أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اراء في عمل وتوجهات مؤسسة الحوار المتمدن - سالم سليمان - الفساد السياسي والأداء الإداري : دراسة في جدلية العلاقة















المزيد.....



الفساد السياسي والأداء الإداري : دراسة في جدلية العلاقة


سالم سليمان
الحوار المتمدن-العدد: 3422 - 2011 / 7 / 10 - 22:12
المحور: اراء في عمل وتوجهات مؤسسة الحوار المتمدن
    


الفساد السياسي والأداء الإداري : دراسة في جدلية العلاقة
ســالم سليــمان
لا موطن للفساد، فهو يعمق الفقر في جميع أنحاء العالم، من خلال تشويهه لمناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية،...
(بيتر ايغن- رئيس منظمة الشفافية الدولية)
يعد الفساد ظاهرة اجتماعية ، بل هو آفة تغزو المجتمع وتخربه . يقوم الفساد على أساس الاستعمال السيئ للسلطة تحقيقا لمنافع خاصة على حساب المجتمع. وهي حالة لا يكاد يخلو منها مجتمع ما، الا انها قد تزداد ظهورا فتتجسد ظاهرة، يعاني منها المجتمع، فينشط في محاربتها والحد منها أو قد لا تبدو واضحة في مجتمع آخر، فلا يؤكد عليها.
ويتجلى الفساد بعامة في الآتي (وفاقاً لما تذهب إليه منظمة الشفافية الدولية):
 اتخاذ قرارات ليست في الصالح العام، وإنما لإغراض ذاتية.
 إضعاف المؤسسات الديمقراطية، بحيث تتمثل العواقب السياسية بخاصة في فقدان المصداقية وثقة المواطنين ودعمهم لبرامجها.
 إنتاج نمط من منافسة الرشوة، وليس المنافسة المبنية على الكلفة والجودة والإبداع، وهذا ما يؤدي إلى الإضرار بالتجارة وإعاقة الاستثمار.
 تهديد البيئة. فعندما تكون الوكالات المعنية بحماية البيئة فاسدة، تنهار أسس التنمية البشرية المستدامة نفسها.
 استفحال حالات خرق حقوق الإنسان لانه مع تنامي ظاهرة الفساد تصبح أنظمة الحكم أكثر سرية في تعاملاتها، وبالتالي تصبح حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية مهددة كذلك.
 استحالة كسب دخل شريف لملايين الأشخاص، بخاصة في الدول النامية بسبب الفساد.

فالفساد إذن قد يكون ، ظاهرا أو كامنا. اذ يظهر كلما وجد الفرصة سانحة لذلك، حيث ينمو ويستفحل. وعليه، فأن ترك الفساد وإهماله يحول الظاهرة إلى معضلة قد يصعب الخلاص منها.
ولما كان الفساد ظاهرة تصيب المجتمعات بعامة، فأنها تظهر اذا ما وجدت البيئة الملائمة الخصبة، فقد نمت وترعرعت وتفشت في العراق بعد العام 2004، دلالة ذلك تقارير منظمة الشفافية الدولية فقد أوردت إشارة تفيد بان العراق منذ عام 2004 يعد ساحة لأكبر عملية فساد شهدها تاريخ البشرية. وعلى الرغم من ان الفساد ظاهرة عامة وليست ظاهرة تختص ببلد ما دون غيره، كذلك ليس هي سمة لمرحلة معينة، لكن تشخيص هذه الحالة في العراق اشر صعوبة مقارنتها بأية صيغة زمكانية أخرى.
ومهما يكن من أمر يعد الفساد منظومة جزئية ترتبط بالمنظومة المجتمعية الكلية. ولعل في المثل، (مخالفة عامل (وهو جزء من المنظومة الكلية للمجتمع) في محطة تصفية المياه نتيجة رشوة، أو لسبب انتمائه وولائه السياسي أو الفئوي ) خير دلالة على العلاقة المتداخلة بين الفساد بوصفه منظومة جزئية وبين منظومة المجتمع.
ويتخذ الفساد عدة من أشكال، اذ يظهر في بعض أجزاء المنظومة الاجتماعية، وتتباين آثاره في الأجزاء المصابة، وتأسيسا عليه، تتضح خطورة الإصابة ومداها. الا ان من اخطر الإصابات، هي إصابة الجهاز التنفيذي الحكومي (يتكون الجهاز التنفيذي الحكومي من وظيفة وكيل الوزارة فنزولا، أي من غير الوزير). ذلك انه أداة الدولة في تحقيق آمال الشعب وطموحاته وأمانيه، لذا فان أي خلل يصيب هذا الجهاز، سيصيب المجتمع برمته، وهنـــا يصبح واجبا مفروضا على الكل مراقبة الأداء و النقد والانتقاد كشفاً لجوانب الخلل وأسبابها بما يصحح المسار ويعدل الانحراف. ولعل السبب المباشر يكمن في السلطة بما توفره من مزايا وجاه ونفوذ. من هنا اهتمت الدول بتحديد خصائص ومواصــــفات الحاكم وصفاته التي تؤهله للحكم وتسمو بأحكامه فوق الشك والتشكيك والنقد والانتقاد، والمعارضة والتعريض منذ اقدم العصور.
وما البحث الا محاولة لدراسة العلاقة بين الفساد السياسي وتدهور الأداء المؤسسي الحكومي.
1-معضلة البحث:
يثير البحث التساؤلات الآتية:
-هل سبب تدهور الأداء المؤسسي الحكومي الفساد السياسي؟
-ما علاقة الفساد الإداري بالفساد السياسي؟
-هل ظاهرة الفساد ظاهرة مركبة؟
وهذه التساؤلات تعبر بمجمعها عن المعضلة البحثية التي يحاول البحث كشفها وصولا إلى مقترحات قد تخفف منها أو تعمل على تجاوزها أو توجه الأنظار وتركزها نحوها (وهو جهد المقل).
2-أهداف البحث:
يسعى البحث إلى الآتي:
-كشف الظاهرة وتحديد أبعادها،
-تشخيص دور كل من عناصرها وتأثيره في الآخر،
-اقتراح السبل التي يعتقد بانها تقلل من تأثير الظاهرة وتعالجها.
3-فرضية البحث:
تحقيقا لذلك، يفترض البحث الآتي:
- فساد الأداء المؤسسي الحكومي هو نتاج العلاقة غير المتوازنة بين السلطة السياسية والسلطة الإدارية.
- الفساد السياسي علة الفساد الإداري.
وقد اعتمد البحث في إثبات أو دحض فرضيته الاستدلال والاستنباط منهجا.
4-مصطلحات البحث:
لأزالة اللبس عند القارئ يقتضي الحال بيان مضامين مصطلحات البحث ، كما وردت فيه :
أ-الجهاز السياسي (السلطة السياسية): وهي القوى والمؤسسات المخولة دستوريا والمفوضة من قبل الشعب (الانتخابات) بإدارة وتنفيذ برنامج سياسي محدد خلال مدة محددة (أعضاء البرلمان، رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس مجلس الوزراء ونوابه ، والوزراء).
ب-الجهاز التنفيذي: هو الأداة الأساس لتحقيق أهداف السلطة السياسية في تنفيذ مهماتها (البرنامج السياسي) لتطوير وتنمية الدولة. وهذا الجهاز يتكون من وكيل الوزارة نزولا إلى اصغر موظف في الوزارة، أي هو الجهاز الوظيفي الذي ينفذ توجهات وتوجيهات السلطة السياسية، فهو جهاز مهني محترف.
ج-الفساد السياسي: إساءة استخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة، وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية. كذلك خضوع الجهاز التنفيذي لشروط القوى السياسية الحاكمة وتحويله إلى جهاز لحماية وإدامة واستمرار القوى السياسية الحاكمة ودعمها.
د-الفساد الإداري: إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص.
هـ-الفساد القانوني: سن القوانين أو تسخيرها بما يخدم أغراض السلطة السياسية، مثلا التعيين خروجا عن السياق والمسار الوظيفي وتكافؤ الفرص والجدارة والنزاهة، أو سن قوانين تتعارض والسياق الصحيح.
و-الأداء الحكومي: أداء الوزارات كافة وعلى شكل منظومة متكاملة بدءا بالوكيل فنزولا.
ز-جودة الأداء الحكومي: بمعنى مدى انطباق معايير قياس جودة الأداء الذي وضعه البنك الدولي، اذ كلما ابتعدت دولة ما عنها اقتربت من وصف الفساد وبارتفاع المؤشر السلبي للدولة يرتفع معدل الفساد فيها، وخلافه صحيح. وهذه المعايير هي: العلنية والشفافية، الاستقرار السياسي، فاعلية الأداء الحكومي في تقديم الخدمات، البنى التنظيمية، سيادة القانون، ضبط الفساد.


ويحاول البحث مناقشة الموضوع، عبر المحاور الآتية:
-المرتكزات الفكرية
-الجانب العملياتي : الأداء المؤسسي الحكومي

5-المرتكزات الفكرية

يمهد البحث بمدخل فكري هو بمثابة مقدمات تعد أساساً لتحليل الجانب الميداني للبحث ومناقشة نتائجه.
أولا-الفساد، والفساد الإداري والفساد السياسي
يعد الفساد من اخطر الآفات التي عرفتها المجتمعات الإنسانية، فقد عانت منها منذ ظهرت السلطة، التي ينطوي معناها على طرفين: حاكم (هو الإله أو ابنه أو مختار العناية الإلهية) فهو صاحب الحق الإلهي الذي لا يعارض، ثم ظل الإله في الأرض، ثم ممثل الشعب الذي لا تعلو على كلمته أي كلمة، فهو بذاته أو تحيطه قوى غيبية تسنده وتسدد رأيه، مطاع مصان يسأل ولا يُسأل، يفعل ما يشاء، غير مسؤول عن فعله فهو لا يخطئ وما يزال. ثم تطور المفهوم فأصبح المفوض من الشعب يحكم باسمه ويحقق مصالحه. ثم تطور الحال فأصبحت القوى التي تفوض الحاكم هي الشعب يحكم باسمه ويحقق مصالحه-لكن الحال لم يتحسن فأصبح الشعب بديلا عن الإله، وأضحت الأكثرية تذعن للأقلية باسم الشعب وان تعارض الأقلية باسمه؟ وتثبت قواعد سلطتها باسمه وتسخره لحمايتها باسمه وتقوم الثورات باسمه. فمهما يكن من أمر، فالحاكم يظهر ذا طبيعة تؤهله للحكم، وتسمو بإحكامه عن المعارضة والنقد والتشكيك أو يتمتع بمزايا السلطة ويمارسها،محكومين يخضعون لها وينفذون أمرها، وقد يجنون خيرها اذا صلحت، أو يدفعون ثمن أخطائها اذا هي فسدت.
لقد كون الفساد آفة مجتمعية، لها آثار كارثية، اذ اصابت مجتمع اهلكته. وقد سعت المجتمعات بعامة إلى محاربته للتخلص منه، ومحاسبة من يتسبب به، فهو عقبة كأداء في سبيل تطور المجتمع وتقدمه.
والفساد آفه لا يكاد يخلو منه أي مجتمع، سواء أكان يسود الغنى فيه ام يعاني الفقر، وسواء تفشت الامية فيه ام جله متعلم. فالفساد يظهر في المجتمعات كافة ولكن بمستويات متباينة، فقد يكون في بعضها صغيرا لا يذكر، كما قد يكون في غيرها خطيرا يهلك المجتمع ويدمره.
وهو بعامة، يبدو واضحا اذا ما وسد الأمر إلى غير اهله، أو وضع السيف في غير موضعه. وظهوره يتجسد بصيغ وهيئات مختلفة، ولعلك تراه :
-عندما تعطل القوانين والتعليمات وتسود الفوضى والعشوائية في اشغال الوظائف واسنادها إلى محدودي الكفاية، وتشكيل لجان (المناقصات، والمشتريات والاستيراد ووضع جداول الكميات والتسعير) من غير ذوي الاختصاص،...
-شيوع ظاهرة الغنى الفاحش والمفاجئ في المجتمع،
-شيوع ظاهرة الرشوة حتى انها اضحت تبدو من جملة المستمسكات المطلوبة في اية معاملة،...
-المحسوبية والمنسوبية والولاء في شغل الوظائف والمناصب بدلا عن الجدارة والكفاية والمهارة المهنية والنزاهة،..
-غياب مبدأ تكافؤ الفرص في شغل الوظائف،
-ضعف الرقابة أجهزةً واداءً ودوراً، فهي لا تعدو ان تكون شكلية، اما نتائجها فتهمل.
ومهما يكن من أمر فان الفساد قديم قدم الإنسان الذي يحمل المتناقضات، الخير والشر، الحب والكره،.. فهو يظهر عندما تغلب صفة الشر على الخير، والأنانية على الإيثار، والكره على الحب، والاستئثار بالغنائم، والسطو. فهو بعامة تلك الظاهرة التي تجسد تفضيل النفس على الآخرين والاستئثار بما ليس للفرد حق فيه.
ويعد ارتفاع مؤشر الفساد في أي مجتمع دالة على تدني الرقابة الحكومية وضعف القانون وغياب التشريعات ومؤسساتها الفعالة، والعكس دالة قوة هذه المؤشرات.

وقد ينشط الفساد نتيجة لغياب المعايير والأسس التنظيمية والقانونية وتطبيقها وسيادة مبدأ الفردانية، بما يؤدي إلى استغلال الوظيفة العامة وموارد الدولة من أجل تحقيق مصالح فردية أو مجموعاتية أو حزبية على حساب الدور الأساس للجهاز الحكومي، بما يلغي مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص والجدارة والكفاية والنزاهة في شغل الوظائف العامة( ).
إذن يمكن القول بان الفساد : هو وصف لحالة مرضية تصيب المنظومات الاجتماعية ولها علاقة بالاختلالات الإدارية الناجمة عن العلاقة غير المتوازنة بين السلطة السياسية (اذا هي تجاوزت دورها القانوني)، والجهاز التنفيذي الحكومي بما يخرجه عن مساره الصحيح بخضوعه لإرادة القوى السياسية النافذة- لذلك نجد هذه القوى تجعل الولاء لها أساسا لشغل الوظائف المتقدمة دونما التفات أو اعتبار للشروط الموضوعية وتكافؤ الفرص والنزاهة، ويمكن ان يلحظ ذلك من خلال صياغة التشريعات القانونية التي تحكم الوظيفة العامة بما يخدم ذلك (مثلا وضع شروط شغل وظيفة قيادية تبتعد عن السياقات العامة التي يجب ان تتوافر فيمن يشغلها) وبذلك فقدت هذه الوظائف السيادة الحقيقية لان شاغلها لا يمتلك سوى سلطة الوظيفة اما السلطة المهنية فهي بيد من دونه من الموظفين بسب عدم جدارته الموضوعية وكفايته المهنية لشغلها، أي فقره المهني. فالفساد الإداري مثلا يعني سوء استخدام المنصب لغايات ومآرب شخصية. لذلك تتضمن قائمة الفساد على سبيل المثال لا الحصر الابتزاز، واستغلال النفوذ، والمحسوبية، والاحتيال والاختلاس، شغل الوظائف على وفق صيغ تشريعية غير موضوعية.
ومما يلحظ انه ليس ثمة اتفاق على تعريف محدد لتعبير الفساد، فاذا مانفذت إلى فضاء الفكر وجدت بان هناك اتجاهات مختلفة تختلف باختلاف مجال الدراسة، وتتباين بتباين الخلفيات الثقافية والمعرفية للدارسين، غير ان هذه الاتجاهات يجمعها قاسم مشترك، ذلك ان الفساد هو استخدام النفوذ في الحصول على ما ليس لصاحب النفوذ حق فيه، أو استغلال النفوذ استغلالا غير مشروع. وقد أوجز البنك الدولي في تعريفه، بان الفساد هو إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص.
ومن امثلة الفساد :
- الرشوة
- قبول الهدايا والعطايا
- استخدام الاموال العامة وتوظيفها تحقيقا لمكاسب شخصية (لولا النفوذ لما تحققت).
- التعيين القائم على المحسوبية والمنسوبية والولاء وذوي القربى.
- الاستغلال السيئ للوظيفة لتحقيق مصالح ذاتيه على حساب المصالح الموضوعية.
- الخروج المقصود عن القواعد والنظم العامة لتحقيق منافع خاصة.
- بيع الممتلكات العامة لتحقيق منافع ومكاسب خاصة.
ومهما يكن امر الفساد فهو مؤشر على وجود أزمة أخلاقية في السلوك تعكس خللاَ في القيم وانحرافاَ في الاتجاهات عن مستوى الضوابط والقيم الصحيحة للمجتمع والمعايير السليمة مما يؤدى إلى فقدان الجهاز الإداري المعنى لكيانه الفعلي متجها به لتحقيق مصالح مجموعة فاسدة من العاملين متعايشة داخل النظام. بمعنى أن قواعد ونظم العمل الرسمية الموحدة فيه حلت محلها قواعد وإجراءات عمل متصارعة ومتضاربة وتخدم أهداف ومصالح التجمعات الفاسدة والمترهلة المتعايشة مع النظام( ).

عليه، يصبح القول ( بأن الفساد يوجد حيثما توظف أية منظمة أو أي شخص صاحب سلطات وصلاحيات ما هم مخولون بالتصرف به وفاقاً لأسس غير موضوعية تطغى عليها غلبة المصالح الخاصة والذاتية على مصالح المجتمع، والخضوع لحكم الهوى والرغبة من دون التفات إلى النتائج المترتبة على سلوكياتهم، بخاصة عندما يتمتع شخص أو منظمة بحماية خاصة أو حصانة تجنبهم المساءلة، أو ضعف المسائلة والهيئات المسؤولة عنها (فهي قد تكون هيئات شكلية) التي قد تكون غير مؤهلة للاضطلاع بمهماتها) معبرا بوضوح عن المضمون العملي للفساد.
وهنا لا بد من الإشارة إلى ان من أهم دوافع الفاسد هو غياب القيم الأخلاقية، فضلا عن غياب قيم المواطنة، والشعور بالمسئولية. وقد يكون الفساد المتراكب هو أهم ما نعانيه في إدارات الدولة نتيجة غياب الرقابة الصارمة وغياب مبدأ الثواب والعقاب، فارتكاب اي مسؤول كبير تجاوزات قانونية ومالية، وعدم معاقبته بمقتضى الأصول القانونية والدستورية للدولة مع بقائه واستمراره في موقعه وسلوكياته فإنه سيشجع آخرين في وزارات الدولة على ارتكاب تجاوزات مماثلة، بما يؤدي إلى فساد مركب، وتصبح معالجته مسألة غاية في الصعوبة. وتزداد إمكانية انتشار الفساد في إدارات الدولة، في حالة غياب قيم المواطنة، التي ترسخ مبدأ الأولية للوطن في ذهن المواطن، والمسؤولية الاجتماعية تجاه المجتمع الذي أئتمنه على إدارة أمواله وممتلكاته وفوضه لإدارتها لتحقيق رفاهة المجتمع وتطويره لا لتحقيق مصالحه الخاصة ولا لسواد عينيه كما يقال . عليه، فالفساد بمعنى سوء استغلال السلطة العامة لتحقيق مكاسب ومنافع خاصة، أشكال تتجسد بمظاهر عدة. فإذا ما نظرنا إلى هذه الظاهرة سنجدها تأخذ الأنماط والصيغ الآتية( ):
أ-فساد إداري، ولا يقصد به فساد الإداريين، انما يراد به فساد تصرفاتهم وسلوكهم وهو امرٌ متعلق بمسائل تنظيمية وانحرافات في سلوكيات الموظف، ومن حيث تأثيره وحجمه إلى إجمالي عملية الفساد فانه الأصغر حجما على الرغم من انتشاره، وفي الغالب يتعاطى هذا الشكل صغار الموظفين، إذ يظهر بصيغ عدة منها:
 الانحراف الأخلاقي لبعض المسؤولين. فهناك انحراف عن الأخلاق الفاضلة من قبل بعض من يتولى مسؤولية في حالة اتخاذه قرارات مرتبطة باستغلال الموارد( ). ومنها صيغة الرشى، والاختلاس، والغش، والتهرب الضريبي، والتعامل مع أكثر من وظيفة حكومية بأستحقاقات كل مركز منها، بمعنى العمل في أكثر من دائرة في آن واحد، وتزوير الوثائق الرسمية، وعرقلة إجراء المعاملات، والابتزاز، واستغلال النفوذ، وعدم احترام وقت العمل، وامتناع الموظف عن تأدية عمله، والوساطة...
 بيع أو تأجير أملاك الدولة، لتحقيق مصالح شخصية. ويتجسد ذلك بتدخل بعض قيادات القوى السياسية في بيع ممتلكات الدولة أو تاجيرها للاقارب والاصحاب والتابعين أو شرائها لمصلحته أو مصلحة اقاربه ومحسوبيه.
 الاستغلال السيئ للوظيفة العامة لتحقيق المصلحة الخاصة، سواء أكانت هذه المصلحة مرتبطة بحزب أم عائلة. وهذا لا يعني بالضرورة حصول المسؤول على رشوة مادية وإنما يعني استغلال المركز بما يخالف القواعد الموضوعية. وعلى وفق اعتبارات حزبية ضيقة أو شخصية أو عائلية،...
 شيوع ظاهرة ضعف القدرات الإدارية والعلمية لدى القيادات الإدارية النافذة بسبب الابتعاد عن الأسس الموضوعية في الاختيار والتعيين واسناد الأدوار إلى غير اهلها، المؤدي إلى تخريب المنظومة الحكومية والمؤسسة الحكومية، من خلال خلق مجموعة نفعية تغطي العيوب وتعمل على تجميل الحالة، وإزاحة قوى العمل القادرة والكفوءة والنزيهة.
بتعبير آخر، يعني الفساد سلوكيات الموظف الحكومي غير المنضبطة على وفق المعايير السليمة، والرشى المقنعة والعينية، ووضع اليد على المال العام، والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأقارب في الجهاز الوظيفي وفي قطاع الأعمال،... والواقع أن اغلب الكتابات تركز على جانب الفساد الإداري، وفي هذا الصدد هناك أراء عدة لتعبير الفساد الإداري ولعلها الأكثر تداولا نذكر منها( ):
 فقدان السلطة وإضعاف فاعلية الأجهزة الحكومية،
 الانحراف عن قواعد العمل الملزمة لإلحاق الضرر بالمصالح العامة والتأثير غير المشروع في القرارات العامة للدولة،
 انحراف السلوك عن الواجبات الرسمية لاعتبارات خاصة كالإطماع المالية والمكاسب الاجتماعية وارتكاب مخالفات للقوانين المرعية بدفع الرشى إلى الموظفين في الحكومة لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات المحلية والأجنبية،
 استغلال الوظيفة العامة بتعيين الأقارب ضمن قاعدة ( المحسوبية والمنسوبية ) أو سرقة أموال الدولة مباشرةً ( وضع اليد على المال العام ) والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي.

ب-الفساد السياسي، ويعد الأكبر ضررا من حيث حجم أثره وكلفه على البلد، وتقوم به النخب السياسية، ورجال الأعمال والنخب الإدارية. ويعرف الفساد السياسي بمعناه الأوسع بانه إساءة استخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة، وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية( ). وقد لانجد نظاما سياسيا يخلو من هذا النوع من الفساد، فكل الأنظمة السياسية معرضة للفساد السياسي الذي تتنوع أشكاله إلا أن أكثرها شيوعاً هي المحسوبية والرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال ومحاباة الأقارب؛ وكل ذلك اعتمادا على المناصب السياسية التي تسند إلى الشخص. وعلى الرغم من أن الفساد السياسي يسهل النشاطات الإجرامية من قبيل الاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال والدعارة، الا انه لا يقتصر على هذه النشاطات ولا يدعم أو يحمي بالضرورة الجرائم الأخرى.
وتختلف ماهية الفساد السياسي من بلد لآخر ومن سلطة قضائية لأخرى. فإجراءات التمويل السياسي التي تعد قانونية في بلد ما قد تعد غير قانونية في بلد آخر. وقد تكون لقوات الشرطة والمدعين العامين في بعض البلدان صلاحيات واسعة في توجيه الاتهامات (وهو ما يجعل من الصعب حينها وضع حد فاصل بين ممارسة الصلاحيات والفساد) كما هو الحال في قضايا التصنيف العنصري. وقد تتحول الممارسات التي تعد فساداً سياسياً في بعض البلدان الأخرى إلى ممارسات مشروعة وقانونية (في البلدان التي توجد فيها جماعات مصالح قوية) تلبية لرغبة هذه الجماعات الرسمية.
بعامة، قد يأخذ الفساد السياسي صوراً عدة، منها:
 المحسوبية، ويتمثل بالرشى والعمولات، والنهب والاستحواذ على نطاق واسع عن طريق المناقصات العامة، ومنح الامتيازات الاقتصادية الخاصة لتحقيق أغراض سياسية،( )..
 ومناصرة الولاءات، ويتمثل بالنهب الواسع للأموال والممتلكات الحكومية عن طريق صفقات غير موضوعية، وتحويل ممتلكات عامة إلى مصالح خاصة بدعاوى مختلفة، وضياع في موارد الموازنة الحكومية، ورفع قيمة الخدمات التي يفترض أن تقدمها الحكومة لأسباب سياسية، وارتفاع مرتبات أعضاء القوى السياسية المسيطرين على مواقع المسؤولية...( ) كذلك فقد تصدر السلطة السياسية تشريعات لخدمة شرائح معينة، أو لخدمة اشخاص معينة، أو لتسهيل امرها، كما قد تلغى هذه التشريعات بعد تحقق أهدافها، وقد تكون مستمرة .

وهنا تقتضي الإشارة إلى ان الفساد السياسي لا يقصد به فساد السياسيين، وانما يقصد به فساد التصرف والسلوك السياسي . ولعل هذا الفساد من اقسى انواعه، لان ممارسيه محميون، وقد اشارة تقرير السفارة الأمريكية المتعلق بقضايا الفساد لعام 2006 صراحة إلى أن المعضلة الرئيسية في مكافحة قضايا الفساد في أعلاه هي في الحصانة السياسية التي يتمتع بها الأشخاص المتهمون في المؤسسات الحكومية المختلفة( ).

ثانيا-الأداء الحكومي( )
من المعلوم ان السياسيين لا ينتخبون لمواصفاتهم الشخصية وحسب، وانما بالدرجة الأساس يجري الانتخاب على أساس البرنامج السياسي الذي يطرحه الحزب الذي ينتمون اليه، فالبرنامج السياسي هو ما يتعاقد عليه الناخبون والمنتخبون، لذلك فنجاحهم يتوقف على مدى الوفاء بتحقيق البرنامج السياسي الذي جرى الاتفاق عليه.
تأسيسا، يمكن القول بان: الأداء الحكومي( ) هو الانجاز الذي تم من البرنامج السياسي عبر المدى الزمني. ويعتمد نجاح الحكومة وفاعلية ادائها وكفايته على ركنين أساسيين:
-التزام السياسيين بالبرنامج السياسي،
-كفاية الجهاز الأدائي للحكومة وقدرته وجدارته ونزاهته(ملاك الوزارة، من الوكيل إلى أدنى وظيفة).
وتجدر الإشارة هنا إلى ان الاداء الحكومي يمكن تمييزه الى:
-أداء سياسي، ويقصد بها اداء الوزير منصبا سياسياً .
-أداء مؤسسي، ويقصد بها اداء منظومة الوزارة، وهي تبدأ بالوكيل كونه المسؤول عن اداء الجانب التنفيذي والمهني في الوزارة، وهو المسؤول الأول عن أداء الوزارة في جانبها التخصصي.
عليه يمكن القول بأن :
الاداء الحكومي : يقصد به الانجاز الكلي لمنظومة الحكومة في اطار تفاعلها مع عناصر بيئتها المحلية والعالمية ، كذلك فهو يتضمن :
- اداء الوزراء لمهماتهم السياسية
- اداء الوزارات المؤسسي في اطار السياسة العامة للحكومة.
- اداء الحكومة كونها منظومة كلية في اطار البيئة المحلية والعالمية.

ان هذا الإطار سيقود بأتجاه الوصول إلى معايير تميز أداء الحكومة إجمالا كما انها توضح أداء كل وزارة، وكالآتي:
-أداء الوزير: ويقصد به الأنشطة السياسية التي يمارسها في وزارته لتحقيق الجزء المتصل بوزارته ضمن البرنامج السياسي الذي طرحه الحزب الذي ينتمي اليه، بمعنى، الأعمال التي يمارسها للقيام بمسؤولياته التي يضطلع بتنفيذها في الوزارة وصولا إلى تحقيق الأهداف التي وضعت لها، التي تسهم بدورها في تحقيق أهداف الوزارة.
-أداء الوزارة: وتتضمن نشاطات الوزارة (الجانب الفني) المبذول في تحقيق الأهداف وانجاز المهمات التي من شانها ان توصل إلى انجاز أو تنفيذ البرنامج السياسي. وهنا لا بد من الإشارة إلى ان دور الوزير يتوقف فقط عند الجانب السياسي، اما الجانب التنفيذي فانه يتصل بالأداء المهني وهذا بالتالي خط احمر يجب ان لا يتجاوزه الوزير فتنفيذه يقع على عاتق الجهاز الفني (المهني) في الوزارة. بمعنى، الأعمال التي تمارسها الوزارة للقيام بدورها الذي تضطلع بتنفيذه في الحكومة، وصولاً إلى تحقيق الأهداف التي وضعت لها على ضوء برنامج الحكومة الذي انتخبت على أساسه وللحكم على اداء الحكومة لابد من قياس ، وان عملية القياس تستلزم تحديد معايير للقياس تتخذ أساساً لتأشير مستويات الاداء الحكومي وإن عملية وضع وتحديد مؤشرات لقياس الأداء الحكومي ليست بالعملية السهلة، اذ لا بد من ان يسبقها وضع مجموعة من الأسس اللازمة لاختيار المؤشرات واختبار دقتها، ومن خلال هذه المؤشرات يمكن متابعة الأداء وتحديد انحرافات سيره في أثناء التنفيذ لمعالجتها . وهذه العملية في إطار هذا الجهد لها ثقلها كونها تعتمد على تقديم صورة على ثلاثة مستويات في آن واحد: الأداء السياسي للحكومة، أداء التشكيلات الحكومية في مجالها الخدمي المهني، أداء تلك التشكيلات في جانبها الإداري.
ان هذا لأمر تكتنفه صعوبات جمة، اذ ترجع صعوبة قياس أداء الوزراء والوزارات والحكومة إلى طبيعة الصعوبات التي تواجه العمل في مثل تلك المنظومات الحكومية. ونورد هنا أهم تلك المشكلات والصعوبات( ):
أ-طبيعة الخدمات الحكومية: من المعلوم أن تعبير جودة الخدمة التي تنجزها الأجهزة الحكومية (الوزراء/ الوزارات/ مؤسسات الدولة/ الحكومة)، هو تعبير يصعب وصفه أو إخضاعه للقياس، وذلك انطلاقًا من عدم دقة نتائج التقويم والقياس الذي يعتمد على المعايير الوصفية. ونظرًا إلى أن المنتج الذي تقدمه التشكيلات الحكومية هو منتج غير ملموس (خدمة)، فقياسه يعتمد على الوقوف على رأي ودرجة رضا المستفيد، وهذا يخضع لمؤشرات عدة، كما انه لا يستقر على حال وانما يخضع لمزاج مجتمع الدراسة ومواقفهم يوم القياس، وبالتالي سوف يصعب تحديد درجة العلاقة بين التكلفة والعائد. وعلى الرغم من ذلك فمن الضروري إجراء مثل هذا القياس، لأنه من المتطلبات الأساس لتقويم فعالية البرامج الحكومية. وهذا يسهل تنبيه الحكومة لتقويم البرامج المنفذة بهدف تعديلها أو الاستمرار فيها.
ب-تعدد الأهداف والأسبقيات و تعارضها : عادة ما يوجد للمنظومات الحكومية (وزارة/ مؤسسة حكومية/ الحكومة) أهداف متعددة في الوقت الذي يوجد فيه هدف محدد لكل منظومة فرعية منها. وتلتقي جميعا في إطار البرنامج السياسي الذي على أساسه انتخبت الحكومة. وفضلا عن ان تعدد الأهداف في تلك المنظومات الفرعية يضيف صعوبة إلى صعوبات قياس الأداء، وذلك بعدم إمكانية تحديد الوزن الذي يعطى لكل هدف من الأهداف المتعددة، في إطار البرنامج السياسي.
ج-غياب التحديد الدقيق لمهمات المنظومات الحكومية: ان عدم وضوح مهمات كل وحدة يقود إلى خلق صعوبات جمة التي قد تؤدي بدورها إلى صعوبة تحديد المسؤوليات وتشتتها. ونذكر منها:
- التداخل في اختصاصات المنظومات الحكومية .
- غياب التنظيم السليم للمنظومات الحكومية .
- عدم التحديد الدقيق لأختصاصاتها .
د-تعقيد الروتين في المنظومات الحكومية وتعقد الإجراءات وطولها: نتيجة لغياب الهيكلية الموضوعية للوظائف والتعيين غير الملتزم والعشوائي لشغلها وشيوع ظاهرة المؤسسية ، أدى إلى وجود:
- مستويات نوعية متدنية من العاملين،
- وتباين في تخصصات العاملين والوظائف التي يشغلونها،
- وعدم توازن عدد الوظائف وحجم المهمات وعبء العمل،
- وانخفاض انتاجية العمل،
- وهدر في الموارد بسبب زيادة بند الاجور في الموازنة.
- يتطلب التشدد في الرقابة وتنميط العمل، فضلا عن شيوع الظاهرة المؤسسية* في الوحدات التنظيمية وبناء الإمبراطوريات،... ونتيجة طبيعية لغياب المعايير الكمية التي يمكن الاعتماد عليها في قياس الأداء، نجد أن الأعمال الإدارية تهتم بتطبيق الإجراءات، في حين تركز أجهزة المساءلة في المحاسبة على الالتزام بمتابعة سير تلك الإجراءات. اما عمل الوزير فلا معايير مستقرة متفق عليها لتقويم أدائه. في حين ان أعمال الحكومة تقوم على أساس استمرار القبول المجتمعي لبرنامج الحكومة، فضلا عن الأشكال الظاهرة من خدمات واستقرار ورفاهية.
هـ-الصعوبات المرتبطة بعنصر العمل: تتمثل الصعوبات والاختلالات المتعلقة بعنصر العمل في الآتي:
-في المجال الإداري
تبرز الصعوبات الآتية:
 التضخم الوظيفي وسلبياته من: تشتت في المسؤولية الإدارية وضياعها، وتعقد الإجراءات وطولها وخلق (استحداث الدوائر والوظائف لأشخاص بمعنى استحداث الوظيفة والدائرة للأشخاص، لا على أساس النشاط ومدى الحاجة إليه وانما لإيجاد موقع وظيفي لشخص معين) مستويات تنظيمية غير ضرورية، فضلا عن تعدد حلقات الرقابة، بسبب كثرة الموظفين وانخفاض مستوياتهم، وانخفاض انتاجية العمل وكثرة مشكلاته (قانون باركتسون) وشيوع الظاهرة المؤسسية
 ازدواجية و/ أو تداخل الاختصاصات الوظيفية، فضلا عن غياب الوظيفة، اذ ليست هناك هيكلية محددة على مستوى الوظيفة تحدد هويتها، وانما هناك مجموعة من واجبات غير مترابطة يسندها المسؤول إلى الفرد، فليس هناك وظيفة محددة تسند إلى الفرد فلا يوجد من الوظيفة سوى اسمها وعنوانها، اما مهماتها فلا تعرف،
 صعوبة تحديد ما يلزم من مواصفات للوظائف القيادية كوصف العمل ومواصفات الفرد، وذلك لعدم وجود معايير موضوعية لأداء العاملين القياديين لتستخدم مؤشرات إرشادية في تحديد اختيارهم ، فضلا عن ذلك تم استحداث وظائف بعنوانات لا يوجد هناك حاجة محددة لاستحداثها.
-اما في المجال السياسي، فان ادوار الوزير غالبا ما تواجه بمشكلات متعلقة بمدى نفوذه ودرجة تأثيره في التشكيلة الوزارية، والظرف السياسي العام، ونوع الخدمات التي تقدمها الوزارة التي يتولاها ودرجة تماسها المباشر مع حياة المواطنين وظروفهم المعاشية،...






* ظاهرة المؤسسية تبرز عندما يوجد موظفون فوق الحاجة الفعلية ، وتتحول بمرور الزمن إلى حالة ثابتة يصعب تغييرها.




-اما في مجال العمل الحكومي، فان أعمالها أكثر انكشافا أمام المواطن، نظرا لتعلقها بمسائل مثل: توزيع مفردات موازنة الدولة، وإدارة الموارد الحكومية، وتوفير أغطية سياسية للمحاسبة البرلمانية أو القضائية عن أي أعمال إساءة في الممتلكات العامة، ومراعاة المزاج المجتمعي العام، وعلى الرغم من ذلك فأن هذه الأعمال ذاتها غير قابلة للقياس بقدر ما هي قابلة لتعدد القراءات فهي تخضع للاجتهاد في الغالب.
ومما ساعد على زياد الصعوبة في كل ما تقدم، ان الأجهزة الرقابية في العراق بمختلف تصنيفاتها (القضائية، والبرلمانية، والإدارية) تعمل بالرقابة بالإجراءات وليس بالرقابة على الأهداف، فضلا عن تدني المستويات النوعية للعاملين فيها،
-والاختيار العشوائي القائم على العلاقات الشخصية أو اتجاهات المسؤول نحو العاملين، وليس على أساس موضوعي يعتمد السيرة الذاتية (التاريخ الوظيفي) والتقويم الموضوعي للعاملين والإعلان عن الوظيفة وشروطها بالوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة ليتسنى لجميع المؤهلين التنافس عليها لاختيار الأفضل لصالح العمل والمؤسسة وليس لصالح الفرد.

و-الضغوط السياسية: عادة ما تمارس المنظومات الحكومية (بمختلف تسمياتها) اختصاصاتها في إطار من القرارات السياسية التي تسعى الحكومة من ورائها إلى تعظيم مكاسبها السياسية والاجتماعية، أي المردود السياسي والاجتماعي للحكومة الذي يصعب إخضاعه للقياس الكمي.
ز-القياس المضلل للأداء: وفي ظل غياب الشفافية نجد أن الحكومة تتبنى ازدواجية في القياس. فهناك قياس داخلي تدركه القوى المشّكلة للحكومة من خلال توزيع موارد الموازنة العامة، وفسح المجال أمام الوزراء لإعادة ترتيب وزاراتهم بمختلف تشكيلاتها. وقياس خارجي تقدم الحكومة فيه صورة غير واقعية تجميلية لتضليل القياس الخارجي المتمثل في المستفيدين من الخدمات التي تقدمها المنظومات الحكومية المختلفة.
كشفت الصفحات الماضية الاداء الحكومي وقدمت وصفا له وكيفية قياسه وآليته و مايعترض عملية القياس من صعوبات وعقبات وفي ذلك تمهيد لتحديد ماهية الفساد في الاداء الحكومي ومعرفته.
ففيما يتصل بفساد الاداء الحكومي هو ان اداء الحكومة ينحرف عن ماعرضه البحث من خطوط رئيسة وان يكون ذلك مقصوداً لاعفوياً تتعمده الحكومة وبذلك فهو يعني اعلى درجات الفساد في الاداء الحكومي وهو مرحلة تالية لتدني الاداء والتلكؤ فيه . ولا يمكن تصور تحققه من دون وجود فساد إداري، يعيق إجراء تدقيق لعمليات الفساد في الأداء الحكومي. والأخير غالبا ما يكون محميا بالفساد السياسي.
ان المعضلة التي تواجه الباحثين هي ان الخط الفاصل غير حاسم أو غير واضح بين المناصب السياسية والمناصب المهنية- على أساس ان الوظيفة مهنة تحتاج إلى مستوى معين من المهارات والقدرات والمعارف والخبرات. وتزداد المسالة إرباكا كون بعضهم يعرف الإدارة بانها عملية وضع وتنفيذ وتقييم وتعديل السياسات. وبالتالي فالتداخل أساسا موجود بين الوظائف الفنية والوظائف السياسية. لكن، هل بإمكان هذا التداخل ان يحسن سير العملية الإدارية او انه احد الأسباب في زيادة عملية التدهور، بمعنى تدهور الأداء الحكومي؟

ثالثا : -المعايير الدولية لقياس جودة نظام الحكم: أنموذج فاعلية الأداء الحكومي

لقد توضح فيما تقدم، ان نتاج الفساد في صوره السياسية والإدارية هو فساد في الأداء المؤسسي للدولة . ولما كان الأداء ينماز من حيث مستوى الجودة، عليه تكون الإشارة إلى المعايير الدولية المعتمدة في تحديد مستوى جودة الأداء الحكومي امراً اذا بالٍ :
لقد انتهى البنك الدولي إلى تحديد معايير ستة لقياس جودة الحكم، وكلما ابتعدت دولة ما عنها ازدادت قربا من ان توصف بالفساد اذ ان بارتفاع المؤشر السلبي يرتفع معدل الفساد فيها، وعكسه صحيح. وهذه المعايير هي( ):
-العلنية والمسائلة Voice & Accountability. بمعنى ان تكون قواعد البيانات للتعاملات الجارية أو تلك التي قد تمت متاحة،
-الاستقرار السياسي Political Stability. وتحدده المكونات الاتية : الاستقرار الحكومي، واستقرار الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية و بروفايل الاستثمار والصراعات الداخلية و الصراعات الخارجية وتدخل العسكر في السياسة وتدخل الدين في السياسة والأمن ونزاع الأقليات القومية والطائفية وخضوع الحكومة للمحاسبة( )،
-فاعلية الحكومة Government Effectiveness.
-نوعية الانظمة والتعليمات Regulatory Quality. بمعنى وجود كفاية في التنظيمات والمؤسسات في بناء الدولة،
-دور القانون Rule of Law.
- الرقابة على الفساد Control of Corruption.
وقــد وضعت منظمة الشفافيـــة العالمية مؤشرات لقـــياس حالات الفساد في مختلف دول العالم ، وحـــددت له درجــــات عشـــر ، ارتفاع هذه المؤشرات دلالة شفافية وانخفاضها دلالة فساد .
عليه يمكن تحديد الملحظات الاتية على المقياس العالمي للنزاهة :
 المقياس العالمي للنزاهة ويتكون من 10 درجات أعلاها يمثل نزاهة تامة وأدناها يؤشر فساداً تاماً، وما بينهما تتدرج المستويات فكلما ابتعد المقياس من الرقم 10 انخفض مستوى النزاهة، وبالتالي انخفض مؤشرات الشفافية وبدأ يقترب من مؤشرات الفساد، وصولا إلى الفساد التام عند الرقم (0).
 ان المعايير في أعلاه، موزعة على وفق أوزان محددة، وبالترتيب المذكور في أعلاه. وبالتالي لا يمكن ان يكون المنحنى الذي يمكن رسمه من معادلات تلك المؤشرات الا واحداً من الآتي( ):
أ-دالة متزايدة، مثلا: فساد قليل ، شفافية عالية
ب-دالة متناقصة، مثلا: فساد كثير، شفافية متدنية جدا
ج- لا يوجد خط مستقيم

ولعل المخطط الاتي يقدم توضيحاً لاتجاهات هذه المعايير:

أداء حكومي فاعل/ نزاهة معايير جودة الأداء الحكومي

10 9 8 7 6 5 4 3 2 1 0

العلنية
والشفافية

الاستقرار
السياسي

دالة متناقصة فاعلية
الحكومة

دالة متزايدة كفاية المنظومات
والمؤسسات في
بناء الدولة
سيادة
القانون

ضبط
الفساد

أداء حكومي فاسد/فساد

ومما تجدر الاشارة اليه أن قياس الفساد إحصائيا ليس بالأمر الهين طالما ان المشتركين فيه ليسوا متعاونين في هذا الصدد. وتقدم المنظمة العالمية للشفافية ثلاثة معايير تقوم بتحديثها سنوياً لقياس الفساد وهي:
-مؤشر إدراك الفساد (القائم على آراء الخبراء حول أحوال البلدان الفاسدة)،
-والبارومتر العالمي للفساد (القائم على استطلاعات مواقف الرأي العام وخبرتهم مع الفساد)،
-واستطلاع دافعي الرشى الذي يبحث في استعداد الشركات الأجنبية لدفع الرشى.

أ-عليه، فكلما ابتعد أداء الدولة عن معدلات الجودة اقتربت من معدلات أعلى من الفساد. وكلما زادت معدلات أو مستويات الفساد كانت معدلات أو مستويات التدني في المعايير الثانوية المشكلة للمقياس ، عالية نسبيا.
وعالميا،دفعت تداعيات ظاهرة الفساد بمنظمة الشفافية العالمية إلى وضع مؤشرات لقياس حالات الفساد في مختلف الدول، ووضع له (10 درجات) الارتفاع دليل الشفافية والانخفاض دليل للفساد (10 درجات شفافية تامة، 0 فساد تام)،
ب-واذا ما تذكرنا ان زيادة معدلات ومستويات الفساد الإداري ينعكس على نحو واضح في:
-سرقة المال العام، وبالتالي عدم تحقق النسبة الطبيعية للإنفاق الحكومي على القطاعات الخدمية (حجم الإنفاق الفعلي تكون نسبته دائما اقل من 100% من حجم التخصيص الرسمي في الميزانية الذي اعتمد وفاقاً لمعطيات الحاجة الفعلية)،
-رفع كلف الخدمات والسلع التي يحصل عليها المواطن من الدولة، وبالتالي يؤثر في نظره للدولة بوصفها صاحبة سلطة شرعية،
-إعلاء شان الموظف غير الكفء وغير الجدير وغير النزيه. وتداعيات ذلك تكون في الأثر النفسي السلبي في سلوكيات الموظف الجدير والكفء والنزيه، وكون نقيضه غير قادر على إدارة الشأن العام.
فأن هذه القضايا من شانها ان تجعل الأداء الحكومي واقعا بين التلكؤ والتدني في مستوياته، وأحيانا الفساد ان كانت المسالة فيها تقصد واضح في إشاعتها أو في عدم علاجها.
وبذلك يكون البحث قد هيأ مقدمات منطقية تعيينه في تحليله واستدلالته واستنتاجاته، في واقع الاداء الحكومي.

6-الجانب التحليلي الميداني

أولا: الفساد السياسي

تعددت أوجه الفساد السياسي الذي ساد الساحة العراقية والذي فرضته ظروف موضوعية وذاتية محددة. وتجلت أوجه هذا الفساد في مظاهر عدة، يلجأ البحث إلى كشفها فيما يأتي:
1-الانتخابات
ثقـف الاحتلال منذ غزوه للعراق، وحاول جاهداً تغيير بنياته الاجتماعية والثقافية الراسخة ، وبناه المؤسسية، نحو اقامة واشاعة ثقافة الديمقراطية وكبح جماح ما أسماه بالدكتاتورية... إلى غير ذلك من المزاعم. لذلك لجأ إلى اعتماد الانتخاب أساساً لاستلام السلطة – في حين ان الديمقراطية تعني تداول المسؤولية سلمياً - وهنا واجهته مسالة :
ما هو الأساس الذي ستقوم عليه الانتخابات؟ اذ من المعروف ان الانتخابات في الدول التي تتبنى الديمقراطية نظاماً تبنى على أساس المفاضلة بين البرامج التي تطرحها الأحزاب السياسية المتبارية في ساحة الانتخابات، والحزب الذي يحرز أعلى نسبة في الانتخابات (أي يشكل الغالبية العظمى من المنتخبين) هو الذي يتسلم المسؤولية، كونه يمثل مصلحة الغالبية العظمى من الشعب. عليه، فالانتخابات لا تعدو ان تكون بمثابة عقد بين الناخبين والمنتخبين، فالبرنامج السياسي يمثل حالة الإيجاب في العقد، والفوز في الانتخاب، يعكس حالة قبول الناخبين.
ان هذا الأمر ينشئ حالة التزام لدى حزب الأغلبية الفائز بتحقيق برنامجه الانتخابي.
غير ان ما يلحظ على ما جرت عليه الانتخابات في العراق، لم يكن على أساس البرامج السياسية وانما على أسس أخرى. وهذا ما يؤشر حالة عدم وضوح العمل السياسي على المستويين الحاكم والمحكوم. وقد يرجع ذلك لأسباب عدة، يمكن ان تؤشر في الآتي:
-ان معظم الأحزاب المتنافسة شمولية، أي من الأحزاب الأيديولوجية (الحزب الإسلامي، الحزب الشيوعي بتفرعاته، الدعوة، الديمقراطي الكردستاني، الاتحاد الوطني الكردستاني،...)
-محدودية ثقافة المجتمع بأسس وآلية العملية الانتخابية ومستلزماتها، وقد يرجع ذلك إلى الظروف التي مرت بالبلد، والتي اعتمد فيها الحاكم الانقلابات أساسا لاستلام السلطة،
-رغبة المحتل في ذلك تحقيقا لغاياته وأهدافه الإستراتيجية.
لذلك سعى المحتل إلى إيجاد أساس تقوم عليه الانتخابات، فعمد إلى خلق حالة من الذعر والتربص والتحسب في طيف الشعب الواحد. فعمد إلى تحليل المجتمع وتقسيمه، من خلال تأسيس الرأي العام وترسيخه في ذهن المواطن؛ بان هناك حقوقاً مسلوبة بتخطيط وتعمد، وان هناك فئة مُسخرة، وفئات مِسخرة، وجماعة مُضطهدة وأخُر مضطهدة، فأشاع ظاهرة الرعب مجتمعيا، فسعت كل مجموعة إلى تقوية ذاتها بالالتفاف على بعضها حماية لنفسها، واستعادت لحقوقها المسلوبة.
لقد انطلى هذا الأمر على الأكثرية، وانساقوا وراءه وهذا بسبب الجهل في التاريخ والابتعاد عن إدراك الحقائق فعميت البصيرة وتوقف العقل وتفعلت العاطفة، فأخذت توجه السلوك الجمعي لمجاميع المجتمع التي قسمها المحتل على وفق مصالحه. لكن إعمال الفكر يخبر غير ما أسست له الولايات المتحدة تحقيقا لمصالحها. فالعراق لم يكن عبر الحقب الزمنية التي مرت عليه الا واحداً، تأسس علي يد نخبة مجتمعية (مسلمين، نصارى، يهود، عرب، أكراد، تركمان،...) لا يفرقهم لون ولا لسان ولا محل ولادة ولا نشأة فهم جسد واحد في القول والعمل، همهم واحد وهدفهم واحد يجمعهم العراق، وتميزهم الكفاية، والجدارة، والنزاهة والاخلاص، لا هوية لهم الا العراقية فليس هناك تركيز على احد دون الآخر منذ تأسيس الدولة، فقد تبنى البناة الأوائل للدولة العراقية مبدأ العراقية وعدوها هوية انتساب أصلية فوق كل انتساب فرعي. فالعراق حكر على المخلصين المقتدرين المعتدلين من المعروفين بالنزاهة والمهنية الصرفة.
لقــد سعــى الاحتلال إلى ترسيخ ذلك في أذهان العراقيين، مما جعلهم ينقسمون على نفسهم فأنقسم الجسد الواحد - إلى أجزاءه (رأس، جذع، أطراف ) وانقلب بعضه على بعضه- باتجاه الانتخابات، فكان البرنامج المعتمد ضمنيا هو تقوية الذات تجاه الآخر حماية للذات ( اذ ان الفرد محارب بذاته )، فعد الناخب حماية الهوية هي المطلب الأساس والجوهري.

تأسيسا فقد جعلت الولاءات والمواقف المذهبية واللسانية مرشدا للناخب وأساسا تقوم عليه الانتخابات، وليس البرنامج الانتخابي الذي يحقق مصلحة الجميع ويبني البلد،..

2-التداخل بين الدور السياسي والدور المؤسسي
يقوم نجاح أداء جهاز الدولة على أساس تحديد الأدوار وتوزيع المهمات، وهذا يتطلب توصيف هذه الأدوار، وان أي غموض في الأدوار ينعكس تلكؤا في الأداء وتدنيا في الإنتاجية. عليه، فان الفصل بين الأدوار واجب أساس ومطلب جوهري لضمان تحقيق النجاح.
فمن المعروف ان نجاح الدولة في أداء مهماتها وتحقيق أهدافها يقوم على تكامل الأدوار السياسية والمؤسسية. وتعني الأدوار السياسية (الوظائف التطوعية)، وهي الوظائف التي لا يشترط ان تستند إلى خلفية مهنية أو مواصفات خاصة لأدائها. ويقوم بأداء هذه الوظيفة الجهاز السياسي للدولة (الحكومة، رئاسة الجمهورية، البرلمان،..). اذ ان وظيفتها تنحصر في تنفيذ البرنامج السياسي الذي حقق الفوز في الانتخابات- هذا في النظم الديمقراطية- فالوزير مسؤول عما يخص وزارته في البرنامج السياسي.
اما الأدوار المؤسسية فتعني دور الوزارة المهني والتخصصي. وهذه الوظائف يجب ان تستند إلى خلفية مهنية تراكمية، ومسار وظيفي سليم ومتميز وتطلب مواصفات خاصة لشغلها وأدائها.
عليه، لا بد إذن من وضوح دور كل جهاز وحدوده ومسؤولية ، اذ ان أي تداخل بين الاثنين سوف يؤدي إلى نتائج غير محمودة العواقب، فلابد من وضع خطوط حمراء لدور السياسي ينبغي الا يتجاوزها، وان تجاوزها فلا يتحتم على الجهاز المهني الاستجابة لها.
وهنا تجب الإشارة إلى ان جهاز الدولة المهني (المؤسسي) هو أداة الحكومة في تنفيذ مهماتها، الأمر الذي يفرض بناءه على أساس سليم من تحديد الوظائف وآلية شغلها واشتراطاته. وعادة فأن الجهاز المؤسسي هو جهاز وظيفي لا علاقة له بالجهاز السياسي، فدوره مهني وحسب، فهو لا يرتبط بالحكومة مهما كان اتجاهها وتوجهها، عليه فهو باقٍ وان زالت الحكومات وتعاقبت كلما انتهت دورتها الانتخابية، لذلك يجب ان لا يخضع لاشتراطات السياسة وأهوائها ورغباتها، كما يجب ان تكون صلاحية الاختيار للأدوار (الوظائف) مستندة إلى جهاز مهني عالي التخصص محايد ونزيه مثل مجلس الخدمة، تسند إليه هذه المهمة، فهو الذي يختار أفضل مؤهل لشغل هذه الوظيفة، ويرفع بذلك تقريره إلى الجهات العليا (مجلس الوزراء، رئاسة الجمهورية) لإصدار أمر التعيين (وهي مسالة اعتبارية شكلية فحسب لا تخضع لإرادة تلك الجهات في الاختيار، اذ الاختيار محكوم بشروط موضوعية لا ذاتية).
غير ان ما يلحظ على أداء الوزراء، التدخل المباشر في الجهاز المؤسسي وتسييره بحسب هواهم أو هوى السياسة، وقد يعزى ذلك إلى جهل السياسيين بذلك أو لانهم متأثرون بالنظم الشمولية، التي يكون فيها الوزير موظفا لدى الحزب الحاكم. فيجري التغييرات بحسب هواه ويهب المناصب لمن يشاء، فيسقط بذلك المبدأ العالمي الشخص المناسب في المكان المناسب، والذي جسده قول الرسول الأعظم (ص) انزلوا الناس منازلهم، أي ضعوا الإنسان في موضع استحقاقه. فالمبدأ الأساس في التوظيف ان الوظيفة استحقاق للأكثر تأهيلا، لا لمن يرضى عنه المسئولون.
فتوزيع المناصب بحسب هوى الوزير سوف يقود إلى وضع أفراد غير مؤهلين في أماكن فوق طاقاتهم. ان هذا الأمر سوف يؤدي إلى:

-سيطرة صغار الموظفين على إدارة المؤسسة لجهل المسئول بذلك وتحويله إلى بصام وحسب (يوقع دون دراية).
-القضاء على مبدأ الوظيفة محفز للأداء، اذ ان الموظف مهما بذل جهدا في بناء ذاته وتطوير أداءه فانه لن يتقدم طالما لا تربطه صلة بالوزير أو حزبه، فهو لن يبرح محله، فلماذا عليه ان يحسن أداءه ويخلص فيه؟
-كل ذلك سينعكس تدنياً في مستوى أداء المؤسسة وعدم إيفائها بالتزاماتها تجاه الجمهور، وبخطيئة كبرى هي الهدر للمال العام.
ان هذا يجسد ان نظرة المسئولين في السيطرة على مقاليد السياسة لمصالح ذاتية بحتة، وبذلك يسيئون صنعا.

تأسيـسا يمكن القــول بأنــه:
-ليس هناك حد فاصل بين ما هو شخصي وبين ما هو مؤسسي،
-هل المرجعية الفنية والمهنية هي الوزير (المسؤول السياسي) ام هي الوزارة (الجهاز الفني والمهني المتخصص)
-غياب العقلية المؤسساتية (الموضوعية) وسيادة العقلية الذاتية
-غياب ثقافة المؤسسات
عليه، لا بد من تحديد الأدوار السياسية والمؤسساتية وتوضيحها وتحييدها تجنبا للتداخل والتدخل.

3-المحاصصة السياسية
كما هو معروف وجار في الدول ذات النظم الديمقراطية، ان التغيير بعامة يحصل على مستوى القيادات السياسية وطواقمها المباشرة التي لا علاقة لها بالعمل المؤسساتي، وحسب. اما الجهاز الحكومي المؤسساتي، والذي هو أداة الدولة في تنفيذ برامجها السياسية (الفرعية على مستوى الوزارة) وتطبيق المضامين العملية لهذه البرامج، فانه لا يناله التغيير بتغير النخب السياسية، فهو باق. عليه، لا تجد الدول حرجا أو تدنيا على مستوى الأداء، بل وعلى المستويات التنفيذية كافة ، في حالة تغير حكوماتها، ذلك ان الجهاز التنفيذي (وهو جهاز مهني فني متخصص) لا يمسه التغيير وان كان طفيفا. اذ ان هذا الجهاز يبنى على أساس المهنية والتخصص والمهارة والكفاية في تنفيذ المهمات، فضلا عن النزاهة. فهو يقوم على الجدارة والمقدرة وليس على أساس الاتجاه السياسي والمحسوبية السياسية، فهو جهاز محايد سياسيا (أي فوق الميول والاتجاهات)، اذ لو بني هذا الجهاز على أساس الاتجاه السياسي والمحسوبية السياسية لأصبح جهازا غير مستقر، فهو يتغير بتغير الحكومات، فاقدا لخصائصه المهنية منعدم الكفاية، ولاؤه للحاكم وليس للشعب.
تأسيسا لا يجوز إخضاع هذا الجهاز إلى رغبة السياسيين في توزيع الوظائف وإشغالها، كما يجب ان لا يخضع للمحاصصة السياسية، وهنا يثار التساؤل: ما هي المحاصصة السياسية؟
تنشأ المحاصصة السياسية عندما لا تكون هناك أغلبية برلمانية تتمكن من تشكيل حكومة. فتثار المحاصصة السياسية باقتسام المناصب السياسية قسمة الغرماء، فكل تكون حصته موازية لنسبته البرلمانية. ويقصد بالمناصب السياسية هي الوزراء صعودا، هذا جائز ولا غبار عليه طالما انه لا يؤثر في أداء الدولة المهني بخاصة في حالة وحدة مسار الأطراف السياسية (أي وجود برنامج سياسي متفق عليه بين الأطراف السياسية في البرلمان) وعدم انجرارها وراء تجاذبات مصلحية. اما المناصب المؤسسية فهي خطوط حمراء يجب ان لا يقترب منها. فالجهاز الحكومي المؤسسي هو جهاز مهني متخصص لا علاقة له بلون السياسة، اذ هو يعمل بأقصى إمكاناته دونما تمييز بين الأحزاب اياً منها هو الحاكم. لذا فلا يجوز ان يخضع للمحاصصة السياسية وانما تبقى المحاصصة السياسية، على مستوى الوزراء، والمناصب السياسية وحسب.
هذا في الدول التي نظامها ديمقراطي، اما في الدول التي تطغى فيها الأحزاب الشمولية التي تسعى إلى التغيير الشامل، الذي يستلزم إحداث تغيير شامل في الجهاز الحكومي بما يتلاءم مع متطلبات الحزب المسيطر على مقاليد الحكم، ذلك لكي يؤمن ويضمن تطبيق أفكاره وعقيدته تطبيقا تاما، لذلك يسعى الحزب إلى إسناد المناصب القيادية لإتباعه لسببين:
• ضمان آمن لبقائه وسيطرته،
• ضمان تنفيذ أفكاره في إحداث التغيير الشامل.
ان محاولة عكس ذلك على الساحة السياسية العراقية يوضح حجم وجود التناقض الذي تعيشه، فمن ناحية نظام الحكم فهو ديمقراطي يتم فيه تداول المسؤولية سلميا عن طريق الانتخاب، ومن ناحية أخرى يلحظ طرح تعبير غير مألوف في ومعاجم وموسوعات السياسة هو المحاصصة السياسية، أي اقتسام الوظائف القيادية والتنفيذية في جهاز الدولة وهو ما يهم البحث. فالمحاصصة السياسية على مستوى المناصب السياسية تعد حالة شرعية على وفق السياقات السياسية المعروفة، اما على مستوى المناصب القيادية في الجهاز الحكومي المهني فهي مسالة خطرة تدفع باتجاهين:
• تسييس جهاز الدولة وتكريسه اتجاه خدمة مصالح الجهة السياسية التي ينتمي إليها من تسنم منصبا قياديا في هذا الجهاز. اذ سيكرس جهده في تجميع الأعوان من الجهة السياسية التي يمثلها ليقوي مركزه ويحكم قبضته،
• إضعاف أداء جهاز الدولة، وهذه هي نتيجة للمسالة الأولى، إذ سيتدنى الأداء بسبب انشغال الجهاز في تنفيذ مطالب الجهة السياسية التي ينتمي إليها المسؤول الأعلى، فضلا عن ضعف الأداء المهني لان الاختيار لم يخضع لمعايير الجدارة والكفاية والمهارة الأدائية والنزاهة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا المحاصصة الوظيفية؟ ان اعتماد مبدأ المحاصصة السياسية في المناصب السيادية (العليا والخاصة) في الجهاز التنفيذي يؤدي إلى:
• جهاز معتل بسبب اختلال أسس بنائه البعيدة عن الكفاية والجدارة والنزاهة واللاتبعية السياسية.
• جهاز غير مستقر اذ سيبدل كلما تغيرت الموازنة السياسية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى ان الفساد يولد فسادا، فالفساد حلقة مفرغة تستمر بالدوران، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ان من يعملون في السياسة هم حديثو عهد بها، أو ربما لا يدركون من السياسة سوى السيطرة على مفاتيح الإدارة، متغاضين أو متناسين عن ان من يرمي إلى النجاح والاستمرار عليه ان يبني جهازا تنفيذيا كفوءا أداؤه تؤطره الشفافية، وتسوده النزاهة وتحكم شغله الكفاية والجدارة.
لأجل ذلك لابد من التنبيه إلى ان أي سياسي سواء أكان فردا ام حزبا أو كتلة فان مسعاه لا شك هو الصالح العام والمصلحة الوطنية، وانه عندما يبغي السيطرة على الجهاز التنفيذي فهو لضمان ذلك وصيانته، ولكن جهده بحسب اجتهاده وإدراكه.
تأسيسا، يجب أن يتنبه حملة المسؤولية إلى ان الجهاز التنفيذي هو أداتهم (أداة الدولة) في تنفيذ البرنامج السياسي وتحقيق الأهداف المعلنة في الانتخابات، فنجاحهم مقرون بدرجة ومستوى كفاية الجهاز الأدائية، فكلما حسن البناء ارتقت درجة الكفاية وارتقى مستواها. وهذا يفرض الفصل بين الجهاز التنفيذي والبرلمان والحكومة. فالأخيرة تخضع للمحاصصة السياسية بحسب ما أفرزته نتائج الانتخابات. اما الجهاز التنفيذي فخط احمر، اقتراب السياسة منه يسبب انحرافه عن المسار العام، فولاؤه للعراق ولا غير.
وللحفاظ على الجهاز التنفيذي الحكومي (المؤسسي) لا بد من تفويض صلاحيات الاختيار والتعيين إلى جهاز محايد إلى أقصى حد (أي تقليص هامش المحسوبية والمنسوبية). وان لا يخضع لإرادة السياسيين، مثل مجلس الخدمة العامة أو هيئة الخدمة العامة أو ديوان الموظفين،... ايا كانت المسميات، فان دورها واحد.

ثانيا: الفساد القانوني

تُسن القوانين لحماية حقوق الناس واستقامة مسار المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، لذا فهي حالة مثالية، تحكم التصرفات وتوجهها. غير ان المتتبع للحال التي عليها بعض القوانين تجدها تمثل معالجات خاصة وليست معالجات للحاجات العامة للمجتمع أو تقوم على أساس سياسي، أو... وهنا يتجلى بوضوح دور الفساد السياسي في التأثير في مجمل العملية التشريعية وتسخيرها لخدمة البعض.
وفي الآتي بيان ذلك:
1. عشوائية في التشريع:
يستلزم استصدار التشريعات ان تكون مجردة ومحكمة الصياغة موضوعية تعالج مسائل اجتماعية عامة. مما يفرض ان تعد من قبل جهات ذات تخصص عال، مؤلفة ممن شهد لهم بالتميز عبر مسيرتهم التخصصية والمهنية، لهم إحاطة تامة بالأمور الفنية وما يخص مجال القانون، كما يفترض ان يكون التشريع جامعا مانعا لا يقبل التأويل والتفسير، زيادة على ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية. فعلى سبيل الإشارة: صدر قانون رواتب الموظفين رقم 22 لسنة 2008 الذي قسم الراتب الشهري إلى أجزاء تتكون من الراتب الأساس ومخصصات الشهادة، ومن المسلم به علميا وموضوعيا ان الراتب يتحدد على أساس الوظيفة ومستوى أدائها النوعي والكمي ودرجة المهارة والكفاية فضلا عن الظروف التي تؤدي بها والمخاطر التي تنشأ عن مزاولتها، ولا علاقة للشهادة بالأجر لكنها تعد من مستلزمات شغل الوظيفة وهي بالتالي خصيصة من خصائص شاغل الوظيفة، لابد من توافرها فيه ليشغلها، وهي تمثل الحد الأدنى فضلا عن المؤهلات الأخرى التي تتطلبها الوظيفة. عليــه فأن تقسيم الراتب على وفق هذه الصيغة لا يقره شرع ولا يرتضيه حكيم، وهي مسألة لاشك تنطوي على أمر ما!! فأسس تحديد الراتب الوظيفة وما يتطلبه أداؤها من قدرات بدنيه وعقليه ومهارية وما يحيط بها من ظروف وما يعترض شاغلها من مخاطر.
كذلك فأن العدالة تقتضي بأن يكون للوظيفة اجر واحد مهما كانت مؤهلات شاغلها، وهذا ما جرى عليه قانون الخدمة المدنية والملاك رقم (24) لسنة 1960 والتعديلات التي صدرت عليه.
غير ان مراجعة القانون ذي الرقم (22) لسنة 2008، تظهر انه يمكن ان يكون للوظيفة الواحدة أكثر من اجر. وتوضيحا لذلك يمكن إيراد المثال الافتراضي الآتي:
فمثلا لو أخدنا وظيفة في الدرجة الخامسة من الوظائف التي يجوز شغلها من قبل حملة الشهادة : الإعدادية، والدبلوم الفني، والبكالوريوس، والدبلوم العالي (أمده سنة) والماجستير وما يعادلها، والدكتوراه فأنه يمكن لحظ تباين الراتب الشهري في حالة شغلها من قبل أفراد كل منهم يحمل مؤهلا مختلفا وكما مبين في الجدول:


مؤهل شاغل الوظيفة الراتــب الأساس المخصصات الراتب الشهري بالف دينار
1 إعدادية 436000 25% 545.000
2 دبلوم (معهد فني، او) = 35% 588.600
3 بكالوريـــــوس = 45% 632.200
4 دبلوم عالي (سنة بعد البكالوريوس) = 55% 675.800
5 ماجستير (او ما يعادلها) = 75% 763.000
6 دكتــــــــــــوراه = 100% 872.000

ان هذا لأمر عجاب. فهو يؤشر مخالفة لكل نواميس الكون التي ترفض ذلك رفضا قاطعاً والمنطق السليم. اذ لو أراد المشرع ان يميز بين مستويات الشهادة لعالج الموضوع بطريقة سليمة، فمثلا يحدد درجات معينة لحملة كل مستوى من التأهيل فيحدد الوظائف والدرجات ومستويات تأهيل شاغليها أو يحدد وظائف معينة لمؤهلات معينة، كذلك يضع حدودا لكل وظيفة لا يجوز ان تتجاوزها مهما كان مستواها الأدائي.
فضلا عن ذلك تحدد وظائف لكل شهادة ولا يجوز ان تشغل بشهادة أدنى. ان في ذلك تميز للوظائف وعدالة لا يعترض عليها معترض.
اما تجزئة الراتب إلى جزء أساس ثابت وجزء يتغير بحسب الشهادة فذلك أمر غير جائز، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في ذلك، وإسناده إلى لجان متخصصة من ذوي القدرات والكفايات. ان هذا مؤشر على ضعف الأجهزة القانونية التي عرض عليها القانون وراجعته والتي أعدته والتي راجعته وعدم إحاطتها بالأسس السليمة والموضوعية لذلك.
زيادة على ذلك لم يشفع قانون الرواتب بجدول يتضمن الوظائف وتدرجاتها (مستوياتها) وأوصافها ونسبة كل درجة في ملاك المؤسسة، ومواصفات من يشغلها.
لقد ترك هذا الأمر إلى كل دائرة تغير في الوظائف كيف تشاء ولمن تشاء لا يحدها الا المسائل الشكلية وهذا يفسر جهلاً بالعمل وعدم التزام بالأسس والقواعد السليمة والموضوعية لأن المناصب أضحت يكلف بها تشريفاً من ليس اهلُ لها.
تلخيصا تضمن القانون معالجات تنطوي على مغالطات كبرى فلا يوجد قانون على الأرض يعتمد المؤهلات أساساً للأجر وانما أساساً لشغل الوظائف، ولكن كل قوانين الكون المعروفة التي تهتم بالخدمة تعتمد الوظيفة أساساً للأجر وقديما قيل الأجر على قدر المشقة (الجهد)..
وهنا لابد من الإيضاح، بأن أسس تحديد الأجور والرواتب في العالم تقوم على احــد أساسين : "موضوعي" والذي يستند إلى الوظيفة أساسا لتحديد مقدار الأجر والآخر "شخصي" الذي يعتمد مؤهلات الفرد أساسا لتحديد الأجر. وان اعتماد اياً من الأساسين في تحديد الأجر صحيح لأن النتيجة يجب ان تكون واحدة، اذ يجب مطابقة مواصفات الفرد والتي يترتب عليها اجر محدد بحسب " الأساس الشخصي" والمواصفات المحددة لشغل الوظيفة التي يترتب على شغلها اجر محدد بحسب " الأساس الموضوعي"، بمعنى ان الأجر واحد. غير ان الفهم المخطئ أو التطبيق المخطئ (الفاسد) الذي يعكسه الواقع والتطبيق يظهر ان المسؤول قد غض الطرف عن المطابقة بين مؤهلات الفرد وخصائص شاغل الوظيفة، الأمر الذي نشأ عنه تباين الأجور بين شاغلي الوظيفة الواحدة بحسب تباين مؤهلاتهم. ان إمعان النظر في القوانين الخاصة بالرواتب التي أعقبت صدور القانون المذكور يظهر المعالجات المرتجلة التي تنطوي على جوانب سياسية، وتظهر خللا في التشريع، اذ يلحظ:
مساواة حملة الشهادات بالراتب من دون النظر إلى الوظائف التي يمارسونها وطبيعتها. لقد اعتمد المشرع في ذلك الفرد ومؤهلاته أساساً لتحديد الراتب الذي يستحقه، ولا علاقة لوظيفته ومستواها الأدائي في ذلك. وهذا يؤشر:
- إنتاجية أدنى للأجور
- ارتفاع كلف غير مبرر ناجم عن ارتفاع الأجور
- محاولة الكسب السياسي
- عدم إلمام الجهات المسؤولة عن التشريع وأصوله ومتطلباته، لا بل جهلها بذلك
- استمرار النهج الذي كان سائداً قبل 9/4/2003 وعده قاعدة أصولية.

لقد ترتب على ذلك تباين الراتب المحدد للوظيفة الواحدة (مدرس في التربية أو أي موظف في أي دائرة يحمل مؤهلاً عالياً ) مع تدريسي يعمل في الجامعة. كذلك يترتب عليه وكما أشير فيما تقدم ان يكون للوظيفة الواحدة راتبان وهذا يتنافى مع مبدأ الأجر الواحد للوظيفة أي ان لا يكون للوظيفة الواحدة أجران بسبب اختلاف الشهادة وهذه مسألة غير سليمة فالفرد مهما كانت مؤهلاته قد شغل هذه الوظيفة مع علمه بمرتبها.
ان هذه الحال سوف تؤدي إلى:
- إهدار في المال العام
- خلق حالة من التذمر والشعور بالإحباط لشاغلي الوظيفة بمؤهل أدنى
- عدم ملاءمة هياكل الوظائف في المؤسسات للوظائف التي يتطلبها العمل، فضلا عن عدم وجود ضوابط تحدد ذلك، كذلك غياب المتابعة والمساءلة، وان وجدت فالمسئولون عنها أشد أمية وأكثر جهلا

وهنا لابد من القول بأن القوانين بعامة لا تسن أو تصدر لمعالجة حالات فردية وانما يجب ان تصدر لمعالجة الحالات العامة. وان وجدت حالات استثنائية فتعالج بمعالجات خاصة تنتهي بانتهاء هذه الحالات، وان لا يترتب عليها مخالفات لا يوافقها قانون ولا يقرها عرف ويرفضها منطق سليم.

2-القفز على القوانين والتعليمات
تصدر القوانين والأنظمة والتعليمات لتنظم مسار المجتمع وتحمي الحقوق، اذ ان أي خرق أو تجاوز لها أو القفز عليها يترتب عليه اضرار وكوارث اجتماعية قد لا تظهر آثارها آنياً ولكن قد تخلق حالات تستمر ردحا زمنيا قد يطول أحيانا وقد لا يزول نهائيا. كذلك لا يجوز للمسؤول التنفيذي ان يجعل من نفسه طبيباً يعالج مشكلات المجتمع لأنه مسؤول عن أداء دور معين يحدده البرنامج الذي التزمت به الحكومة، فالحالات الخاصة والاستثنائية يجب طرحها على وكلاء المجتمع (ممثليه في البرلمان) وهم من يقرر ذلك، لأن اثر كل قرار هو أثر اجتماعي وليس اثراً فردي. كما انه لا يلزم الجهاز الحكومي بتنفيذ كل أوامر وطلبات المسؤول، فحدود المسؤول وسماحاته التصرفية حددها القانون ووضحتها التعليمات (صلاحياته) اذ ان صلاحية تعديل التعليمات أو القفز عليها منوطة بجهة التشريع والإصدار، وان أي تعديل أو تغيير أو إلغاء يجب ان يعرض على جهة التشريع لإقراره، ثم بعد ذلك يصبح نافذا اما الاستجابة السلبية لكل ما يصدر عن المسؤول الأعلى وتنفيذه، فهذا أمر لا يتماشى مع مبادئ الديمقراطية، وهذا يعكس جهلا بالصلاحيات أو استخفافا بها. فمسؤولية الجهاز التنفيذي هي بحدود برنامج الحكومة الذي التزم بتنفيذه فلا يباح للمسؤول خرق التعليمات أو تعديلها لمعالجة حالات استثنائية لكن ثقافة التغيير من قبل المسؤول والتصرفات غير المسؤولة التي تصدر من الرئيس الأعلى التي اعتاد عليها جهاز الحكومة فرضت عليه الاستجابة التلقائية للتنفيذ بغض النظر عما تنطوي عليه من مخالفة قانونية. ان هذا الأمر يؤشر جهلاً بالمسؤولية وبحدود التصرفات زيادة على ذلك ضعف الرقابة البرلمانية على أداء الدولة، أو عدم قدرة البرلمان على ذلك فضلا عن تغاضيه عنهم لأن ذلك يمثل مصلحة الأعضاء أو مصلحة حاشيتهم.
ومن يراجع الأوامر والقرارات التي صدرت عن المسؤولين يجد انها في كثير من الأحيان تشكل قفزاً فوق القوانين والأنظمة والتعليمات.

3-تقاطع القوانيـــن
لقد نشأ عن الظاهرتين التي ناقشتها الفقرتان السالفتان: صدور تشريعات تتناقض ومنطق القانون الذي يجب ان يجسد العدالة ويحميها. فلا يجوز سن القوانين وتشريعها لمعالجات فردية أو خاصة. كما لا يجوز سن قوانين يتقاطع بعضها مع بعض، كما لا يصح إصدار قانون يشكل قفزاً على المنطق والقانون، زيادة على ذلك لا يقبل المنطق ان تعالج القوانين حالات محدودة تحدث اضراراً غير محدودة الأثر، فالاستثناءات تعالج بالاستثناءات المشروطة. كما انه لا يمكن للمعالجة الاستثنائية ان تستمر اذ يجب ان تزول بزوال الأسباب، لا ان تشكل ذريعة يستفيد منها المبطلون.
فمثلا قانون إعادة المفصولين السياسيين، واحتساب مدة الفصل السياسي خدمة لإغراض نيل الاستحقاقات، وهنا يفترض الانتباه إلى ان الوظيفة استحقاق للقدرات (قدرات فنيه، مهنية، خبرة، كفاية، جدارة...) نعم ان هذا التشريع عادل جدا لأنه ينطوي على الإنصاف والعدل – نحن لا نناقش الأسباب ولكننا نناقش ما يترتب على التشريع – لقد اظهر التطبيق الميداني الذي اعتمد الزمن أساساً لاحتساب الاستحقاق الوظيفي وضع المعادين للخدمة في وظائف بمستوى الوظائف التي يحتلها اقرأنهم من المستمرين في الخدمة، وهذا أمر لا يقبله العقل ويرفضه الواقع فالوظيفة خبرة وممارسة مهنية واستحقاق للقدرة لا لمدة الخدمة، وهنا لابد من الانتباه إلى ان المشرع أراد إعطاء هؤلاء حقوقهم المالية وليس استحقاقهم الوظيفي فيما لو كانوا مستمرين في الخدمة، لقد نجم ذلك عن سوء تفسير أو تقدير من طبق القانون ونفذه بحسب فهمه وتقديره. ان إصدار مثل هكذا تشريع كان يفضل ان تستحدث لهم دوائر معينة لا يمارسوا فيها ايما عمل أو ان يسند لهم أعمال تتناسب وقدراتهم، ولكن لينالوا استحقاقاتهم المالية، فهم وليدو ظرف استثنائي. لذلك رأى المشرع تعويضهم، ولم يرد ان يكون تعويضهم على حساب العمل.
وفي السياق ذاته فأن الوظيفة استحقاق، والوظيفة تبدأ من أدنى سلم الوظائف حتى الدرجات الخاصة، فهي وظائف تشكل خط السير الوظيفي يتدرج فيه الموظف بحسب استحقاق قدراته المهنية والمهارية والكفاية والخبرة ( المدة الزمنية)، وهنا يلحظ أن المشرع قد حدد الخبرة اللازمة لشغل كل وظيفة بالحد الأدنى الذي يجب ان يقضيه الفرد في الوظيفة التي في الدرجة التي قبلها في سلم الوظائف، ليكون مؤهلا لنيلها. عليه لا يجوز ان يقفز الموظف قفزاً صاروخياً ليصعد درجات السلم الوظيفي إلى أعلى درجاته (مدير عام، وكيل وزارة، مستشار...) دونما ان يمر على السلم الوظيفي ويقضي المدد المحددة لكل درجة ليرقى إلى الدرجة التي تليها لأن كل وظيفة تطلب قدرات محددة. فالجهاز الوظيفي أساسه المهنية، فالقدرة والمهارة تعدان شرطاً جوهرياً في تنفيذ المهمات المسندة إليه لذا فهو يقوم على أساس الجدارة والمقدرة وليس على أساس الاتجاه السياسي والمحسوبية السياسية، ولا رغبات المسؤول الأعلى وأهوائه.
لقد كان التعيين غير المستند إلى الاشتراطات الموضوعية إحدى معضلات الجهاز الحكومي، ولعل في مقدمة ذلك عدم مراعاة الشروط الموضوعية في إسناد المناصب القيادية (مدير عام فأعلى)، اذ نظر إلى المناصب القيادية على انها مناصب سياسية – أي لا اعتبار للخبرة (مدة الخدمة) والجدارة – فجرى التعيين في هذه المناصب من مدة خدمته لا تتجاوز السنة والسنتين، أو... أو ان يعين مباشرة في درجة وظيفية من الدرجات الخاصة أو العليا في سلم الوظائف ( قد سمي بذلك لكون الموظف يصعد فيه درجة فدرجة). في حيــن ان هذه الوظائف من ضمن ملاك الدولـة، وان قانون الخدمة المدنية يحدد شروط التعيين فيها أو إشغالها، اذ لابد من ان يسلك الموظف سلم الوظائف من أول درجة وظيفية يستحقها بموجب مؤهلاته، وكذلك يحدد شروط الترقية وان لا يجوز ان يتجاوزها أي موظف مهما كانت الأسباب، عدا الأسباب المؤهلاتية.
ان مراجعة القوانين والتطبيقات تظهر عجباً: فنجد تشريعات تصدر لتبرير تصرف وظيفي معين، كذلك تصاغ القوانين لتكون صورة عن واقع فرضته ظروف معينة (أي بدلا من ان يكون التشريع مثالياً، أضحى يستجيب للواقع مهما كان ليجعله وجوداً شرعياً). فبمراجعة قوانين الوزارات يلحظ فيها ان أوصاف من يشغل المناصب من درجة وكيل فنزولاً إلى المديرين العامين أوصافا خاصة، ولا يجد ذكرا للدرجة الوظيفية التي يجب ان يكون عليها من يرشح لهذه الوظائف. دلالة ذلك عند مراجعة قانون مجلس الخدمة الاتحادية يلحظ انه حدد أوصاف المرشحين بمدة خدمة تتناسب بحسب مؤهلات المرشح (10- 15) سنوات فقط أي بين حملة شهادة البكالوريوس وحتى الدكتوراه، في حين ان الجدول الملحق بالقانون رقم (22) لسنة 2008 يبين ان استحقاق هذه الوظيفة هو بين (20- 28) سنة خدمة فعلية لحملة هذه المؤهلات، ولو انك رجعت إلى قانون مجلس الخدمة القديم (قانون 24 لسنة 1960) تجد انه قد حدد ضمن شروط التعيين ان لا تقل مدة خدمة المرشح عن (5) خمسة سنوات وان يكون موظفا من درجة لا تقل عن الدرجة الثانية من درجات الخدمة والملاك. وهذا ينطبق على معظم من عين بعد 9/4/2003 بوظيفة مدير عام، مستشار، وكيل وزارة، ومن بدرجتهم
لقد أدى هذا إلى تدني القدرات الأدائية للجهاز الحكومي لكونه جهازاً متخصصاً لأداء مهمات معينة، وهذا الجهاز يبدأ بوظيفة وكيل وزارة فنزولاً، مما يفرض ان تكون هذه الوظائف تخصصية لذلك فأنها تقوم على أساس مقدرة الشخص الأدائية في اتجاه تنفيذ مهماته وجدارته القائمة على الإلمام التام بكل ما يتطلبه أداء تلك الوظيفة.
لقد انعكست سلبيات تدخل تأثيرات السياسة في الجهاز الحكومي وتحديدا مسألة المحاصصة السياسية في التوظيف في الدرجات الخاصة، وتدخل الوزارة بالذات في الشأن الفني للوزارة، في قاعدة مقلوبة فأصبحت القاعدة أقدر من القمة فبدلا من ان يأتي التوجيه المهني من الأعلى أصبح يصعد من الأسفل فقويت القاعدة بسلبياتها القدراتية والمعرفية كافة على القمة فأنقلب بذلك هرم القيادة فأضحت القاعدة هي القائدة، فهي تملي صيغة القرار.
ان شروط شغل الوظيفة يجب ان تكون كاملة ولا يجوز اجتزاؤها لتسويغ التعيين في الوظائف المتقدمة. فمثلا اعتماد شرط الشهادة وحسب يعد الشرط الوحيد للتعيين في منصب ما أو أي شرط مجتزأ من شروط شغل الوظيفة. ان هذه مسألة خطرة لأن أثرها ينعكس تدهوراً في الأداء وهذا يدفع ثمنه الجميع وقد تستمر آثاره عقوداً.

ثالثا: الفساد الإداري
يعد الجهاز الإداري (الأدائي) للحكومة جهازاً مستقلاً محايداً، لا علاقة له بالحاكم وهويته السياسية، فهو يعمل كما تعمل خلايا النحل بانعزال تام عن مالكها، كذا يكون عمل الجهاز التنفيذي الحكومي فهو جهاز متخصص لا صلة له بالسياسة الا بتنفيذ البرنامج السياسي للحكومة.
عليه فأن مناقشة البحث للجهاز الإداري تقوم على الافتراضات الآتية :
الأول- ان نظام الحكم ديمقراطي، فهو بالتالي يلزم بتداول المسؤولية سلمياً.
الثاني– ان للحكومة برنامجاً سياسياً تلتزم بتنفيذه لأنه السبب المباشر في توليها المسؤولية.
الثالث– استقلالية الجهاز الإداري (التنفيذي) عن الحكومة استقلالا تاماً.
تأسيساً فأن تقويم ما جرى في العراق بعد 9/4/2003 يظهر ان جهاز الدولة قد انهار تماما – وان هو أصلا لم يكن جهازا معافاً- الأمر الذي يفرض على الدولة لتوكيد جديتها وصدقها ان تقوم واقع الجهاز الإداري وتعيد بناءه على أسس ومعايير سليمة وأن تأخذ الأشياء بمضامينها الحقيقية، لا بمسمياتها الظاهرة التي لا تعكس حقيقة الجهاز، فجهاز الدولة جهاز مشلول تماماً بلا استثناء اذ أصبح يستند إلى المسمى من دون المحتوى.
ولضمان سلامة الجهاز التنفيذي والمحافظة على مستواه الأدائي وتطويره، يجب إيكال أمره إلى جهة مركزية مستقلة ترتبط بأعلى سلطة، تتولى مهمات تحديد هيكل الدولة (الهيكل التنظيمي) وهيكل الوظائف (الملاك) وهيكل القوى العاملة، فضلا عن التعيين والترقية. فجهاز الدولة جهاز مهني متخصص، ولا علاقة له بالسياسة، فهو يعمل بأقصى إمكاناته بلا تمييز أو تحيز للحزب الذي يتولى المسؤولية، فالتعامل من الحكومة يكون من خلال البرنامج السياسي ولما كانت هذه الأحزاب غير مستقرة في المسؤولية فأن ذلك يوجب عدم خضوع هذا الجهاز لإرادة الحزب الحاكم، لأن ذلك سيجعل منه جهازاً غير مستقر.
ان مثل هكذا ثقافة تعد غير مألوفة لمن يدعي انه يعمل بالسياسة أو من يمارسها، فهو لا يحس بوجوده الا من خلال إحداث تغييرات في جهاز الدولة الذي هو مسؤول فيه. لقد نشأت ثقافة العاملين في السياسة في ظل ما اعتادت عليه الأحزاب الشمولية من إحداث تغييرات في جهاز الدولة بخاصة في المراكز والمناصب القيادية ليؤمن ويضمن تطبيق أفكاره وما يتبناه بشكل تام، لذلك تجده يسند هذه المناصب الى اتباعه ضمانا لأمانة تنفيذ برامجه، ولإحكام سيطرته بشكل تام على جميع مفاصل هذا الجهاز.
ان عكس ذلك على الساحة السياسية العراقية، يظهر أنها قد عاشت حالة تناقض، فنظام الحكم ديمقراطي يتم فيه تداول المسؤولية سلمياً عن طريق الانتخاب. ومن ناحية أخرى تجد هذه الساحة تعج بتعابير غير مألوفة في قواميس ومعاجم السياسة، ولعل من أهم هذه التعابير وابرزها واكثرها غرابة هو تعبير المحاصصة السياسية، في توزيع المناصب القيادية والدرجات الخاصة في جهاز الدولة التي هي استحقاق للموظف الذي اظهر تميزا عالياً ومستوى كفاية راقٍ مع جدارته ونزاهته. وهذا ما يهم البحث في هذه الفقرة فالمحاصصة السياسية على مستوى المناصب السياسية تمثل حالة مشروعة في السياق السياسي أي على المناصب السياسية، اما على مستوى الجهاز الحكومي فهي مسألة خطرة تدفع باتجاه( ):
- تسييس جهاز الدولة : وهذا ما ينجم عنه خدمة مصالح الجهة السياسية التي ينتمي إليها من تسنم منصباً قياديا في الجهاز، اذ سيكرس جهده في تجميع الأعوان والمساندين من مرجعيته السياسية، تقويه لدوره في الوزارة أو تنفيذً لخطه يتبناها حزبه.
- ضعف أداء جهاز الدولة : وهي نتيجة للمسألة السابقة حيث سيتدنى الأداء بسبب ضعف وعدم كفاية شاغلي هذه المناصب، وكذلك بسبب انشغال الجهاز في تنفيذ مطالب كتلته أو حزبه، زيادة على ذلك ان الاختيار لهذه المناصب لا يخضع لمعايير الجدارة والكفاية الأدائية والنزاهة.
- عدم استقرار الجهاز الاداري اذ سيناله التغيير كلما تغير الحزب الحاكم في الدورة الانتخابية التالية ، وهكذا يستمر التغيير بعد كل دورة انتخابية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا المحاصصة الوظيفية؟ هل هي امتداد أو تطبيق لسنة النظام السياسي في إسناد المناصب العليا، او هي مسألة أخرى؟

تأسيساً، فان الأداء الحكومي لا يمكن عزوه إلى تدني الأداء السياسي فحسب- ولا ينصرف نظر القارئ إلى ان هذا تبرير للأداء السياسي ودفاعاً عنه، فلسنا هنا نبرئ الساسة من إخفاقاتهم، إذ يقع عليهم جزء كبير من ذلك، فهم احد الأسباب في تدني الأداء المهني للجهاز الحكومي، حينما اقروا ضمناً مبدأ المحاصصة، وانزلوه إلى الجهاز الحكومي، والذي يعني بصورة غير مباشرة الرقابة السياسية من قبل من يتولون المناصب القيادية بحسب الولاءات التي يحملها أصحابها. والذي يعكس جانباً من الشك والتحسب، الأمر الذي صرف معظم وقت هؤلاء المحسوبين واهتمامهم إلى أداء مهمات لا تتصل مباشرةً بأدائهم المهني، مما جعل الجهات النافذة تسعى إلى إيجاد مراكز لأتباعها، فأصبحت ترى أناس يعملون في مواقع هم بعيدون عنها. فكما لا يخفى على الجميع ان الجهاز الحكومي هو جهاز متخصص بأداء مهمات معينة يبدأ بوكيل الوزارة فنزولاً، الأمر الذي يفرض ان تكون هذه الوظائف تخصصية، لذلك فأن العمل فيها يقوم على أساس مقدرة الشخص في اتجاه تنفيذ مهمته وجدارته القائمة على الإلمام التام بكل ما يتطلبه أداء تلك الوظيفة. لقد انعكست سلبيات تدخل السياسة في الجهاز الحكومي، وتحديدا مسالة المحاصصة في التوظيف لذوي الدرجات الخاصة، وتدخل الوزراء في الشأن الفني للوزارة، في قاعدة مقلوبة فأصبحت القاعدة اقدر من القمة، فبدلاً من ان يأتي التوجيه المهني من الأعلى أصبح يصعد من الأسفل فقويت القاعدة بسلبياتها القدراتية والمعرفية كافة على القمة فأنقلب بذلك هرم القيادة، إذ أضحت القاعدة هي القائدة وهي التي تملي صيغة القرار.
ومما زاد الطين بلة التعيين العشوائي في الوظائف الذي حصل بعد 9/4/2003. لقد أسفر ذلك عن تعقيد الروتين بسبب التيار المؤسسي للدوائر وزيادة حلقات العمل بسبب زيادة عدد العاملين وتدنى مستواهم، تلكؤ الوزارات والدوائر في انجاز المعاملات وتأخرها،... وانعكس ذلك زيادة في نسبة الأجور والرواتب في الموازنة العامة بالنسبة إلى إجمالي الموازنة، وكان ذلك على حساب البنود الأخرى فيها.

لقد جاء الفساد الذي يعاني منه البلد بسبب الخلل الذي تأسست عليه منظومة التشغيل في المؤسسات التي قدمت الولاء والانتماء السياسي على الكفاية والجدارة والنزاهة والشفافية. وقد يكون مقبولا جوازا الفساد على هذا المستوى، أو يمكن تجاوزه لضآلة أثره وخطره، الا ان الفساد يزداد خطورة وتصعيدا كلما تقدمنا في سلم الوظائف الذي حطمت درجاته وكسرت اوتاده، التي كان يرتقي إليها. وعلى وفق معايير الكفاية والجدارة والنزاهة والشفافية، فأضحى يصعد الفرد من أسفل السلم إلى أعلاه بسرعة صاروخية أو انه يحط (كما يحط الطير) على الدرجة الوظيفية التي تحقق له شكليا نوعا من الهيمنة والسطوة (الوهمية) لانه سيضحى صريعاً من دون صغار الموظفين يوجهون سلوكه ويصوغون قراراته. وهنا تتجلى خطورة الموقف ويعظم أثره، اذ ان القرارات ترتقي خطورة وأثرا كلما تقدم الفرد في الوظيفة (اذ يجب ان تسند الوظائف إلى الكفء والأجدر،..)، فما هو الموقف وحال من يشغل الوظائف المتقدمة هم شخصيات فلكية استطاعت ان ترقى سلم الوظائف طفرا إلى أعلاه، فاستوعبت المراحل ووعتها، فالإدارة سهلة جدا، والقرارات ليس سوى نعم أو كلا، وما إدراك ما بعدهما.
ولعل ذلك، ناشئ عن كون من يعملون بالسياسة هم حديثو عهد أو ربما لا يدركون من السياسة سوى السيطرة على مفاتيح الإدارة، متغافلين ان من يرمي إلى النجاح والاستمرار عليه ان يبني جهازا تنفيذيا كفوءا أداؤه تؤطره الشفافية وتسوده النزاهة وتحكم شغله الكفاية والجدارة.
لقد كان السبب المباشر كما يعتقده بعضهم هو المحاصصة السياسية، التي تقضي بتقاسم الوظائف كل بحسب حصته النسبية التي تفرضها القاعدة البرلمانية التي يرتكز عليها.
وهنا يجب ان لا نغفل ان أي سياسي فردا أو حزبا أو كتلة مسعاه الخير، وانه عندما يبغي السيطرة على الجهاز التنفيذي هو لضمان استمرار الخير وصيانته، ولكن جهده بحسب اجتهاده.
لذلك، يجب تنبيه أصحاب السلطة بان الجهاز التنفيذي هو أداة الدولة في تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها الانتخابية، فنجاحها مقرون بدرجة ومستوى كفاية الجهاز الاداتية، فكلما حسن البناء ارتقت درجة الكفاية ومستواها. وهذا يفرض الفصل بين الجهاز التنفيذي والبرلمان والحكومة، والأخيرة تخضع للمحاصصة السياسية بحسب ما أفرزته نتائج الانتخابات. اما الجهاز التنفيذي فخط احمر يجب ان لا تقترب منه السياسة، فهو يدين بالولاء للعراق دولةً، ولا غيره.
ان اعتماد مبدأ المحاصصة السياسية في المناصب السيادية (العليا والخاصة) في الجهاز التنفيذي سيرتب عليه:
-جهازا معتلا بسبب اختلال أسس بنائه البعيدة عن الكفاية والجدارة والنزاهة واللاتبعية السياسية والانتمائية،
-جهازا غير مستقر، اذ سيتبدل كلما تغيرت الموازنة السياسية.

من هنا، يلحظ كيف يولد الفساد فسادا، فالفساد حلقة مفرغة تستمر بالدوران حول نفسها.
وتأسيساً فقد اتضح دور الأداء السياسي في التأثير في تدني وفساد أداء الجهاز الحكومي، الذي جاء بسبب إقرار مبدأ المحاصصة والمحسوبية السياسية.
عليه،يكون البحث قد اثبت صحة الفرضية التي تبناها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- التعليم العالي في العراق
- الابتكار والابداع


المزيد.....




- ظريف يرد على اتهامات هايلي وينشر صورة لها بجانب باول: رأيت ه ...
- ما سر قوة زعماء المافيا؟
- القدس محور قمة رؤساء المجالس البرلمانية العربية في المغرب
- تونس تشكك في إمكانية إجراء انتخابات في ليبيا عام 2018
- أمريكية تساعد -داعش- باستخدام البيتكوين
- نساء جدد يتهمن داستن هوفمان بالسلوك الجنسي المشين
- روسيا: إنشاء غواصة لإطلاق صاروخ قادر على إغراق حاملة الطائرا ...
- السعودية تعتزم إنشاء 7 سدود
- اليابان تقرر فرض عقوبات إضافية على كوريا الشمالية
- دبابات -مخضرمة- تبرز حيوتيها في سوريا


المزيد.....

- الفساد السياسي والأداء الإداري : دراسة في جدلية العلاقة / سالم سليمان
- تحليل عددى عن الحوار المتمدن في عامه الثاني / عصام البغدادي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اراء في عمل وتوجهات مؤسسة الحوار المتمدن - سالم سليمان - الفساد السياسي والأداء الإداري : دراسة في جدلية العلاقة