرهم وكان هذا الحزب يمثل تجار دمشق مقابل حزب الشعب الذي يمثل تجار الشمال خاصة حلب، وقد أيد الحزب تعديل الدستور لإعادة انتخاب الرئيس شكري القوتلي لفترة رئاسية جديدة( ) ، رغم أن الرئيس شكري كان يرفض ذلك، وقد اتهم حسني الزعيم عقب انقلابه بأن هذا الحزب قد فضل مصالح أعضائه على مصالح الشعب، وكان سبباً في عدم الاستقرار الحكومي، وأنه لم يحدث التنمية الاقتصادية المطلوبة في البلاد مما حذا بزعماء الحزب الوطني إلى الموافقة على الإطاحة بحسني الزعيم وتنفيذ اتحاد سوريا والعراق( ) ، حيث أصدر الحزب بعد الانقلاب الذي قام به سامي الحناوي بياناً في العاشر من سبتمبر عام 1949 جاء فيه : " أصبح ثابتاً أن سوريا ليست بمقدورها وحدها أن تقف في وجه الزعازع التي تتهددها، ولابد لها من اتحاد سليم، يضمن السيادة القومية على الوجه الأرقى"( ) ، كما أصدر الحزب قراراً بتعديل منهاج الحزب لتحقيق هذه الوحدة بغض النظر عن شكل الحكم جمهوري أم ملكي فجاء في التعديل من البيان، " يرى الحزب أن نظام الحكم الجمهوري، هو النظام الذي يلائم روح الشعب ويفي بحاجاته، وينسجم مع الأهداف القومية"( ). إلى البيان التالي : " يرى الحزب أن شكل الحكم يترك لاختيار الأمة بحسب ما ترتئ أنه من مصحتها ومصلحة الأمة العربية"( ) ، لكن بعد انقلاب الشيشكلي عام 1949 سحب الحزب تصريحه الداعي للوحدة وعاد ليؤكد إخلاصه للجمهورية( )، ثم عمل عام 1950 على التحالف مع الحزب التعاوني الاشتراكي، ضد حزب الشعب الداعي لوحدة سوريا والعراق، وقاد المظاهرات من أجل ذلك، وألقيت قنبلة في البرلمان في 26 يونيو 1950، اتهم فيها الحزب الوطني، ثم تحالف الحزب الوطني مع حزب البعث ضد حزب الشعب، الذي تشكلت حكومة من خلاله ناظم القدسي عام 1951 ، والتي كانت تدعو للوحدة مع العراق، وقد أيد قرارهم الحزب العربي الاشتراكي، الذي وصف هذه الوحدة بأنها وحدة مع الاستعمار.
وفي اجتماع رئيس الحكومة فارس الخوري وهو عضو في حزب الشعب، مع ممثلي الجامعة العربية في مصر بتاريخ 11 ديسمبر 1954، لم يوافق على إدانة حلف بغداد كما أرادت حكومة القاهرة حيث صرح فارس الخوري قائلاً: " إن الحلف العراقي إذا لم ينفعنا لن يضرنا" ، مما أثار زعماء البعث الذين وصفوا رئيس الحكومة بالعمالة للغرب، والتواطؤ مع نوري السعيد وطالبوا بمحاكمته بتهمة مخالفة الدستور من خلال عدة أمور هي( ):
1- إنكار وزير خارجيته فيضي الأتاسي وجود مقررات مدونة بمؤتمر الجامعة العربية المنعقد في نوفمبر 1954 والذي جمع وزراء الخارجية العرب.
2- إنكار إقرار المؤتمر لمبدأ التعاون مع الغرب.
3- عدم تقيد رئيس الوزراء فارس الخوري بما التزم به أمام لجنة الشؤون الخارجية بمناهضة حلف بغدد.
لكن القوتلي أعلن من منفاه في مصر عن شجبه للأحلاف الغربية والمساعدات العسكرية وحلف بغداد، واتهم حزب الشعب باستغلال الحكم على حساب الحزب الوطني، فاستغل الموقف حزب البعث الذي أغرى عضو الحزب الوطني صبري العسلي على تشكيل حكومة برئاسته، كما عمل على إثارة فتنة بين زعيمي الحزب الوطني في دمشق (صبري العسلي)، وفي حلب (ميخائيل إليان) ، لإضعاف الحزب، ثم عمل على الضغط من خلال الجيش لإسقاط حكومة فارس الخوري، وبعد الاطاحة بها، شكل الحكومة صبري العسلي متحالفاً مع كتلة المستقلين* المؤيدة لليسار في البرلمان بقيادة خالد العظم، وبسبب هذه السياسة للحزب الوطني، أعلن لطفي الحفار وبدوي الجبل وسهيل الخوري الانسحاب من الحزب الوطني، بسبب اعتراضهم على ذلك، وبعد نجاح الرئيس شكري القوتلي بالرئاسة، سلم الرئيس السابق هاشم الأتاسي مقاليد الرئاسة لشكري القوتلي، وطبقاً للتقاليد البرلمانية الدستوري، سقطت حكومة صبري العسلي مقدمة استقالتها للرئيس الجديد( ).
وتجدر الإشارة إلى أن انسحاب الزعماء الثلاث من الحزب الوطني قد ساهم في سقوط حكومة فارس الخوري، حيث استقال منها وزيرين بسبب ذلك بسبب اعتراضهم على قانون العفو العام الذي أقره البرلمان، برفض تنزيل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، لأن بعض مؤيديهم كانوا محكومين بها ( ) ، وكان عدم اشتراك حزب الأغلبية (حزب الشعب) ، في حكومة صبري العسلي في 13 فبراير 1955 قد جعلها تسقط في نفس اليوم الذي تشكلت فيه، فشكل الحكومة سعيد الغزي من أكثرية من حزب الشعب، ونالت ثقة البرلمان( )، لكن البعث شكك بها ونظم مظاهرات ضدها، واعتدي على الوزير رزق الله أنطاكي الذي كان وزيراً للاقتصاد، بحجة أن الحكومة باعت قمح لفرنسا التي تحتل الجزائر، رغم أن القمح السوري من النوع القاسي الذي أكثر ما يصلح للمعكرونة أو البسكويت، وباستطاعة فرنسا شراء غيره من دول أخرى، ثم تم الاعتداء على وزير المعارف، فسقطت حكومة سعيد الغزي، مما حذا بالرئيس شكري القوتلي إلى الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة صبري العسلي في يوليو 1956، لكنها لم تستطع تحقيق مطالب اليسار، فسقطت الحكومة، رغم أن اليمين السوري كان يشكل الأكثرية المطلقة في الشارع وفي البرلمان كون طبيعة الشعب السوري ترفض اليسار بشكل مطلق، لكن تتسم هذه الأكثرية بالجمود، بعكس اليسار الذي كان منظماً تنظيماً دقيقاً ومدعوماً من جهات خارجية، وقد كان انقسام الحزب الوطني خلال فترة حكومة فارس الخوري إلى تيارين هما:( )
1- كتلة لطفي الحفار التي تدعو للوحدة مع العراق كمخرج للأزمات السورية.
2- كتلة صبري العسلي التي تؤيد الحياد،
وفي يوليو 1956 سقطت حكومة سعد الغزي بسبب الصراع الحزبي في البرلمان بين التيار اليميني الذي يقوده لطفي الحفار، والتيار اليساري بقيادة البعث( )، فضغط البعث من خلال الجيش على عدم إتاحة الفرصة للطفي الحفار ليشكل الحكومة، فشكلها صبري العسلي وهو من الحزب الوطني ، لكنه أذعن لليسار بحيث سمح لثلاثة من اليسار بكسب حقائب مهمة هي صلاح البيطار للخارجية، وخليل كلاس للاقتصاد، وخالد العظم للدفاع، وبهذه الحكومة انتهت الحقبة الديمقراطية للجمهورية الديمقراطية الثالثة، حيث ألغيت الأحزاب بعد ذلك في عهد الوحدة، ثم عادت بعد انقلاب عبدالكريم النحلاوي، عام 1961، وشارك الحزب الوطني في تلك الحكومات، وكان مؤيداً لإلغاء الإصلاح الزراعي والتأميم، كما صرح رئيس الحزب الوطني بذلك، مما ساهم في عدم الاستقرار الحكومي بسبب تدخل اليسار ضد إلغاء الإصلاح الزراعي والتأميم، وكان لهذا التناقض بين اليمين واليسار أثراً في انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963، حيث ألغيت الأحزاب السياسية تماماً ماعدا حزب البعث الذي أصبح بعد ذلك الحزب الوحيد ثم الحزب القائد بعد الحركة التصحيحية بقيادة اللواء حافظ الأسد في 16 نوفمبر 1970.
2- حزب الشعب:
أسس في بيروت في شهر أغسطس 1948، وقد دعى في برنامجه إلى الوحدة العربية وبدايتها الوحدة مع العراق، لمجابهة التهديد الخارجي( )، وكان مؤسسي الحزب هما رشدي الكيخيا وناظم القدسي وأيضاً دعى إلى مقاومة النفوذ الأجنبي والفصل بين السلطات وعدم طغيان إحداهما على الأخرى، وضرورة التعامل بالمثل في السياسة الخارجية السورية مع استراتيجية المصلحة المتقابلة، ورفع إنتاجية العامل والفلاح وضمان حقوقهم، وتحديد الملكية وفق تدرج مستقبلي.
وقد شن الحزب في عهد القوتلي عام 1948 حملة قوية ضد الحكومة بسبب تردي أداء الجيش في حرب 1948، وطالب بالوحدة مع العراق والأردن، كما ندد بسوء استعمال السلطة، وطالب بالتحقيق في نتائج حرب 1948 مع الضباط والسياسيين السوريين، وبضرورة تخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية( )، ثم تحالف مع حزب البعث ضد نظام القوتلي حول الفساد الذي طال بعض إدارات الدولة من محسوبية ورشاوي، مثل إنفاق وزير المعارف الدكتور منير العجلاني عدة ملايين من أموال الدولة لتشكيل حزب جديد، وتلاعب الدكتور حسني سبح رئيس الجامعة السورية بأموال الجامعة( )، وتهاون الرئيس شكري القوتلي مع من سرقوا من أموال الإعاشة (التموين) والميرة والدفاع، وعلى هذا الأساس أيد الحزب انقلاب حسني الزعيم( ) ، خاصة بعد أن أبدى حسني الزعيم الرغبة للتقارب مع العراق في بداية عهده، كما عمل الحزب على العمل لإسقاط حكومة جميل مردم بك عام 1946، حيث وقع 65 نائباً في البرلمان على وثيقة لإسقاطها، لكن لم تستطع تحقيق الأغلبية المطلوبة وهو الثلثين، مما أدى إلى فشل المحاولة( ).
لكن بعد أن عمل حسني الزعيم على الابتعاد عن العراق، عمد حزب الشعب إلى التلاقي مع النظام العراقي لتشكيل حكومة مؤقتة يكون مقرها العراق ضد حسني الزعيم، وقد لاقى هذا الموقف تأييد عدداً من ضباط الجيش خاصة بعد أن نشط اليسار ضد حسني الزعيم( )، بعد أن فشلت كل محاولات حزب الشعب لدعوة حسني الزعيم إلى إعادة الأمور إلى سابق عهدها، وانسحاب الجيش إلى ثكناته، والذي كان بنتيجته أن أبعد حسني الزعيم حزب الشعب عن الحياة السياسية، حيث استقال عضو حزب الشعب فيضي الأتاسي من حكومة حسني الزعيم بعد ثلاثة أيام من تشكيلها( )، كل هذه الأمور جعلت الحزب يتعاون مع سامي الحناوي من أجل الوحدة مع العراق، كونه يعتبر أن العراق هو العمق الإستراتيجي لسوريا، وكون حزب الشعب كان يمثل المصالح التجارية الحلبية والشمالية، وإن فصل سوريا عن العراق قد أقام الحواجز التجارية والحدود السياسية التي خنقت سوريا، إضافة لمواجهة التهديدات الخارجية( )، وكان يرى رئيس حزب الشعب رشدي الكيخيا، أن المعاهدة العراقية البريطانية لا تمنع قيام الاتحاد بين سوريا والعراق( )، وبعد تشكيل حكومة هاشم الأتاسي ثم ناظم القدسي عام 1949، وتحديد موعد إقرار بيان الوحدة مع العراق، قام الشيشكلي ليلة يوم التصويت بانقلابه عام 1949، فسقطت حكومة ناظم القدسي، وكان سقوط سامي الحناوي من قيادة الجيش، قد جعل لجيش بقيادة الشيشكلي/ من وراء الستار/ ضد الوحدة مع العراق ، وبسبب ضعف الحكومة أمام الجيش اقترح رئيس الحكومة ناظم القدسي، مشروعاً قدمه للجامعة العربية كان الغرض منه إقامة اتحاد شامل بين الدول العربية، من خلال تطوير نظام جامعة الدول العربية، تمهيداً لاتحاد فعلي بينها( )، وكان من أسباب تقديمه لهذا المشروع أن قادة حزب الشعب كانت لهم آراء مختلفة حول مشروع الهلال الخصيب، فكان زعيمي الحزب على خلاف بإستراتيجية الوحدة مع العراق ، حيث رأى رشدي الكيخيا أن شكل الحكم لا يهم لأن الوحدة أهم، بينما رأى ناظم القدسي ضرورة عدم التضحية بالنظام الجمهوري، مؤكداً على اتحاد جمركي بين البلدين وبرلمان فيدرالي يمثل البلدين( ).
كما عمل حزب الشعب من خلال وزير الخارجية فيضي الأتاسي الذي كان عضواً في حكومة حسن الحكيم، لإسقاط الحكومة، وذلك بالتعاون مع رئيس البرلمان آنذاك ناظم القدسي، كون حزب الشعب هو حزب الأغلبية بعد سقوط شكري القوتلي 1949 وحتى سقوط ناظم القدسي عام 1963، فعمل الحزب على التنديد بالمذكرة التي قدمها قناصل الدول الغربية حول مشروع الدفاع الشرق أوسطي فلم يتح المجال لرئيس الحكومة حسن الحكيم على الرد، كما لم يعرضها وزير الخارجية على الحكومة قبل ذلك لمناقشتها، واتهم رئيس الحكومة أنه يؤيد ضمنياً المذكرة، مما حذا برئيس الحكومة إلى الاستقالة، فحدثت أزمة حكومية استمرت تسعة عشر يوماً، حيث نظم حزب الشعب المظاهرات بالتعاون مع اليسار، فاستقال رشاد برمدا عضو حزب الشعب ووزير الداخلية بسبب تدخل الجيش، ثم اتخذ الحزب في اجتماعه بتاريخ 12 نوفمبر 1950، عدة قرارات هي( ):
1- الموافقة على استقالة وزير الداخلية.
2- الموافقة على استلام الحكم وتحمل مسؤولية السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.
3- العمل على البدء باستلام الحكم وتطبيق الدستور نصاً وروحاً.
4- إذا لم يستقل رئيس الحكومة (نهائياً) في موعد أقصاه ظهر ذلك اليوم، يدعو حزب الشعب وزرائه الأربعة للاستقالة.
مما أضطر رئيس الحكومة أن يستقيل بعد الأزمة الحكومية، وكان قبل ذلك قد ساهم حزب الشعب في إسقاط حكومة خالد العظم عام 1950، بعد أن استقال وزير الخارجية فيضي الأتاسي، بسبب عدم التجانس في الحكومة، إضافة إلى تسرب آراء الحكومة وقراراتها إلى الصحف قبل إقرارها( ) ، ثم اتهمتها بالرضى عن النشاط الاستعماري الذي يقوم به بنك سوريا المرتبط بفرنسا، وبتشجيع استغلال الشعب السوري من قبل المستثمرين، ثم عمل على حث 175 ألف موظف حكومي للمطالبة بزيادة أجورهم ورفع مستوى معيشتهم، فتوقفت الاتصالات السلكية واللاسلكية، وانفصلت سوريا عن العالم الخارجي( ).
وعلى إثر سقوط حكومة حسن الحكيم في نوفمبر 1951 كلف الرئيس هاشم الأتاسي، عضو حزب الشعب معروف الدواليبي، بتشكيل الحكومة ونتيجة مواقف هذه الحكومة، قام الشيشكلي بانقلابه عام 1951 وعمل على اعتقال ناظم القدسي في 20 يناير 1952، بعد أن اعتقل معروف الدواليبي، وأعضاء الحكومة، وحل البرلمان( )، وبما أن حزب الشعب يمثل الأغلبية فله تيار شعبي لا يضاهيه به أي حزب آخر ، فرغم أن الشيشكلي حل الأحزاب إلا أنها أصبحت تعمل في الخفاء، حيث اشترك حزب الشعب في 20 يوليو 1963 مع رؤساء الأحزاب وكبار المستقلين، بتقديم بيان إلى الرئيس أديب الشيشكلي بدعوته لإطلاق الحريات وإقامة حياة دستورية في البلاد، ثم عقد مؤتمر حمص في 4 يوليو 1953 برئاسة هاشم الأتاسي( ) ، ضم جميع سياسيي البلاد البارزين، من أجل تلك الأهداف، وأعلن الجميع عدم شرعية انتخاب الشيشكلي ووقعوا بياناً حول ذلك، وعلى إثر ذلك اندلعت المظاهرات الطلابية في المدن السورية، ووزعت المنشورات، وصدرت بيانات تدين التظلم، مما حذا بالشيشكلي في 27 يناير 1954 أن يقوم باعتقالات عديدة شملت أعضاء حزب الشعب، وأهمهم رشدي الكيخيا، والدكتور ناظم القدسي، وفيضي الأتاسي، والدكتورعدنان الأتاسي، ....... وسياسيي الأحزاب الأخرى، ومنهم صبري العسلي، وصلاح البيطار، ميشيل عفلق، وأكرم الحوراني، وحسن الأطرش، والدكتور مصطفى السباعي، ...... وكان الشيشكلي منذ انقلابه الثاني 1951 يتهم حزب الأغلبية المطلقة (الشعب)، أنه المسؤول عن عدم الاستقرار الحكومي والأزمات الوزارية، وأنه لا يمثل الشعب، وأن هدفه القضاء على استقلال سوريا بضمها للعراق، وتحطيم جيشها، بانشاء عرش جديد فيها( )، فكان عداء حزب الشعب للشيشكلي ومعارضة حكمه من أهم الأسباب في سقوط الشيشكلي، خاصة أن من قادة الانقلاب كان فيصل الأتاسي وهو قائد المنطقة الوسطى وقريب للرئيس هاشم الأتاسي وعضواً في حزب الشعب، إضافة لآخرين في المناطق الأخرى، زد على ذلك أن الشيشكلي اتصف بعدائه للتقارب مع العراق بشتى السبل.
وبعد سقوط الشيشكلي عام 1954 حاول عضو حزب الشعب ووزير الدفاع معروف الدواليبي في حكومة صبري العسلي 1954، إبعاد الجيش عن التدخل في السياسة، لكن البعث استخدم نفوذه في الجيش لمنع ذلك، حيث نظم الإضرابات والمظاهرات الطلابية والعمالية والفلاحية، وأصبح يسيء للمسؤولين السياسيين، ويتدخل في وزارة التموين والإعاشة، فسقطت الحكومة في يونيو 1954( ) ، كما كان سقوط حكومة فارس الخوري بعد ذلك بسبب عدم قدرتها على التوفيق بين الحزبين الرئيسين الوطني والشعب، وخلافاتها مع اليسار( )، مما حذا برئيس حزب الشعب رشدي الكيخيا أن ينقد تصرفات حزب البعث على أساس أنه اكتسب قوته ونفوذه من خلال الجيش، وقد عمل السفير المصري، محمود رياض على إقناع رشدي الكيخيا بلقاء الرئيس عبدالناصر من أجل الوحدة السورية المصرية، كون رشدي الكيخيا ذو ميول قومية وحدوية، وقد أيد في البرلمان الوحدة مع مصر( )، وبعد الوحدة ألغيت جميع الأحزاب السياسية، لكن ظل أعضاء حزب الشعب مؤمنين بمبادئه، حيث أنهم بعد الانفصال عن دولة الوحدة من خلال انقلاب النحلاوي عام 1961، وقيام حكم ما بعد الوحدة، ترشح للرئاسة ناظم القدسي، وكسب حزب الشعب مرة أخرى أغلبية الأصوات في البرلمان الجديد، وقد عمل حزب الشعب على محاولة إلغاء إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي، خاصة أنه ظل يمثل التيار المسيطر، لكن بسبب الدعاية المصرية واليسارية لهذه الإجراءات، قبلت الحكومات وآخرها حكومة خالد العظم بهذه الإجراءات، مقابل التعويض العادل، كما ظل الحزب محافظاً على منهجه في الوحدة مع العراق، خاصة بعد اللقاء بين الرئيسين ناظم القدسي وعبدالكريم قاسم، ومحاولة إحياء مشروعا لهلال الخصيب، لكن كان انقلاب 8 مارس 1963 قد فتت جميع الآمال والمشاريع التي كان يسعى إليها حزب الشعب، بعد أن ألغيت الحياة الحزبية في البلاد في ظل سيطرة نظام الحزب الواحد المدعوم بالجيش.

3- حزب الإخوان المسلمين والجبهة الإسلامية:
أسسه الشيخ حسن البنا في مصر عام 1928، وقد دعى إلى العودة لمصادر الإسلام الأساسية ومعاداة المذاهب الأجنبية الأصل، وخاصة الشيوعية وأهم أهدافه هي( ) :
- شرح دعوة القرآن الكريم وعرضها بما يوافق روح العصر.
- تقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية كافة وحسم الخلافات بينها.
- العمل على إقامة الدولة الإسلامية وفقاً لأحكام الإسلام
- المشاركة في بناء الحضارة الإنسانية والسلام العالمي ومناصرة التعاون العالمي.
- العمل لتحرير المسلمين من النفوذ الأجنبي.
- المشاركة في بناء الحضارة الإنسانية والسلام العالمي ومناصرة التعاون العالمي.
- العمل لتحرير المسلمين من النفوذ الأجنبي.
وقد انتقلت دعوتهم إلى سوريا عن طريق الدكتور مصطفى السباعي عام 1932 وحددت أهدافها في سوريا عام 1947 بـ :
- تحرير الأمة العربية وتوحيدها والحفاظ على عقيدتها الإسلامية.
- إصلاح المجتمع ومحاربة التفرقة بين الطوائف والأديان.
- إصلاح جهاز الدولة بتنفيذ القوانين دون محاباة.
وقد عمل الحزب على النضال ضد الانتداب الفرنسي، وشكل في حرب فلسطين كتائب الإخوان، كما اعتقلت السلطات الفرنسية مصطفى السباعي عدة مرات ( ) ، وكان من أعضائه البارزين الدكتور معروف الدواليبي الذي تولى الحكومة عدة مرات، وتعتبر دعواتهم هذه رداً على الدعاوي اليهودية الإسرائيلية التي تؤكد أنه لا يوجد في العرف العبري اختلاف بين الأمة والدين حيث الأمة والدين والعقيدة شيئاً واحداً( ) ، كما أكد ذلك ديفيد بن غوريون بقوله: " إن على إسرائيل أن تتمسك بمبادئ أنبياء العبرانيين القدماء"( ) ، وقد أثارحسني الزعيم لدى انقلابه استياء حزب الإخوان، من خلال دعوته إلى حل ممتلكات الأوقاف، وخيانته لأنطون سعادة التي اعتبرها الحزب لا تتوافق مع تقاليد الإسلام وأخلاقه( )، رغم أن وزير الخارجية في عهد حسني الزعيم وهو الأمير عادل أرسلان قد أيد التيار الإسلامي وخاصة جمعية شباب محمد، وهي فرع من الحزب، باعتبارها تعمل لمصلحة الوطن وعادى الشيوعية التي اعتبرها ضد القومية العربية ودعوة طارئة في المجتمع السوري( )، وبسبب مواقف حسني الزعيم العلمانية المتطرفة، أيد حزب الإخوان انقلاب سامي الحناوي عام 1949، وبنتيجة خلافات الحزب مع الحوراني، استقال الحوراني من حكومة هاشم الأتاسي عام 1949، وبعد الانقلاب الأول للشيشكلي 1949 اشترك الحزب الذي التحم مع الجمعيات الإسلامية مكوناً ما سمي بالجبهة الإسلامية الاشتراكية بزعامة محمد المبارك الذي أصبح وزيراً للزراعة في حكومة حسن الحكيم عام 1950( )، ودعى إلى المظاهرات ضد الحكومة احتجاجاً على مذكرة الدول الغربية التي قدمت إلى مصر حول مشروع الدفاع الشرق أوسطي( )، وفي 12 مارس 1950 صرح الدكتور معروف الدواليبي بتصريح يدعو للابتعاد عن الغرب لتأييده إسرائيل ضد العرب فقال في ذلك : " نعتزم التوجه إلى المعسكر الشرقي، إذا لم ينصفنا الديمقراطيون ...... ونجيب الذين يقولون، إن المعسكر الشرقي هو عدونا،متى كان المعسكر الغربي صديقاً لنا، إننا سنربط أنفسنا بروسيا ولو كانت الشيطان نفسه"( ).
وقد وقف الإخوان المسلمين ضد ديكتاتورية الشيشكلي، وشاركوا في مؤتمر حمص 1953، واعتقل العديد من قيادييهم، وعقب تنازل الرئيس أديب الشيشكلي عن الرئاسة وتولي مأمون الكزبري، تدخلوا ضد النظام الجديد ودخلوا البرلمان وأجبروا رئيس البرلمان سعيد إسحق على حل البرلمان، وهاجموا الإذاعة، فكانت مساهمتهم فعالة في الإطاحة بنظام الشيشكلي.
وإثر محاولة اغتيال عبدالناصر عام 1954، واتهام جماعة الإخوان المسلمين في مصر بذلك، واضطهادهم، لجأ بعضهم إلى سوريا وعقدوا مؤتمراً ضم مندوبين عن العراق والأردن والسودان، لمقاومة سياسة عبدالناصر، وعبروا عن ذلك في صحيفتهم المنار التي كانت لها عدة فروع، كما أدت أحكام الإعدام التي أصدرها عبدالناصر بحق المتهمين ومنهم زعيم حزب الإخوان في مصر حسن الهضيبي، إلى اندلاع المظاهرات في كل أنحاء سوريا وقد اشترك حزب البعث فيها، لكن أكد الدكتور مصطفى السباعي أن البعث لم يكن مخلصاً في موقفه، وإنما أراد أن يركب الموجة الشعبية فقط، والدليل على ذلك أن أكرم الحوراني كان يعتبر الحركات الدينية هي معادية للشعب وحليفة للاستعمار ويجب تحطيمها بكل السبل( ).
واشترك الحزب في الانتخابات البرلمانية عام1954، وحصل على عدد من المقاعد في البرلمان، وكان يضم بين أعضائه، عدداً من الأقليات منها المسيحيين الذين ترشحوا باسم الحزب مثل رزق الهم أنطاكي، ذو التاريخ النضالي الكبير، وهو من الطائفية الأرثوذكسية الأرمنية، لكنهم وقفوا موقفاً محايداً من الوحدة ومن الانفصال( ) ، وظل التيار الإسلامي على مدار تاريخ سوريا ذو شعبية واسعة ( ).
وقد تحالف الإخوان فيما بعد مع المقدم عبدالكريم النحلاوي ذي الميول الإخوانية حيث مهد لهم الطريق للمنافسة على الحكم بعد الانفصال ، من خلال الانتخابات النيابية ، حيث وصل بعضهم إليها في انتخابات 1961( )، حتى أن بعض المناطق المسيحية كانت تصوت لصالح الإخوان، لكن ظل حزب الاشتراكيين العرب وهم جماعة الحوراني الذين انفصلوا عن حزب البعث قد تأثروا بسبب ذلك ، فحدثت اشتباكات بين حزب الإخوان وحزب الاشتراكيين العرب( )، وفي أعقاب انقلاب البعث العراقي في 8 فبراير 1963 استقال الوزراء الإخوان من حكومة خالد العظم بعد أن استقال الوزراء الاشتراكيون ، حيث اشترط الرئيس ناظم القدسي لقبول استقالة الاشتراكيين أن يستقبل الإخوان لتبقى الحكومة حيادية( )، مما أثار الإخوان ضد نظام القدسي، وأيدوا انقلاب النحلاوي الثالث عام 1963، ثم أيدوا انقلاب 8 مارس 1963، مما جعل الرئيس لؤي الأتاسي أن يسمح لجريدة الإخوان (المنار)، بمتابعة الصدور، رغم إلغائه لكافة صحف الأحزاب الأخرى، إضافة للأحزاب ماعدا حزب الإخوان المسلمين، وعلى إثر التوجهات الإلحادية التي بدأ يطلقها النظام خاصة بعد انقلاب جاسم علوان في 18 يوليو 1963 وسيطرة البعث على مقاليد السلطة، حيث بدأ نظام أمين الحافظ يهاجم حزب الإخوان ويعتبره ضد الوحدة العربية وأنه يثير التعصب الديني والطائفية( )، رغم أن العكس هو الصحيح حيث أن صلاح جديد ومحمد عمران أصبحا يستغلان حزب البعث من أجل طائفتهم متحالفين في ذلك مع الأقليات الدينية والطائفية الأخرى لجعلها حصان طروادة يتمكنوا من خلالها للوصول للسلطة، وبسبب ازدراء البعض للمشاعر الإسلامية عام 1964 تدخل حزب الإخوان في حماه ضد نظام أمين الحافظ ( ) ، مما حذا بالنظام إلى ضرب المدينة من خلال الحرس القومي بقيادة حمد عبيد وعزت جديد شقيق صلاح جديد باعتباره رمزاً من رموز الطائفية في سوريا، وعلى إثر أحداث حماه بلغت حصيلة القتلى 40 شخصاً من جماعة مروان حديد، وفي 22 ديسمبر 1965 أعلنت مساجد دمشق رفضها لإجراءات التأميم ودعت للجهاد المقدس ضد النظام ، وبدأ تنظيم طلائع محمد التي يشرف عليها الإخوان المسلمين، وأعلن تجار دمشق الإضراب على إجراءات التأميم تضامناً مع طلائع محمد، مما حذا بالنظام إلى تنظيم مظاهرات اشترك فيها الشيوعيون، ثم قام باعتقالات ضد التجار وتأميم جميع أسواق ومكاتب وشركات التجار الخارجية( ).
وحدث التمييز الطائفي منذ انقلاب صلاح جديد عام 1966( )، رغم أن المجتمع السوري لم يعرف قبل ذلك على الإطلاق حركات إسلامية لم تعترف بالأقليات ولا توافق على منحهم حقوق سياسية ومدنية كثيرة مثلهم مثل الأكثرية، ولا أدل على ذلك، أن أحد رموز الوطنية في سوريا والذي وصل إلى رئاسة الحكومة وهو فارس الخوري الذي ينتمي للمسيحيين أكثر من أي مسؤول آخر، والأمير عادل أرسلان، وهو من الطائفة الدرزية، الذي عهدت له رئاسة الوزراء، وأيضاً عبدالكريم زهر الدين الذي كان قائداً لأركان الجيش السوري وغيرهم من الأقليات، لكن الاضطهاد الذي أصاب الأكثرية السنية في ظل حكم صلاح جديد، جعل أحد قادة حزب الإخوان وهو سعيد حوى يطالب بتنحيتهم عن كل وظائف الدولة في سوريا وهذا ما جعله يجنح إلى الطائفية رداً على طائفية صلاح جديد.

4- الحزب الشيوعي:
كان للشيوعيين الفرنسيين دور كبير في وصول الأفكار الشيوعية إلى سوريا، خلال فترة الانتداب التي تشكل خلالها هذا الحزب في سوريا ولبنان تحت راية حزب واحد، وذلك بعد اندماج حزب سبارتاكوس الذي تشكل عام 1925 وكان حزباً معظمه من الأرمن، مع حزب الشعب اللبناني، فشكلا الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان عام 1928، وكان أول رئيس لهذا الحزب هو فؤاد الشمالي ثم أصبح في عام 1932، خالد بكداش زعيماً لهذا الحزب بعمر لا يتجاوز العشرين سنة( )، وكان شعاره الحرية والخبز، وكان قد تحالف مع الحزب الشيوعي للمستوطنين اليهود في فلسطين، ثم وقف ضد المحور في الحرب العالمية الثانية بعد قرار هتلر باجتياح روسيا عام 1941، لكنه ظل على مدار وجوده في سوريا بعيداً عن صميم الشعب السوري، وقد انشق هذا الحزب إلى جزأين بعد استقلال سوريا ولبنان عام 1943، إحداهما في سوريا والآخر في لبنان( ).
وحدد أهدافه في سوريا بـ ( ) :
1- العمل لاستقلال وسيادة سوريا التامة وتحريرها الكامل.
2- المحافظة على نظامها الجمهوري الديمقراطي.
3- التضامن مع البلاد العربية لاستكمال تحررها وتوثيق الروابط بينها.
4- بسط السيادة الوطنية على المؤسسات الأجنبية.
5- تأمين الحريات الديمقراطية.
6- رفع مستوى البلاد الاقتصادي بحماية المنتجين.
7- معالجة البطالة وحماية العمال بوضع تشريع خاص بهم.
8- تحرير الفلاح من البؤس وتوزيع الضرائب توزيعاً عادلاً.
واتسم الحزب بعدائه للحزب القومي السوري حيث وصفه بالفاشية وبالتعاون مع النازية، وقد حدث تصادم بينهما في 2 نوفمبر 1945، كما اتسم أيضاً بالعداوة لحزب الإخوان المسلمين حيث اتهمه بالعمالة للإنكليز( ) ، كما عمل على التنسيق مع الحزب الكردي الديمقراطي البارتي الذي أسسه الملا مصطفى البرازي في روسيا علم 1945، وأنشأ له فروعاً في سوريا والعراق وتركيا وإيران، وأخذ ينشر المطبوعات والمجلات الخاصة، وقد نصت المادة 21 من حزب البارتي بما يلي : " السعي لمساندة إخواننا الأكراد أينما كانوا في نضالهم من أجل استكمال حرياتهم وحقوقهم القومية ...." ( ) كما أكد أنهم لا يسعون لأي تقارب مع العرب سوى بقدر التقارب مع الأقليات الأخرى، وهذا ما يفسر تقارب الحزب الشيوعي السوري مع تيار صلاح جديد وخاصة بعد استيلائه على الحكم في فبراير 1966، بالرغم من أن البيان الشيوعي عام 1848 ينص على " إن الدستور والأخلاق والدين، كلها خديعة برجوازية وهي تتستر وراءها من أجل مطامعها"( )، وعلى هذا الأساس أصبح لهم /في عهد صلاح جديد ونور الدين الأتاسي/.
وقد ندد الرئيس حسني الزعيم بالشيوعية واعتبرها مناهضة للقومية العربية حيث قال في ذلك :" إننا قوميون قبل كل شيء "( ) مما حذا بالشيوعيين إلى توزيع منشورات لإسقاط حكم حسني الزعيم، فرد النظام على ذلك باعتقال المئات منهم، وفي أعقاب انقلاب سامي الحناوي وزع الحزب في أكتوبر 1949 منشورات ضد الوحدة بين سوريا والعراق جاء فيها: " يسقط مخطط الوحدة السورية العراقية، مخطط عملاء الإمبريالية ومخطط العبودية والحرب"( ) ، وقد أيد الحوراني ذلك فشن حملة في اللجنة التأسيسية ضد وحدة سوريا والعراق.
ثم نشط الحزب في أعقاب انقلاب أديب الشيشكلي عام 1949 ثم عام 1951 فأخذ يصدر صحيفة نضال الجماهير بشكل سري، ويوزعها على أعضائه، الذين سماهم أنصار السلام، ثم أخذ يصدر صحيفة السلام، وقد عارضوا زيارة وزير المستعمرات البريطانية الجنرال بريان روبرتسون إلى سوريا، وقاموا بتنظيم مظاهرات ضد ذلك، ثم قاموا بتنظيم مظاهرات ضد تقارب حكومة خالد العظم مع الولايات المتحدة الأمريكية، فسقطت الحكومة ( ) ، ثم انضموا إلى مؤتمر حمص للإطاحة بالشيشكلي عام 1953، وشاركوا مع الإخوان المسلمين في مهاجمة البرلمان عقب تولي مأمون الكزبري لمنصب الرئاسة بعد تنازل الرئيس أديب الشيشكلي عنها في 25 فبراير 1954، كما هاجموا معهم الإذاعة، وبالتالي في إسقاط نظام الشيشكلي، وبذلك أصبحت لهم قوة كبيرة بعد سقوط الشيشكلي، رغم أنه كاد ينتهي عام 1947، عندما أيد تقسيم فلسطين ، حيث أثار الرأي العام ضده، فقامت مظاهرات ضده وهاجمت مكاتبه، وهرب بكداش إلى خارج البلاد، وتفسير ذلك أنه يستمد أوامره من الحزب الشيوعي السوفياتي بما يعرف بالشيوعية العالمية (الكومترن).
وقد ظل هذا الحزب حليفاً قوياً لحزب البعث منذ عام 1947 وحتى عام 1957 حث أخذ البعث يبتعد عنه في بداية عام 1958، بنتيجة ازدياد قوة الشيوعيين في سوريا، خاصة بعد أن استغل مع حزب البعث، مقتل عدنان المالكي، والمساهمة الجدية في تصفية الحزب القومي السوري في البرلمان والشارع، بعد صعود أول نائب شيوعي في الشرق الأوسط إلى البرلمان عقب انتخابات 1954 في سوريا، وأخذ يصدر صحيفة النور، وكانت فترته الذهبية بين 1957 وبين 1958، حيث ارتبطت سوريا بالاتحاد السوفياتي بشكل كبير وكان من المقرر أن تجري الانتخابات البلدية في خريف 1957( ) ، ومن المؤكد أن يسيطر عليها الشيوعيون، لكن البعث أخذ يؤجلها أسبوعاً وراء آخر، حتى ألغيت أواخر عام 1957، كما كان الشيوعيون يضغطون لحل البرلمان القائم وانتخاب برلمان جديد في ربيع 1958، بحيث يسيطرون على مقاعده، قبل انتهاء مدة البرلمان القديم بعدة شهور، على أساس أن بعض النواب تركوا البرلمان بنتيجة تورطهم في المؤامرات المختلفة، لكن هدفهم الخفي كان وصولهم للسلطة عن طريق البرلمان، رغم تظاهرهم بالقومية والوطنية والدعوة للانتقام للمالكي، إضافة إلى اثارتهم للمشكلات التافهة، في طريقهم لإرباك البرلمان وحله، مثل اتهام خالد بكداش الحكومة في جلسة 29 مايو 1957 من أن موازنة الدولة لعام 1957 تمثل مصالح الاستعمار، فكان التحالف البعثي الشيوعي سبباً لانهيار كثير من الحكومات في فترة ما بعد الشيشكلي وحتى الوحدة مع مصر عام 1958( ) ، وفي ذلك يقول خالد بكداش عام 1956 "نحن الشيوعيون نمد أيدينا لكل الأحزاب والتيارات السياسية وبشكل خاص حزب البعث "( ).
وفي إطار التحرك الشيوعي في سوريا والشرق الأوسط عموماً رأى وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دلاس ما يلي : ( )
1- إنعاش مفهوم منظمة الدفاع الشرق أوسطي القديم.
2- تسخير عبدالناصر لصالح الغرب من خلال جعله قائد للوطن العربي ولو بشكل نظري، لوقف التوسع الشيوعي وذلك باعطائه الحوافز المادية والمساعدات.
وكانت استراتيجيتهم في ذلك استغلال أخطاء النظام المصري إضافة لعملائهم في مجلس قيادة الثورة المصري، وهذا ما يفسر التدخل المؤيد مع بعض العناصر المشبوهة وخاصة عناصر من حزب البعث الذين ارتبط بعضهم بعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الاختراق الأمريكي الكبير لمجلس قيادة الثورة المصري، فخلال هذه الفترة وجد البعث نفسه على مفترق طرق هي: ( )
1- الاستسلام للشيوعية وأن تصبح سوريا دولة تدور في فلك السوفييت.
2- الاستسلام لحزب الأغلبية وهو حزب الشعب الذي سيجرها للوحدة مع العراق، وهذا لا يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية ولا مع الاستراتيجية المصرية، إضافة لتخوف عناصر حزب البعث من فقدان مراكزهم في الجيش والدولة، فكان انقلاب اللواء عفيف البرزي بدعم البعث من أجل الوحدة مع مصر، رغم رفض الحزب الشيوعي لهذه الوحدة، حيث تغيب خالد بكداش عن حضور جلسة البرلمان لتأييد الوحدة عام 1958، وسافر خالد بكداش إلى خارج البلاد معلناً رفضه حل الحزب الشيوعي بعد اشتراط عبدالناصر حل جميع الأحزاب ثم صرح بكداش في ذلك : " إننا نرحب بالوحدة، إذا ضمنت حرية الأحزاب، ونلعنها إذا خنقت حريتها في سوريا كما خنقتها في مصر"( ).
وفي ظل الوحدة أصبح أي نقد للنظام ممنوع، وسيؤدي بصاحبه إلى الاتهام بالشيوعية، فعندما قام قائد الجيش الأول الفريق عفيف البرزي بإجراء بعض التنقلات، اتهم أنه شيوعي وأن هدفه تعيين الموالين له ذوي الميول الشيوعية( ) ، وعندما انتقد وزير الصحة في الحكومة المركزية بشير العظمة الحكومة التي جعلت تكاليف الإقليم السوري بالنسبة للجيش أعلى بعدة أضعاف من ميزانية الإقليم المصري، اتهم بالشيوعية أيضاً، وغيرهم من المسؤولين السوريين، كما أنشأ عبدالحميد السراج في الإقليم السوري جهاز مخابرات لمكافحة الحزبية والحزبيين في كل أنحاء سوريا، ثم ابتدأ بالشيوعيين، فاعتقل المئات منهم، وعذب الشيوعيين بشكل كبير ومات بعضهم تحت التعذيب، وأذيب بعضهم بالأسيد، مثل زعيم الحزب الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو، إضافة إلى بعض اليساريين مثل بيير شدرفيان وهو أرمني من حلب، وهذا ما أثار الرأي العام في سوريا( ) ، وقد اشتد النظام ضدهم بعد خطاب خالد بكداش في بكين بتاريخ 28 سبتمبر 1959 بمناسبة العيد العاشر للثورة الصينية، حيث تهجم على نظام حكم الوحدة بديكتاتوريته وتعسفه وتأثيره السلبي على اقتصاد سوريا في جميع المجالات ، حيث قال في ذلك:
" إن شعب الجمهورية العربية المتحدة، يقاسي اليوم نظاماً ديكتاتورياً إرهابياً، تطبق فيه الأساليب الفاشية ضد جميع القوى الوطنية الديمقراطية، إن في سجون مصر وسوريا اليوم ألوفاً من المواطنين من شيوعيين وديمقراطيين، وشباب، يقاسون ألوان التعذيب الوحشي، ومن بينهم المواطن العربي أمين اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني الرفيق فرج الله الحلو، الذي اختطفته المباحث في دمشق، إن السياسة التي طبقتها طغمة بنك مصر في سوريا منذ الوحدة، أدت إلى خراب الاقتصاد السوري وهبوط الإنتاج الزراعي والصناعي وركود التجارة وانتشار البطالة، وغلاء المعيشة، وتعاني سوريا اليوم نظاماً من الاستبداد والفوضى لم تعرفه في كل تاريخها الحديث، وهذا الذي يجري في سوريا اليوم يريد عبدالناصر تطبيقه في العراق ولبنان، وسائر البلدان العربية، ولكن مصير هذه السياسة هو الفشل المحتوم" ( ).

وبعد سقوط نظام الوحدة عقب انقلاب النحلاوي عام 1961، حاول الحزب الشيوعي استعادة مركزه في الجيش والحياة السياسية، لكن معاداة قائد الانقلاب للشيوعية، جعلته لا يقوى على المنافسة، ولم يستطع الفوز بأي مقعد في انتخابات 1961، لكن في نفس الوقت عمل الشيوعيون على تأييد التيار الاشتراكي المعادي لإلغاء إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي، كما ساهموا بعدم استقرار النظام بتوزيعهم للمنشورات وإثارتهم للمظاهرات في ظل حرية التعبير التي سادت خلال فترة حكم الرئيس ناظم القدسي، لكنهم وإن كانوا قد أيدوا حزب البعث بعد استيلائه على الحكم خاصة بعد فشل انقلاب جاسم علوان في يوليو 1963، من خلال إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي، حيث اتهموا زعماء حزب البعث في سوريا والعراق بالعمالة للاستعمار، فيؤكد منشور سري للحزب الشيوعي في يناير 1964 على ذلك بقوله: " إن سياسة البعث في سوريا والعراق لم تكن إلا سياسة مدروسة رسمها وخططها عملاء للاستعمار مندسون في قيادة البعث أمثال ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وعلي صالح السعدي وزمرتهم"( ) .
وكما ذكر سابقاً أخذ نظام الأتاسي/جديد يتقارب مع الحزب الشيوعي والاتحاد السوفياتي مستغلاً الأيديولوجية الماركسية، لتثبيت الطائفية في البلاد من خلال إضعاف أي نزعة مذهبية أو عرقية سوى الطائفة النصيرية في الخفاء، وأصبح إشراكهم في الحكم كبيراً، حيث يؤكد الرئيس أمين الحافظ أن صلاح جديد، كان وراءه الشيوعية السوفياتية( )، وأن الحكم الذي ساد بعد سقوط نظام أمين الحافظ كان باتفاق المعسكرين على رأس وعناصر تلك الأنظمة.

5- الحزب القومي السوري :
أسسه أنطون سعادة في بيروت عام 1932، وطالب باستقلال سوريا ووحدة أجزائها المنفصلة، وهي العراق والأردن ولبنان وفلسطين وشبه جزيرة سيناء وقبرص( ) ، إضافة للأجزاء المغتصبة من قبل تركيا وإيران، وذلك تحت راية واحدة هي راية الأمة السورية، وإلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمال، وصيانة مصلحة الأمة والدولة، وإعداد جش قوي يكون ذو قوة في تقرير مصير الأمة والوطن وإيجاد نهضة قوية تكفل تحقيق مبادئه وتؤدي إلى الاستقلال مع إيجاد جبهة عربية واحدة، وقد استمد الكثير من الأحزاب السورية من برنامج وأهداف هذا الحزب في دساتيرهم مثل حزب الشباب الذي أسسه عثمان الحوراني أيضاً ، حزب العربي الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني عام 1951، بعد أن انفصل عن الحزب القومي السوري عام 1949 عقب انقلاب سامي الحناوي، وتأييده للوحدة مع العراق، حيث وقف الحوراني سداً منيعاً ضد الوحدة مع العراق، والدليل على ذلك أن الحوراني كان حتى 1949 يعمل ضمن أهداف الحزب القومي السوري ، فكان يثير على الدوام قضية لواء الإسكندرونة، ووحدة سوريا الطبيعية، وقد اتهم الحكومة عام 1949 بالتقصير في قضية لواء الإسكندرونة، وأنها قد تخاذلت في حرب فلسطين، كما أنه طالب في البرلمان إبان التصويت للموافقة على جامعة الدول العربية عام 1945، بأن يكون لسوريا حقها في توحيد أجزائها بغض النظر عن انتسابها للجامعة العربية( )، وكان الحوراني لسان هذا الحزب في حماه منذ عام 1936، وحتى انقلاب سامي الحناوي 1949( ).
وحول غاية الحزب فهو يرى أن بعث النهضة القومية الاجتماعية السورية سيكفل تحقيق مبادئه، وسيعيد للأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيتاً لسيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، وقد أسس جريدة النهضة( )، وعملت الحكومة اللبنانية برئاسة رياض الصلح على التآمر على هذا الحزب من خلال حزب الكتائب اللبناني الذي يرأسه بيير الجميل، فهاجم حزب الكتائب مكاتب الحزب، وأحرق مطابعه، مما أعطى الفرصة للحكومة اللبنانية للتدخل ضد الحزب القومي السوري وملاحقة أعضاءه في يونيو 1949، فأيد حسني الزعيم، أنطون سعادة في ثورة ضد النظام اللبناني بهدف إسقاطه، بسبب تخوف حسني الزعيم من رياض الصلح خشية أن يعمل ضده, باعتباره كان صديقاً للقوتلي، وعلى إثر فشل الثورة التي أعلنها أنطون سعادة لجأ أنطون سعادة إلى سوريا، فطالبت الحكومة اللبنانية بتسليمه إليها، كما ضغطت فرنسا ومصر وبريطانيا، على حسني الزعيم لتسليمه، فسلمه إليها، وأعدمته خلال 24 ساعة، مما أثار ضباط الجيش الذين كان قسماً كبيراً منهم أعضاء في الحزب القومي السوري، مثل أديب الشيشكلي وفضل الله أبومنصور، وصلاح الشيشكلي، وزيد الأطرش وغيرهم، رغم أن السلطات السورية ادعت أن السلطات اللبنانية قد اعتقلته داخل الأراضي اللبنانية وليس في سوريا، فتولى زعامة الحزب بعد ذلك جورج عبدالمسيح الذي أقسم بأنه سينتقم من المتآمرين، كما اشتدت نقمة الشعب السوري على جريمة حسني الزعيم هذه، وكان إبعاد بعض أعضاء هذا الحزب من قبل حسني الزعيم عن مناصبهم التي تولوها عقب انقلابه، قد أثار النقمة بشكل أكبر وكان منهم الحوراني والشيشكلي، مما حذا بالحوراني إلى الاتصال بزعيم الدروز حسن الأطرش لتأييد انقلاب ضد حسني الزعيم، خاصة أن بعض ضباط الجيش من الدروز كانوا أعضاء في الحزب القومي السوري، وأن أكرم الحوراني هو أول من سعى لإنشاء خلايا بالجيش لصالح الحزب القومي السوري أولاً، ثم لصالح نفسه وحزبه الجديد العربي الاشتراكي ثانياً، ثم البعث في المرحلة النهائية( ).
وبعد انقلاب الحناوي ،ضغط الحزب القومي السوري على الحناوي لعودة الشيشكلي إلى موقعة العسكري كونه عضواً فيه، وتسليمه قيادة أقوى ألوية الجيش وهو اللواء الأول الذي تحول فيما بعد إلى اللواء السبعين المدرع، إضافة إلى ما كان هناك من صداقة بين آل الحناوي وآل الشيشكلي( )، وقد أيد الحزب سعي الرئيس هاشم الأتاسي لوحدة سوريا والعراق، وبعد انقلاب الشيشكلي عام 1949، استمر الحزب في دعواته الاتحادية حتى قيام الشيشكلي بانقلابه الثاني، وحله لجميع الأحزاب ماعدا الحزب القومي السوري كونه كان ينتمي إليه، رغم أن الشيشكلي عمل على عدم إتاحة الفرصة لهذا الحزب من أن يصل للسلطة، وأسس بدلاً منه حركة التحرير التي جعلها تسيطر على البرلمان الذي أقامه، ولم يمنح هذا الحزب سوى مقعد واحد، وعلى إثر إنشاء الحوراني للحزب العربي الاشتراكي أخذ يحارب منافسيه وخاصة الحزب القومي السوري، فقام بتصادمات كبيرة معه حيث وصف الحوراني هذا الحزب بالنازية والعمالة وأنه يريد تحطيم سوريا( )، بالرغم من التاريخ النضالي لهذا الحزب في عهد الانتداب الفرنسي حيث سجن أنطون سعادة عدة مرات، وحكم عليه غيابياً بالإعدام، ومصادرة السلطات الفرنسية لكتاب " نشوء الأمم " وهو يمثل مبادئ الحزب ولم تفرج عنه حتى تاريخ كتابة هذه السطور،إضافة إلى نضالهم في فلسطين منذ ثورة 1936 وحرب 1948 واستشهاد الكثير منهم، في حرب لبنان 1982حيث كانوا في مقدمة الشهداء مثل (سناء محيدلي، وزهرة ابو عساف، وعمار الأعسر ....) ولم يكن إعدام أنطون سعادة إلا أنه فكر بالأسلوب الثوري لتوحيد سوريا الطبيعية، وهذا لا يتفق مع الإدارة الاستعمارية لأن اتفاقية سايكس بيكو حسب وجهة نظرها، هي أفضل بكثير من مشروعه الذي يتضمن تحرير فلسطين ذاتها( )، كما أن أنطون سعادة نفسه كان أشد السياسيين تمسكاً بالعروبة وفق استراتيجية علمية تكاد تكون منطقية فيقول في ذلك : "نحن العرب قبل غيرنا، نحن جبهة العالم العربي، وصدره، وترسه، ومصدر الإشعاع الفكري في العالم العربي كله" ( )، كما يقول أيضاً " إن عدو لبنان من يحاول فصله عن أمه سوريا" ، وحول رأيه في العلمانية يقول : " إن القضاء على التعصب الديني، ومحو لغة الحزبية الدينية، يكون بالاتجاه إلى الأرض، وترابط جبالها، وسهولها، بأنهارها، وإلى الشعب بنسيجه الدموي، وتفاعله اليومي، في الحياة مع الأرض، بإدراك أن الحزبية الدينية تصرفنا عن واقع الوطن وتشوه حقيقة الأمة"( ) ، فكان إدراكه للعلمانية ، في عدم إلغاء أو نفي الدين أو التجرد من أحكامه التي ترتفع بالإنسان نحو الكمال، مثل تعلم الصدق والمحبة والأخوة الإنسانية، والصفح عند الإساءة، والعطف على الضعيف والفقير واحترام حقوق الآخرين، ومراعاة القوانين والأنظمة التي تصدرها الدولة، وهذا يتحقق بدون أن تتحكم العقيدة الدينية في سياسة الدولة التي قد تتبدل مع الأيام، ومع الظروف، فإقحام الدين في السياسة يبث روح التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، فالأفضل أن يحتفظ بما للدين من حرمة وقدسية ثابتة الأركان، ويترك للسياسة مجالها الدينوي الواسع المتقلب تبعاً للظروف، وبذلك يجتمع في البلد الواحد الدين والسياسة ويسير كل منهما في مجراه الطبيعي( ).
وهذا ما يفسر دخول بعض الأعضاء المتعصبة التي ترفض الخروج من طائفيتها إلى هذا الحزب بغرض تقويضه من الداخل، مثل غسان جديد، الذي كان يقود تكتلاً طائفياً في الجيش بغض النظر عن انتسابه للحزب، وأيضاً أخوه صلاح جديد الذي كان مهندساً للطائفية في سوريا بعد ذلك ، وبعد تدمير هذا الحزب في سوريا عقب قرار اغتيال المالكي الذي نظمه غسان جديد مع مجموعة طائفية من داخل الحزب ومن ثم اغتياله ، وقد أفاد الحزب القومي السوري أن قرار اغتيال المالكي عام 1955 قد اتخذه غسان جديد دون أخذ رأي الحزب، كما اتهم أحد قادة الحزب وهو عصام المحايري من أن بعض أعضاء الحزب ممن خانوا مبادئ الحزب، هم متورطين في اغتيال المالكي وأنه يشجبها( ) .
وصعد حزب البعث بعد مقتل المالكي في 22 إبريل 1954 حملته على الحزب القومي السوري، مدعياً أنه يخطط للاستيلاء على السلطة وأنه يسعى لإقامة الديكتاتورية العسكرية، وأنه عميل للغرب، فمنعته السلطات في سوريا، وصادرت أملاكه بموجب المرسوم رقم /7 مايو 1955/، وقدم للمحاكمة 75 شخصية مدنية و 25 ضابطاً عسكرياً، وحكم بالإعدام على منفذي العملية وإتهم آخرون حيث حكم بالإعدام على غسان جديد، وبديع مخوف، ويونس عبدالرحيم، وفؤاد جديد، وعبدالمنعم الدبوسي( )، وبعد ذلك انسحب صلاح جديد من الحزب، وكون مع بعض الضباط إبان الوحدة ما سمي باللجنة العسكرية البعثية حيث صار عضواً فيها، ثم أصبح قائدها بعد انقلاب 18 يوليو1963 وأصبح يبث بسموم الطائفية في الجيش إلى أن سيطر على الحكم في عام 1966، وحول بذلك حزب البعث لصالح طائفته.
وقد اشترك الحزب في عملية التيه في أكتوبر 1956 للإطاحة بالنظام، وكان من أهم رموزه صلاح الشيشكلي وجورج عبدالمسيح، حيث كان يعارض التوجهات الشيوعية للنظام، والتقارب مع مصر والابتعاد عن العراق، لكن أدى فشل هذه العملية إلى سيطرة الحوراني وخالد العظم، وعبدالحميد السراج، وخالد بكداش على الحكم، وبعد انقلاب عفيف البرزي عام 1958، رفض الحزب الوحدة السورية المصرية، فقال في جريدته النهار بتاريخ 21 فبراير 1958، " إن الوحدة بين مصر وسوريا، اصطناعية، ووضع الشام المتردي هو الذي أنتج هذه الوحدة، ولن يستطيع البعثيون أن يجدوا فيما أقدموا عليه إنقاذاً لهم"( ) .
وظل المكتب الثاني خلال حقبة ما بعد الشيشكلي وحتى الوحدة يدفع مبلغ 300 ألف ليرة سورية شهرياً، لتقوية ونشر دعاية مناهضة للحزب القومي السوري، رغم انتقال مقر الحزب إلى لبنان بعد مقتل المالكي، لكن ظل له مؤيدين في سوريا، خاصة أن قادته انتقلوا إلى لبنان، وأخذوا يبثون دعواهم ضد نظام الوحدة الذي ساهم في تخريب الاقتصاد السوري والعلاقات السورية مع المجال الحيوي لها( )، لكن بعد الانفصال عاد الحزب القومي السوري إلى نشاطه في سوريا إلى نشاطه في سوريا وفاز عدد من أعضائه في البرلمان ومنهم عصام المحايري، خاصة بعد ارتفاع الآمال بالوحدة السورية العراقية عقب لقاء الرئيس ناظم القدسي مع الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم، لكن انقلابي البعث في كل من سوريا والعراق أعاق ذلك، واتخذ النظام الجديد قراراً بمنع الأحزاب، وما يؤكد أن صلاح جديد وزمرته كانوا أعداء للحزب القومي السوري أنه لم يسمح به على الإطلاق.

6- حزب البعث العربي الاشتراكي :
تشكل في 7 إبريل 1947 حيث عقد مؤتمره التأسيسي برئاسة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وحدد أهدافه بـ [ وحدة حرية اشتراكية ]، ويقول هذا الحزب بأنه حزب قومي وأن شعاره هو أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وأن أهدافه على حسب قوله هي الإيمان بالقومية العربية ووحدة الأمة العربية وحريتها وأن لهذه الأمة شخصيتها الحية القابلة للتجدد والانبعاث ويتميز انبعاثها مع مدى حرية الفرد ومدى الانسجام بين تطوره وبين المصلحة القومية، وأن للبلاد رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة، ومتكاملة في مراحل التاريخ المختلفة، وهي ترمي إلى تجديد القيم الإنسانية، وحفز التقدم البشري وتنمية الانسجام والتعاون بين الأمم، كما أن الشعب هو مصدر السيادة والسلطة، والاشتراكية ضرورية لأنها من صميم القومية العربية فهي تحقق للعرب إمكاناتهم على أن تكون مستمدة من روح العرب وحاجاتهم الاجتماعية ونهضتهم الحديثة، وضرورة إيجاد نظام اقتصادي عادل ومعقول يحول دون الأحقاد والنزاعات الداخلية، ودون استثمار طبقة لأخرى، بحيث تكون الاشتراكية خادمة للقومية العربية، وعنصراً هاماً من عناصرها، كما أنه حزب انقلابي لا يدعو للإصلاح والتطور كوسيلة لتصحيح الأوضاع الفاسدة في البلاد ، بل بالنضال لتحقيق الانقلاب الشامل ( العسكري، الاقتصادي، الاجتماعي ....) ( ) .
وقد توافقت أيديولوجية الحزب العربي الاشتراكي برئاسة أكرم الحوراني الذي كان عضواً في الحزب القومي السوري وحزب الشباب في نفس الوقت، ثم ترك الحزب القومي السوري كما ذكر سابقاً، في أعقاب انقلاب سامي الحناوي ودعواته الوحدوية مع العراق، فشكل عام 1951، الحزب العربي الاشتراكي الذي التحم مع حزب البعث العربي برئاسة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، تحت راية حزب واحد سمي حزب البعث العربي الاشتراكي ، عام 1952 في لبنان، ويتميز الحوراني بعدة سمات جعلته الشخصية الأولى في إثارة عدم الاستقرار السياسي في سوريا قبل انقلاب 1966 بقيادة صلاح جديد( )، ومن هذه السمات تشكيكه في رموز الاستقلال السوري والوطنية السورية، فكل من يعارض أو لا يؤيد أفكاره هو خائن أو عميل أو مرتشي بنظره، ولم يسلم من عسفه سوى أتباعه المقربين( )، وقد وصفته السفارة الأمريكية في دمشق في تقرير لها بأنه : "انتهازي، صاحب الفتنة، متعطش للسلطة، معد انقلابات، متآمر على النظام" ( ) ، كما يقول أحد أتباعه عنه وهو نخلة كلاس : "طوال عمره النيابي، فإن الحوراني لم يحظ بأكثرية الأصوات في المدينة" وهذا يدل على أن قوته فقط في الريف، كما قال عنه باتريك سيل : "الحوراني لا مبدأ له، يتسم بالعدوانية من أجل السلطة" ويقول عنه أنتوني ناتنج :"لم يكن صاحب مباديء أو ولاءات راسخة، بل هدفه أن يكون مع الجانب الفائز دائماً، وكان يعتمد على الجيش في أي تغيير سياسي في سوريا، حيث كانت علاقته بالجيش منذ 1941" ( ) وهذا ما جعل حزب البعث حزباً تآمرياً قبل كل شيء( ).
وتعتبر الفترة ما بين انفصال الحوراني عن الحزب القومي السوري عام 1949 والتحامه بعد ذلك عام 1951 بالبعث العربي، فترة تتبع بشكل غير مباشر حزب البعث العربي، كون الزعماء الثلاث الحوراني والعفلق والبيطار كانوا ذوي أهداف متناسقة في مجال الحياة السياسية خلال جل فترة الدراسة، وقد تميز البعث بالتناقض بين دستوره ومقرراته وسياساته، فعلى سبيل المثال دعى إلى وحدة اتحادية تستند إلى واقع الفوارق الإقليمية، لكنه أصدر أحكاماً تؤدي إلى زيادة الفوارق الإقليمية وتعميقها، وهذا ما يفسر سياسته منذ نشأته وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما أعلن مجلس النواب الليبي موافقته على قانون دمج ولايات ليبيا الثلاثة، "طرابلس، وبرقة، وفزان"، معاً ضمن دولة مركزية في إبريل 1963، ندد حزب البعث بذلك وقالت صحيفة البعث في عددها الـ 45 بتاريخ 15 إبريل 1963 "ليبيا تعود القهقري للمركزية"( ) فالبعث تمنى ألا يحصل اندماج على أساس بقاء كل جزء له سلطاته الخاصة، معتبراً أن توحيد ليبيا مركزياً هو تقهقراً إلى الوراء، وهذا يفسر معاداته لوحدة سوريا والعراق فيما يسمى بمشروع الهلال الخصيب، ووحدتها مع الأردن فيما يسمى بمشروع سوريا الكبرى، وهو الذي ندد بقرار عبدالكريم قاسم ضم الكويت للعراق عقب استقلالها عن بريطانيا عام 1960 ، ودعمه لحركة ظفار المنادية بالانفصال عن سلطنة عمان، كما أن قادة البعث تميزوا في كل فتراتهم بالطعن في بعضهم البعض متهمين بعضهم بالعمالة للخارج( )، وتميزوا بالفلسفة الغامضة البعيدة عن الموضوعية، والتي لا تحمل أي استراتيجية علمية لكيفية تحقيق الأهداف، إضافة لاحتقارهم للآخرين ممن ليسوا بعثيين، ونعتهم بالخيانة ( ) ، زد على ذلك الانفصال الدائم لأجنحة البعث، مكوناً على الدوام أجنحة متنافرة، مثل جناح عفلق الخيالي الفلسفي الغيبي، وجناح الحوراني الانتهازي الميكافيللي اللاأخلاقي، وجناح صالح السعدي الاندفاعي، وجناح الركابي الدموي، وجناح صلاح البيطار الإصلاحي، ثم انقسامه إلى جناحين يميني عراقي ويساري سوري واليسار السوري انقسم لتيارين يمين اليسار، ويسار اليسار، وهكذا... وكل واحد لا يعترف بشرعية الآخر( ).
ومؤسسي البعث ميشيل عفلق وصلاح البيطار، كانا في باريس بين (1929 – 1934)، يدرسان هناك وقد انتسبا للحزب الشيوعي الفرنسي، وكانا متأثرين بالنزعة الفردية، وعدم الاكتراث بالمبادئ الأخلاقية( )، وبرنامجهم لا يحوي أي ذكر للعقيدة الدينية وخاصة الإسلام الذي كان له الدور الأكبر في بعث الأمة العربية من الانحطاط إلى السيطرة العالمية( )، كما يتسم بتجاهله وجود أي قومية أخرى غير القومية العربية في المجتمع، فهو يعتبر أن الأكراد من أصول عربية على غرار دعوة أتاتورك أن الأكراد من أصول تركية( )، ومنذ نشأته حتى توليه الحكم لم يكن يتجاوز عدد أعضائه 200 عضو أكثرهم من الطلاب( )، وتقول المادة الحادية عشرة من دستوره: "يجلي عن الوطن العربي كل داع إلى تكتل عنصري يناهض العرب أو منضم إليه"( )وحول استراتيجية البعث وعلاقته مع الآخرين يقول ميشيل عفلق: " إن مقاومة الأفكار الهدامة لا تقتصر على مناقشتها، ودحضها، بل تملي تصفية المؤمنين بها والداعين إليها"( ) .

لذلك لم يتقبل الشعب السوري حزب البعث ونفر منه، فلم ينتسب إليه سوى طلاب الأقليات ، ولم تكن تتجاوز أعمارهم الثلاثين، أي أن معظمهم غير ناضج سياسياً ( )، وقد بدأ البعث بتهجمه على نظام الرئيس شكري القوتلي، واتهامه بالرجعية والتهجم عليه بأفظع التهم ثم شدد هجومه قبل انقلاب حسني الزعيم، مما حذا بالنظام إلى اعتقال ميشيل عفلق وسجنه في20 سبتمبر 1948 ثم اشترك البعث في انقلاب حسني الزعيم من خلال التمهيد للانقلاب وقد جعل الرئيس حسني الزعيم، زعيم البعث ميشيل عفلق، أحد مستشاريه( )، ثم أصدر البعث بياناً جاء فيه: " إن الشعب العربي في سوريا، بل وفي أقطار العرب، لا يقنع من الانقلاب أن يكون نهاية عهد أسود، فحسب، بل يريد أن يجد فيه نقطة انطلاق نحو حياة جديدة وديمقراطية" ( ).
لكن بسبب تفضيل حسني الزعيم للأجانب وتقربه من الغرب، وانبهاره به، واتباعه أساليب التغريب، مما ساهم في وجود فجوة بينه وبين البعث ثم اتهمه ( ) بعدم احترام الدستور، وكبت الحريات، وإلغاء الأحزاب، وتوقيع اتفاقيتي التابلاين والنقد مع الغرب، وأصدر بياناً حول ذلك جاء فيه( ):
1- عدم شرعية أي عقد أبرم في هذه الفترة، ولم يكن صادراً عن السلطة التشريعية المنتخبة.
2- معارضته لأي دستور لا يصدر عن مجلس تأسيسي منتخب انتخاباً حراً.
3- مطالبته بتشكيل حكومة ترضى عنها الأحزاب التي مثلت المعارضة في العهد السابق.
مما حذا بالرئيس حسني الزعيم إلى سجن ميشيل عفلق وبعض البعثيين، فقام ميشيل عفلق ببعث رسالة لحسني الزعيم يستجديه فيها ويقرر اعتزال العمل السياسي، معتبر نظام حسني الزعيم هو النظام الأمثل، كما طالب أعضاء الحزب بالانصياع لأوامره وقراراته، كونه يمثل المنهج الأمثل، وبعد انقلاب سامي الحناوي، وإشراقة ضوء الوحدة مع العراق، عارض البعث هذه الوحدة ( )، بحجة تمسكه بالنظام الجمهوري، بالرغم أن دستور البعث عام 1947 قال بالنظام الدستوري النيابي، ولم يعين شكل الحكم، باعتبار أن الوحدة ترتفع على شكل الحكم، ثم بدأ يقدم شروطاً تجعل الوحدة مستحيلة، منها تحقيق الاشتراكية، وإزالة الإقطاع، وتعديل المعاهدة العراقية البريطانية، ولم يدرك البعث أن النظام الجمهوري إذا كان ديكتاتورياً أشد على الشعب من النظام الملكي، كما أن النظام الملكي، إن كان دستورياً وبرلمانياً، أفضل بكثير من نظام جمهوري لا تحدد فيه سلطة الحاكم، وفق برلمان منتخباً انتخاباً حراً، وتبقى الوحدة بين قطرين شقيقين ترتفع وتسمو على أي شكل للحكم لأن الشعب سيبقى ولكن النظام لا يستمر إلى الأبد، وفي ذلك يقول برنارد لويس في كتابه (العرب والشرق الأوسط): " النظام الجمهوري يعني في الشرق الأوسط، دولة لا يحكمها ملك ولا صلة لاصطلاح الجمهورية بالطريقة التي وصل بها رئيس الدولة إلى منصب الرئاسة، ولا بالطريقة التي يخرج منها، ولا علاقة لكلمة جمهورية بنظام حكم تمثيلي نيابي ولا بديمقراطية نيابية"( ) .
ثم عارض البعث مع الحوراني مسودة الدستور الجديد في ديسمبر 1949، بحجة أن النص لم يحدد أن يكون رئيس الدولة هو رئيساً للجمهورية ووصفه المشروع بأنه، رجعي يهدف لوصول وصي العراق عبدالإله إلى عرش سوريا، ثم شكل الحوراني لجنة برلمانية سماها اللجنة البرلمانية الجمهورية، لمعارضة الوحدة مع العراق( ) ، وكان للحوراني الدور الأكبر لتحريض الضباط ضد قائد الجيش سامي الحناوي ولدعم الانقلاب الأول للشيشكلي، لكن الحكومات التي أتت ما بين انقلابي الشيشكلي الأول والثاني كان معظمها يسعى للوحدة مع العراق لذلك سعى الحوراني إلى إثارة عدم الاستقرار فيها، ففي 26 يوليو 1950 ألقيت قنبلة يدوية على مبنى البرلمان ذو الأكثرية من حزب الشعب المؤيد للوحدة مع العراق( ) ، خاصة بعد تشكيل حكومة ناظم القدسي التي لم يدخلها الحوراني، وبعد فشل الحوراني في تدبير انقلاب عسكري في مايو 1950، عمل من خلال أتباعه على إلقاء قنبلة في دار الحكومة ثم دار البرلمان، ثم حدث انفجار في مستودع النفط للشركة البريطانية العراقية، في يوليو 1950 قتل على إثره حوالي 100 شخص سوري، فسقطت حكومة خالد العظم( )، ثم عمل على إثارة الفتنة بين الحزبين الرئيسيين الشعب والوطني، وعندما صرح رئيس الحكومة حسن الحكيم في 4 نوفمبر 1950، بأنه لن يجاري الشارع ولن يعرض سوريا للخطر من أجل شعبية رخيصة، مما حذا بالحوراني إلى تنظيم مظاهرات ضد الحكومة نعتت رئيسها بكلمات نابية، وقد أيده حزب البعث على ذلك ضد البرلمان عام 1950 على أساس أنه امتداداً لحزب الشعب الرجعي بنظرهم، وبعد توتر العلاقات بين الحوراني والشيشكلي بعد انقلابه الثاني عام 1951، بالرغم من أنه أيد الانقلاب في بداية عهده، لكن بسبب تفرد الشيشكلي بالحكم وإبعاده للحوراني عن المسرح السياسي، عمل الحوراني على إسقاط الشيشكلي، وقد أصدر البعث - بعد انتخاب الشيشكلي رئيساً للجمهورية، وتشكيل برلمان جديد – بياناً جاء فيه:( )
- ضرورة إزاحة صاحب الانقلاب وإقصاء الجيش عن السياسة.
- محاربة كل محاولة لعقد الصلح مع إسرائيل.
- إقامة حكم نيابي شعبي سليم.
- مقاومة كل ارتباط مع الاستعمار الغربي والصهيوني، والإصرار لإبقاء البلاد العربية على الحياد في الصراع الدولي الناشيء.
وقد أيد الحوراني ضرورة الاستعانة بالجيش للسيطرة على الحكم، فكان هو حلقة الوصل بين ضباط الانقلاب ضد الشيشكلي وحزب البعث للإطاحة بالشيشكلي( ) ، وكان البعث قد قام قبلاً بتحريض طلاب الجامعة والمدارس الثانوية، في ديسمبر 1953 لإحداث إضرابات ومظاهرات، رداً على عرض مسرحية في مدرسة أمريكية في حلب تؤذي المشاعر العربية، فقمعها النظام بعنف ثم أضرب المحامون وأرسلوا برقيات احتجاج للرئيس أديب الشيشكلي بسبب أعمال الحكومة ضد الطلاب، ثم وزعت منشورات في ديسمبر 1954 في جميع المدن السورية، تدعو لإسقاط الشيشكلي( )، ويؤكد الحوراني أنه لولا اندماج حزب البعث العربي مع حزب العربي الاشتراكي خلال حقبة الشيشكلي، لكان حزب البعث قد انتهى بشكل نهائي، حيث هرب قادة البعث إلى لبنان ودمجوا الحزبين ضمن حزب واحد، وأخذت الصحف اللبنانية تنشر مقالاتهم التي يتهمون فيها الشيشكلي ببيع سوريا وفلسطين، وأنه رمز الديكتاتورية والفساد، كما أخذوا يبعثون أتباعهم لضرب مكاتب حركة التحرير، وهي الحزب الذي شكله الشيشكلي ليتخذ منه متكاءاً لحكمه، وأخذوا يلقون القنابل، ويثيرون عدم الاستقرار في نظام الشيشكلي( ).
وبعد سقوط نظام الشيشكلي في فبراير 1954 عمل البعث على محاولة السيطرة على الحكم، فحاول جعل الحوراني وزيراً للداخلية في حكومة صبري العسلي، لكن رفض الحزب الوطني ذلك( )، مما حذا بالبعث أن يتهم الحكومة بالرجعية وأن الانتخابات التي ستجريها ستكون غير شرعية، ونظم مظاهرات ضدها وضد أي تقارب لها مع العراق، فسقطت الحكومة، وبسبب رغبة الحوراني في استمرار حال عدم الاستقرار الحكومي، رفض تكليف الرئيس هاشم الأتاسي له بتشكيل الحكومة على أساس أن البعث لايمكنه أن يشكل الأغلبية فيها( )، وقد اعترف الحوراني بأن سبب إسقاط البعث لحكومة صبري العسلي عام 1954 هو بسبب تشويهها للبعث على أنه ملحد وكافر وذلك من خلال مؤيديها، فكانت استراتيجية البعث لإسقاطها هو بنعت الحزبين الرئيسيين بالرجعية، وإثارة الفتنة بينهما( ).
ثم عمل البعث لإبعاد شوكت شقير عن قيادة الأركان كونه كان حيادياً ولم يدعمهم، ورفضه لإعدام أعضاء الحزب القومي السوري( )، ثم أتى البعث بقائد أركان جديد هو توفيق نظام الدين، والذي لا طموح سياسي له، وأخذ يدعو للتقارب مع مصر، وحث طلاب الجامعة لتوقيع عريضة وقع عليها 3000 طالب وقدمت إلى البرمان، حيث طالبت هذه الوثيقة حكومة صبري العسلي في يونيو 1956، بالوحدة مع مصر، خاصة بعد أن ساهم البعث في تدمير الحزب القومي السوري بعد مقتل عدنان المالكي، حيث وجه التهم له بالعمالة والخيانة، وكانت المحاكمات التي أجريت ضد أعضاء الحزب القومي السوري من وحي البعث وإلهامه، خاصة بالذين ليس لهم دعوى بذلك( ) ، ثم عمل على إسقاط حكومة سعيد الغزي في يونيو 1956 حيث نظم الطلاب وحثهم على مهاجمة وزارة الاقتصاد، احتجاجاً على تصدير الحبوب لفرنسا، ولم ينسحب الطلاب حتى استقالت الحكومة، ورغم ذلك لم يستطع البعث الوصول إلى السلطة ولم يستطع أن يكسب تأييداً جماهيرياً بين فئات الشعب السوري، لكنه استطاع إسقاط الحكومات ( العسلي، الغزي، الخوري ) عامي 1954- 1955، تحت صراع اليمين واليسار، فكان التقارب مع مصر والوحدة معها استراتيجية من استراتيجيات البعث للسيطرة على الحكم في سوريا( ) بعد فشله في انتخابات 1954 حيث حصل التيار اليميني (التعاوني الاشتراكي والقومي السوري والإخوان المسلمين والشعب والوطني ) على 63 مقعداً، بينما حصل اليسار على 23 مقعداً ويمثله ( البعث والشيوعي ) أما المستقلين فحصلوا على 64 مقعداً( ) ، وهذا يفسر فوز شكري القوتلي الذي يمثل اليمين على مرشح اليسار المستقل خالد العظم، بأغلبية أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان، وهذا مما أثار البعث، الذي سعى إلى إسقاط الرئيس شكري القوتلي( ) ، فعمل على تمزيق التحالف اليميني الذي يمثله الشعب والوطني والكتلة الحرة في البرلمان بزعامة الدكتور منير العجلاني( )، فتحالف البعث مع زعيم الكتلة اليسارية خالد العظم، ثم أقنع خالد العظم بأن يسعى لجذب عضوين من الحزب الوطني والانضمام للبعث على أساس تأييده لهم، وبنتيجة ذلك سقطت حكومة سعيد الغزي المحايدة، ثم عمل نواب البعث على الانسحاب من البرلمان بحجة رفضهم لقانون العشائر على اعتبار أنه قانون رجعي، مما حذا بالبرلمان إلى تأجيل البت في هذا الموضوع( )، ورغم كل هذه الجهود ظل اليمين هو المسيطر على الساحة الشعبية مما حذا بالبعث إلى العمل من أجل إقرار الانقلابات العسكرية تمهيداً لأي انقلاب جديد يقومون به، فقد قال صلاح الدين البيطار في إحدى جلسات البرلمان عام 1954:
" متى كان الحكم المستقر مبنياً على أكثرية نيابية، الحكم أيها السادة يقوم على أكثرية شعبية لا أكثرية برلمانية، وإن الانقلابات العسكرية التي حدثت، وكان البرلمان الوزاري قد هاجمها، يجب أن نعلم جميعاً بأنها ليست فقط من فعل المغامرين، وأنها لم تنشأ عن شهوة أو جنون المغامر، لأن أي مغامر كان لا يمكن أن يقلب الأوضاع ما لم يجد في الشعب تجاوباً، وما لم يجد رغبة في التخلص من الحكم الذي أخذ على عاتقه أمر التخلص منه، والانقلاب ظاهرة سلبية للحكم الديمقراطي الأجوف الذي لا نزال نصر على إبقاء البلاد فيه، ليس فيما أقول أية مبالغة، فمن منا لم ينتعش عندما أقدم حسني الزعيم على انقلابه "( )
وقد استغل قادة البعث العدوان الثلاثي على مصر في أغسطس 1956 بعدما أمم عبدالناصر قناة السويس في 26 يوليو 1956، ودعوته للوحدة مع سوريا، لتوثيق العلاقات مع السفير المصري محمود رياض، والابتعاد عن الشيوعية قليلاً( )، وإيقاف الانتخابات البلدية التي كان من المفترض أن تجرى في نوفمبر 1957، وكل ذلك تمهيداً للوحدة مع مصر التي كان البعث يأمل منها الحصول على السلطة في سوريا، بعد فشل عملية التيه التي قادها الشيشكلي عام 1956 لإسقاط النظام، وبالتالي أبعد بموجبها بعض أعضاء البرلمان لتورطهم فيها وكلهم من مؤيدي التقارب مع العراق، وعلى هذا الأساس جرت الانتخابات التكميلية، وعمل الحوراني على الاتفاق مع الشيخ أحمد كفتارو الذي كان يطمح لتولي مركز الإفتاء العام في سوريا، على تأييد مرشح البعث رياض المالكي في هذه الانتخابات ضد مرشح الإخوان المسلمين الدكتور مصطفى السباعي( ).
وبسبب سياسة البعث التقارب مع مصر عام 1956 بعد تخريبه لأنابيب النفط التابعة للشركة البريطانية العراقية المارة بسوريا، وتنظيمه المظاهرات والإضرابات لعمال الشركات الأجنبية السورية، فأدى إلى شل حركة البلاد الاقتصادية، وأنسحب بعض أعضاء حزب البعث منه، وحدثت اشتباكات في السويداء في أغسطس عام 1956 بين أعضاء الحزب القومي السوري بقيادة زيد الأطرش، مع أعضاء من حزب البعث بقيادة قريبه منصور الأطرش ( )، وبسبب زيادة ضغط البعث على البرلمان والحكومة عام 1957، من أجل الوحدة مع مصر، قرر رئيس الحكومة صبري العسلي، الذهاب لمصر في 5 يونيو 1957 لبحث مشروع الوحدة، على أسس مدروسة ، وبعد يومين صرح رئيس البرلمان أكرم الحوراني –حيث وصل لمنصبه بفعل تأييد الجيش- في صحيفة البعث قائلاً: " إن سوريا في خطر وعليها أن تسعى للوحدة مع مصر، لدعم قدرة البلاد في مواجهة الهجوم الوشيك"( ) .
وبسبب وصول الحوراني لرئاسة البرلمان في 14 أكتوبر 1957 رغم أن حزبه لا يمثل الأغلبية، مما حذا بزعيم حزب الأغلبية البرلمانية (حزب الشعب) رشدي الكيخيا، إلى الاستقالة من البرلمان، لكن لم تقبل استقالته، وظلت معلقة( )، وهكذا سيطر اليسار على أركان الدولة مع أنهم لا يشكلون سوى أقلية برلمانية وشعبية وعسكرية، فأصبح الحوراني رئيساً للبرلمان، وصلاح الدين البيطار وزيراً للخارجية، وعفيف البرزي قائداً للأركان، وخالد العظم رئيساً للكتلة اليسارية داخل البرلمان ووزيراً للدفاع، وعبدالحميد السراج رئيساً للمكتب الثاني، وبدأ التحالف اليساري يتصدع بنتيجة الخلافات بين حزبي البعث والشيوعي على إجراء الانتخابات البلدية، وأيضاً خلافاته مع خالد العظم لنفس السبب( )، أيضاً انقسام البعث ضمنياً إلى تيارين تيار عفلق والبيطار وتيار الحوراني( ).
وفي بداية الوحدة التي قامت بفعل تحالف البعث مع السفير محمود المصري رياض والملحق العسكري المصري في السفارة المصرية، عبدالمحسن أبو النور مع قائد الأركان عفيف البرزي وفرضها على الرئيس شكري القوتلي عام 1958، وحل قادة البعث الحزب دون التشاور مع أعضائه، رغم معرفتهم المسبقة أن عبدالناصر سينقل تجربة مصر إلى سوريا بمؤسساته المعروفة، لكن طموحهم لاستلام الحكم في سوريا كان فوق كل شيء، على أساس ظنهم أن عبدالناصر سيوكل إليهم حكم الإقليم السوري، أو سيعهد إليهم برئاسة الاتحاد القومي، كما أنه لولا الوحدة لتمزق حزب البعث العربي الاشتراكي ولانتهى من الساحة السياسية بعد السياسية العقيمة التي نتجت بسبب تدخلاته في الحياة السياسية السورية خلال هذه الفترة مما جعل عدم تأييده من قبل جميع فئات الشعب السوري( )، وبعد الوحدة عمل عبدالناصر على إعطاء البعث خمسة حقائب وزارية وجعل أحدهم وهو أكرم الحوراني نائباً له على الدور الذي قاموا به لإحداث الوحدة بالشروط المصرية، ثم عمل النظام الجديد على نقل تجربة الاتحاد القومي إلى سوريا فنص دستور 1958: " يكون المواطنون اتحادا قومياً للعمل على تحقيق الأهداف القومية ولحث الجهود لبناء الأمة بناءاً سليماً من النواحي السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، وتبين طريقة تكوين هذا الاتحاد بقرار من رئيس الجمهورية "( ) ، وقد أريد من هذا الاتحاد أن يكون بديلاً للأحزاب على غرار حركة التحرير في عهد الشيشكلي، لكنه كان يخضع لمقررات الرئيس، وكان الغرض من إنشائه هو نفي وجود معارضة للحكم، على أساس أنه يضم جميع الطبقات والفئات في المجتمع، فهو يمثل الإدارة المباشرة بين الحاكم والمحكوم، وهو مفتوح للجميع، وقد حصل البعث في انتخابات الاتحاد القومي عام 1959 على 3% من الأصوات فقط ( ) ، وقبل أن يعلن عبدالناصر مرسوم حل الأحزاب والمنظمات السياسية في سوريا في مارس 1958، كان حزب البعث قد نقل مقر قيادته إلى بيروت وأخذ يصدر من هناك صحيفة الصحيفة، وقد انقسم البعث خلال الوحدة إلى ثلاث تيارات هي : ( )
1- الناصريون الذين اعتبروا أن الوحدة هي غاية الحزب.
2- المستقلون عن الحزب وهم الذين تركوا الحزب.
3- الرافضون لقرار حل الحزب، الذين تشكل من بعضهم اللجنة العسكرية البعثية* بسبب إبعاد أعضائها إلى مصر دون عمل ودون مراكز على عكس المصريين الذين جاءوا إلى سوريا، كما عمل صلاح الدين البيطار على إعادة تشكيل الحزب في سوريا بشكل سري عام 1960، والدليل على أن البعث لم يحل نفسه ، أنه قد فصل عبدالله الريماوي من الحزب على أساس علاقته بعبدالحميد السراج، في المؤتمر القومي الثالث، وكان يشغل الريماوي رئاسة القيادة القطرية في الأردن، كما فصل الأمين القطري للحزب في العراق، فؤاد الركابي الذي قام بمحاولة اغتيال لعبدالكريم قاسم، حيث ادعت القيادة عدم إقرارها لذلك ففصلته، وكلاهما فصلا خلال عهد الوحدة( ).
وبسبب عدم إتاحة الفرصة للبعثيين أن تكون لهم اليد الطولى في النظام الجديد، حيث ضعفت قوتهم العسكرية نتيجة نقل عبدالناصر لمعظمهم إلى المناصب المدنية، مما حذا بالبعث إلى إثارة عدم الاستقرار السياسي، بفضح الأخطاء والإجراءات التعسفية للنظام وإثارة النزعة القطرية ما دفع بعبدالناصر أن يتهجم عليهم وقال بأنه سيدوسهم بالأقدام( )، وكان استياء ميشيل عفلق من عبدالناصر بسبب أن زيارته لمصر لم تقابل بحرارة، إضافة إلى اختلافه مع عبدالناصر حول مشروع تحويل نهر الأردن، لذلك عمل على محاولة تدبير انقلاب عسكري ضده من خلال اتفاقه مع مساعد المشير عبدالحكيم عامر وهو العقيد داوود عويس، لكن الخطة كشفت فهرب عفلق إلى لبنان ، ولم يرجع إلا بعد سقوط الوحدة إثر انقلاب عبدالكريم النحلاوي عام 1961، وكان قبل ذلك قد خطط مصطفى حمدون الذي كان أحد أتباع أكرم الحوراني، في نهاية عام 1958 للإطاحة بعبدالناصر، لكن الحوراني رفض ذلك، حيث اقترح الحوراني والبيطار والعفلق على عبدالناصر تشكيل قيادة جماعية، تتألف منهم لأجل حكم الإقليم السوري، لكن عبدالناصر أجابهم: " ليكن معلوماً بأنه لا يمكن تغيير أسلوبي في العمل ..... ولن يسمح لأحد يتجاوز حدوده ....... ومن لا يعجبه فليتقدم بالاستقالة "( ) ، كما كانت نتائج الاتحاد القومي وسقوط البعث فيها بحصوله على أقل النسب، ضمن الانتخابات الفردية، حيث أتهم قادة البعث نظام الوحدة بتزوير الانتخابات( )، كل هذه الأشياء جعلت الوزراء البعثيون يستقيلون من الحكومة المركزية والحكومة القطرية ( الإقليمية )** وهم (عبدالغني قنوت، مصطفى حمدون، جمال الصوفي، صلاح البيطار، رياض المالكي)، ونائبه أكرم الحوراني ( ) الذي كان يلح على عبدالناصر، لعدم إصدار عفو عن السجناء السياسيين السوريين الذين حكموا قبل الوحدة، وهذا ما أكده عبدالناصر نفسه، وعلى هذا الأساس كانت الوحدة ( ) حركة وصولية لإنقاذ الوضع الداخلي لحزب البعث في سوريا بسبب فشله في إكتساب ثقة الجماهير التي أخذت تقاومه قبل الوحدة، ولولا مؤامرة البعث على النظام الديمقراطي في سوريا لما قبل أي حزب أو سياسي بشروط مصر في الوحدة على الاطلاق، فكان البعث سبباً في توريط سوريا بوحدة غير مدروسة هيمنت مصر خلالها على سوريا بشكل كان أشبه بإحتلال دولة لأخرى، وهذا ما حذا بقادة البعث أن يؤيدوا حركة المقدم عبدالكريم النحلاوي في سبتمبر 1961، فوقع الحوراني والبيطار على وثيقة الانفصال وقال عفلق في ذلك "الانفصال شر لابد منه"( ) وكان هناك تنسيق مع قادة الانقلاب( ) وجرت انتخابات برلمانية في سوريا عام 1961، وسقط صلاح الدين البيطار، أمام منافسه عضو الحزب القومي السوري عصام المحايري، مما حذا بالبيطار إلى الإساءة لأهل مدينة دمشق واتهام الانتخابات بأنها مزورة( )، وأخذ البعث يبث الدعايات والمقالات والمنشورات التي تندد بالنظام والحكومات المتعاقبة (بشير العظمة، خالد العظم)، وأصبح البعث يهاجم كل الذين أيدوا الانفصال وخاصة الرئيس ناظم القدسي، رغم أن معظم البعثيين قد أيدوا الانفصال ، وتشكل تيار من خلال البعث لكنه انفصل عنه سمي بالناصريون ( )، الذين دعوا لإعادة الوحدة مع مصر على ما كانت عليه، وقادوا المظاهرات ضد النظام.
وفي المؤتمر الخامس للحزب عام 1962 عمل الحوراني على إبعاد المحامين عن الحزب على أساس أنهم يخططون لإعادة بناء الحزب على أسس جديدة، مما حذا بقيادة الحزب لطرده من الحزب في 22 سبتمبر 1962( )، كما قرر تسليم صلاح جديد قيادة اللجنة العسكرية البعثية بدلاً من محمد عمران، وكان قائد لانقلاب قد سرح ثلاث وستين ضابطاً أكثرهم من جماعة الحوراني، والبعث، بشكل عام، ولم يعترض البرلمان على ذلك، وكان منهم حافظ الأسد، وصلاح جديد، وجاسم علوان، مما حذا بالضباط المسرحيين أن يعدوا العدة للإطاحة بالنظام على أن يكون قائدهم العقيد أمين الحافظ، لكن التحركات المشبوهة له، جعلت النظام يقرر نقله ملحقاً عسكرياً، إلى الأرجنتين، لكن ظل على علاقة معهم وينسق للانقلاب المزمع القيام به، وقد جرى تنسق بين البعث وعبدالناصر على الانقلاب عن طريق، أحد الناصريين وهو سامي الجندي، ووافق عبدالناصر على تنفيذ الانقلاب وعلى بيانه الأول قبل إذاعته، وهذا ما أحدث فيما بعد تمرد جاسم علوان في حلب وبدر الأعسر في حمص ولؤي الأتاسي في دير الزور عام 1962 عقب الانقلاب الثاني لعبدالكريم النحلاوي، والذي بنتيجته عقد مؤتمر حمص.
ورغم انقسام البعث أواخر عام 1962 والذي لم يكن يضم سوى 75 عضواً منهم 25 عضواً في القيادة، قبل انضمام اللجنة العسكرية للتنظيم، ليصبح بعد ذلك تيارين هما:( ) التيار اليميني وهو حليف القيادة القومية ويمثله محمد عمران، والتيار اليساري وهو حلف القيادة القطرية ويمثله صلاح جديد ، لكن كان هناك ثمة انقسامات أخرى موجودة هي: ( )
1- جماعة عفلق والبيطار.
2- جماعة الحوراني الذين سموا أنفسهم بالاشتراكيون العرب مشكلين حزباً جديداً.
3- جماعة الوحدويون الاشتراكيون وسموا أنفسهم بالناصريون على أساس ولاءهم لعبدالناصر.
4- جماعة سامي صوفان.
5- اللجنة العسكرية البعثية بقيادة محمد عمران.
6- الجماعات المتفرقة التي لم تحل نفسها أثناء الوحدة.
ثم عمل البعث الموالي للقيادة القومية على استقطاب العميد زياد الحريري، الذي كان قائداً لقوات الجبهة، والعقيد لؤي الأتاسي، الذي كان ملحقاً عسكرياً في الولايات المتحدة، فقام النظام باعتقال لؤي الأتاسي وزجه بالسجن، ثم استقطبوا العميد محمد الصوفي وكان يشتغل قائد اللواء الخامس، وخططوا لعمليات اغتيالات قبل وبعد الانقلاب، وتخوفاً منهم، من أتباع العقيد عبدالكلايم النحلاوي، عمدوا إلى استقطاب النحلاوي في 11 يناير 1963 واتفقوا معه على انقلاب يقوده هو، لكنهم تخلوا عنه، بل وأفشلوه من خلال تدخل زياد الحريري ضده، مما حذا أن تصبح جماعة النحلاوي في السجن، وبذلك ضمن البعث عدم وجود منافسين له في الجيش( ) ، وقد تواكب ذلك مع قيام الناصريين بإثارة الاضطرابات والمظاهرات قبيل انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963، معلنين معارضتهم للانتخابات المفترض القيام بها في منتصف 1963 ( ) بعد أن أعلن رئيس الحكومة خالد العظم- بعد نيل حكومته ثقة البرلمان في سبتمبر 1962-، عن حل البرلمان القديم وإجراء انتخابات برلمانية جديدة خلال عام واحد، مع تعويض المالكين للأراضي وأصحاب المصالح الذين تضرروا بالتأميم والإصلاح الزراعي، لكن البعث والناصريين شنوا هجومهم عليها واعتبروها رجعية وضد الحركات الديمقراطية، مما حذا بالحكومات إلى منع نشاط حزب البعث ومنع صحيفته "البعث" من الصدور، وحكم على صلاح البيطار بالسجن لمدة شهر، كما منعت جريدة الوحدة الناطقة باسم الناصريين ذوي الأصول البعثية، وزادت مظاهرات البعث والناصريون مطابين بالوحدة الفورية، مما حذا بالنظام إلى اعتقال البعض منهم، وقد تواكب ذلك مع استقالة الوزراء الاشتراكيين الثلاث مع اثنين من الإخوان المسلمين وواحد من حزب الشعب، عقب انقلاب البعث في العراق( )، وكان ميشيل عفلق والحوراني على علم وتنسيق في هذا الانقلاب، حيث أكد ميشيل عفلق أن اللجنة العسكرية البعثية في سوريا مستعدة لمساعدة الانقلابيين، وأن انقلاب سوريا وشيك،كما أن التشكيلة الوزارية برئاسة البيطار موجودة( )، وبالفعل ما هو إلا شهر واحد حتى قام زياد الحريري بانقلابه مع الضباط الناصريين والمستقلين حيث كان زياد الحريري ولؤي الأتاسي الذي كان في السجن، وحدويان مستقلان، أما محمد الصوفي، وراشد القطني، وفواز محارب وجاسم علوان، ومحمد الجراح فناصريين، و كانوا أساس الانقلاب( ) ، أما ضباط البعث وخاصة اللجنة العسكرية فكان دورها ثانوياً، وقد استغل البعث الخلاف بين المستقلين المحايدين، والناصريين، فانضم أولاً للناصريين الذين انتصروا على المحايدين، ثم قاموا بعد ذلك بتصفية الناصريين إثر انقلاب جاسم علوان في 18 يوليو 1963، حيث فشل الانقلاب، وبذلك أبعد الناصريون والمحايدون المستقلون عن الحكم، وانفرد البعث بالسلطة، ثم انشق البعث إلى تيارين إحداهما يساري ويمثل القيادة القطرية برئاسة حمود الشوفي ويميني وتمثله القيادة القومية، وهذا الانقسام أدى لإتاحة الفرصة لسيطرة بعض الطائفيين من أتباع محمد عمران وصلاح جديد على بعض المراكز المهمة في الحزب والجيش ، على أساس أنهم يمثلون الطبقة الفلاحية، فتحالف هؤلاء بعد ذلك مع بعض ضباط الأقليات الأخرى لتنفيذ انقلاب 23 إبريل 1966، كما ظهرت مع انقلاب 8 مارس 1963 تيارات متعددة كل منها تدعي أحقيتها في قيادة المجتمع والدولة وهذه التيارات هي: ( )
1- القوميون العرب الذين نشأوا في أحضان الجامعة الأمريكية في بيروت التي استغلت عواطفهم لتحقيق مخططات الغرب.
2- الجبهة المتحدة التي تمشي مع التيار المنتصر دائماً.
3- الاتحاد الاشتراكي، وهم عملاء النظام المصري.
إضافة للبعث والناصريون الذين كان معظمهم من الطلاب وصف الضباط الذين لم يكتمل وعيهم السياسي أو الثقافي.
وبعد انقلابي البعث في العراق وسوريا أصدرت القيادة القومية لحزب البعث البيان التالي: " نريد أن نكون في سوريا والعراق الحزب الحاكم لا حزب الحاكم "( ) ، لكن الحوراني عارض النظام الجديد بقيادة حزبه الجديد ، مما حذا بالنظام إلى اعتقاله واتهامه بالجاسوسية.
وكان أول خلاف نشأ بين البعثيين والناصريين عام 1963 في حكومة صلاح البيطار الأولى، حيث كان الخلاف حول عدد المقاعد في الحكومة، فاندلعت المظاهرات ضد البعث ووصلت إلى القصر الجمهوري فقمعهم الرئيس لؤي الأتاسي( )، خاصة بعد أن أصدرت حكومة صلاح الدين البيطارعام 1963 حكماً على 140 مواطناً سورياً بالحرمان من الحقوق المدنية وال سياسية بتهمة مساهمتهم في انقلاب النحلاوي عام 1961 وأهمهم (عبدالكريم النحلاوي، أكرم الحوراني، معروف الدواليبي، مأمون الكزبري .....)( ) ، وعندما شكل سامي الجندي الحكومة في 10 مايو 1963، حدث الخلاف بن الناصريين والبعثيين على عدد المقاعد فسقطت الحكومة بعد ثلاثة أيام من تشكيلها، فعاد البعث وشكلها من خلال صلاح الدين البيطار، وأبعد عنها كل الناصريين، وشغل فيها أمين الحافظ منصب وزير الداخلية ونائب رئيس الحكومة( )، وكان هذا هو سبب انقلاب جاسم علوان في 18 يوليو 1963 ، والذي أتاح للبعث –بعد فشله- الانفراد في السلطة، ثم حاول البعث استقطاب زياد الحريري لضمه للبعث لكنه رفض، لذلك عملوا على بعثه بمهمة للخارج، وبعد خروجه، عملوا على تصفية مؤيديه، فحينما رجع سرحوه من الجيش، وقد أكد محمود رياض أن هدف قيادة البعث في سوريا والعراق كان الوحدة للتخلص من القوى الوحدوية والسيطرة عل كلا القطرين ( ) ، من خلال اعتمادهم أسلوب التصفية تجاه منافسيهم، وبسبب سياسة البعث بحق انقلابيي 18 يوليو 1963، وتنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثين ضابطاً، ندد الرئيس لؤي الأتاسي بذلك، مما حذا بنائبه أمين الحافظ للانقلاب عليه في27 يوليو 1963، وقد تميزت فترة حكم الرئيس أمين الحافظ بالاضطرابات فحدثت صدامات بين طلاب بعثيين وطلاب أكراد في حلب صيف 1964، ثم حدثت صدامات بين طلاب بعثيين وناصريين( )، حيث أصبحت كلمة بعثي في سوريا تعني عند الشعب السوري الوشاة وكتبة التقارير والجلادون والقتلة والخونة والمنافقين والانتهازيين، وأصبح الشعب في عذاب شديد وفقد القدرة على المقاومة بسبب تخوفه من هذا النظام وجبروته، فأي نقد يعني المعاناة والسجن والموت( )، لكن رغم ذلك حدثت مواجهات عديدة بين الشعب والنظام، ففي 7 فبراير 1964 قام طالب بعثي في حماه وكتب على جدار مدرسة عثمان الحوراني" لا حكم إلا للبعث "( )، فشتم طالب آخر البعث وكتب " لا حكم إلا لله "، فاعتقلت السلطات الطالب الآخر، وقام وزير التربية والتعليم شبلي العيسمي بنقل مدرسي الدين من المدرسة، فأضربت المدينة كلها، واشتركت في الإضراب جميع فئات المجتمع، فتدخل الجيش وضرب البيوت والمساجد، وقتل 40 شخص، ولم يتنهي القصف إلا بتدخل الرئيس أمين الحافظ في 16 نوفمبر 1964 وعلى إثر ذلك قال أمين الحافظ: " نحن نقول للمتآمرين ومن خلفهم، ما هي إلا أياماً قليلة حتى نسحقهم ومن معهم، وسيعلم المتآمرون أي منقلب ينقلبون "( ) .
وعلى إثر مشكلة حماه الأولى أعلنت دمشق وحلب وحمص واللاذقية وباقي المدن السورية، الإضراب العام، واستمر الإضراب ثلاثة أيام، فتدخل الحرس القومي بقيادة حمد عبيد وقتل 80 شخصاً في دمشق وحطم أبواب المخازن والحوانيت، وأصدر الرئيس أمين الحافظ خمسة مراسيم في 3 إبريل 1964 فيها الكثير من الظلم والعسف وإحالتهم إلى المحاكم العسكرية، مما حذا بالجبهة الوطنية الديمقراطية التي تشكلت لمعارضة حزب البعث بعد انقلابه وصرحت بما يلي: " إن حزب البعث قد خلق الفتنة الطائفية في البلاد، واستغل جيشه العقائدي بتهديم الجوامع على المصلين وسحق المواطنين الأشراف الذين كانوا دائماً حرباً على المستعمر"( ) .
كما عمل البعث السوري على رفض الوحدة العراقية السورية عام 1963 بعد التقارب السوري العراقي بحجة أنهم يريدون وحدة كلية لجميع الدول العربية، وكان ذلك وسيلة لتمييع قضية الوحدوية وإذابتها في مهدها، فكان لهم ما أرادوا عندما سقط البعث العراقي نهاية عام 1963( ) ، مما حذا برئيس الحرس القومي العراقي علي صالح السعدي إلى القول:" لقد جاء البعث إلى الحكم بقطار أمريكي"( ) ، فكان قبوله الاعتراف بالكويت وترسيم الحدود معها دليلاً على علاقة ذلك بالولايات المتحدة وبريطانيا، وبما أن حزب البعث من سماته الأساسية التناقض الداخلي فقد انقسم إلى 6 كتل متناقضة كل منها يعادي الآخر بطريقة غير مباشرة خلال حكم الرئيس أمين الحافظ وهذه الكتل هي: ( )
1- تكتل القيادة القومية ويمثلها عفلق والبيطار.
2- تكتل صلاح جديد الطائفي وقد أيده بعض الضباط من الأقليات الدينية مثل أحمد المير وعبدالكريم الجندي.
3- تكتل محمد عمران الطائفي العلوي، ويسعى ظاهرياً للوحدة مع مصر على أساس أنه ناصري.
4- تكتل القيادة القطرية ويمثلها نورالدين الأتاسي، ويوسف زعين، وإبراهيم ماخوس وهي مؤيدة لصلاح جديد الذي يتظاهر بالماركسية لتثبيت الطائفية في الحكم.
5- تكتل سليم حاطوم الطائفي الدرزي، ويمثله حمد عبيد، وفهد الشاعر، ومنصور الأطرش، وشبلي العسيمي.
6- تكتل أمين الحافظ الطائفي السني، لكنه يخضع لقرارات القيادة القومية.
وقد حاولت القيادة القطرية استدراج الرئيس أمين الحافظ إلى صفها، لكنه رفض ذلك، وقد طرد الأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث في سوريا حمود الشوفي، ورئيس الحرس القومي العراقي علي صالح السعدي، من الحزب في المؤتمر القومي السادس، ونعتوا بالرجعية والانتهازية( )، لكن ظل الرئيس أمين الحافظ يخضع لقرارات القيادة القومية، بينما صلاح جديد الذي عين قائداً للأركان بعد فشل انقلاب جاسم علوان، ظل يخضع للقيادة القطرية، وعلى ذلك رأى أمين الحافظ ضرورة عدم خوض أي معركة مع إسرائيل بدون الاستعداد عسكرياً ومادياً لذلك، في ظل عدم التوازن معها، لكن صلاح جديد أخذ يبعث فدائيين تابعين لمنظمة فتح الفلسطينية، للقيام بعمليات داخل إسرائيل، بدون علم الرئيس أمين الحافظ، لكن عند علم الرئيس أمين الحافظ بذلك، حدث الصراع بين القيادة القطرية والقيادة القومية، فحلت القيادة القطرية، وشكل الحكومة صلاح الدين البيطار في 22 ديسمبر 1966 وأخرج منها جميع الموالين للقيادة القطرية المنحلة، التي يؤيدها صلاح جديد وهم ( نور الدين الأتاسي، جميل شيا، فايز الجاسم )، لكن انقسام القيادة القومية على نفسها إلى كتل جعلت قراراتها غير مرنة، وهذه الكتل هي( ):
1- جماعة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار.
2- جماعة أمين الحافظ العسكريين.
3- جماعة إبراهيم ماخوس المتواطيء مع صلاح جديد والقيادة القطرية المنحلة.
وفي 27 ديسمبر عين الرئيس أمين الحافظ ثلاثة في مجلس الرئاسة التي تشكل كبديل عن اللجنة العسكرية وهم شبلي العيسمي وأحمد الخطيب وعبدالفتاح البوشي، ثم أصدر وزير الدفاع محمد عمران، قراراً بتسريح عدداً من الضباط وهم سليم حاطوم، وعزت جديد، وأحمد سويداني، وإقصاء (30) عضواً بمن فيهم أعضاء القيادة القطرية المنحلة، وأصبح مجلس قيادة الثورة، ذو أكثر يمينية ثم صدر مرسوم بتسريح نسبة كبيرة من الضباط اليساريين وإبعادهم للخارج، ثم صدر مرسوم آخر في 21 فبراير 1966 بنفي كل من سليم حاطوم وعزت جديد وأحمد سويداني إلى خارج البلاد، لكن صلاح جديد رفض ذلك على أساس أنهم من مؤيديه، واتفق مع سليم حاطوم على تنفيذ انقلاب 23 فبراير 1966، فضربوا القصر الجمهوري بالمدافع وكان عدد القتلى والجرحى كبيراً، وبالتالي أصبحت القيادة القطرية المنحلة هي نفسها مجلس قيادة الثورة، وعين نورالدين الأتاسي رئيساً له، ورئيساً للجمهورية كما كلف يوسف زعين بتشكيل الحكومة، وأصبح كل من صلاح جديد وعبدالكريم الجندي، ويوسف زعين، وحافظ الأسد، أعضاء في مجلس قيادة الثورة، وأكد النظام الجديد على الإشتراكية العلمية كمنهج اقتصادي سياسي للنظام، كما أعلن الرئيس نور الدين الأتاسي عن حرب شاملة ضد إسرائيل، مما أدى لعمليات انتقامية من جانب إسرائيل( )، رغم أن مقررات الجامعة العربية عام 1964 دعت إلى تجنب أي عمليات عسكرية تجاه إسرائيل، حتى لا تعطى إسرائيل فرصة لشن هجمات انتقامية ضد الدول العربية، لكن نظام الأتاسي الذي يسيره صلاح جديد من وراء الستار، لم يقبل ذلك وصرح بتصريحات عدائية ودعم العمليات الفدائية ضد إسرائيل من خلال سوريا، وهذا ما تم من خلال تصريحات الرئيس نور الدين الأتاسي ورئيس الحكومة يوسف زعين، مثل التصريح الذي أدلى به الرئيس نور الدين الأتاسي قبل حرب يونيو 1967 وقال فيه: "سنطعم الأسطول السادس لأسماك المتوسط"( ) ويؤكد نائب الرئيس حسني الزعيم وهو بهيج كلاس ، أن هذه الاستراتيجية لصلاح جديد كانت بعد أن اتفق وكلاء صلاح جديد مع وكلاء إسرائيل على تسليم الجولان لإسرائيل( )، وبعد هزيمة النظام في حرب يونيو 1967 عاش النظام انهيار قوته العسكرية، وفر القسم الأكبر من الطبقة الحاكمة من دمشق ونقل احتياطي الذهب والعملات الصعبة، ومقر بعض الصحف إلى حلب، وتوزع المسؤولون في الحزب والدولة على بعض المدن السورية بذريعة تنظيم المقاومة الشعبية، وتعبئة الطاقات لحرب شعبية طويلة الأمد، مما أحدث فراغاً في السلطة وأجهزة الأمن( )، مما حذا بالرئيس نور الدين الأتاسي إلى القول عقب الهزيمة:" إن الهدف الأول للعدوان الاستعماري الصهيوني على الوطن العربي هو التصدي لمسيرة الثورة العربية، وإسقاط الأنظمة التقدمية"( ).
وعمل صلاح جديد من وراء الستارعلى جعل زكي الأرسوزي –وهو من نفس طائفته- الأب الروحي للحزب، رغم أنه يتسم بالإلحاد، ويستشهد أحياناً بالإنجيل، ويعيب على كل إنسان متأثر بالقرآن، ويرى الجاهلية مثله الأعلى ويسميها المرحلة العربية الذهبية، إضافة لتأثره بالفرق الباطنية ، وتفضيله الكلام بالفرنسية ووصفه لكل سياسيي وحكام سوريا بالخونة، باعتباره ذو نزعة هدامة للمجتمع( )، وكان قد ترك العمل السياسي منذ عام 1944، رغم أنه من لواء الإسكندرونة إلا أنه أصبح يتدخل في نسيج المجتمع السوري ليحدث شرخاً في المجتمع، فأخذ يشبه الأكراد بالجرذان، وبذلك خالف ميشيل عفلق الذي اعتبر الأكراد من أصول عربية وإن كل من سكن الوطن العربي فهو عربي ( )، رغم أن عفلق أعلن في 11 مارس 1970، أنه يؤيد الأكراد وضرورة إعادة الاعتبار لهم، ورغم تأييد العراق للبيان إلا أن النظام السوري ندد بالبيان، واعتبره لصالح إقامة إسرائيل ثانية على جزءاً من الأرض العربية، وبعد الانقلاب البعثي الثاني في العراق في 17 يوليو 1968، الذي كان من صنع الولايات المتحدة وبريطانيا، باعتبار أن قادة الانقلاب وهم أحمد حسن البكر وصدام حسين وحردان التكريتي كانوا على اتصال مع السفارة الأمريكية للإطاحة بنظام عبدالرحمن عارف، بسبب محاولته إقامة اتفاقيات نفطية مع فرنسا تحد من الامتيازات الأمريكية والبريطانية( ) وبعد ذلك أصبح النظامان السوري والعراقي على عداء تام، حيث أثبتت نظرية الضد النوعي في تجارب الهلال الخصيب، أنها أفضل الأسلحة لمنع الوحدة وإبعاد خطرها، بعد فشل القوى اليمينية والشيوعية في كل من سوريا والعراق لإعاقة الوحدة، بينما نجحت الحركات القومية، كالبعث والقوميون العرب، الذين تسكن في أعماقهم نظرية المؤامرة، وتواطؤ الآخرين المخالفين لهم ضدهم( )، وهذا ما أكده صلاح الدين البيطار عقب انقلاب صلاح جديد في فبراير 1923 بقوله: " لقد تأكد لنا أنه لم يعد هناك ثورة ولا ثورية، بل الجهالة والجاهلية التي تفهم الثورة على أنها قمع الشعب بالدبابات والمدافع والمخابرات والسجون والضرب والإرهاب والتعذيب"( ) ، كما أكد ذلك أيضاً علي صالح السعدي بعد طرده من الحزب في المؤتمر القومي السادس مع حمود الشوفي، بقوله: " لقد انتهى حزب البعث تاريخياً وموضوعياً "( ) ، إضافة إلى محاولات القيادة القطرية في عهد الرئيس أمين الحافظ التآمر على القيادة القومية، فعمل صلاح جديد على اجتذاب أمين الحافظ لصفهم مما حذا بالرئيس أمين الحافظ إلى الرد عليه قائلاً " أرفض أن أكون واجهة إلا للحزب "( ) ، وهذا يؤكد مقولة أن الحزب كان حزباً تآمرياً وأن قياداته كانت مصلحية وغير جديرة بحكم الشعب، وقد انقسم البعث السوري في ظل حكم نور الدين الأتاسي، إلى تيارين بعد هزيمة حرب 1967( )، فكان التيار الأول يميني ويمثله حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع خلال هذه الفترة ، والتيار الثاني كان تيار صلاح جديد، اليساري الماركسي، مع استبدال كلمة البروليتاريا بكلمة القوميون، وحدث الصراع بين التيارين، فرأى الأسد ضرورة التقارب مع السعودية ومصر للحصول على الفوائد الاقتصادية والحماية العسكرية خارجياً، وتحويل السلطة إلى أمنية وعسكرية داخلياً، لكن كان رأي صلاح جديد ضرورة توسيع أجهزة الأمن مع إعداد جيش شعبي يعتمد على الفلاحين والعمال، لكن صلاح جديد رأى أن رأي حافظ الأسد سيؤدي لتصفية الحزب، وسيشكل ضرراً للجيش كما سيحرك الشعب ضدهم، وكان صلاح جديد قد ترك الجيش ليتفرغ للحزب، وهذا ما أدى لزيادة قوة الأسد أمام تيار جديد، أيضاً كان الأسد يرى ضرورة قبول قرار الأمم المتحدة رقم (242) ورفض الحرب الشعبية، وإقامة جبهة من الأحزاب المؤيدة للسلطة، والاعتراف بوجودها ولو نظرياً مع إقامة جبهة من الأحزاب الداعمة للسلطة والاعتراف بوجودها ، مع إقامة هيئة تمثيلية مثل مجلس شعب ، وانتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب من خلال الاستفتاء، وإصدار دستور للبلاد ، والتقارب مع الولايات المتحدة، وأولوية تسليح الجيش على التنمية الداخلية، وأولوية الجيش على الحزب باعتباره حامي للنظام ، بحيث يكون الحزب تابعاً للجيش باعتباره سر وجوده،لكن صلاح جديد رفض القرار 242، ورأى ضرورة معاداة الأنظمة الرجعية العربية بنظره أي الغير اشتراكية، وضرورة الحرب الشعبية، والموافقة على إقامة جبهة وطنية تقدمية بشرط رفض الأحزاب اليمينية أو البرجوازية أو الدينية باعتبارهم يمثلون الرجعية، وأولوية الحزب على الجيش على افتراض أن سبب هزيمة 1967 كان بسبب عزل الحزب عن الجيش والشعب، فرأى ضرورة قيادة الحزب للشعب وللجيش أي للدولة بشكل عام، وليس قيادة الجيش للدولة، وبذلك على حسب رأيه يبتعد النظام عن الديكتاتورية، وبسبب هذا الصراع قام حافظ الأسد بانقلابه الأول الذي أبعد فيه رئيس المكتب الثاني عبدالكريم الجندي، ومن ثم أبعد أحمد المير وكلاهما من جماعة صلاح جديد ومؤيديه، ثم تحالف الأسد مع غرف التجارة والصناعة التي أعلنت وقوفها إلى جانبه بعد أن وعدها بإدخالها في السلطة، كما وعد الشيوعيين بإشراكهم بالسلطة من خلال الجبهة الوطنية التقدمية التي سيقيمها، ووعد الناصريين بتوحيد مصر وسوريا، ووعد الإخوان المسلمين بتحسين علاقاته مع الدول الإسلامية ورجال الدين وإدخالهم في السلطة، ووعد السوفييت والأمريكان بأنه سيقبل بقرارات مجلس الأمن وخاصة القرار 242 وسينفذها بشكل كامل، وأنه سيلحق المقاومة الفلسطينية بالجيش السوري لكبح جماحها، كما وعد الشعب السوري والمؤسسات الديمقراطية بأنه سيعيد الحريات السياسية والاقتصادية، وسينهي الطائفية، وعلى هذا الأساس قوبل انقلابه في 16 نوفمبر 1970 بتأييد شعبي كبير، خاصة بعد أن اتجه للوحدة مع مصر وليبيا والسودان، وتقربه من الشيوعيين والإخوان المسلمين والبعثيين من مؤيدي القيادة القومية التي يتبعها الرئيس أمين الحافظ، وتقربه من الدول العربية اليمينية، وإنهائه لعزلة سوريا .......الخ، وتعيينه لأحد البعثيين وهو أحمد الخطيب رئيساً للجمهورية من خلال مجلس الشعب ( ) ، لكن هذا لا ينكر أن مقاليد السلطة كلها كانت بيد رئيس الوزراء حافظ الأسد الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية وأصبح الشخصية الأولى والنهائية في تنفيذ القرار وفق حكم فردي أوتوقراطي ، وهذا ما أكده وزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد بقوله: " إن حافظ الأسد عندما يجتمع مع أعضاء حزب البعث يكون هو الشخصية المسيطرة ويكون القرار النهائي له" ( ).
7- الحزب التعاوني الاشتراكي :
أسسه فيصل العسلي عام 1948 ويهدف إلى الوحدة العربية والإسلامية من خلال تأسيس جيش قوي قادر على ذلك، مع إنشاء المزارع التعاونية، والاهتمام بالتصنيع لرفع المستوى المعاشي للشعب، وتأميم المرافق العامة بما يضمن الفائدة للمالك والدولة بصيانة حق المالك ومصادرة التملك غير المشروع، ومعظم برنامج الحزب مستمد من مبادئ وأهداف الحزب القومي السوري( ).
وقد كان لهذا الحزب دوراً في الحياة السياسية السورية، فقد وجه زعيم الحزب فيصل العسلي ، هجوماً لاذعاً في البرلمان على حسني الزعيم متهماً إياه بالفساد، ونظم حملة لتخفيض رواتب الجيش، مما حذا بحسني الزعيم بعد انقلابه إلى اعتقال فيصل العسلي في سجن المزة، حتى قيام سامي الحناوي بانقلابه، فأطلق سراحه، وقد أيد الحزب الوحدة مع العراق التي دعى إليها حزب الشعب، ونال بعض المقاعد في برلمان 1950، لكن بعد الانقلاب الثاني للشيشكلي 1951، قام باعتقال بعض السياسيين خاصة عام 1953، ومنهم فيصل العسلي، نتيجة معارضته لديكتاتورية الشيشكلي( )، وبعد سقوط الشيشكلي دعى الحزب إلى التقارب مع العراق، لكن أثار ذلك معارضة الحوراني للحزب الذي اتهمه بالفاشية، خاصة أن الحزب اكتسب تأييد الرئيس شكري القوتلي له، وقد نال في انتخابات 1954 مقعدين في البرلمان، أي ضعفي مقاعد الحزب الشيوعي، وهذا يدل على أنه كان ذو تأييد شعبي أكثر بكثير من الحزب الشيوعي، لكن حل الأحزاب بنتيجة الوحدة مع مصر في أعقاب انقلاب عفيف البرزي عام 1958، جعل أعضاء الحزب تتفرق عنه، بعد حله، حتى أنه بعد الانفصال على إثر انقلاب النحلاوي عام 1961، لم يحصل على مقاعد في البرلمان الجديد عام 1961 وانتهى بشكل نهائي في أعقاب قرار مجلس قيادة الثورة بقيادة الرئيس لؤي الأتاسي، بحل جميع الأحزاب السياسية، وبذلك انتهى الحزب وابتعد عن الساحة السياسية، عام 1963.
فتأثير هذا الحزب كان ضعيفاً في إثارة عدم الاستقرار السياسي في سوريا، باستثناء فترة ما قبل انقلاب حسني الزعيم.

8- حركة التحرير العربي:
أسسها الرئيس أديب الشيشكلي ليحكم من خلالها، متخذاً منها سنداً شعبياً لحكمه بعد أن حل جمع الأحزاب في 6 إبريل 1952 في سوريا، وقد نادت بوحدة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، مع احترام حق الملكة الفردية وحق الدولة في تأميم ما تريد عند الضرورة، وضرورة الإصلاح الزراعي من خلال التعاونيات الزراعية مع التعويض العادل، وإتباع استراتيجية الضرائب التصاعدية، وفيما يخص السياسة الخارجية رأت أن تكون المصلحة السورية فوق كل اعتبار مع العمل على تحرير الشعوب العربية، ونبذ كل أشكال الاستعمار، والعمل على تحقيق السلام في العالم( ) ، وقد قال عنها الرئيس أديب الششكلي : " إن حركة التحرير العربي ليست حزباً جديداً يضاف إلى قائمة الأحزاب القديمة ليشوش الأمة، ويجزأ قواها، إنه محاولة صادقة مخلصة لجميع العناصر الطيبة من جميع الأحزاب، والطبقات لصهرهم في قالب واحد قوي، قادر كلياً على استعادة ثقة الأمة، وإعطاء البلد صوتاً يصغى إليه ويحترم"( ) ، ويلاحظ أنها استمدت معظم أفكارها من أفكار الحزب القومي السوري كون أديب الشيشكلي كان عضواً في الحزب القومي السوري، وقد سيطرت على البرلمان الذي شكله الشيشكلي فكانت أغلبية المقاعد من نصيبها بينما لم يمنح الحزب القومي السوري سوى مقعداً واحداً، لكن رغم ذلك ظل الشيشكلي موالياً للحزب القومي السوري، وكان أحد قادة الحزب وهو عصام المحايري من مرافقي الشيشكلي، وقد وعده بأن يجعل من سوريا بروسيا العرب وقلعتهم الفولاذية، التي ستنطلق منها شعلة الحرية لكل أنحاء الوطن العربي، وقد حدثت صدامات بينها وبين حزب البعث الذي أخذ يضرب مكاتبه بالقنابل والمفرقعات إبان حكم الشيشكلي، كما حدثت اشتباكات عديدة بين جماعة الحوراني وأعضاء من حركة التحرير، خلال هذه الفترة، لكن بعد سقوط حكم الشيشكلي عام 1954، سقطت معه هذه الحركة.
وسادت أعضاء هذه الجماعة الكثير من الاضطرابات، بعد الانقسامات التي حدثت في صفوف حكومة صبري العسلي عام 1954، حيث طالبتهم الحكومة برد الرواتب التي تقاضوها خلال فترة حكم الشيشكلي، مما حذا بهؤلاء الأعضاء على تشكيل حركة التحرير مرة أخرى، والضغط على الحكومة، مما كان لذلك أثراً على سقوط الحكومة في يوليو 1954، وبعد ذلك نشأت صدامات بين أعضاء حركة التحرير وأعضاء حزب البعث ( ) في معرة النعمان عام 1954، بنتيجة إثارة حزب البعث للاضطرابات بين عمال النسيج، وقد اعتقل على إثر ذلك 35 شخصاً من الطرفين ، وبعد سقوط الحكم الديمقراطي عقب انقلاب عفيف البرزي عام 1958 حلت حركة التحرير مع باقي الأحزاب، ولم ترجع بعد سقوط حكم الوحدة عام 1961، وبذلك انتهى دورها على الساحة السياسية قبل غيرها( ).
كانت تلك هي الأحزاب الرئيسية التي كان لها تأثيرها على عدم الاستقرار السياسي خلا مدة الدراسة، لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك أحزاب غيرها بل كانت هناك بعض الأحزاب الصغيرة التي لم يكن لها أي دور في المسرح السياسي، أو كانت أحزاباً مرحلية نشأت وفق ظروف معينة وانتهت بانتهاء هذه الظروف.




الخاتمة
لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي إلا بحكم صالح قوامه الجد والعمل المثمر، القائم على حفظ كرامة الإنسان وصيانة حقوقه في الحكم والتشريع والمجتمع والحياة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال الديمقراطية، وحتى لو كان لها بعض الأخطاء فإن أفضل علاج لها هو المزيد من الديمقراطية، وهذا يضمنه دستور للبلاد يكون حارساً أميناً ودرعاً واقياً للحكومة، التي يجب عليها أن تتقيد به نصاً وروحاً، في كل أعمالها، أما التصرفات الغير دستورية، بما فيها التصرفات الدستورية التي تقوم من خلال دساتير نشأت بأسلوب غير ديمقراطي ( )، تلك الدساتير التي تسود فيها تصرفات الحاكم في إنشائه للدستور، من خلال إرادته هو أو بامتزاج إرادته مع إرادة الأمة، لأن الدستور الصحيح هو الدستور الذي تستقل فيه إرادة الأمة بشكل مطلق دون أي تدخل من الحاكم فيكون وليد إرادتها، وبالتالي فالدستور الذي قد يضطر الحاكم إليه، ويصدره، رغم عدم تنازله عن أي شيء من سلطته، والذي يسمى بالمنحة الاضطرارية، لا يكون شرعي على الإطلاق، فهذه التصرفات تضعف سلطان القانون وتوهن الرابطة التي تربط الشعب بالنظام والحكومة وكل مؤسسات الدولة، وتهدد التكوين القومي والخلقي للشعب بالانحلال.
كما أن التشريع في النظام يجب أن يقوم على أسس وقواعد عادلة وقويمة، وليس مهماً إن كان ذلك التشريع بطيئاً كما في نظام المجلسين، لأنه ليس الغرض من التشريع هو سن القوانين بكثرة وسرعة، فأي اختلال في نظام العدالة في المجتمع، فلن تنفع حنكة ولباقة السياسيين، ولا مهارة الإداريين في رأبه، وعلى ذلك فيجب أن يتمتع القضاء بالاستقلال المطلق بدون أي تدخل من السلطة السياسية أو أي سلطة داخل الدولة، وإلا فسوف يختل وسيؤدي هذا الاحتلال إلى أن تتوقف ثقة الشعب بالحكومة وتأييده لها على ضمانها العدل والحرية والمساواة للجميع على السواء، وإقناعها الشعب بأن ذلك قائم قولاً وفعلاً، وبكل صدق، وإفهامها إياه أن الحكومة لم توجد إلا لخيره وخدمة مصالحه، لا للسيطرة عليه والتحكم به والتمتع بسلطان الحكم فقط، كما يجب على الحكومة أن تصارح الشعب حول الوضع الراهن وتقديمها له حسابات كاملة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في الدولة، لأن كتم الحقيقة يولد في نفوس الشعب سوء الظن بها، فيفقد ثقته وتأييده لها، فإذا ما حققت الحكومة تلك المصارحة، يتحول الشعب إلى كتلة متراصة فيعتقد أن كل ما يصيب بلده يصبه هو، وأن الدولة كلها ملكه، فيدافع عنها بكل أمانة وإيمان.
لكن هذا لا يعني أن يسير المسؤول بوحي الشارع لأن الانسياق وراء جوه العاصف الصاخب وحماسه الملتهب يعد مجازفة بمصير الوطن، على اعتبار أن الشارع غير مسؤول والجماهير غير عقلانية فيه، فالغير مسؤول ينتقد ويعترض، ويطلب ويقترح، لكن المسؤول يزن الأمور بميزان المصلحة والإمكانيات، لأنه عالم ببواطن الأمور، فيجب أن يميز بين ما يجب أن يكون وبين ما يمكن أن يكون، لأن أي خطأ يرتكبه المسؤول قد يقلب الأمور رأساً على عقب، فالوطني الحق هو الذي يواجه الحقائق ويبتعد عن الخيال ويقدم على كل ما يعتقده خيراً وصواباً دون أن يبالي بمن يصفق أو يصفر، فالاحتراف الوظيفي للمسؤولين هو الذي يبني ويصلح ويبعد الوطن عن كل خطر قد يتعرض له، وهذا الاحتراف قائم على الأخذ والرد والمداورة والمحاورة من أجل جلب منفعة أو دفع ضرراً، لأن الصراحة والخلق القويم والتصرف الحكيم، مع تجنب سياسة الخداع والمكر من أهم أسباب النجاح في معالجة المشاكل وحل القضايا الصعبة، مع أخذ الحذر للحاكم من أن ينتابه الغرور، خاصة إذا كانت حوله حاشية سيئة تزين له سوء عمله، وتجعله يحيد عن الطريق القويم ، ويجب عليه أيضاً أن يعترف أنه من الممكن أن يخطيء مهما بلغ من الحنكة والدهاء السياسي، لكن يجب أن يتلافى هذا الخطأ فور اكتشافه، وألا يكون خطأه في المبدأ لأن الخطأ فقط بالوسيلة لا في المبدأ، فلا يليق به أن يعد الشعب ولا يفي بوعوده، فالمصارحة وفق القدرات منذ البداية بدون أي رياء أو نفاق سيجعل الشعب يثق به ويتمسك به، وإلا فسيكون مصيره الزوال وابتعاد الشعب عنه، ويصبح ذكرى سيئة للشعب، في حقبة مظلمة من تاريخه، والتي مهما بلغت من القسوة فإنها إلى زوال، فالسحابة التي تمر مهما بلغت من الحجم والمدة فإنها لن تظلم الأفق ولن تدوم إلى الأبد.
كما أن العمل القومي في النظام الديمقراطي الدستوري، يحتاج إلى رأي عام نير مطلع على الحقائق، من خلال مؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام والصحف، لأنها تنقل أعمال الحكومة إلى الشعب، كما أنها تنقل رغبات الشعب وآماله للحكومة، وتهدي الحكومة أفضل الأساليب والوسائل التي يجب أن تسلكها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتدلها على مواقع الخلل والخطأ، من خلال نقد موضوعي علمي غايته مصلحة الوطن قبل كل شئ، ولا يكون ذلك إلا بإعطاء وسائل الإعلام والصحف ومؤسسات المجتمع المدني، الحرية التي يكفلها لها الدستور، فلا حياة لمجتمع ولا ارتقاء له، بدون النقد، فالنقد للمعارضين أفضل للوطن من ثناء الموافقين المؤيدين، ولكن هذا النقد يجب ألا يسمح، لدعاة الحزبية الضيقة الذين يريدون الاستئثار بالحكم، وتهديد مصالح بعض الفئات وتهديدهم ، أن يصلوا إلى مرحلة من القوة بحيث يمكنهم من السيطرة على الحكم من خلال انقلاب أو عصيان أو ما إلى ذلك، لأنهم بذلك يكونوا أعداء للشعب وللحكم الديمقراطي، فشدة النظام في هذه الحالة يجب أن تكون ضرورية لقمعهم باعتبارهم يحملون أفكاراً هدامة للمجتمع والنظام والشعب، وبالتالي فإن وصول مثل هؤلاء إلى الحكم، سيدمر الديمقراطية، وسينشر الطغيان، وسيولد الحقد والضغينة في نفوس الشعب وسيدفعه إلى الانفجار الذي قد يهدد سلامة ووحدة الوطن، ولتجنب وصول مثل هؤلاء إلى هذه المرحلة يجب على النظام والحكومة، الاستناد بحركتهم الوطنية على مبدأ التربية الوطنية التي تجعل الشعب يقدس وطنه، بحيث يتساوى أفراد الشعب، وكلهم في الحقوق والواجبات، من خلال إكسابهم مناعة، ضد هؤلاء المروجين للتفرقة الدينية والإقليمية والقبلية والحزبية، وكل تربية لا تقوم على هذا المبدأ، تكون سبباً في تخبط الرأي العام، وانقسام أبناء الشعب الواحد على بعضه، فانحلال الرابطة الوطنية في الشعب هو الذي يفسح المجال لنمو النزاعات الدينية، والإقليمية والحزبية والطائفية المنافية لمصلحة الشعب والوطن، وهذا ما يفسر –في الدول المتقدمة- إدراك وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب، لواجبها، في الظروف الاستثنائية، حينما يتعرض الوطن للخطر سواءاً في الداخل أو في الخارج، فحبها لوطنها يجعلها تتناسى خلافاتها، وتنبذ الآراء والمشاكل التافهة، أمام مصلحة الوطن العليا، كما أن هذه التربية القومية، تجعل المواطن يشعر بالمسؤولية، فيؤدي واجبه في المعمل والإدارة والأرض والجيش والأعمال الحرة، بكل نزاهة وأمانة، وارضاءاً لضميره، وحباً باستقامة الحكم، وسعياً وراء خلق الثقة في نفوس الناس بالنظام والحكومة، دون أي شيء آخر، وبالتالي يكون هذا الشعب بالمقابل موضع ثقة النظام والحكومة، وموضع تقديرهما، أما أولئك الذين يهملون واجباتهم، ويسيؤون استعمال صلاحياتهم في الحكومة أو في الإدارات المختلفة للدولة، معتمدين على مركزهم أو على شخصيات تحميهم في الدولة، أو على حزب سياسي يستندون إليه، فيجب على الحكومة ألا تتردد في إقصائهم عن إدارتها، حرصاً على سمعتها وعدم نفرة الناس منها.
أما إذا أصبح الحكم أداة استغلال وأعطيت الوظائف والأعمال في الإدارات إلى المحسوبين والمنسوبين لأقارب وأنصار مسؤولي الدولة الكبار، أو المسيطرين على الدولة من خلال الجيش أو الأجهزة الأمنية، فستسود الفوضى ويعم الفساد وستكون النتيجة النهائية سقوط الحكومة أو النظام، وانتشار المظاهرات والإضرابات والاعتصامات وما إلى ذلك ولحل هذه المعضلة يقتضي على الإداريين في الحكومة، أن ينموا روح المسؤولية الفردية، وأن يشعروا بواجبهم، كما أن على الحكومة، الإشراف الإداري القوي الذي يراقب سير أعمالهم، والخشية والرهبة من المسؤولية، كما يجب عليها أن تراعي في اختيارهم المؤهلات والكفاءات والأخلاق والمصلحة العامة، والاعتبارات المادية والمعنوية، وأن يخضع تعيينهم وترفيعهم وتسريحهم لقواعد وضوابط عادلة، منصفة، تحول دون التعيين والترفيع الاستثنائي والعزل التعسفي، وتوسع في صلاحياتهم بدرجة تقضي على الروتين الذي يسبب البطيء والتعقيد والفوضى في الإجراءات الحكومية، وعلى الإهمال لمصالح الشعب في الإدارات، ويبقى الاصلاح هو الطريق إلى نهضة الأمة، ذلك الاصلاح الذي يقوم على إدخال الاصلاح على المنهج القديم دون تقويضه ودون التضحية بشخصية الشعب، على شرط أن يكون هذا القديم قد أفرز من قبل الشعب.
من هذا المنطلق رأى الدكتور عبدالرحمن الكيالي، أن أسباب عدم استقرار الحكم الوطني الدستوري الشرعي في سوريا في مختلف مراحله قد عاد لعدة أسباب أهمها: ( )
1- فقدان الزعامة القوية والقيادة الرشيدة.
2- نقص التربية السامية، والوعي القومي عند معظم المواطنين.
3- عدم وجود حزبية صحيحة، وتنظيمات شعبية أي مجتمع مدني يكون أساس الدعم والتطور السياسي.
4- أمراض الماضي ومفاسد الأخلاق العامة.
5- خلو البلاد من جيش يعتمد عليه في الأمن، ودعم الحكم وفرض الهيمنة.
6- فقدان الانتظام والتجانس بين قوى الدولة.
7- قلة الرجال السياسيين المجربين، أصحاب الإرادة والكفاءة والنزاهة.
8- ضياع المسؤولية بين موظفي الدولة، وعدم تجاوبهم مع العهد الجديد.
9- الاتجاهات المنحرفة للأقليات في بعض الأحيان.
10- المعارضة الانتهازية.
11- طغيان المطامع الفردية على المصالح الخاصة.
12- عدم وجود منهاج مدروس معين لكيفية ممارسة الحكم أو برنامج معين لإصلاح الخلل في جهاز الدولة في رجال قادة الكتلة الوطنية قبل وبعد انقسامها إلى حزبي الشعب والوطني.

وإذما تحققت هذه الشروط لابد أنه من الممكن أن تقل الفوضى والتناقض وعدم الاستقرار في الحياة السياسية إذما علما أن سورية في ظروفها تتشابه مع كثير من الدول العربية وغير العربية وعلى ذلك فمن الممكن إسقاط حالتها على الحالات الأخرى لتدعيم الاستقرار السياسي فيها .

























مراجع الكتاب
• أ.س . بلانك ،" الفاشية قديماً وحديثاً "، ترجمة محمود شفيق الشعبان، دمشق ، دار دمشق للطباعة والنشر،1994
• أبو خلدون ساطع الحصري، "الإقليمية، جذورها وبذورها"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985
• أبو خلدون ساطع الحصري، "العروبة بين دعاتها ومعارضيها"، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1939
• أديث وائي، إيف، بينروز، العراق: دراسة في علاقات الخارجية وتطوراته الداخلية1915 – 1975"، ترجمة: عبدالمجيد حسيب القيسي، (بيروت: دار الملتقى، 1989)
• أريك هوبسباوم ، " الأمم والنزعة القومية " ، ترجمة عدنان حسن ، دمشق ، دار المدى للثقافة ، 1999
• أرييل شارون، "مذكرات أرييل شارون"، ترجمة أنطوان عبيد، بيروت، مكتبة بيسان، 1992
• أسعد الكوراني، "ذكرات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت"، (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 2000)
• أسعد حومد، "العرب في الأندلس"، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980
• أكرم الحوراني، "مذكرات أكرم الحوراني"، 4أجزاء، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2000)
• آلان غريش، دومينيك فيدال،"الخليج مفاتيح لفهم حرب معلنة"، ترجمة إبراهيم العريس، بيروت، دار قرطبة للنشر والتوثيق والأبحاث
• السيد البار العريني، "المغول"، بيروت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1981
• السيد يسين ، الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر " . ط 4، القاهرة ، مكتبة بولي ، 1999
• المفضل بن عمر الجعفي، "ألهفت والأظلة"، تحقيق عارف تامر والأب أ- عبده خليفة اليسوعي، بيروت، دار المشرق، المطبعة
• أمين اسبر، "تطور النظم السياسية في الشرق الأوسط"، (القاهرة: مكتبة نهضة الشرق، 1984)،
• أمين طليع، "أصل الموحدين الدروز"، ط2، 1981، بيروت، دار عويدات، راجعة وقدم له شيخ عقل الدروز الشيخ محمد أبو شقرا
• أمين هويدي ، " العسكرة والأمن في الشرق الأوسط : تأثيرها على التنمية والديمقراطية " ، بيروت ، دار الشروق ، 1991
• أنتوني ناتنج، "ناصر"، ط2، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993)
• أندرو راثمل، "الصراع السري على سوريا 1947-1961"، ترجمة: محمد نجار، (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1997)،
• إيمان راسخ.، "حزب البعث العربي الاشتراكي"، ط2، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1977
• باتريك سيل، "الصراع على سوريا: دراسة للسياسة العربية 1945 – 1958"، ترجمة: سمير عبده ومحمود فلاحة، (بيروت: دار الكلمة للنشر، 1980)
• برنار غروتويزن ، " فلسفة الثورة الفرنسية " ، ترجمة عيسى عصفور ، بيروت ، منشورات عويدات ، 1982
• برهان غليون وآخرون ، " الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية " ، تحرير على خليفة الكواري ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1999
• برهان غليون وآخرون ، " الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية " ، تحرير على خليفة الكوراني ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 1997
• برهان غليون، "نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة" ، بيروت ، المركز الثقافي العربي ، 1990
• بشير فنصة " النكبات والمغامرات : تاريخ ما أهمية التاريخ من أسرار الانقلابات العسكرية السورية 1949 - 1958 "،دمشق ، دار يعرب ، 1996
• بيير بوداغوفا، "الصراع في سوريا 1945-1966"، لتدعيم الاستقلال الوطني"، ترجمة: ماجد علاءالدين وأنيس المتني، دمشق، دار المعرفة، 1987
• بيير بوداغوفا، "مستقبل الشرق الأوسط"، ترجمة نجدة هاجر وسعيد الغز، بيروت، المكتبة التجارية للطباعة والتوزيع والنشر، 1959
• تقي شرف الدين، " النصيرية: دراسة تحليلية"، بيروت، 1983
• جاك وديز، "الجيوش والسياسة" ، ترجمة عبد الحميد عبد الله ، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية ، 1982
• جورج بيرة ، " المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في سوريا " ، القاهرة مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ودار الأمين للنشر ، 1995
• جون كاوتسكي " التحولات السياسية في البلدان المتخلفة " ترجمة جمال نعيم عون،– بيروت ، دار الحقيقة ، 1980
• حامد حسن، "صالح العلي ثائراً وشاعراً"، دمشق، منشورات دار الثقافة، 1973
• حبيب عيسى، "السقوط الأخير للاقليميين في الوطن العربي"، بيروت، دار المسيرة، 1978
• حردان التكريتي، "مذكرات وزير الدفاع العراقي الأسبق حردان التكريتي"، طرابلس، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والاعلان 1983
• حسن الحكيم ، "خبراتي في الحكم" ، عمان ، إدارة مجلة الشريعة ، 1978
• حسن الحكيم ، "مذكرات : صفحات من تاريخ سوريا الحديث ، 1920 –1958 " ، (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1965).
• حسين عبدالواحد، "عبدة الشيطان على ضفاف النيل"، القاهرة، مركز الحضارة العربية، 1997
• حمدان حمدان، "أكرم الحوراني رجل للتاريخ " ، ( بيروت : بيسان للنشر والتوزيع والاعلام ،1996)
• حمدان حمدان، "أكرم الحوراني: رجل للتاريخ"، بيروت، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، 1996
• حمدي عبد الرحمن حسن " العسكريون والحكم في أفريقيا " القاهرة، مركز دراسات المستقبل الأفريقي،1996
• حمدي عبد الرحمن حسن ، " التعددية وأزمة بناء الدولة في إفريقيا الإسلامية "، القاهرة ، مركز دراسات المستقبل الإفريقي ، 1996
• خلدون حسن النقيب ، " في البدء كان الصراع "، بيروت ، دار الساقي ، 1997
• خلدون حسن النقيب، "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، "، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)
• خيرية قاسمية، "الرعيل العربي الأول: حياة وأوراق نبيه العظمة وعادل العظمة"، ييسان، رياض الريس للكتب والنشر،1991
• ديفيد بولدرستون، "طريق من دمشق"، ترجمة واصف الطاهر، القاهرة، دار الآفاق ا لعربية
• ديفيد وليش، "سوريا وأمريكا" ليماسول (قبرص)، دار الملتقى للطباعة والنشر، 1995
• راشد الكيلاني،" مذكرات راشد الكيالي عسكرياً ودبلوماسياً"، دمشق، منشورات دار مجلة الثقافة، 1990
• زبغينيو يرجنسكي،"بين عصرين:أمريكا والعصر التكنتروني"ترجمة محجوب عمر، بيروت ، دار الطليعة للنشر،1980
• زهير الشلق، "من أوراق الإنتداب"، بيروت، دار النفائس، 1989
• سامي الجندي"البعث"، (بيروت، دار النهار للنشر، 1969)
• سامي أيوب، "الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، 1922-1958"، بيروت، دار الحرية للطباعة والنشر، 1968
• سعد الدين إبراهيم " مصر تراجع نفسها " القاهرة ، دار المستقبل الجديدة ، 1983
• سعد جمعة ، مجتمع الكراهية ، 1989 ،عمان ، الأهلية للنشر والتوزيع ، 2000
• سمير أمين ، " الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الامبريإلية " . ترجمة : هنريت عبودي ، بيروت ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، 1980
• سمير عبده ، " حدث ذات مرة في سوريا : دراسة للسياسة السورية والعربية في عهدي الوحدة والانفصال 1958 – 1963" ، دمشق ، منشورات دار علاء الدين ، 1998
• سمير عبده، "المسيحيون السوريون خلال ألفي عام"، دمشق، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة 2000
• سمير عبده، "حدث ذات مرة في سوريا"، (دمشق: منشورات دار علاء الدين، 2000)
• شاهد على العصر، أمين الحافظ. http://www.Aljazeera.net
• شبلي العيسمي،"الوحدة العربية العربي من خلال التجربة"، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1971
• شفيق عبد الرزاق السامرائي ، " المشرق العربي " ، بغداد ، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، 1980
• شمعون بيرس ، " الشرق الأوسط الجديد " ، ط2 ، ترجمة دار الجليل ، عمان ، دار الجليل
• شمعون بيريس، "مستقبل إسرائيل: حوارات أجراها روبرت ليتل"، ترجمة محمد نجار، عمان، الأهلية للنشر والتوزيع، 2000
• صلاح الدين المنجد، "مدينة دمشق"، بيروت ، دار الكتب الجديدة، 1967،
• صلاح العقاد، "المشرق العربي 1985-1958: العراق، سوريا، لبنان"، (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية ومطبعة الرسالة، 1966)،
• صلاح بدر الدين، "الحركة القومية الكردية في سوريا"، بيروت، رابطة كا وا للثقافة الكردية، 2003
• صلاح سالم زرنوقة ، " أنماط الاستيلاء على السلطة في الدول العربية "، ط1،(القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 1992) ،
• عادل أرسلان، "مذكرات الأمير عادل أرسلان"، بيروت، الدار التقدمية للنشر، 1983
• عادل مختار الهواري ، "الصفوة العسكرية في الشرق الأوسط" ، القاهرة، مكتبة النهضة الشرق، 1984
• عبد الرحمن خليفة ، " أيديولوجية الصراع السياسي " ، القاهرة ، دار المعرفة الجامعية ، 1999
• عبد السلام إبراهيم بغدادي " الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في إفريقيا " بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1993
• عبدالفتاح رواس قلعة جي، "حلب القديمة والحديثة"، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1989
• عز الدين دياب، "أكرم الحوراني كما أعرفه"، بيروت، بيسان للنشر والتوزيع والاعلام، 1998
• عز الدين دياب، "التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي" (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993)
• عزيز الحاج، "القضية الكردية في العشرينات"، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984
• عطا محمد صالح وفوزي أحمد تيم، "النظم السياسية العربية المعاصرة"، جزأين، (بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 1988)
• علي الطنطاوي، "دمشق صور من جمالها وعبر من نضالها"، دمشق، بيروت، -مؤسسة الرسالة ،1989.
• غسان سلامة وآخرون، "الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي"، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1989،
• غسان سلامة، "المجتمع والدولة في المشرق العربي"، جزأين، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)
• غوستاف لوبون ، "سيكولوجية الجماهير" ، ط2 ، ترجمة هاشم صالح، بيروت ، دار الساقي ، 1997
• فارس قاسم الحناوي، صراع بين الحرية والاستبداد"،(دمشق: دار علاء الدين، 2000)
• فيبي مار ووليم لويس (تحرير ) ، " امتطاء النمر : تحديات الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة ، " ترجمة عبد الله جمعة الحاج ، أبو ظبي ، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
• كاظم هاشم نعمة ، "استراتيجيات الهيمنة الأمريكية ، 1924 – 1989" ، طرابلس، أكاديمية الدراسات العليا والبحوث الاقتصادية ، 2000
• مؤيد الكيلاني، "محافظة حماه"، دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1964
• محمد الغزالي ،"حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي "، القاهرة ، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ،1998
• محمد الغزالي، "الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية" ، القاهرة ، دار نهضة مصر للطباعة ، 1998
• محمد بشير الصيد . " الحكم وإشكالية الاستقرار السياسي : دراسة مقارنة بين النظامين الفرنسي والليبي " . رسالة ماجستير غير منشورة ، طرابلس ، أكاديمية الدراسات العليا ، 1998 ،
• محمد جابر الأنصاري وآخرون ، "النزاعات الأهلية العربية" ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997
• محمد جابر الأنصاري ، "تكوين العرب السياسي ، ومغزى الدولة القطرية" ط2 ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1995
• محمد خليل، "الطائفية والنظام الدستوري في لبنان"، بيروت، الدار الجامعية، 1992
• محمد زاهي بشير المغيربي ( تحرير )، "التنمية السياسية والسياسة المقارنة:قراءات مختارة " ، بنغازي ، منشورات جامعة قاريونس ، 1998
• محمد سهيل العشي، "فجر الاستقلال في سوريا: منعطف خطير في تاريخها"، (بيروت: دار النفائس، 1999).
• محمد عابد الجابري ، " فكر ابن خلدون: العصبية والدولة ، " ط6 ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1994
• محمد كامل حسين، "طائفة الدروز: تاريخها وعقائدها"، ط2، القاهرة، دار المعارف بمصر، 1966
• محمد معروف، "أيام عشتها: الانقلابات العسكرية وأسرارها في سوريا 1949-1969"، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2003.
• محمد نور الدين، "تركيا الجمهورية الحائرة"، بيروت، مركز الدراسات الاستراتيجية، والبحوث والتوثيق، 1998
• محمود إسماعيل، "فرق الشيعة بين التفكير السياسي والنفي الديني"، القاهرة، شيا للنشر، 1989،
• محمود حسين " الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970 " ، بيروت ، دار الطليعة ، 1971
• محمود رياض، "مذكرات محمود رياض"، ط2، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1986
• محمود صادق، "حوار حول سوريا" ، (لندن: دار عكاظ، 1993)
• محمود فوزي " حرب أكتوبر عام 1973 : دراسة دروس " ، طرابلس، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، 1988
• مصطفى السباعي، "من روائع حضارتنا"، ط2، بيروت، دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، 1968
• مصطفى غالب سنان، "راشد الدين: شيخ الجبل الثالث"، بيروت، دار اليقظة العربية، ودار منشورات حمد، 1967
• مصطفي كامل السيد وكمال المنوفي وآخرون ( تحرير ) ، "حقيقة التعددية السياسية في مصر" ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 1996
• مطاع الصفدي " التجربة الناصرية والتجربة الثالثة " ، بيروت مؤسسة الأبحاث العلمية العربية العليا ، 1973
• ممدوح محمود، مصطفى منصور، "الصراع الأمريكي السوفياتي في الشرق الأوسط"، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1965
• منيف الرزاز ، " الحرية ومشكلاتها في البلدان المتخلفة " بيروت ، دار العلم للملايين ، 1965
• موريس دوفرجية " في الديكتاتورية " ترجمة هشام متولي ، بيروت، منشورات عويدات ، 1989
• موريس دوفرجية ، في الديكتاتورية " ترجمة هشام متولي ، بيروت ، منشورات عويدات ، 1989
• موسى الشابندر، "ذكريات بغدادية: العراق بين الاحتلال والاستقلال"، (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 1993)
• موشيه ماعوز، "سوريا وإسرائيل: من الحرب إلى صناعة السلام"، ترجمة لينا وهيب عمان، دار الجليل للنشر، 1998
• ناجي أبي عاد، وميشيل جريتون، "النزاع وعدم الإستقرار في الشرق الأوسط"، ترجمة محمد نجار، عمان، الأهلية لنشر والتوزيع، 1939
• نبيل خوري، "آخر النهار"، لندن، رياض الريس للكتب والنشر، 1998
• نجيب الأرمنازي ، "عشر سنوات في الدبلوماسية" ، بيروت ، دار الكتب الجديدة
• نيفين عبد المنعم مسعد وعبد العاطي محمد أحمد ، " تجربة التعددية السياسية في مصر " القاهرة ، مركز البحوث والدراسات السياسية في جامعة القاهرة ، 2000
• نيفين عبدالمنعم مسعد، "الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي"، (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية في جامعة القاهرة، 1988)
• نيفين عبدالمنعم مسعد، "السياسة الخارجية للحركات الإسلامية"، القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، 2000
• هابنكة زود هوف،"معذرة كولومبس لست أول من اكتشف أمريكا"،الرياض، مكتبة العبيكان،2001
• هاني الفكيكي،"أوكار الهزيمة ، تجربتي في حزب البعث العراقي"،بيروت،رياض الريس للكتب والنشر،1993 .
• هنري لورانس، "اللعبة الكبرى: المشرق العربي والأطماع الدولية"، ط2، بنغازي، دار الكتب الوطنية، 1993
• وجيه كوثراني، "بلاد الشام، السكان، الإقتصاد والسياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين"، طرابلس، معهد الإتحاد العربي، 1980
• يوسف الحكيم، "سوريا والعهد الفيصلي"، ط2، بيروت، دار النهضة للنشر، 1980
• http : // him . rtedband . net / dccls / atefisaboni_brlmain.htm /
http://www.thefreesyria.org
• www. Dumascus- online.com/Arabic/history/doc/ quwatli- jala. Htm.
• www.moqatel.com/ mokate/ data/ behoth/ siasia/ hezb-bath/mokatel1-1-2.htm















الفهرس
التقسيم العنوان رقم الصفحة
المقدمة ( 1-2)
الفصل الأول : مفهومي التناقض السياسي والاستقرار السياسي وأسبابهما (3-58)
الفصل الثاني : الجيش السوري ودوره في التناقض السياسي (59-74)
الفصل الثالث : دور التمايز الاجتماعي في سوريا في التناقض السياسي (75-117)
الفصل الرابع :دور العامل الاقتصادي والطبقي والحزبي في التناقض السياسي (118-183)
الخاتمة (189-193)






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,555,091,556
- مساهمة العوامل الخارجية في عدم الاستقرار السياسي في سوريا - ...
- خطة عمل مقترحة لمنظمات حقوق الإنسان
- المرأة السورية قدوة المرأة العربية في النضال والتضحية
- بروز ظاهرة الفقر في سوريا في العهد الأسدي الدوافع والأسباب
- انهيار التنمية السياسية و التنمية الاقتصادية وأثر ذلك على ال ...
- العلاقات بين الدول العربية وجمهورية جنوب أفريقيا بعد الأبارت ...
- مأساة المجتمع الأسري في العهد الأسدي
- قصيدة عنوانها / الطبيب الحاكم/
- ما أهداف الثورة السورية ومطالبها وتطلعاتها
- ماذا حققت الثورة السورية في شهرها الحادي عشر
- النرجسية ودورها السلبي على الثورة السورية
- حول فساد التعليم في العهد الأسدي
- الرد على أبواق النظام السوري حول المؤامرة الكونية عليه –الجز ...
- الرد على أبواق النظام السوري حول المؤامرة الكونية عليه -الجز ...
- فساد التعليم في ظل حكم الأسدين
- الجامعة العربية جامعة أنظمة عربية وليست جامعة شعوب
- من أجلك سوريا
- النظام السوري والنفق المظلم
- اجتماع الجالية السورية في الجزائر دعما للثورة السورية
- التعليم في سوريا في عهد الملك فيصل وتطورات الوضع الداخلي الس ...


المزيد.....


- اليسار العربي وسؤال الغياب ؟ / محمد الفاروق
- في يوم تضامني مع قرية فلسطينية / خالد منصور
- قصة كردية حقيقية من الماضي لم تحدث! / بهروز الجاف
- المحور الاجتماعى للثورة المصرية / مى مختار
- العدالة في قفص إلإتهام لدى السلطة السورية / محمود عباس
- عاش الأول من ايار يوم العمال العالمي! نحن ال 99 % ، نحن اصحا ... / الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي
- لم تكن ثورة لتكتمل ... / رامى مختار
- بن علي لم يهرب بن علي لم يهرب .. شعب منكوب وحكومة شرعية في و ... / سيماء المزوغي
- الاحزاب و فعالبات المجتمع المدني الاهوازي تحي الذكرى السابعة ... / جابر احمد
- مصير الربيع العربي قد يتقرر في إيران أو السعودية / مازن كم الماز


المزيد.....

- رحل اليساري الذي دافع عن الثوار والعمال والطلبة..ونشطاء: الع ...
- بانوراما : حصار امرلي والحراك الشعبي اليمني وتطورات تركيا
- الأحد القادم ..6 أبريل تنظم مسيرات ضد ارتفاع الأسعار وقطع ال ...
- الحزب الاشتراكي الديمقراطي يعد بآلاف المنازل الجديدة
- مواقف الخضر مغايرة لليساريين والإشتراكيين الديمقراطيين في ما ...
- The Ice Bucket Challenge: How Can We Really Cure ALS?
- الفصائل الفلسطينية بغزة تدعو الرئيس عباس للتوقيع على ميثاق ر ...
- وفد حزب التقدم والاشتراكية يزور مصنع الصابون النابلسي بنابل ...
- وفد حزب التقدم والاشتراكية يلتقي محافظة رام الله والبيرة ، د ...
- هولاند يشكل حكومة جديدة ترسخ الخط الاشتراكي الليبرالي


المزيد.....

- الانتخابات النيابية: رؤية ل أبوالحسن بشير / حاتم الجوهرى
- مصر.. مشكلات وأخطار / أحمد سعده
- الانتخابات الرئاسية .. مسار التناقضات - كراس / اليسار الثوري في مصر
- ثورة الخامس عشر من آذار: مستقبل حزب الله: ضحية الاستبداد الش ... / حسان خالد شاتيلا
- الأصوليَّات الدينيَّة في المدينة: تفاكير حول الربيع العربي-ن ... / أسامة الخوّاض
- ما معنى الحراك الجماهيري وإلى أين يسير؟ / علي عباس خفيف
- ثورة الخامس عشر من آذار:هزيمة الثورة المضادة رهنٌ بوحدة اليس ... / حسان خالد شاتيلا
- الطبقة البورجوازية السورية والثورة الشعبية / غياث نعيسة
- عوامل السلم الأهلي والنزاع الأهلي في سوريا / محمد سامي الكيال- ناريمان عامر- بدرخان علي- محمد ديبو
- ثورة الخامس عشر من آذار: المؤامرات، المتآمرون، والمتآمر عليه ... / حسان خالد شاتيلا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عزو محمد عبد القادر ناجي - التناقضات الداخلية التي هزت سورية