أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان الظاهر - مع أبي محسد المتنبيء في أوربا






















المزيد.....

مع أبي محسد المتنبيء في أوربا



عدنان الظاهر
الحوار المتمدن-العدد: 734 - 2004 / 2 / 4 - 04:10
المحور: الادب والفن
    


فتح لي باب  شقته الصغيرة وكان كعادته حليقا وقبعته على رأسه والسيجارة في يده . قال تفضل لنشرب فنجان قهوة . قلت لا قهوة ولا شاي . هيا فليس لدينا الكثير من الوقت لأنجاز كافة معاملاتك. أحكم غلق الباب ومشى أمامي بثقة . في الشارع سألني الى أين نحن ذاهبون ؟؟ قلت نذهب أولا الى دائرة يسمى مختصرها  KVR    . قال وما معنى ذلك ؟؟ قلت انها ثلاث كلمات يكتبونها كعادتهم ممتزجة معا فتبدو وكأنها كلمة واحدة . في هذه الدائرة يتم انجاز معاملات الأقامة وتنظيم جوازات السفر والتقاعد وكافة الأمور والأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وتسجيل الولادات الجديدة . هنا سألته مداعبا ومشاكسا : هل لك نية الزواج بسيدة ألمانية جميلة طويلة تقود سيارتها المارسيدس ولديها شقة على البحر في أيطاليا ؟؟ جذب نفسا عميقا طويلا مثبتا في وجهي  
ملامح جافة قاسية مفعمة بالعتب ,كأن جبينه وعينيه قدت من صخر جلمود . قال

    ألا ليت الشباب يعود يوما
    لأخبره  بما  فعل   المشيب  

ثبت ناظريه على أسفلت الشارع قائلا انه لم يخن زوجه لا في شبابه ولا في كهولته .وبعد وفاة أم محسد لم أجد في نفسي بعدها أدنى رغبة في الزواج . ثم - أضاف - ما نفعي بسيارة وشقة على البحر لا أملك منها أو فيها شيئا ؟؟ وبأية لغة سأتكلم مع بنت الحلال , أنا الذي بدأ ينسى حتى لغته الأصلية , لغة أمه وعشيره وأبيه . لقد وجدت لغتي تضيع مني بل وتخونني بعد أن فارقت قول الشعر.  قلت له ستتعلم يا أبا الطيب لغة مقامك الجديد وستقرأ بها شعر الشعراء العظام من أمثال غوته وهاينه وشيللر وغيرهم . قال وماذا سأفيد من شعر هؤلاء ان توقفت عن قول الشعر ؟؟ يقرأ المرء شعر غيره لكي يطور ويحسن شعره .
وصلنا الدائرة المطلوبة وأنجزنا معاملات أبي الطيب وعلى رأسها طلب المسؤولين في أن يعجل الشاعر  في الالتحاق في معهد غوته لتعلم اللغة الألمانية . تركنا هذه الدائرة الضخمة المتشعبة الأقسام والأغراض فأشعل أبو الطيب سيجارة وشرع ينفث منها دخانا كثيفا لاعنا الساعة التي ألجأته الى طلب اللجوء . قال بعصبية وصوت عال هل يتعلم رجل جاوز الخمسين لغة أجنبية لا علاقة تربطها بأصل لغته لا شكلا ولا نحوا ولا صرفا ولا أشتقاقا ؟؟ قلت له ان ذلك جد ضروري . قال وما وجه الضرورة ؟؟ قلت ان اللغة تيسر لك أيجاد عمل مناسب في مكان مناسب . قال وما عسى أن يعمل شاعر قضى عمره في قول القريض ولا من شيء سواه ؟؟ قلت أعرف رجالا أسن منك قبلوا أعمالا مثل حراسة بعض الأبنية والشركات . وأعرف آخرين عملوا سائقي سيارات تاكسي . وأعرف آخرين عملوا في المخازن العملاقة ناقلين أو مصففين للبضائع . قال لعلمك أنني لم أقد سيارة في حياتي ولا أعرف كيف يسوق المرء سيارته . أنت تعرف عالمي جيدا , عالم الخيل والليل والبيداء .
قلت أحسنت يا عزيزي , قد والله أحسنت اذ قلت بلسانك في تتمة هذا البيت " والسيف والرمح والقرطاس والقلم " . أليس كذلك ؟؟ قال نعم قد قلت , ماذا تقصد ؟؟ أقصد أنك تستطيع أن تنخرط جنديا مقاتلا في الجيش بأعتبارك صاحب سيف ورمح . ثم أنك تستطيع اذا ما ضبطت اللغة الجديدة أن تعمل مدرسا للأدب والشعر في بعض المدارس والمعاهد المتخصصة , بأعتبارك صاحب قرطاس وقلم . أنتفض الشاعر محتجا بشدة قائلا كان ذلك يا عزيزي في سالف الزمان ,أيام القوة والفتوة والعنجهيات الفارغة وعنفوان الشباب . يتقاتل البشر اليوم بالأسلحة الفتاكة من جرثومية وكيميائية ونووية . ولدى الجيوش دبابات وطائرات حديثة وصواريخ عابرة للقارات وسواها الكثير من أدوات الحرب والأبادة والدمار . كنا نقاتل بالسيف والرمح والخيول وسائل كرنا وفرنا . فلأي سلاح سأنظم وبأي سلاح سأقاتل وأنا كما تراني لا أقدر أن أحمل جسدي الا بمشقة ؟؟
كان المتنبيء مرهقا حقا وبدا لي شاحب الوجه منهوك القوى . اقترحت أن نقضي بعض الوقت في أحد المقاهي لبعض الراحة وأن نشرب فنجان قهوة .وافق الرجل بدون تردد .
في المقهى خلع سترته وعلق قبعته في المشجب الخاص بتعليق القبعات . واصل التدخين بشكل يلفت النظر . وكان جليا أن الرجل غير منبسط مما يجرى له من أمور . غير مرتاح مما آلت أليه أوضاعه  بعد اللجوء . كان قلقا عصبي المزاج وعدوانيا بعض الشيء . جاءت القهوة لكن شاعرنا المتقاعد لم ينبس ببنة شفة . لم يشأ الكلام في أي موضوع . واصل التدخين بشراهة متناسيا فنجان قهوته وغير مبال بحضوري معه لكأنه في عالم آخر . كان سارحا شديد الرجوع الى ماضيه الذي كان يوما بالغ  التألق رجلا وشاعرا يتنقل بحرية في أشهر الأصقاع يومذاك بين العراق وبلاد الشام ومصر وفارس . يتنقل دونما حاجة لجواز سفر أو تأشيرة دخول .                                                  أردت أخراجه من النفق المظلم الذي دفن فيه نفسه فأنشدت  بصوت خفيض نشيدا كنت ما زلت أحفظه من أيام المدارس الأبتدائية
    بلاد العرب أوطاني
    من  الشام  لبغدان

ففوجئت أن صاحبي قد شرع هو الآخر يهزج بفرح طفولي معي
    ومن نجد  الى  يمن
    ومن مصر لتطوان

ضحكت كما لم أضحك من قبل . ضحكت اذ نجحت حيلتي فأنتزعت المتنبيء من سوداويته وقنوطه
وبؤس حاله الذي مر الجميع به بهذه الدرجة أو بأخرى . قلت له, وقد تبدل بشكل جذري مزاجه,
أتدري أبا الطيب أن " تطوان " التي نعرف في هذا النشيد هو أسم مدينة تونسية أسمها تطاوين ؟؟ قال عرفت ذلك يوم أن كنت في ليبيا . شرب قهوته الباردة رشفة طويلة واحدة وطلب فنجانا آخر.
قلت له ما دام قدتبدل مزاجك أبا الطيب , فأنه ليطيب لي ونحن في هذا المقهى أن أسألك عن بعض تفاصيل محكمة اللجوء في مدينة " نورنبرغ " . من قام لك بدور المترجم وما نوع اللجوء الذي منحتك المحكمة ؟؟ قال طلب مني الشاب الذي أدار عملية الأستجواب وحيدا أن أسترسل بالكلام وأن أتكلم كما أشاء مركزا على الأسباب التي جعلتني أفضل طلب اللجوء الى هذا البلد . لم أقل له أني قدمت من ليبيا . قلت أني ساهمت في أنتفاضة آذار عام 1991 في مدينتي السماوة ( محافظة المثنى )  . وبعد أجهاض الأنتفاضة وتدمير البشر والأرض والممتلكات هربت مع من هرب بطريق الصحراء الى العربية السعودية . وضعنا هناك في المخيم الصحراوي " رفحا " سنين طويلة . نظمنا نحن الشعراء يوما مهرجانا للشعر حضره بعض أمراء آل سعود, وكان من بينهم شاعر أديب دلته حاسته الشعرية على أصالة فني الشعري . طلب مقابلتي بعد المهرجان ورحب بي ترحابا حارا يفوق الوصف. قال انه كان يعرف أسمي شاعرا لكنه صدم اذ وجدني مع من وجد في هذا المخيم المعزول النائي . عرض علي أن أعمل في حقل التدريس في بعض المعاهد . شكرته كثيرا وقلت له ما دام الله قد فتح لي صدرك فأرجو أن تسعى الى تيسير أمر مغادرتي هذا المخيم . قال سأنفذ ان شاء الله طلبك وعلى الفور . بعد بضعة أيام أتاني أحد حراس المخيم باسما مستبشرا - وما رأيناهم يوما باسمين .كانوا عادة متجهمي الوجوه غلاظ القلوب شرسي الطباع - حاملا معه جواز سفر مؤقت بأسمي وتذكرة سفر الى العاصمة النمساوية فيينا مع كمية من الدولارات الأمريكية . كان الحاكم الذي كان يستجوبني يصغي لي مأخوذا بما كنت أقص عليه من أكاذيب وأحداث سينمائية بهلوانية لقنني أياها مستشار السفارة العراقية في طرابلس الغرب  السيد " حسين لامي بديوي " أو " حسين بديوي اللامي "  . صدقني الرجل ذو الوجه الطفولي البريء الباسم وثبت كل أقوالي على أسطوانة كانت تدور على جهاز تسجيل موضوع الى جانبه الأيمن . قلت للمتنبيء وما كان دور المترجم وهل طلب منك المزيد من التفاصيل ؟؟ قال كلا . كان يترجم حرفيا ما كنت أقول . الا اذا طلب الحاكم المزيد من المعلومات . قلت وهل تعرف اسم هذا المترجم ؟؟ قال بعد مرافعة المحكمة التي أستغرقت قرابة الثلاث ساعات والتي  أنهكت قواي الضعيفة أصلا , سألت المترجم عن حكم المحكمة بحق قضيتي وعن نوع اللجوء فقال انه يظن أنني سأمنح حق اللجوء السياسي  وليس اللجوء الأنساني. ثم تجاسرت فسألته عن اسمه فقال - ولعله كان كاذبا - انه الدكتور " ناصر الحسن "  . كيف يكون الدكتور مترجما ؟؟ قلت لا غرابة في الأمر يا أبا الطيب . في أوربا يعمل المرء ما يعجبه أو ما يستطيع أن يعمله اذا توفرت فيه شروط ومستلزمات هذا العمل أو تلك المهنة . فالمترجم  على سبيل المثال ليس طبيبا كما تظن . انه دكتوراه في الفن والأقتصاد . وان الرجل لم يكذب عليك وأنا أعرفه منذ فترة طويلة . ذكرالرجل لك  اسمه الحقيقي الكامل . قال ولم لم يذكر اسم أبيه اذا كان صادقا ؟؟ قلت هنا يكفي ذكر الأسم الأول ثم لقب العائلة . قال وهل تعرف أنت اسم أبيه ؟ قلت لا أحد في عموم ألمانيا يعرف أسم أبيه . ليس لأن في الأمر سرا , ولكن لا أحد هنا يهتم بالسؤال عن أسم الأب . قال وهل هذا يعني أن الرجل بلا أب , ونغل من ليس له أب ؟؟ قلت كلا . بل له أب وقور محترم وكان له نعم الأب . قال وهل تعرفه جيدا ؟؟ قلت يعرفه غيري جيدا . عدت أسأله وكيف وجدت الرجل  ؟؟ قال وجدته ظريفا شهما يساعد الناس . وجدته متواضعا بسيطا خاليا من تعقيدات البعض ممن يحملون الجنسيات الأجنبية  . قلت كلامك هذا صحيح , وأزيد عليه أن الرجل يحب الغناء والطرب ويهوى  أشعارك ويحفظ الكثير منها عن ظهر قلب. ويقيم في داره بين الحين والحين حفلات ومناسبات فنية يحضرها جمع كبير من أصدقائه . يسمرون لديه  ويأكلون ويشربون ويستمتعون بغناء المغنين ويطربون مع المطربين . ولديه مجموعة كبيرة من الطبول ورقع الشطرنج ويلعب الطاولي بمهارة يحسد عليها ويتحدى جميع لاعبيه . كما أن لديه أقراصا تحمل تسجيل  قصيدتك التي أحب  "ما لنا كلنا جو يا رسول " مغناة بصوت قاريء المقام العراقي المبدع المرحوم " يوسف عمر " . قال يبدو الرجل لي خليطا عجيبا نادرا في هذه الأيام . قلت وهو كذلك.  انه  "زوربا " هذا الزمان . قال أو ما زال مثلي عازبا ؟؟ قلت ان الرجل متأهل ولكنه مثل "شهريار" عقيم لا ينجب .  قال يبدو عليه قويا معافى . قلت ليس الأمر كذلك يا أبا الطيب . انه يعاني من نقص افراز مادة الأنسولين في دمه . قال لم أفهم . قلت أنه ضحية ما يسمى بمرض السكري . لذا فأن حقن الأنسولين لا تفارق جيبه أبدا . يحملها معه أنى ذهب وأتجه . أسفي عليك . أسفي عليك.  قال ألا تعرفني عليه ؟؟ قلت وهو كذلك . وسيكون مسرورا أن يتعرف على شاعره المفضل أبي الطيب المتنبيء . سينظم لك في داره حفلا غنائيا خاصا يدعو لأحيائه خيرة مطربي أوربا . وسيستمر الحفل حتى ساعات الصباح الأولى . هذه سجيته , يحب السهر وينتشي اذا ما فرح وطرب أصدقاؤه.  قال انما هذه من شيم الرجال . أسفي عليه وعلى خيار الناس .
 
اقتربت الساعة من الثانية بعد الظهر فقلت له هيا الى داري لنتناول طعام الغداء معا . قال وما لديك من طعام ؟؟ قلت لدي في الثلاجة الكثير . أطرق هنيهة مفكرا ثم قال أفضل الذهاب الى   (مهجومي) لأنام قليلا وأ تمتع بقسط من الراحة بعد عناء هذا اليوم الشاق . قلت ألا نلتقي ثانية عصر أو مساء هذا اليوم ؟؟ قال بل أفضل أن أقضيه وحيدا . سأمكث في شقتي , أكنسها وأرتبها وأغسل صحون الأمس وملابسي الداخلية. واذا شئت نلتقي صباح غد. اقتراح معقول يا أبا الطيب.  وأذا ما أحتجت أي شيء أو أستجد أمر عاجل أو هام اتصل بي عن طريق أحد تلفونات الشارع . لا تتردد رجاء . قام ليرتدي سترته ويضع القبعة على رأسه ثم قال هازئا ساخرا : ومتى سيجد التلفون طريقه الى شقتي ؟؟ سوف لن يطول أنتظارك يا أبا الطيب . تلك مسألة غاية في السهولة. أنتظر قليلا فقط . قال الصبر مفتاح الفرج .
صحبته حتى مدخل عمارته على أن نلتقي صباح اليوم التالي . لم نتفق على برنامج محدد . غدا سنعرف ماذا نفعل , وأن غدا لناظره قريب . 


     - 9 - 

وجدته  يتمشى أمام عمارته منتظرا قدومي . كان هادئا جيد المزاج يدندن كعادته حين يكون ذا مزاج منبسط . رمى عقب سيجارته من يده قائلا أين ستمضي بي هذا اليوم ؟؟ قلت الى الطبيب . سيفحص الطبيب قلبك وضغط الدم ويسألك ان كنت تشكو من شيء قديم أو عارض . قال لا أحب الأطباء لا أحب الأطباء . قلت ومن ذا الذي يحبهم . نزورهم مضطرين . ثم ان مساعدات
الطبيب وليس الطبيب من يقوم بتسجيل ضغط دمك وعدد نبضات القلب . وقد يقترح فحص السكر في بولك ودمك . قال ومن سيقوم بفحص دمي وبولي ؟؟ الممرضة المساعدة يا أبا الطيب.
أنتفض الرجل بحدة معترضا كيف تفحص أمرأة بولي وسكر دمي , كيف ؟؟ قلت هون عليك . هذه أمور مقبولة هنا وعادية لا تجرح حياء الرجل ولا تسبب له أي أحراج . هذا هو واجب الممرضات المساعدات وهذا هو عملهن الذي تدربن عليه . قال وهل الممرضات ألمانيات ؟؟ قلت بل هن من كافة الجنسيات . ففيهن الألمانية والبولندية والتركية والتايلندية واليونانية ومن جنسيات وأقوام أخرى لا حصر لها . قال على ذكر فحص سكر الدم , هل هناك احتمال أن أكون مصابا كالمترجم بمرض السكري فأضطر الى حمل حقن الأنسولين معي حيثما ذهبت ؟؟ قلت لا يبدو عليك أنك تعاني من هذا الداء . قال وكيف عرفت ؟؟ قلت لأنك لا تقاسي من عطش شديد ولا من يبوسة في الفم ولا تتبول كثيرا . ثم ان ظاهرة السكر في الدم درجات لا يستلزم أولها الا تخفيض الوزن . ويستلزم بعضها الأعتدال في المأكل والمشرب وتجنب أو الأقلال من السكريات والنشويات مع الأكثار من الخضروات الطازجة . وهناك مرحلة قبل الحقن بالأنسولين تتطلب تناول بعض الحبوب . وحتى مرحلة الحبوب تنقسم بدورها الى مراحل تعتمد على عدد الحبوب التي يتناولها المريض في اليوم وعلى قوة هذه الحبوب بوحدة الملليغرام . وأخيرا وعند تفاقم حالة المريض يوصي الطبيب المختص بتناول حقن الأنسولين . أمامك أبا الطيب مراحل ومراحل قبل بلوغ الدرجة الأخيرة التي أزعجتك وقضت مضجعك . تنفس الصعداء قائلا الحمد لله . ألف الحمد لله . اني اذن معافى فلا تأخذني
يا أبن أمي الى الطبيب . معافى معافى ولا بول في سكري ... عفوا ... لا سكر في دمي !! ثم أخذ يقرأ بصوت عال

    يقول لي الطبيب أكلت شيئا
    وداؤك  في  شرابك والطعام

    وما   في  طبه  أني   جواد
    أضر  بجسمه  طول  الجمام

قلت له هذه فحوص تسمى روتينية تجرى للناس بشكل دوري منتظم مرة كل أسبوع أو كل شهر وبعضها مرة في العام . لا ضرر منها . ثم هي في نهاية الأمر لمصلحتك وتعلمك أن تراقب نفسك ووضعك الجسماني . أما اذا أحتجت الى طبيب نفساني فسيحيلك طبيب الأمراض الداخلية الى آخر مختص بالأمراض النفسية لا سمح الله . قال وهل تشك في قواي العقلية ؟؟ كلا كلا يا أبا الطيب. كلنا عرضة للأنحرافات النفسية ولا عيب في ذلك . الأنحراف النفساني لا يعني بالضرورة أنحرافا أو أختلالا عقليا . فبين الأثنين حدود يعرفها الطب والأطباء . أنت الآن في أوربا ولست في الكوفة أو السماوة. انبسطت أسارير الشاعر المتعب المرهف وأظهر لي الكثير من أمارات الثقة بي وبنفسه . قال سنمضي الى الطبيب ... حتما , ولكن في يوم آخر . أنا اليوم سعيد ومتفائل وأود أن أتمتع بجمال هذا اليوم الصائف ودفء نهاره وروعة حدائق المدينة . لا تفسد ذلك علي رجاء . ثم أني معافى معافى معافى . سأنذر نذرا لأبي الفضل العباس وأوزع الحلوى من مصقول وملبس للفقراء والأطفال. سأزور مساجد المدينة ان كان فيها مساجد للمسلمين . سأصلي وأصلي الفروض والنوافل . هل في المدينة مساجد ؟؟ قلت نعم . هناك مساجد للأتراك وأخرى للأفغان والأيرانيين وآخر مشترك لجميع المسلمين يديره أستاذ مصري .
اقترح وهو في ذروة الأنشراح والعافية النفسية أن نقضي قبل الغداء بعض الوقت في حديقة نافورة اله المياه " نبتون " الواقعة خلف وزارة العدل . قلت له كنت بالأمس شديد التشاؤم حين كنا في هذا المكان . قال نعم . قد تشاءمت اذ شرع الأله ينزف من جميع أركانه بدل الماء دما عبيطا ومن ثم أنطفأت الأنوار بشكل فجائي وتوقف الماء والدم جميعا . سألني ما علاقة الضوء بالدم . قلت توقف الضياء والنور لأنهما ضد الجريمة والقتول والدماء المسفوكة . توقفا لكي يوقفا سيلان الدم المتدفق
في جنين ونابلس من أرض فلسطين . احتجاج رمزي صارخ وتذكرة للعالمين أن يفتحوا الأعين على ما يجري هناك من خروقات للقوانين والأعراف  والأتفاقيات والمواثيق الدولية وما يسمى بحقوق الأنسان. اشارة عميقة الدلالة أن العالم اليوم في ظلام دامس فاق كل ما كنا قد سمعناه عن العصور المظلمة. فتحوا يا ناس عيونكم , أفتحوا يا عرب عيونكم وأصحوا من غفلتكم وغفوتكم والا فالكارثة لا محالة مقبلة . كارثة الكوارث يا ناس مقبلة . أراها أقرب من حبل الوريد . هذا ما كانت قد تنبأت به " زرقاء  اليمامة " قبل قرن من عهد الطوفان . ليس لدى العرب  السلاح النووي الذي يحيد أعداءهم أو يقيم معهم التوازن العسكري بالردع ألنووي المتقابل . لم يوفر حكامنا لنا ما يحمينا ويحمي أرواحنا وأعراضنا وأرضنا من التهديد الشامل بافنائنا من الوجود . ما علمونا كيف نمارس الديمقراطية وحرية الأقتراع ومداولة السلطة . وهذه هي النتيجة المحتومة . هم في واد ونحن الشعوب في واد آخر . يحمل الكثير منهم وأغلب أبنائهم  الجنسية الأمريكية وبلايينهم المهربة مودعة في البنوك التي يسيطر عليها اليهود سواء في أمريكا أو أوربا . أما نحن , أنا وأنت وباقي الناس فنصيبنا التشرد وطلب اللجوء لنحيا على الكفاف وعلى حواشي الحياة الدنيا .                                           قلت هل تعلم أبا الطيب أن نافورة الأله نبتون قريبة جدا من الساحة التي يتجمع فيها الناس عربا ومن غير العرب تضامنا مع الأهل في فلسطين وأحتجاجا على ما يجري في فلسطين من قتل وتدمير وأغتيال وحصار وتجويع. قال وما أسم هذه الساحة ؟؟ قلت أسمها " شتاخو س  Stachus   "  .
قال ومتى يجتمع هؤلاء الناس المرة القادمة ؟؟ قلت نهار السبت القادم على تمام الساعة الثانية عشرة ظهرا . قال أريد أن أشارك في هذه التظاهرة . لا بد أن أشارك فيها وهذا أضعف الأيمان . أحسنت أبا الطيب الشهم والغيور , أحسنت. عهدي بك شريفا شجاعا ثائرا . قال ليتني أستطيع أن أقاتل على أرض فلسطين . قلت لا يسمح لك جيران فلسطين بدخولها مقاتلا . قال لماذا ؟؟ ان دخول فلسطين يتطلب موافقة الأدارة الأمريكية وأسرائيل. قال وما دخل أمريكا وأسرائيل بدخول فلسطين عبر حدود دول عربية ؟؟ لم أجبه . صرت أهذي مع نفسي مرددا ( اذا كنت لا تدري فتلك مصيبة / وأن كنت تدري فالمصيبة أعظم !! ) . سمع المتنبيء هذياني على ما يبدو , فلقد شرع الرجل يبكي بكاء مرا.
شرعت أجفف سيل دموعي في لحظة وصولنا الى نافورة اله الماء نبتون . كانت النافورة جافة والأله فاغرا فاه مبتسما ساخرا شامخ الرأس مفتوح الذراعين غير آبه بما فيه وما حوله من جفاف . الماء يأتي مع المساء . والماء نفسه لا يأتي النافورة مرتين . كانت حديقته غاصة بالناس يدخنون ويثرثرون ويقرأون الصحف . جلسنا صامتين كأن على رؤوسنا الطير . هو يدخن وعيونه ما زالت مبتلة بالدموع . يحاول أن يقول شيئا لكنه يقاوم الرغبة في الكلام . كان يعاني من صراع خفي مكبوت يريد ولا يريد أن يفصح عنه . استسلم , أحجم عن الكلام . أغمض عينيه المبتلتين بالدموع وأغفى
فتعالى شخيره . أنتبه الناس الى قوة هذا الشخير الذي يذكر بقاطرات البخار القديمة فضحك بعضهم بصوت عال . أما اله المياه الروماني نبتون فرأيته مبتسما ابتسامة غامضة فيها ظلال سخرية وشماتة
كأنه يريد أن يقول : من الذي أتى بكم الى بلداننا ؟؟ لماذا لا ترجعون الى بلدناكم ؟؟ لماذا لا تقاتلون في سبيل قضاياكم التي تسمونها مصيرية ؟؟ فزعت اذ دنا الأله مني وهمس في أذني قائلا ان وزارة العدل التي ترى أمامك قد أخطأت خطأ جسيما في دفاعها عنكم وأحتضانكم  وتوفير فرص عمل لكم ثم ستمنحكم  الوزارة بعد ثماني سنوات الجواز الألماني الذي لا أملك رغم بقائي هنا واقفا منذ ألفي عام . أعمل ليلا ونهارا صيفا وشتاء لأرفه عنكم وعن أمثالكم . أبيت تحت السماء لا سقف يحميني من مطر أو برد أو ثلوج . لا من يقدم لي باقات الزهور التي أرى العشاق يتبادلونها أمامي . ستصبحون قريبا مواطنين أوربيين , أما أنا فسأظل تمثال حجر بلا وطن . تنكر لي نيرون
وقيصر وأنطونيو ( صاحب كليوباترا فرعونة مصر ) . جحدوا أفضالي على روما ثم جمدوني حجرا في اله والها في حجر كأنهم سمعوا صرخة الفيلسوف الألماني " نيتشة “ حين قال ( مات الأله ) . نعم كان يقصدني أنا بالذات. ثم اصدروا حكما بأبعادي عن ايطاليا بعد أن جردوني من بيتي ومزرعتي وباقي أملاكي وأخيرا جواز سفري . سألته كيف اذن وصلت الى ميونيخ وأنت لا تحمل جواز   سفر ؟؟ قال وصلت كصاحبك المتنبيء تهريبا . لا تنس أن لأيطاليا حدودا مشتركة مع ألمانيا . قلت يبدو أنك غير مسرور بعملك هذا حارسا لحديقة كبيرة وموزع نوافير ماء فرات ومسليا لبني البشر من أمثالنا ؟؟ قال بلى , جد مسرور . فسوق العمل متأزمة ومعدلات البطالة عالية . ثم اني أكون في غاية السرور حين أرى الناس حولي مسرورين مبتهجين فأنسى وحدتي ومحنتي وأتأقلم مع منفاي. قلت يبدو أن هناك أشياء كثيرة مشتركة بينك وبين بني البشر . قال نعم . فيكم بعض مني وفي بعض منكم . ألم يكن الجبار السومري  " جلجامش " خليطا ثلثاه من الألهة وثلث من البشر ؟؟ قام المتنبيء وأنحنى بخشوع أمام نبتون وقدم له سيجارة فأعتذر الأله أنه لا يدخن , بل وأن التدخين ممنوع عليه خلال ساعات العمل . قال المتنبيء محنقا : ألله أكبر !! حتى أنت ألهي لا تستطيع التدخين ؟؟ غمزه بطرف عينه اليسرى قائلا : بلى , أدخن أحيانا ولكن ... أدخن خلسة . أدخن سيجائر رخيصة مزورة مهربة تأتيني من الحدود الألمانية - الجيكية !!  دنا المتنبيء من الأله المذعور وقدم له سيجارة قائلا : خذها . ان لم تستطع التدخين الآن فضعها مخفية خلف احدى أذنيك . دخنها لاحقا في ساعة هدوء بال وخلو البارك من البشر . أخذها شاكرا وأرتد على مهل ليشغل المكان الذي وضعته الدولة فيه صنما مقيدا متحجرا معزولا منفيا وتحت رقابة وزارة العدل اليومية. يضخ الماء من صخور جسده كيما يدخل البهجة الى نفوس البشر . فثلثه من لحمهم ودمهم وعظامهم . فهو بعض منهم ... شاء ذلك أم أبى . شاؤوا أم أبوا. نهض المتنبيء قائلا أحس الآن ببعض الراحة . لقد قبل رب الماء  مني أخيرا ما أسديت له من جميل . لم يرفض السيجارة التي عرضتها عليه . أخفاها خلف أذنه وسيفيد منها لا شك يوما . أو أنه سيبيعها بنصف " يورو "  الى السيد  حسين زيدون . ضحكت طويلا لأني أعرف قصة حسين مع التدخين.
 أشار لي أن وقت طعام الغداء قد حان . وأقترح أن نأكل معا شيئا خفيفا في مطعم قريب للهامبرغر قريب من ساحة “ شتاخوس “ . وبعد الغداء نتناول الشاي الثقيل المعطر بالهيل والدارسين في شقته. وجدت العرض مغريا فوافقت على الفور . اقتربنا من تمثال نبتون لتقديم تحية الوداع فلم يرد علينا. حاولنا الكلام معه فضاعت محاولتنا سدى . تساءلنا تاركين البارك الجميل عن سبب صمت أله الأمواه الباردة والحارة فلم نعثر على جواب شاف . لم يمنعه القائمون على العدل عن التدخين فحسب , بل وحرموا عليه الكلام مع الأجانب . ونحن في الطريق الى المطعم أخذ المتنبيء يقرأ شعرا لغيره ( دع الأقدار تفعل ما تشاء / وطب نفسا اذا حضر الغداء ) . طلب " شاطرا ومشطورا بدون كامخ " . سألته لم لا يأكل الطرشي الحامض وهو منشط للمعدة وفاتح للرغبة في الطعام , فقال أنه أولا يأكل دوما تقريبا  دونما شهوة للأكل . ثم ان معدته لا تتقبل الحوامض . وقلت رغبته في الطعام بشكل ملحوظ بعد اللجوء حيث تغير نوع وطعم الطعام جذريا . قلت له وما كنت تأكل قبل اللجوء ؟؟ قال كنا نأكل التمر والزبدة الطرية وخبز الشعير الذي يحمل نكهة وحرارة التنور . ونشرب لبن الجمال والماعيز . ونأكل اللحم المشوي أحيانا وفي المناسبات وعند وفادة بعض الضيوف. لا نعرف الثلاجات ولا الطعام المطبوخ سلفا ولا المحنط بالجليد ولا المدفون في علب الصفيح والزجاج .
بعد الغداء قصدنا شقة المتنبيء لشرب الشاي الموعود . جاء الشاي فكان رائع المذاق . لكن صاحبي ترك كأس الشاي وأستسلم لنوم عميق فأرتفع  الشهيق والزفير فتذكرت أحد أناشيد الطفولة( صوت صفير البلبل هيج قلب الثمل ... ) . تمتعت بكأس الشاي على مهل مع قصد وشحة مخافة أن ينتهي على عجل . فصاحبي غط في قيلولته وأنا لا أجروء أن أتصرف في شؤون مطبخه . فكيف اذن سأدبر كأس شاي آخر ؟؟ سينهض الرجل بعد ساعة . وسيعد له ولي شايا جديدا حارا يفوح منه الهيل والدارسين . مضت الساعة لكن الشاعر لم يفق . أدركني النعاس فقررت أن أترك له سطرا أخبره فيه أني قاصد داري وسأراه غدا مساء .


         - 10 -

التقينا حسب الموعد الذي ثبته له أمس على ورقة صغيرة . كنت أنتظره في وسط الساحة المسماة
“ مارين بلاتس   Marienplatz  "  في قلب مركز المدينة حيث تطل بناية مقر محافظ مدينة ميونيخ . قلت له هنا ملتقى الكثير من الفعاليات السياسية والأجتماعية والفنية وغيرها . وهنا سيقرأ الشاعر محمود درويش نهار السبت القادم قصائد لفلسطين. قال ومن هو محمود درويش ؟؟ انه أشهر شعراء فلسطين . قال وهل هو فلسطيني ؟؟ قلت نعم . قال وهل يعيش هنا معكم في ميونيخ ؟؟ قلت كلا. الآن يعيش في مدينة رام الله المحاصرة والمدمرة والمنكوبة. وكان قبل ذلك يتنقل بين الكثير من عواصم الدنيا سفيرا وشاعرا يغني لوطنه فلسطين. قال وهل ستعرفني عليه كما عرفتني على السيد الذي ترجم لي في المحكمة ؟؟ قلت ذلك يؤسفني جدا . اني لا أعرف الرجل معرفة شخصية وما سبق لي وأن التقيت وأياه . أنا نفسي أتمنى أن أتعرف عليه . قال وهل هو في نظرك شاعر جيد ؟؟ قلت ستسمعه أنت ولتحكم على شعره أنت . أنا لي رأي خاص به شاعرا وانسانا . ولقد سبق وأن كتبت ونشرت دراسة عن بعض أشعاره . قال وأين نشرت هذه الدراسة ؟؟ نشرتها في جريدة
“ الزمان " التي تصدر في لندن أولا , ثم ظهرت في كتاب لي صدر عن " مركز الحضارة العربية " في القاهرة أوائل هذا العام ( نحن الآن في شهر نيسان 2002 ). قال وهل في الأمكان الأطلاع عليها؟؟ قلت لم لا , كتبتها ونشرتها لكي يقرأها الجميع وخاصة الشعراء من القراء . ولدي له تسجيل بصوته يقرأ قصيدة كتبها خصيصا لمناسبة  مصرع الطفل الفلسطيني " محمد الدرة " . وستسمعها معي في بيتي . قال وهل تحفظ منها شيئا ؟؟ قلت كلا . أنا لا أحفظ حتى أشعاري. قال لكنك تحفظ الكثير من أشعاري . قلت ذلك صحيح , ذلكم جد صحيح, لأنك أنت أبو الطيب المتنبيء ماليء الدنيا وشاغل الناس . قال قد شوقتني كثيرا لهذا الرجل الشاعر . أريد قراءة بعض أشعاره . هل لديك بعض كتبه ؟؟ قلت أجل. لدي القليل , وليته يهديك ويهديني شيئا منها, خاصة والرجل يكن لك أعجابا خاصا . على أية حال ستسمعه يلقي شعرا نهار السبت القادم . انه بارع في ألقاء الشعر وأنت تعلم أن ليس كل الشعراء بارعين في ألقاء الشعر . قلة هم البارعون . قال لا أصبر حتى السبت القادم . هلم الى بيتك لنسمع قصيدته عن الطفل الشهيد " محمد الدرة " . قلت هيا .
 الساعة الثامنة مساء بدأ في بيتي شريط الكاسيت يدور بصوت الشاعر محمود درويش :

محمد ...
يعشعش في حضن والده طائرا خائفا من جحيم السماء
أحمني يا أبي
ان جناحي صغير ...
محمد ...
يريد الرجوع الى البيت من دون دراجة أو قميص جديد
يريد الذهاب الى المقعد المدرسي الى دفتر الصرف والنحو
خذني الى بيتنا يا أبي
كي أعد دروسي وأكمل عمري رويدا رويدا
على شاطيء البحر تحت النخيل ولا شيء أبعد لا شيء أبعد .
محمد...
يواجه جيشا بلا حجر أو شظايا ...
يحتمي بالجدار ليكتب : حريتي لن تموت
فليست له بعد حرية يدافع عنها

كان المتنبيء يبكي مطأطيء الرأس يخفي وجهه بمنديله . فأرتأيت أن أوقف جهاز التسجيل . رفع رأسه بعد لحظات طالبا مني أن أواصل تشغيل الجهاز :

كم مرة سوف يولد من نفسه
ولدا ناقصا
بلدا ناقصا
موعدا للطفولة
أين سيحمل لو جاءه الحلم والأرض جرح ومعبد ؟؟
محمد ...
يرى موته قادما لا محالة لكنه
يتذكر فهدا رآه على شاشة التلفزيون
فهدا قويا يحاصر ضبيا رضيعا
وحين دنا منه شم الحليب فلم يفترسه
كأن الحليب يروض وحش الفلاة , اذن سوف أنجو
يقول الصبي ويبكي
فان حياتي هناك مخبأة في خزانة أمي
سأنجو وأشهد .
ترفض الكامرا حركات الصبي الذي تتوحد في ظله
وجهه كالضحى واضح
قلبه مثل تفاحة واضح
وأصابعه العشر كالشمع واضحة
والندى فوق سرواله واضح
...
محمد
يسوع صغير ينام ويحلم في قلب أيقونة صنعت من نحاس
فللغصن زيتونة وللروح شعب تجدد
محمد ...
دم زاد عن حاجة الأنبياء الى ما يريدون فأصعد
الى سدرة المنتهى يا محمد .  

كان المتنبيء شديد الوجوم دخانه لا ينقطع . أراد قهوة مرة ثقيلة وطلب أعادة سماع تسجيل القصيدة. قلت سيكون أمرك نافذا ولكن بعد القهوة يا أبا الطيب . ولكي أبعده عما هو فيه من وجوم وكآبة سألته رأيه في شعر محمود درويش . فكر طويلا ثم قال أنه لا يستطيع أن يكون على هذه العجالة رأيا عادلا صائبا. خاصة وأنه لم يقرأ أو يسمع قبل هذه القصيدة شعرا لمحمود درويش.
لكنه أضاف أن الشاعر أجاد في ألقائه وأستطاع أن يحرك العواطف ويشحذ الهمم الوطنية والأنسانية.
ثم سألني عن رأيي في قصيدة "محمد" . قلت بصراحة يا عزيزي انها ليست من بين قمم قصائده. وتعليل ذلك أنه كتبها على عجل كي يواكب الأحداث الدامية ولا يتخلف عنها. قال وكان هذا دائما هو شأن الشعر السياسي وشعر المناسبات . قلت لحد علمي كان درويش هو السباق في رثاء وتخليد مأساة الطفل محمد الدرة . لم يسبقه من شعراء العربية الى ذلك أحد . وكنت قد طالبت في احدى مقالاتي المنشورة الشاعر " أدونيس " أن يكتب شيئا عن هذا الطفل أو عن مأساة فلسطين عموما لكنه , ولحد علمي , لم يفعل حتى اليوم . قال ان المأساة لأكبر من أن يستطيع أن يلاحقها شاعر . بلى , يستطيع الكتاب ذلك . الشعر شيء آخر. لا تظلمه . قلت لكنك كنت تنظم الشعر في سوح المعارك والوغى وتقرأه فورا على مسمع سيف الدولة الحمداني . قال هذا صحيح ولكن لا تنس أن زمانكم غير زماننا. كنا مهيأين لذلك وكانت تلك صنعتنا ومهمتنا ووسيلة ارتزاقنا. لا وظيفة لنا ولا شهادات جامعية ولا ضمان اجتماعي كالذي أتمتع به اليوم في ألمانيا . أنتم لا تحضرون المعارك والحروب ولكم وظائفكم ومواهبكم المتعددة والرواتب التقاعدية ثم الزمالات السخية التي تمنحها لكم الدول . كنا نبالغ ونكذب وأنتم تأنفون من أتيان ذلك. لقد رثيت حتى " يماك " عبد سيف الدولة التركي, فضلا عن أختيه ووالدته وطفله الصغير. ثم الأصدقاء والذين حملوا لي نفيس الهدايا في حياتهم. الفارق جد شاسع. لا تقارن. قلت ما زال الوضع كما كان عليه في أيامكم !!
شرب فنجان قهوته سريعا وطلب المزيد لكي يسمع القصيدة ثانية كما وعدته.
جاءته القهوة المرة الثقيلة فصعد من وتيرة تدخينه طالبا الأسراع بأدارة شريط كاسيت القصيدة. 
ترك رأسه وهو يصغي لصيق صدره نافثا سحابات الدخان  التي ملأت الغرفة . طلب اعادة سماع بعض مقاطع القصيدة مرارا ناسيا قهوته سارحا في عالم آخر. سألته أين وصلنا يا أبا الطيب ؟؟ نفث الدخان متعمدا الى أعلى قائلا : ما زلت معلقا بين الأرض والسماء . لا عدالة على الأرض. أين عدل السماء ؟؟ أين حكمة الأديان السماوية ؟؟ لماذا يقتل طفل في العاشرة , ويقتل في حضن أبيه
طائرا صغيرا كما وصفه محمود درويش . لماذا لماذا لماذا ؟؟؟؟؟
سألته وقد جاوزت الساعة العاشرة مساء أيحب أن يأكل شيئا بعد كل هذا الشجى واللوعة والدموع؟؟ قال أعطني كسرة خبز . خبزنا كفافنا. جلبت له ما تيسر فتناول لقمة واحدة وواصل التدخين .
قال ما زال لدي سؤال ملحاح . قلت تفضل . خيرا أن شاء الله ؟؟ قال وهل كتبت أنت شيئا عن فلسطين ومأساتها والطفل الدرة ؟؟ قلت نعم يا سيد شعراء العرب والعربية . نعم قد كتبت قصائد أرسلتها الى بعض الصحف للنشر في لندن والقاهرة ودمشق . كما أرسلت بعضا منها لقرائتها في بعض الفضائيات العربية ولا أدري هل نشرتها الصحف أو قرأتها الفضائيات أم لا . فالصحف أن نشرت  أو لم  تنشر لا تخبر الكاتب أو الشاعر . كذلك أمر الفضائيات وأنا عنها كما تعلم بعيد. ثم كنت قد قرأت الكثير من أشعاري خلال أمسية نظمتها لي رابطة المغتربين السوريين في ميونيخ مساء السبت الموافق  الحادي عشر من شهر تشرين الثاني ( نوفمبر )  عام 2000 . قمنا وقوفا أولا حدادا على أرواح شهداء الأنتفاضة . وكانت أولى قراءاتي عن الأقصى وفلسطين . ثم ظهر ما قرأت عن فلسطين في هذه الأمسية في كتابي الأخير ( نقد وشعر وقص )  المطبوع في القاهرة أوائل هذا العام .
ليتني يا أبا الطيب أستطيع أن أفعل وأقدم أكثر مما فعلت وقدمت . امكاناتي محدودة وظروفي قاسية والصحة كما ترى ليست على ما يرام . فهي قائمة بالحبوب وعلى الحبوب الطبية وهي كثيرة لدرجة تعقد الأنسان السوي حيث أنعدم السواء في الحياة . قال لذلك حرمت الحركة وحرم التدخين حتى على صديقنا رب المياه نبتون , الذي كان يوما مثل جلجامش طليقا يأمر وينهي ويرفل بالجبروت الأقصى . سنة الله في خلقه . يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير!! .
قلت حسنا يا أبا الطيب , وهل لديك ألنية أو الأستعداد لكتابة شيء عن فلسطين وأنتفاضة الأقصى التي تكاد أن تكون أسطورة في بابها ؟؟ قال النية موجودة أبدا ولكن أنى لي بالقوة والقدرة على كتابة الشعر وقد توقفت عن كتابته بعد مقتلي في دير العاقول في ظاهر واسط . لم أكتب شيئا يذكر بعد مقتلي . قتلني  آل ضبة وفاتك الأسدي وبنو أسد كما قتلوا قبلي والد شاعرنا الأول أمريء القيس مفخرة العرب قاطبة . العرب يقتلون شعراءهم ويقتل اليهود أنبياءهم . الأنبياء شعراء يا أبا الطيب . قال والشعراء أنبياء . قلت لذلك أسموك " المتنبيء " . قال تلك " قوانة " أخرى معقدة بعض الشيء وما نحن الآن فيها . قم أصطحبني الى بيتي . صرت أتحاشى بل أخشى ظلام الليل وأنا من قال يوما ( الخيل والليل والبيداء تعرفني ... ) . أما الآن فلا يعرفنا أحد في هذه البلدان حيث لا خيل ولا فيافي ولا بيد ولا هم يحزنون . لا أحد يعرف فطومة في سوق الغزل ... كما يقول العراقيون . قلت أين يا أبا الطيب غزواتك ومغامراتك الليلية وتسترك بظلام الليالي الحالكة تزور من تزور من بنات العرب كأي لص مغامر ؟؟ قال تقصد قولي ( أزورهم وسواد الليل يشفع لي / وأنثني وبياض الصبح يغري بي ) ؟؟ قلت نعم . أنت قد كنت أكبر مستفيد من حلكة الليل وتدعي الآن أنك صرت تخشاه وتتحاشاه . صروف الدهر وأحكام الزمان ... أجاب متنهدا بحسرة وضيق . قلت اذن أستعد لنذهب بك معا الى بيتك . قال بل الى مقبرتي العصرية . تذكر أني قتلت وتركت بدون قبر . وبعد بضعة أيام من مصرعي تعفنت جثتي فألتقط رائحة التفسخ بعض المارة من البدو الرحل فطموها في حفرة واطئة سرعان ما أكتشفتني فنبشتني وأكلتني ضباع البر وثعالبها . من التوراب الى التوراب . ومن التوراب الى الضباع . حسبي ألله ونعم الوكيل .
في الطريق الى شقته قال سنرى أذن الشاعر محمود درويش نهار السبت القادم يقرا أشعاره أمام مقر  محافظ المدينة في ساحة " مارين بلاتس " ؟؟ قلت يؤسفني أن أخبرك أن هذا اللقاء الجماهيري قد ألغي . قال بجزع شديد لماذا ؟؟ لأن ظروف الشاعر وهو تحت حصار الدبابات الأسرائيلية لا تسمح له بالمجيء الى ألمانيا . منع الشاعر من السفر والتنقل بحرية كما منع عرفات والسيدة الجليلة حنان عشراوي , احدى أكبر مفاخر نساء فلسطين ونساء العرب في أيامنا هذه . صرخ المتنبيء " ألله أكبر ألله أكبر " . بالأمس قيدوا حركة الأله نبتون وجمدوه حجرا ينفخ من فيه الماء حين يؤمر . ثم قيد كافور حريتي في فسطاط مصر وفرض علي الأقامة الجبرية في بيتي حتى كدت أموت من الضيق والحصار النفسي والحمى . واليوم يقيدون حركة الشاعر . أعداء الحرية هم هم وكما هم في كل زمان ومكان . ألله أكبر . ألله أكبر . على الباغي تدور الدوائر .

 

                                              - 11 -

كما أتفقنا مساء أمس , وجدته جالسا في الركن القصي من المقهى التي يحب منتظرا قدومي . حييته التحية التي يفضل فأشار لي أن أجلس . كان متعافيا نشطا عالي الهمة متماسك العزم . سألني ماذا أود أن أشرب . قلت له أنا الذي عودك على مثل هذا السؤال لا أنت . قال اليوم أنا الذي سيدفع حساب مشروباتنا . قلت لا مانع ما دمت قادرا , شرط أن نشرب اليوم معا بعض البيرة ( الجعة ) . قال آليت على نفسي أن لا أقرب الخمور ولا أدعها تلامس شفتي . قلت ( شديد السكر من غير المدام ) قال بالضبط. شديد السكر من غير المدام . قلت لكنك قد قلت يوما

    اذا ما الكأس أرعشت اليدين
    صحوت فلم تحل بيني  وبيني

    أغار من الزجاجة وهي تجري
    على شفة  الأمير أبي الحسين 

    كأن   بياضها  والراح   فيها
    بياض  محدق   بسواد    عين

قال أجل . قد والله قلت ذلك ولكن أرجو أن تفهم الظرف الذي قلت فيه هذا الشعر. كنت وقتها أنادم " عليا بن أبراهيم التنوخي " , وكانت عندي للرجل مكانة خاصة وله علي أكثر من فضل . وكان ذلك زمن الشباب ولا على الشباب عتاب كما يقولون. سألته وهل من علاقة بين هذا التنوخي والشاعر  والمفكر الرائع أبي العلاء المعري ؟؟ قال بكل تأكيد . فهو أحد أسلاف أبي العلاء . نعم الخلف لنعم السلف . قلت لذلك قلت مرة ( أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي ... ) . قال لو كنت أعرف أن أبا العلاء سيصاب بمرض الجدري فالعمى لما قلت هذا البيت . شدما يؤنبني ضميري ... أقصد بقايا ضميري. زعم بعض الأغبياء والأدعياء أني كنت ( أتنبأ ) بمجيء شاعر أعمى يأتي بعدي  ( يقرأ ) ثم يروي أشعاري . قلت وما هي حقيقة الأمر ؟؟ قال البيت الشعري واضح. ذكرت ( الأعمى ) نكرة على وجه الأطلاق رغم وجود الألف واللام . وكان قصدي عميان زماني من عميان البصر والبصائر وكانوا كثرة يتنطعون ويتطاولون ويدسون لي الدسائس في بلاط سيف الدولة الحمداني. وكان أبو فراس الحمداني على رأس هذه الزمرة الخبيثة متمتعا بحصانة وسطوة وهيبة بلاط ابن عمه سيف الدولة.
كان الشاعر منفعلا ومتوفز العصب . وكان هذا دأبه كلما جرنا الحديث الى حلب وسيف دولتها . مشاعر مختلطة تعتريه هي مزيج من الفخار والغصة والحسرة والندم . لا أجد ذلك غريبا , اذ كانت أعوامه في حلب هي روائع سني حياته شاعرا ورجلا ومقاتلا وصديقا ودودا لأميرها . ومن حلب طبقت شهرته الآفاق فكانت الملوك والأمراء تتبارى لكسبه وخطب وده وأستمالته اليها باذلة في سبيل ذلك الغالي والنفيس . قلت كان الشاعر نارا تحت رماد فأردت كعادتي أن أغير الأجواء وأنأى به عما يقلقه ويحزنه ويشجيه من أفكار ومشاعر وذكريات . حولت مجرى الحديث الى وجهة ينسجم أحيانا
وأياها فينطلق على سجيته صريحا واضحا غير خجل ولا وجل ولا هياب . يقول كل ما في قلبه وفي أعماق سريرته . قلت له كنت قد قلت يوما كلاما جميلا في الغزل - وأنت سيد هذا الباب كما أحسب -  أغضب بعض المتزمتين من النقاد فأقاموا عليك الدنيا وأقعدوها وأتهموك بالكفر والألحاد . قال تقصد القصيدة التي قلت فيها 

    كم قتيل كما قتلت شهيد
    لبياض الطلى وورد الخدود

    وعيون   المها ولا  كعيون
    فتكت   بالمتيم    المعمود

    راميات بأسهم  ريشها الهد
    ب تشق القلوب قبل الجلود

    يترشفن   من  فمي رشفات
    هن  فيه أحلى  من التوحيد

    كل  خمصانة  أرق من الخم
    ر بقلب  أقسى  من الجلمود
  
قال نعم قد قلت هذا الشعر لكني قلته أيام الصبا وعنفوان الشباب ومن ذا الذي يستطيع صد هذا العنفوان ؟؟ لقد فاتك بيت في هذه القصيدة لو كنت أنتبهت اليه لكنت سبيتني بفضولك وتتبعك نزواتي الخيالي منها والحقيقى . قلت أي بيت تقصد ؟؟ قال

    كل شيء  من الدماء  حرام
    شربه  ما  خلا   ابنة العنقود

    فأسقنيها فدى لعينيك نفسي
    من   غزال  وطارف   وتليد                                 

لا تعرف , أضاف , حجم الضجة التي أثارها ضدي هؤلاء المحسوبون على النقاد من الحاقدين والحساد . لقد أضطررت بعد ذيوع هذه القصيدة أن ألازم داري فترة من الوقت فضاقت بي الأرض والسماء حتى أني أضفت أبياتا أخرى للقصيدة تعبر أصدق تعبير عن حالي وقتذاك . قلت هلا تقرأها لي ؟؟ أنشد هازا رأسه

    ما مقامي بأرض نخلة  الا
    كمقام  المسيح بين اليهود

    أنا  في  أمة  تداركها  الل
    ه  غريب كصالح  في ثمود

طلبت كأس بيرة آخر وطلب شاعري كأس شاي وكانت مقهانا تعج بالرواد فتزداد صخبا وحركة ودخانا . ولكثرة أرتيادنا لهذا المقهى صارت وجوهنا مألوفة للفتيات العاملات فيها . بل وصرنا معارف جيدين لبعضهن . وذلكم أمر يحسن الأفادة منه حيث مقدار البخشيش منا يتصاعد اطرادا كلما ازداد التعارف بيننا سعة وعمقا. فثمة سؤال عن الصحة حينا وآخر عن الظروف العامة وكيف يجد صديقي اللاجيء الجديد حياته في المدينة الجديدة . وحين عرفن أن الرجل شاعر شعراء العربية طفقن يسألن متى سيتعلم  لغة البلد حتى يبدأ قول الشعر فيهن غزلا . ولدماثة  خلقه وحيائه البادي للعيان وكبر سنه أصبح البعض منهن لا يتحرج من تقبيل وجنتيه حين قدومنا وحين مغادرتنا المقهى. وكنت لحضتئذ قادرا أن أرصد ما يحس به من حبور وسعادة غامرة . كنت أترجم له كلامهن حرفا حرفا . ومع مر الزمن ومواصلة أرتياد المقهى ألف المتنبيء أجواءها وصار يستشعر لها حميمية خاصة ودفء بشري فارقه منذ زمن. بدأ الرجل يألف هذه الوجوه الصبوحة الجذابة والشباب المتوهج ومداعبات الصبايا وتقبيل الوجوه فنما فيه شغف خاص بالعيون الزرق والخضر والشعور الذهبية . سألته ما رأيك بهاته الصبية الحسان ؟؟ أما زلت مع الشعر الذي قلت يوم كنت في مصر

    من الجآذر في زي  الأعاريب
    حمر الحلى والمطايا والجلابيب

    ما أوجه الحضر المستحسنات به
    كأوجه  البدويات   الرعابيب

    حسن الحضارة مجلوب بتطرية
    وفي البداوة حسن غير مجلوب

فكر طويلا قبل أن يجيب . لقد وجد نفسه في مصيدة لم تخطر له على بال. ما كان يتوقع مني مثل هذا السؤال الخبيث. حول مجرى الحديث عامدا لكي يمنح نفسه بعض الوقت للتفكير في جواب مناسب . قال بالله عليك , هل هذا حقا شاي أم أنه ماء أصفرحار ؟؟  كأنه الحميم في مذاقه وشراب الهيم . قارنه بما أجهز لك في شقتي من شاي . قل لي , هل هو شاي هندي أم سيلاني ؟؟ قلت انه خليط من مصادر شتى . ثم لديهم هنا عشرات الأنواع من الحشائش مختلفة الطعوم والألوان يسمونها جميعا " شاي " . تحمل ما يقدمون لك في المطاعم والمقاهي وأشرب في بيتك ما يعجبك. قال وعلينا أن ندفع ثمن هذا البلاء. قلت لا شيء يأتيك في الحياة مجانا . شرد قليلا ثم عاد لسؤالي اياه فقال : قلت يوما كما تعلم ( لكل أمريء من دهره ما تعودا ... ) لكني وأنا هنا بدأت أقتنع أن كل شيء في الحياة في صيرورة وتغير وتبدل . أقصد قد تبدل ذوقي ومشاربي والكثير الكثير من عاداتي وطباعي ( قال أولا أطباعي ثم عدلها فقال طباعي ) . الحياة الجديدة تضيف أمورا كثيرة جديدة . وأنك تدري أني في مصر أضفت الى شعري أشياء ما كانت مألوفة عندي في العراق أو بلاد الشام. وظفت اسم الحيوان " الكركدن " وعملة " الفلس " ورأيت في مصر الشعر المستعار وحف الشوارب كما لاحظت على النساء صبغ الحواجب وتزيين الوجوه بالمساحيق والأعشاب والدهون وما اليها . وفي بلاد فارس رأيت القوم يحرقون النرجس والآس في المباخر ويغطون ملوكهم وضيوفهم بالورود والرياحين . نعم وظفت ما قد رأيت في هذه البلدان من مظاهر جديدة في شعري . والا لكنت حولت نفسي صخرة صماء جامدة كصاحبنا " نبتون " . كل شيء يتبدل ويتحول ولا ثبات لشيء في الحياة. قلت لكنك لم تتطرق في شعرك لموضوع التغير والثبات في الحياة والكون. قال كنا نقرأ مثل هذا الكلام في فلسفة الأغريق. وكنت والفارابي أناقش هذه المواضيع . لكن للحق, ما كان أمر الفلسفة يسيرا علي. كنت ألتقط ما يتيسر لي فهمه وأتجنب ما يعسر علي ادراكه . قلت لذلك أخطأ اذ قارن " الحاتمي " بين بعض أشعارك وبعض مقولات أرسطو. قال ما كان الحاتمي مصيبا في تلكم المقارنات . كان أديبا يحب التفلسف وما كان يفهم الفلسفة أصلا. قلت لقد أبتعدنا عن الموضوع كثيرا . أجب أبا الطيب بأختصار عن سؤالي السابق. قال متظاهرا بالنسيان أي سؤال ؟؟ أيهما في نظرك الأفضل والأجمل فتيات البدو الرعابيب حمر الحلى والمطايا والجلابيب  أم صبايا مقاهي ميونيخ يقدمن لك الشاي والقهوة المرة والماء المعدني ؟؟ قال أما وقد أردتني أن أجيبك بأختصار فسأختصر القول أني والله ما زلت أميل الى جمال بنات البدو الفطري غير المشوب بالمساحيق والأدهان والأصباغ . ناهيك عن سمرة البشرة الطبيعية , سمرة لفح شمس الشرق
الملطفة بهواء البوادي العليل النقي حيث لا مصانع ولا سيارات وطائرات ولا دخان ولا أسمدة كيميائية ولا مبيدات حشرات ومساحيق تنظيف . لا مجاري للمياه القذرة في الصحراء ولا قنوات لتصريفها تخترق مدنكم عرضا وطولا . تتباهى نساء أوربا بسمرة جلودهن النحاسية التي يكتسبنها اثناء عطلة أسبوع فقط يقضينها تحت الشمس على رمال سواحل بعض البلدان الدافئة صيفا مثل تونس والمغرب وأسبانيا وايطاليا واليونان . أو كما قلت لي يوما يكسبن هذا اللون النحاسي بتعريض أجسادهن الى أشعة اصطناعية في ستوديوهات خاصة تتقاضى لقاء ذلك أجورا عالية. أشعة الشمس الطبيعية بالطبع أفضل وأصح. شمس سماء خالقنا. وما رأيك بالشعر الذهبي والعيون الملونة الزرقاء والخضراء والرمادية ؟؟ معظمها غير طبيعي , كأوجه نساء مصر اذ قلت فيها ( حسن الحضارة مجلوب بتطرية..) . قلت لي يوما أن ألوان الشعور والعيون في تبدل مستمر . تصبغ النساء شعورهن باللون الذي يريدنه. ويضعن داخل حدقات العيون عدسات لاصقة باللون الذي يرغبن وعلى الله فليتوكل المتوكلون . لا مشكلة مع الألوان. ماذا تريد أن تقول يا أبا الطيب ؟؟ أردت أن أقول أن سمرة الأدم ولون العيون النرجسية أو السوداء الطبيعية ( من خلقة ربنا )  لا يضاهيها شيء في الوجود , لونا وخلقة . أحب الأشياء طبيعية طبيعية طبيعية فهل أدركت مرامي ؟؟ أجل يا سيدي . أنا مثلك بالضبط . أنا مثلك مع كل شيء طبيعي . أنا ضد كل ما هو مصنوع . ولذلك لا أحب من القريض الا الشعر المطبوع وهو للأسف شديد الندرة في هذه الأيام .
ثم قد أقترحت عليك أن تنظم شعرا تتغزل فيه ببعض فتيات مقهانا الأثير ولاسيما
" ميلاني " الطويلة القوام ذات الشعر الأسود المصبوغ. انها تتودد اليك وتخدمك كما لم تخدمك أنثى من قبل. قال سبق وأن أخبرتك أني توقفت عن قول الشعر بعد مصرعي . ثم , لعلمك, كان في خدمتي من هن أنفس من " ميلاني "  من نوادر الجواري وفيهن النوبية والرومية والتركية والشركسية والروسية والبلغارية والأرمنية بل وحتى البربرية. قلت ومن كانت جواريك في مصر ؟؟ قال أهداني الخصي الأسود كافور واحدة زنجية من بلاد النوبة وأخرى من المغرب . أهداني جاريتين وفرسا واحدا كريما .  قلت وهل كانت فيهن جاريات مسيحيات ؟؟ قال نعم, بعضهن من النصارى ولكن ما كنا نجبرهن على أن يسلمن . أما التي تشاء أن تسلم طواعية فكنا نعلمها القرآن والسنة وأصول خدمة الضيوف . وكانت لأم محسد جواريها الخاصة بها يقمن على خدمتها وتدبير شؤونها وبقية شؤون المنزل . كما كان لدي الكثير من الخدم من الذكور والغلمان المقاتلين ثم العبدى ( العبيد ) وبعض الخصيان. قلت له لكن هذا الجيش اللجب من البشر يحتاج الى الكثير من المال والطعام لأدامة حياته والصرف على مستلزمات الوجاهة والمظهر وباقي متطلبات الحياة العالية المستوى . قال لذلك بدلت مواقفي وولاءاتي مرات عدة ومدحت الصغير والكبير ومدحت حتى ( الكركدن والقرد الذي يؤتى به من بلاد بعيدة ) كافور الأخشيدي لكي أوفر المال اللازم لأسكان وأكساء وأطعام هذا الجيش العرمرم , فضلا عن زيارات الزائرين من الأصدقاء وسواهم من طالبي المعروف والمقطوع وأبن السبيل . كانت بيوتي مفتوحة ليلا ونهارا ونار مواقدي تكاد أن لا تنطفيء. ومع ذلك - أضاف-  كان البعض يقول عني أني بخيل . ما كان لدي مكسب أو مورد آخر خلا قول الشعر. لا عقار ولا اقطاع ولا ممتلكات . وما كنت من مربي وبائعي الماشية والأبل . بلى , وعد الكويفير أن يهبني اقطاعا أو ولاية لكنه أخلف . فكنت ألح عليه في كل مناسبة أن يوفي بما وعد . فكان يتظاهر بالنسيان تارة وبالصمم تارة أخرى حتى قلت له مرة

      وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا
    ودون الذي أملت منك حجاب

    وفي النفس حاجات وفيك فطانة
    سكوتي  بيان  عندها  وخطاب

وقلت له في مناسبة أخرى

    أبا المسك هل في الكأس فضل أناله
    فأني  أغني   منذ  حين    وتشرب

    اذا لم  تنط  بي  ضيعة  أو ولاية
    فجودك يكسوني وشغلك يسلب

حتى قلت له في قصيدة أخرى أكذب ما قلت في حياتي ولشدما أسفت على ما قلت :

    قواصد  كافور   توارك    غيره
    ومن قصد البحر استقل السواقيا

    فتى ما سرينا في ظهور جدودنا
    الى عصره   الا  نرجي   التلاقيا

    وغير كثير  أن  يزورك   راجل
    فيرجع   ملكا   للعراقين   واليا

كنت مصغيا اليه يقرأ هذه الأشعار واجما غير مصدق ما أسمع . أفقت من ذهولي لأسأله هل وعده كافور فعلا أن ينيط به ولاية العراق وكان " المطيع لله " العباسي خليفة في بغداد و " معز الدولة البويهي "  حاكم العراق الفعلي وكيف صدق وعود كافور ؟؟ أجاب أترك هذا الأمر . لقد وقعت في حبائل الأسود كافور كما وقع أخي أبو عمار في حبائل أوسلو ومدريد . لم أقبض من قبل شيئا ولم يقبض عرفات شيئا من بعد. سألته عن مصائر جواريه في ابان حياته وهل كن يبقين معه حتى الموت وانقضاء الأجل . قال كنت أبيع البعض منهن حين أحتاج الى بعض المال أو لأسباب أخرى كأن تشذ أحداهن عن الطريق السوي فتمارس الزنى مع من تشاء  أو تسرق أو تستدرج العشاق ليلا الى داري . كنت أهدي البعض الآخر , ثم أعتق الآخريات لأسباب أنسانية . قلت ما تقصد بالأسباب الأنسانية ؟؟ قال كأن يفتح لها الله باب الزواج من شخص قادر شريف أثق به. عندذاك أعتقها حرة خالصة بل وأجهزها من مالي وأحمل  الهدايا المناسبة الى بيتها الجديد.
قلت له وهل كنت تفترش هاته الجواري , جميعا أو البعض منهن ؟؟ قال ان فعلت ذلك معهن فسوف يصبحن سراري ومحظيات . والشرع وتقاليد العرب تجيز ذلك. وأنا واحد منهم وفيهم . قلت ألم تعترض السيدة أم محسد على ذلك ؟؟ قال قد قلت توا أن الشرع والتقاليد كانت تجيز ذلك .  
سؤالي الأخير هذا اليوم وقبل أن نغادر المقهى يا أبا محسد . قال قل وأوجز فأني منهوك القوى من كثرة ما سألت ومن عمق جدية ما سألت . قلت وما مصير ولدك محسد وأم محسد وجواريك وخدمك وعبيدك بعد مقتلك بين النعمانية وواسط في دير العاقول؟؟ قال  قتل بنو أسد وآل ضبة معي ولدي محسدا كما قتلوا بعض غلماني ممن قاتل معي ودافع عني. كانوا كتبية مقاتلة كبيرة وكنا بضعة أنفار نحسن القتال.  أما حرمي والجواري والعبيد والخصيان فأغلب ظني أن بني أسد قد أسروهم وسبوهم وأتخذوهم بعدي جواري وسراري وعبيدا !! النساء للتسرية أو البيع أو لتبادل الهدايا . أما الخدم والعبيد فللخدمة في الدور أو الزراعة والحراثة والحصاد وتربية المواشي .
دفع حساب ما شربنا وأضاف بخشيشا مضاعفا فوق العادة .قال هذا البخشيش المضاعف انما لأجل عيونك وعيون حبيببتك سوداء الفرع " ميلاني " . علقت قائلا أحسب أنك قرأت شعر أحمد شوقي الذي يقول (( ودخلت في ليلين فرعك والدجى / ولثمت كالصبح المنور فاك )) قال كلا . لم أقرأ شعر الشاعر أحمد بك شوقي . قلت ونحن نغادر المقهى يا أبا الطيب تبقى لدي ما يشبه الأستفسار . قال قل بسرعة فأني جائع . قلت وما مصير صديقك وراويتك الذي أصطحبته معك في زيارتك لأرجان وشيراز في بلاد فارس ؟؟ قال تقصد " علي حمزة البصري "  ؟؟ قلت أجل, هو بعينه فأخباره بعدك يعتريها الكثير من الغموض وتضارب الآراء . فمن قائل أنه فضل البقاء في بلاد فارس لأنه في الأصل ( تبعية ايرانية ) . وثمة شائعة أخرى تقول ان " علي حمزة " قد غادر الى مسقط رأسه البصرة قبل مغادرتك بلاد فارس . قال بل لا هذا ولا ذاك . تركنا شيراز سوية . وحين بلغنا دير العاقول وفوجئنا بوقوع الواقعة وبدأ القتال صمد برهة ثم سرعان ما ترك ميدان المعركة . هرب الصديق ساعة الشدة ممتطيا ظهر حصاني الأصيل والأثير صارخا بأعلى ما فيه من صوت  ( أنا علي حمزة , أنا علي حمزة البصري ولست ألمتنبيء ...) . قلت له لا فض فوك اذ قلت يوما

    وما الخيل  الا  كالصديق   قليلة
    وان كثرت في عين من لا يجرب 

قال وهو كذلك ( وما أكثر الأخوان حين تعدهم // ولكنهم في النائبات قليل )) .

افترقنا على أن نرتب لاحقا  لقاء عبر التلفون .

     
                                        - 12 -


التقينا حسب الأتفاق التلفوني حوالي الساعة الثانية بعد الظهر. كان المتنبيء بحاجة الى بعض الأمور البسيطة الضرورية لطهو طعامه وباقي مستلزمات المطبخ. سأل أول ما سأل عن مصفاة لتصفية الرز من مائه بعد غليانه . ثم سأل عن بعض التوابل والفلفل الأسود وأشياء أخرى لتطييب الطعام . قال سنتناول طعامنا اليوم في شقتي . اشتريت سمكة وسأشويها لك مع البصل والطماطم ثم الرز المزعفر. ستأكل أصابعك العشرة .  قلت له ما دام طعامنا سيكون السمك المشوي والرز المزعفر زائدا أصابعي العشرة فسيكون شاي ما بعد وجبتنا لدي . قال بل عندي, شايك يأتيني بدون هيل ودارسين. قلت اذن هات الهيل والدراسين معك وحضر أنت عندي الشاي الذي يعجبك . صاح برافو . تعجبني.
سألني وهل ستسمح لي بعد الشاي أن أنام كالمعتاد قليلا ؟؟ قلت تقصد أن تشخر قليلا؟؟ قال برافو . وجدتها . تعجبني . قلت ولكن بعد السمك المشوي والشاي الثقيل سأورطك في حديث جدي ثقيل , فهل لديك الأستعداد الكافي لدوخة الرأس ؟؟ قال انما معك تحلو دوخة الرأس.  ما الذي يقلقك ؟؟ قلت بعد الطعام والشاي سنتكلم في الموضوع . لا أريد قبل الغداء أن أزعجك وأن أزعج نفسي . قال يا ساتر يا رب . يبدو أن في الأمر ازعاجات . قلت القليل منها. ثم ما يزعجنا هو مصدر فرح وسرور لغيرنا. قال لذلك قلت ( مصائب قوم عند قوم فوائد ) .
أكملنا جولتنا ومشترواتنا في الأسواق وقفلنا الى بيته راجعين. خلع سترته ودلف فورا الى المطبخ مصفرا مدندنا مرحا . شممت أول ما شممت رائحة البصل والثوم فسألته رافعا صوتي قليلا هل لديك كاسيتات أغان عراقية ؟؟ قال ومن أين تأتيني الأغاني العراقية وقد أتيتك من ليبيا ... عفوا من مخيم رفحا الصحراوي؟؟ ومن أين لي - ثم - بالجهاز الضروري لتشغيل هذه البلاوي؟؟ أنفقت مصروف يومين على هذه السمكة اللعينة. وعلي أن أقتصد لأتلافى العجز في ميزانية هذا الشهر. قلت له اذن لماذا هذا التبذير ولماذا السمك بعينه ؟؟ قال كنا في الكوفة نأكل سمك الفرات الشبوط والقطان والبني فتشهيته وقلت فلأغامر بطبخة سمك ورز عالمية تنسيني بعض همومي وأفلاسي وطب نفسا اذا حضر الغداء. قلت له طيب , لا حاجة لي بالأغاني . هل لديك كتاب أتلهى به ريثما تنتهي من تجهيز الطعام ؟؟ قال , وكنت أسمعه جيدا, ( أعز مكان في الدنى سرج سابح/
وخير جليس في الزمان كتاب ) . قال ذلك كأنه لم يسمع طلبي. كان يتكلم مع نفسه.
أعدت عليه سؤالي فقال وما حاجتي بالكتب وقد توقفت عن قول الشعر , أو هو الذي توقف عن استغلالي قلما ويدا ورأسا له . هو يملي علي وأنا أكتب . فلماذا أقرأ حين أجد نفسي عاجزا عن الكتابة ؟؟ قلت ان القراءة سبقت الكتابة . هي الأولى والكتابة جاءت تالية . قال ومن قال لك ذلك ؟؟ قلت هل نسيت الأية الكريمة ... وقبل أن أنهي جملتي سمعته يقول (( أقرأ بأسم ربك الذي خلق . خلق الأنسان من علق . أقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الأنسان ما لم يعلم )) . وجدت نفسي في ذهول تام اذ ترك الرجل طبخه ومطبخه وأتاني مسرعا ليقول لي أن القراءة والكتابة جاءتا معا مثل التوأمين.  توأم يسبق أخاه التوأم بلحظات لا غير . أقرأ  هذه الآيات جيدا . افتح عينيك وتعلم من قرآنك (( الذي علم بالقلم )) . ما معنى التعليم بالقلم ؟؟ الكتابة . الأنسان يكتب بالقلم. أكرر : يكتب الأنسان بالقلم . هل فهمت ؟؟ أحرجني منطق الرجل ووضوح بيانه فلمت نفسي أني لم أنتبه سابقا لهذا الأمر. (( علم بالقلم )) .
عاد الى مطبخه مرددا بأصرار أن لا قراءة بدون كتابة ولا كتابة بدون قراءة. لذلك - أضاف بصوت خفيض - تركت قراءة الكتب لأنني توقفت عن الكتابة . توقفت توقفت.
وجدتها مناسبة جيدة لأناقش معه موضوعا آخر لا يخلو من طرافة . جئته حيث كان في المطبخ وقلت له قد لامك بعض الكتاب ( ثياب الأمبراطور / فوزي كريم / دار المدى / 2000 الصفحة 121 ) أنك تفضل السيف على القلم والقتال على العلم  لأنك قلت  (( حتى رجعت وأقلامي قوائل لي // المجد للسيف ليس المجد للقلم )) فماذا تقول ؟؟ قال وهل هؤلاء الكتاب مثقفون أو يفقهون شيئا في أمور الشعر ؟؟ قلت أجل. بل وأن بعضهم ينشر الكتب الضخمة في نقد الشعر والشعراء . قال لا أطال الله في أعمارهم . هؤلاء أنصاف جهلة . قلت وكيف ترد عليهم بدون شتائم ؟؟ قال قلت هذا البيت في قصيدة كنت أرثي فيها قائدا عسكريا هو  ( أبا شجاع فاتك الملقب لشجاعته بالمجنون ) . كان ذلك في مصر .  فهل يفهم العسكر غير السيف وعدة الحرب ؟؟ ثم قل لهؤلاء العميان أن يقرأوا القصيدة جيدا . ففي البيت التالي مباشرة جعلت  هذه الأقلام تتكلم وتطلب مني أن أكتب  بها بعد ضرب الرقاب بالسيوف . ثم خاطبتها قائلا اني قد سمعت ما طلبت فان غفلت عنه فذلكم ناجم عن قلة فهمي ... يا أقلام !! فلنقرأ الأبيات الثلاثة وليحكم أهل الأدب والمنصفون من المبصرين ونقاد الشعر

   حتى رجعت وأقلامي قوائل لي
   المجد  للسيف  ليس المجد  للقلم

   أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به
   فأنما  نحن   للأسياف كالخدم

   أسمعتني ودوائي ما  أشرت به
   فان غفلت  فدائي  قلة الفهم

قل لأصحابك أن يعيدوا تثقيف أنفسهم قبل التورط في ما لا يعنيهم. هؤلاء بين جاهل وحاقد غير منصف . أسكتوهم قبل أن يستفحل أمرهم. أو فليقرأوا ديواني مرات ومرات بدل أن يضعوا بقية ضمائرهم تحت أقدامهم . كنت دوما أقرن القلم بالسيف والسيف بالقلم . فأنا كما تعلمون شاعر ومقاتل ورجل حرب , فكيف أعزل السيف عن القلم أو هذا عن ذاك , كيف ؟؟  قل لهم على لساني أن يتذكروا البيت الشهير الذي قلب الدنيا عاليها سافلها ( وما أكثر السفلة في هذه الأيام ) . قل ذكرهم :

    الخيل  والليل   والبيداء    تعرفني
    والسيف والرمح والقرطاس والقلم

أكرر : والسيف والرمح والقرطاس والقلم . السيف والرمح يقابلهما القرطاس والقلم. جمعت في آن عدتي الحرب وعدتي المعرفة والثقافة ( القرطاس والقلم ) .
ثم - أضاف أبو الطيب بأنفعال شديد وعتاب مر - ألم يسبقني  الشاعر أبو تمام الى القول

    السيف أصدق أنباء من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب

فهل عاتبه أحد من هذا النفر العاق الجاهل ؟؟ أجل وألف أجل , لم أفصل لا في حياتي ولا في شعري بين القلم والسيف . هما أنا وأنا هما . وبدونهما أصبحت لاجئا عاطلا كما تراني . كنت أقاتل الروم مع سيف الدولة وأنا أقرأ الشعر متقدما الصفوف . الشعر في الحرب وكان الشعر شعر أبي الطيب المتنبيء . قلت له هون عليك أبا محسد . هؤلاء زعانف لا قيمة لهم . ثم ألست أنت القائل

    سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
    بأنني خير من تسعى  به قدم

قال بلى والله قد قلت . وما زال صحيحا في معناه ومغزاه . خير من تسعى به قدم . ما أشبه اليوم بالبارحة .
أحسست برجوع العافية النفسية لشاعرنا بشكل مزدوج . شعوره بزهو المنتصر وهو يستعيد قول البيت الأخير . ثم أن طعامنا قد أصبح جاهزا وأمتلأت الشقة الصغيرة برائحة الزعفران والرز البسمتي والسمك المشوي ولكن للأسف ليس على ضفاف دجلة .

أكلنا كثيرا وأسترحنا ونحن نأكل ونتجاذب أطراف الحديث مشرقين مغربين لكنه لم ينس تخرصات " عبد الله القصيمي " وما استعار " فوزي كريم " من أقواله .
وبعد الطعام مباشرة جاء الشاي الثقيل المعطر فأسرفنا في الشرب وجددنا حتى أن مضيفي لم ينعس - وتلكم بادرة غريبة منه - ولم ينم .
قال , والآن ... ماذا لديك من مشاريع أو حوارات أو نقاشات مسلية تخفف عنا ثقل ما أكلنا حتى تجاوزنا الحدود . قلت لدي أمور مضحكة - مبكية , طريفة لكنها تثير أكثر من شجن . قال قل وأسهب فأن المزاج رائق وأناء الشاي الرابع يتخدر على نار هادئة . 
قلت فلنشرب الشاي الجديد أولا ونرتاح قليلا ثم تبدأ جولة المناقشات الثانية .
جاء الشاي وعببنا منه الكثير فقد كان الطعام كثيرا شهيا . قلت له ألا تنام قليلا ؟؟ قال لا تتهرب مما وعدت . قلت أخشى أن يثقل عليك حديثي . قال وهل أثقل من سخافات مدعي النقد التي تحملتها بصدر واسع رحيب وقلب منفتح ؟؟ هيا . قل ما عندك . طيب.
سأقول :
يا أبا الطيب ... صرت أسمع هذه الأيام دعوات طريفة - غريبة مؤداها بأختصار أن السومريين هم أخوتنا الكرد الفيلية . غير أن الأخوة الصابئة المندائيين  يدعون غير ذلك قائلين أنهم هم قوم سومر . فما هو رأيك في هذا الأمر , أفتونا مأجورين .
  قال قد أخطأ الأثنان . لا حق لهم أن يقولوا ذلك . السومريون سكنوا جنوب العراق في أو قريبا جدا من الأهوار . الأخوة الكرد الفيلية سكنوا مناطق الحدود بين العراق وأيران , أي المنطقة المسماة لورستان . لذلك فأنهم " اللور " , شعب اللور . الكرد قوم جبليون منذ نشأتهم لا ينسجم طبعهم لا مع الأهوار ولا الصحاري والبراري. قل لهم ذلك نيابة عني . قل لهم أننا نتشرف بأشقائنا الكرد سنة وشيعة . ثم لا أدري لماذا ولا متى أصبح الكرد الفيلية شيعة ؟؟
واصل بيانه فقال : أما الأخوة المندائيون فما أنصفوا أنفسهم في دعواهم . السومريون  ليسوا ساميين , بينما المندائيون مثلنا قوم ساميون . هم آراميون كالكلدان والسريان. ولغتهم اليوم خير شاهد على ما أقول . واذا ما أصروا على دعواهم فلسوف أطالبهم أن يثبتوا أن اللغة الآرامية جاءت أو تطورت عن اللغة المسمارية التي كتب بها السومريون. ثم أطالبهم أن يثبتوا أنهم تحدروا من الجنس الآري وليس السامي .لم يقل أحد بذلك أبدا سوى الدكتور " خزعل الماجدي "  وهو باحث  ممتاز لكنه تطرف وأنحرف عن موضوعية العلماء  فقال ما قال وما أنصف . السومريون سومريون والمندائيون مندائيون . فهل يجدون اليوم غضاضة في كونهم مندائيين  وهم قوم  زكريا ويحيى اللذان ورد ذكرهما في القرآن الكريم ؟؟  (( يا زكريا أنا نبشرك بغلام اسمه يحيىلم نجعل له من قبل سميا )) . لم يرد لهم ذكر لا في ملحمة جلجامش ولا في سواها مما أكتشف من ألواح الطين وتراتيل معابد سومر التي كتب " الماجدي " عنها الكثير كما كتب " علي الشوك" عن بعضها . لا ذكر لهم في مخلفات وآثار ومطمورات بابل وآشور . لا ذكر لهم في التوراة والأنجيل . بلى , ورد ذكرالصابئة  ست أو سبع مرات في القرآن الكريم . اذن هم قوم ظهروا على المسرح العالمي بين عيسى ومحمد الأسلام ... وهذا أمر أكده الكثير من الباحثين أخص بالذكر منهم الباحث المندائي " عزيز سباهي "  . قلت وهل أتاك حديث الصديق " سباهي " ؟؟ قال ما به ؟؟ قلت قد سرقت مكتبته العامرة بشتى الكتب والمصادر التي جمعها ليواصل أبحاثه الجادة حول أصول الصابئة المندائيين . قلت له اني أظن - وان بعض الظن اثم - أن بعض المندائيين قاموا بهذه السرقة المنكرة . قال وما الذي يحملك على هذا الظن ؟؟ قلت لأن " عزيز سباهي " خالف في كتابه الموسوم ( أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية / دار المدى 1996 ) وجهة النظر المخطوءة التي أخذ يروج لها اليوم بعض الأخوة المندائيين حول أصولهم السومرية . قال وأين " عزيز سباهي " اليوم ؟؟ قلت في كندا . جمع مكتبته في سيارة لنقل الحمولات وأستعد للأنتقال الى سكن مناسب جديد . ترك السيارة أمام منزله القديم لنقل الحمولة  صباح اليوم التالي الى الشقة الجديدة . ولما أصبح الصبح أفاق الباحث المندائي فلم يجد السيارة . اختفت السيارة الكبيرة مع ما فيها من كتب ثمينة وبعضها نادر . قال المتنبيء ومن وافاك بهذه المعلومات والرجل عنك في كندا بعيد ؟؟ قلت قد أسمعني الخبر تلفونيا من كندا صديق مشترك بيننا . قال وما اسم هذا الصديق الغيور عليك وعلى صديقك عزيز سباهي ؟؟ دكتور " حسين العقابي " . قال لا أعرف هذا العقابي .
كان المتنبيء بالغ الجد وهويستمع ويناقش هذه الأمور الغريبة والطارئة . قال تحدث أمامي أمور ما أنزل الله بها من سلطان . قلت والخافي والباقي أعظم وأمر وأدهى . قال مثلا ؟؟
قلت سنواصل الحديث غدا , فلقد تعبنا وأرهقتنا هذه المسائل فضلا عن كثرة ما أدخلنا في معدتينا من سمك وبصل ورز . قال موافق شرط أن لا تتظاهر غدا بالنسيان فتفوت علي فرصة أخرى ثمينة لمعرفة المزيد من عجائب الدنيا تحدث للعراقيين في منافيهم . أهو نوع من خبال الغربة وثقل وطأة التشرد وما يعاني أطفال المنافي من مشاكل ومصاعب ومحن؟؟ قد يجوز يا أبا الطيب . وأعدك سوف لن أتظاهر غدا بالنسيان . فالنسيان غدا سمة بارزة في حياتي . لذا لا أحتاج الى التظاهر به . مفروض علي . نبهني فقط . فقط نبهني وأترك الباقي علي . قال سأمضي معك هذه الليلة حتى باب بيتك . أريد أن أتمشى وأستنشق الهواء النقي عله يساعدني أن أنام  نوما عميقا بعد كل هذا الرز والشاي والثوم والبصل . ضحكت معلقا ومن الذي سيأتي بك ثانية الى بيتك , هل نسيت أنك أصبحت تخشى ظلام الليل ؟؟  قال أي والله رغم أني أنا القائل ( الخيل والليل ... الخ ) . قلت اذن يبقى أبو الطيب في بيته وأغادر أنا وحيدا كالمعتاد الى بيتي . تصبح على خير . رد الرجل تصبح على ألف خير ...رافعا يمناه محييا كما يفعل رجال الجيش والعسكر. وأضاف مر علي غدا متى تشاء . لا تنس أن تمر . أو سأتلفن لك من الشارع .
                                         - 13 -
التقينا في مركز المدينة منتصف نهار يوم مشمس رائع . جاء هذا اليوم بدون قبعة الرأس وبدون سترة . وكان يرتدي قميصا أبيض مكويا بشكل جيد . حييته فرد بحرارة قائلا ما توقعتك تأتي حسب الأتفاق . فلقد أتخمتك بالأمس بالرز والسمك وعدد لا يحصى من أقداح الشاي الثقيل . ثم سأل كيف نمت وهل نمت بشكل اعتيادي . قلت أجل . نمت بشكل طبيعي ولكن كالعادة حوالي منتصف الليل . لا أستطيع أن أنام قبل هذا الوقت . قال أحسدك ... لأنني لا أنام في العادة قبل الثانية صباحا , صيفا وشتاء . قلت له وبم تشغل نفسك حتى أو قبل أن يأتيك النوم ؟؟ قال آوي الى الفراش مثلك حوالي منتصف الليل وأظل أتقلب يمنة ويسرة وتتقلب معي أفكار شتى منها السخيف ومنها الجدي الذي لا جواب له ومنها المحزن والمبكي ومنها... ومنها ... , قلت له لو كنت مكانك لنهظت بدل البقاء متقلبا في الفراش وكتبت شيئا طريفا أو مفيدا . قال مثلا ؟؟ قلت قصة أو رواية أو تعليقا أو ما شابه ذلك . أضفت ... أنا أعرف أنك توقفت عن قول الشعر الذي قتلك أو تسبب في قتلك فخسرته وخسرت حياتك وحياة عائلتك وحاشيتك الكبيرة . قال من بين ما نهب القتلة من متاعي ديواني بخط يدي وديوان " أبي تمام " مخطوط بالذهب على وريق من حرير هدية لي من " أبن العميد " حين زرته ومدحته في
" أرجان " فارس .  أما عضد الدولة البويهي فقد أغرقني بنفيس السجاد ونادر الطنافس
وغيرها من أواني الذهب والفضة والزجاج المطعم . قتلوني ونهبوا متاعي وسبوا حريمي وأهل بيتي وخدمي وحشمي والجواري . حسبي الله ونعم الوكيل . قلت له قد كنا تكلمنا في هذا الموضوع فلا حاجة بنا لأعادة فصول مأساتك المروعة .
واصلنا المشي فوجدنا أنفسنا في  " مارين بلاتس " في قلب المدينة . أعجبه المكان فقد كان عاجا بالبشر سياحا وغيرهم . كانوا في أنتظار الساعة الحادية عشرة ليتمتعوا بمنظر
ساعة البرج في أعلى دار حاكم المدينة تدور بالراقصين والفرسان يتناضلون بأرماحهم  وصوت البلبل الذي يعلن تمام الساعة الحادية عشرة . وتتكرر نفس الطقوس على تمام الساعة الخامسة عصرا . مناسبتان تستهويان السياح الأجانب بشكل خاص .  وجدنا كرسيين فارغين في ركن ظليل من أحد أركان الساحة قريبا من محل لبيع الحلي وقلائد الكهرب وباقي زينات بنات حواء . قال لا ينقصني في هذه الجنة الا فنجان قهوة . قلت سنشرب القهوة فيما بعد . قال موافق بشرط أن تحدثني كما وعدت بالأمس عن جوانب أخرى من عجائب الدنيا في هذه الأيام . قلت هل أتاك حديث بعض شعراء هذا الزمن ؟؟ قال ماذا ومن تقصد ؟؟ قلت كلهم تقريبا . كلهم لا يقرأون شعرهم اليوم الا على أنغام الموسيقى والغناء . طلب مني  بشيء من الأستنكار والأستخفاف أن أعيد قولي . أمال جسده ورأسه نحوي وكرر طلبه أن أعيد ما قلت . أعدت ما قلت فعبس وولى بوجهه
عني ساحبا علبة السجائر من جيب سرواله . أشعل النار في لفافة التبغ بعمق شديد وتؤدة.
أراد أن يقول شيئا لكنه فضل أن يواصل التدخين قبل أن يتكلم . تركته يمارس حريته عله يقول شيئا يفرج به عن نفسه التي تأزمت بشكل حاد وأنقلبت سحنة وجهه الى أطياف شتى , رمادية - خضراء - زرقاء - بنية ... حتى أشفقت على الرجل لأنه لم يألف هذه الظاهرة في ماضي عمره . أنهى لفافة التبغ وأنصرف الي مصطنعا ابتسامة منافقة صفراء تخفي تحت أديم وجهه أكثر مما تبدي . شجعته على الكلام قائلا كنتم تقرأون الشعر في المحافل الوقورة وفي سوح القتال أو في مناسبات التشريف الوطنية والأجتماعية وما قام مقامها , أليس كذلك ؟؟ قال أي والله . كنا جادين في ما نقول من شعر . أييييييييه .
يا نفس جدي فان دهرك هازل !! سرح بعيدا يتفرس في وجوه المارة أو الواقفين بجوارنا ثم قال : ما الذي يلجيء هؤلاء الشعراء على القاء أشعارهم بصحبة الموسيقى والغناء ؟؟
قلت علمي علمك . لا أدري . فلنسألهم أو نسأل واحدا منهم . قال وهل تعرف منهم أحدا ؟؟ قلت أجل , أعرف البعض منهم لكني لا أجرؤ أن أفتح هذا الموضوع معهم . قال لماذا ؟؟ قلت لأنهم لا يتقبلون مثل هذه الأسئلة . قال دعني أقول لك شيئا واحدا : هؤلاء ليسوا شعراء !! لا يمكن أن يكونوا شعراء بالمرة . الشعر بريء منهم ومما يقولون . هؤلاء ( عربنجية ) من صنف ( جيم ) . قلت لماذا هذا الحكم المتسرع الجائر ؟؟ قال لأن الشعر شعر والغناء والطرب شيء آخر , بالمرة شيء آخر . لقد أفلسوا كشعراء فصاروا يتعكزون على الفنون الأخرى كالموسيقى والألحان والطرب . دعني أضيف  شيئا أخر. الشعر يضيع مع الغناء .يطغى عليه ويغطيه ولا يترك له أية فرصة للنجاح . لا حظ للشعر مع الموسيقى والغناء . خبر من تعرف من الشعراء على لساني ولا تخش في الحق لومة لائم. كن شجاعا في قول كلمة الحق . كن شجاعا . قلت بل سأعرفك على أحدهم وناقشه أنت بدلا عني . قال يبعد الشر . لا أهبط الى مستوى العربنجية من مفلسي الشعراء . ثم ما الذي يمنعهم من ترك قول الشعر وقد أفلسوا وأحالوا مثلك أنفسهم على التقاعد ؟؟ قلت وكيف يتركون الأضواء الساطعة والتصفيق وما تدره الحفلات لهم من مال يواجهون به متطلبات الحياة وهي كثيرة ومتشعبة هذه الأيام . حجة بعضهم أن المطربين ليسوا أفضل ولا أشطر منهم ولا أكثر ثقافة . قال لكني أعرف أن الشاعر " نزار قباني " ما كان يقرأ أشعاره على أنغام الموسيقى وأصوات المطربين . قلت كان المرحوم نزار واسع الثراء بفضل قصائده المغناة . وكان هذا يكفي . المطربات والمطربون هم أنفسهم يقرأون شعره مغنى . المطربة تصدح بشعر الرجل . هنا التحام وهناك انفصام .
والمنفصم غير الملتحم . قال وماذا عن الجمهور ؟؟ قلت قد انسجم مع هذه المودة الجديدة. وصار يهواها ويفضل سماع الشاعر يلقي وبجنبه مغن أو ضارب طنبور أو عود وطبل . ضحك المتنبيء طويلا ثم قال (خوش جوقة من الدنبكجية . عال العال . والله عال العال . آه والله يا زمن ) . قلت لكن ( والله يا زمن ) أغنية للمطربة " شادية " . قال أعرف . وأحب أغنيتها الأخرى التي تقول ( سوق على مهلك سوق بكرة الدنيا تروق ... ) . لم العجلة وكل من عليها فان . سأل ثانية لم لم تغن المطربة  " شادية " أشعار " نزار قباني " أسوة بالأخريات والآخرين مثل ( نجاة وفائزة وماجدة وعبد الحليم وكاظم الساهر ) ؟؟ قلت قد غنت ألحان فريد الأطرش . قال وهل كان فريد شاعرا ؟؟ قلت كلا . كان مغنيا وملحنا ناجحا . قال وهل غنى برفقة أحد من هؤلاء الشعراء - المرتزقة الذين أفلسوا في الوقت المناسب ؟؟ قلت كلا . قال وهل أفلس الرجل ولم يحل مثلهم نفسه على التقاعد ؟؟ قلت كلا . لم يفلس ولم يبلغ أوان التقاعد . ظل يغني ويغني حتى لفظ آخر أنفاسه وهو يغني ويتحف الناس بجميل ألحانه ولواعج صدره . قال وأين دفن بعد موته ؟؟ في مصر . قال سنزور قبره يوما . هذا فنان حقيقي يحترم نفسه وفنه وجمهوره . على مصر أن تحتفظ بجسده محنطا كي يبقى خالدا هرما رابعا أو خامساكأي فرعون من الفراعنة الكبار وأحدى عجائب الدنيا .
  ونحن نغادر مكاننا قلت له كذلك لم يفعلها الشاعر " محمود درويش “ . ولم يفعلها
“ سميح القاسم “ . قال ويستنكف حتى المتنبيء منها ... المتنبيء الذي كان متهما بالبخل وحب الجاه والمال . أيه يا زمن .
كيف سنمضي بقية نهارنا يا صديقي المتقاعد والمفلس ؟؟ سأل المتنبيء وكأن في نفسه بقية لبابة للبقاء حيث كنا . لا يلام الرجل فالنقاش بيننا وجموع البشر فرحين مسرورين وكامراتهم معلقة في رقابهم لا يكفون عن ألتقاط الصور لكل متحرك وساكن . سأل المتنبيء ما هذا الشيء المعلق في رقاب هؤلاء الناس ؟؟ قلت وما تظن ؟؟ قال انه يذكرني بعليقة حصاني حين كنت أعلفه بالشعير وسواه من الحبوب . قلت هذه آلات للتصوير وليس للعلف . قال أهو أهو أهو . ظنننتها ( عليجة ) . قلت له متى تكف عن التفكير  بالأحصنة وعدة الحرب واللجم والشكائم والسروج . قال وكيف أكف وأنا القائل
      
    وما   في   طبه   أني  جواد
    أضر  بجسمه   طول  الجمام

    تعود  أن  يغبر   في  السرايا
    ويدخل  من  قتام  في   قتام    

      فأمسك لا يطال  له  فيرعى
    ولا هو في العليق ولا اللجام

ركبنا أحد قطارات تحت الأرض من " ماريين بلاتس " متجهين نحو مكتبة بافاريا الحكومية . فقد رغب الشاعر أن يقرأ شيئا باللغة العربية . وصلنا المكتبة في منطقة جامعة ميونيخ الضاجة أبدا بالطلبة من مختلف الأجناس والجنسيات وبالمقاهي ومكتبات بيع الكتب الحديثة والقديمة ومخازن الألبسة ودكاكين الأستنساخ . أنتبه المتنبيء الى عنصر الشباب والحركة الدؤوبة وحيوية مرتادي هذه المنطقة فسأل أين نحن ؟؟ قلت في منطقة الجامعة حيث المكتبة الحكومية وفيها كتب وجرائد ومجلات بالعربية . أفلم تطلب أنت أن تقرأ شيئا بلغتك التي لا تعرف سواها ؟؟ قال بلى قد والله طلبت . لكن أجد هذه اللحظة في نفسي رغبة عارمة للجلوس في أحد هذه المقاهي بين الشباب والشابات من طلبة الجامعة . ما رأيت سابقا  في حياتي مثل هذا الجو الذي يضع أمامي ذكريات الشباب بكل ما فيه من فتوة وعنفوان وأنجراف مع سلطان الطبيعة في الحياة . هيا خذني ولا تترد.
دخلنا أحد المقاهي وأتخذنا مجلسنا وسط مجموعة من الشباب كانوا يدخنون ويشربون أقداح القهوة والشاي ويأكلون قطع الكيك ويقرأون الصحف , ثم لا يكفون عن الكلام والنقاشات والضحك . طلبنا كالعادة قهوة وقطعتي كيك . قلت للشاعر مازحا ألا تريد كأس ماء ؟؟ قال أعوذ بالله . لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين . فعلتها مرة كما تتذكر فأكلت " العسل " مرا زعافا . كلا . لا أريد . أتحمل ظمأ جدي الحسين ولا أطلب الماء القراح  في هذا البلد حتى لو كان ماء دجلة والفرات وما بين النهرين . حين لاحظ المتنبيء أن رواد المقهى يدخنون قال ألف الحمد لله , التدخين هنا غير ممنوع . قلت له هذه مقاهي للشباب , وليس من شيء ولا أحد يقف في وجوه الشباب . دخن ولا تكثرمن الأسئلة فان وراءنا جولة أخرى في مكتبة بافاريا . ثم ألا ترى أن الأبواب والشبابك مفتوحة على الآخر ؟؟ الجو دافيء . أخذ صاحبي يدخن ويرتشف قهوته ببطء شديد . لا يريد أن يغادر المقهى . قال ألا تترجم لي فحوى كلام هؤلاء الصبايا والشباب؟؟ أريد أن أعرف أهتماماتهم وبم يفكرون وكيف يقتربون من حلول مشاكلهم وقضاياهم اليومية وما يخص دراساتهم . أريد أن أعرف ما هي الجامعة ذاك لأني ما كنت يوما طالبا جامعيا . درست في كتاتيب الكوفة ثم أعتمدت على نفسي في تثقيف نفسي . قلت ذاك موضوع يطول وما أتينا لهذه الغاية . أمامنا اليوم مشروع آخر هو زيارة المكتبة وهي قريبة منا . ما علينا الا أن نعبر الشارع الرئيس فنجد أنفسنا في داخل المكتبة . قال فلنؤجل زيارة المكتبة . أود المكوث في المقهى أطول وقت ممكن . لا أدري . شيء ما شديد القوة يجذبني كالمغناطيس السحري اليها . شيء لا أستطيع وصفه . شيء أعانيه لأول مرة في حياتي . أرجوك ... فلنمكث هنا حتى موعد الأغلاق ليلا . قلت تغلق المقهى في الحادية عشرة ليلا . وأنا ما عودت نفسي أن أظل في المقاهي حتى هذا الوقت المتأخر . قال اذن سنبقى حتى السابعة مساء على أن نزور المكتبة غدا أو بعد غد ... كما تحب وتأمر . تضايقت من ألحاح صديقي البدوي الذي عاف دنيا البداوة وجاء أوربا لكني وجدت بعض السلوان والكثير من التصبر على احتمال فجاجتة ولجاجتة حين وضعت نصب العيون كثرة ألحاحه على كافور في مصر في أن يوفي بوعوده  في أيلائه ضيعة أو ولاية بل وحتى تنصيبه أميرا على العراق (( وغيركثير أن يزورك راجل //  فيرجع ملكا للعراقين واليا ))  أو (( اذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية // فجودك يكسوني وشغلك يسلب )) . هكذا كان الرجل يلح في مطالبه , وهكذا كان كافور يمعن في المماطلة والمطل وعدم تنفيذ الوعود . لقد وطنت النفس على تحمل الرجل لأنه كان يوما وحيد زمانه . وما زال !! وافقت على مضض أن نبقى في المقهى حتى السابعة مساء . لكني  قلت له نحن في أوربا , وعليه اذاما قررنا البقاء في المقهى طويلا فلسوف يكلفنا ذلك كثيرا. قال لماذا ؟؟ قلت لأن فتيات المقهى من العاملات سوف يأتين كما هي العادة بعد حين ليرفعن الكؤوس الفارغة ويمسحن الطاولة وصحون رماد السجائر ثم يسألن عما نريد أن نشرب أو أن نأكل . قال لكنا شربنا وأكلنا . قلت جلوسنا هنا يكلف المقهى مالا يدفعونه أيجارا وأجورا للعمال والعاملات والطباخين فضلا عن الماء والكهرباء وتعويض ما يتلف من صحون وكؤوس وكراسي وموائد وسواها . ثم ضريبة الدولة .  الوقت هنا عامل هام. الوقت نقود . ألسنا القائلين أن الوقت من ذهب ؟؟ قال أفهم من كلامك اذن أننا يجب أن نظل نأكل أو نشرب ما دمنا جالسين هنا . بالضبط . بالضبط يا أبا الطيب . المقهى هنا ليست مضيفا شرقيا وليست بيت صديق يعرض عليك الطعام والشراب ما دمت ضيفا لديه . قال معك حق . اذن فلنختصر مكوثنا هنا الى الساعة الخامسة بدل السابعة وسأدفع أنا قيمة ما سنأكل أو نشرب . موافق ؟؟ قلت موافق .
كان الرجل مأخوذا بما حوله مصعوقا بالأجواء التي لم ير مثيلا لها في حياته سواء في العراق أو بلاد الشام أو في مصر . قلت له أتحب أن تسجل في الجامعة طالبا لدراسة الأدب العربي أو الألماني أو حتى اللغة والأدب الأنجليزي ؟؟ قال فاتني كما تعلم القطار . كبرت وأحلت نفسي على التقاعد شاعرا وشخصا . لم أعد أصلح لشيء يذكر ذي بال . فات القطار. وأضاف وكيف يقبلون طالبا في مثل سني . قلت تلك ليست مشكلة . هنا يدرس الناس مهما كانت أعمارهم . فرص كثيرة متاحة لمن يروم الدراسة . دراسة منتظمة ودراسة بالمراسلة وأخرى مسائية  على نفقة الدولة ثم الدراسات الخاصة لمن يستطيع الدفع . كان الرجل غارقا في خيال لا يعرف حدوده . يريد أن يتمتع بحياة  سن الشباب والطلبة التي فاتته لكنه يشعر بالعجز والخوف من مغامرة خوض التجربة المجهولة النتائج . كان يخشى من احتمال الفشل في الدراسة , وكانت تلك على رأس مشكلاته . الخوف من الفشل .
قبل الساعة الخامسة وقد مللنا من تكرار طلب المزيد من الشاي أو القهوة اقترح الرجل أن نغادر المقهى . رحبت بالفكرة قائلا وسنتمشى في شارع الجامعة الواسع البهيج لأريك المزيد من المقاهي والمطاعم وجموع البشر . سنتمشى حتى محطة قطار الأنفاق المسماة
" Munchener Freiheit   "  نركب منها حتى ساحة " ماريين بلاتس " حيث كنا صباح هذا اليوم . فبعد الخامسة تبدأ فعاليات  فرق الغناء والرقص ولاعبو السرك والبهلوانيات وستكون في الساحة مسرورا أكثر من مسرتك في المقاهي . قال فكرة جيدة ولكن لكل مقام مقال . المقهى شيء وساحة البهلوانية وأهل الطرب شيء آخر . هؤلاء يذكرونني بجماعتك شعراء الهز والطنبور والمزمور .
تمشينا فعلا في الشارع الجميل فبهرته مقاهيه وكثرة روادها الجالسين على الأرصفة وتنوع أسمائها وأجناس الفتيات العاملات فيها وأختلاف ما يرتدين من ملابس فقال هنا أيضا أود أن أجلس يوما. هنا في مقاهي هذا الشارع . قال ما أسم هذا الشارع ؟؟ " ليوبولد "
قلت , شارع ليوبولد . قال سأحفظ هذا الأسم اذ ربما يروق لي يوما أن أرتاد أحد مقاهيه لوحدي بعيدا عنك وعن رقابتك الصارمة وعن نقنقاتك التي لا أول لها ولا آخر.
الله كان في عون من كنت تدرس في حياتك . وكان الله في عون عائلتك . أجدك أشد صرامة من أبي الهول المصري . قلت له أنت كنت قد زرت أبا الهول في مصر , أما أنا فلم أزره بعد وما كنت يوما في قاهرة المعز لدين الله . قال ستزور الأثنين قريبا . هكذا يقول لي حدسي وحاستي الخامسة عشر . قلت ألله يسمع كلامك ولعل دعوتك مستجابة . قال تستجاب دعوتي فقط اذا توقفت عن مراقبتي والحد من حريتي . واذا أقنعت أصدقاءك شعراء الردح والهز أن يرفضوا هذا النهج المخزي وأن يعودوا الى شعرهم والى صوابهم  والى مواضيهم النظيفة . قلت لا أتدخل في شؤونهم . تلك مشكلتهم وهم المسؤولون عن نتائجها لا أنت ولا أنا . مفهوم ؟؟ قال مفهوم . حسبي ألله ونعم الوكيل.
واذا أصابت أحدكم مصيبة قولوا لا حول ولا قوة الا بالله .
وصلنا ساحة " ماريين بلاتس " فكانت شديدة الزحام عاجة بالناس شديدة الحيوية والحركة . ما كان أبو الطيب مرتاحا من هذا الجو فقد كنا صباح هذا اليوم هنا في الساحة . ثم كان ما زال واقعا تحت تأثير المفعول السحري لما رأى من مقاه في منطقة الجامعة  وما تسرب اليه من روح الشباب وغضارة الصبا والرغبة الخائفة - الخجولة في مواصلة الدراسة بعد سن الخمسين .
قلت له أنجلس كما فعلنا هنا صباح هذا اليوم ؟؟ قال كلا . أحب الرجوع الى البيت .
أنهكني هذا اليوم بشرا ومسرة وضخ في عروقي بعض دم الشباب وحرارته التي لا تتحملها هذه العروق التي صلبتها الشحوم والزبدة وسمن النعاج الذي كنا نتناوله مع الدبس فطورا . قد تنفجر في الرأس أو القلب , فمن لك بعدي صديقا ؟؟ قلت صعبة الحياة بدونك . قضيتها معك لا أفارقك . لا أفارق شعرك ولا ديوانك . وهذه صورتك على طاولة القراءة منتصبة أمامي كصورة أمي وأبي وأشقائي . قال الأوفياء قليل في  الحياة .
رافقته حتى بيته وأخذت طريقي الى بيتي . لدي ما أكتبه . مذكراتي الطويلة . قررت أن أقرأ بعضا منها على أبي الطيب لعله يفيدني فيضيف اليها شيئا هاما أو أن يذكرني بأمور فاتتني سهوا أو نسيانا أو غفلة أو اهمالا. الأنسان وحيدا ضعيف . لكن ما سأقرأ له ؟؟
من أين أبدأ جولاتي مع هذا الرجل ؟؟ فلأفكر مليا في الأمر . أريد أن أفيد من تجارب الرجل ومن خبراته في الحياة . متى سأنتهي من كتابة مذكراتي , متى؟؟ أين سأنشرها ؟؟
أين ؟؟  البدايات أبدا غاية في الصعوبة . مع ذلك , سأبدأ .


                                         - 14 -

زارني حسب اتفاق أمس في بيتي حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر . قال انه تناول فطوره البسيط مبكرا لذا لم يطلب الا الشاي . قال انه على وعده السابق جلب معه الهيل ومسحوق الدارسين وعلي فقط تجهيز الشاي الثقيل . بعد قليل أصبح الشاي الثقيل جاهزا
فشربنا منه الكثير وأكلنا بعض الفطائر وقليلا من الجبنة الأيطالية البيضاء  المسماة
  “  MOZZARELLA”    الحلوة المذاق  والتي أعجبت الشاعر اذ ذكره لونها  بجبنة الماعيز البيضاء . طلب - ويا للعجب - المزيد منها مع قليل من الخبز فسرني ذلك أيما سرور لأني قد عرفت الرجل أبيا خجولا يتحرج من طلب أي طعام أو شراب خلا الماء والشاي . أكل وكان مسرورا بما يأكل ومنسجما مع مائدة الطعام حتى أنه كان يمضغ طعامه كعادته ببطء شديد ويدندن لحنا غامضا لم أستطع أن أتبين منه شيئأ . قلت مداعبا هل هذا أحد ألحان الفيلسوف الموسيقار الفارابي صديقك في حلب سيف الدولة الشهباء ؟؟ رد دون أن يرفع رأسه عما أمامه من صحون : قد يكون ذلك صحيحا , غير أني لست متأكدا تماما . ذلك لكثرة ما تعلمت في بيد البدو من حداء وأساليب لمخاطبة الجمال وحثها على السير الوئيد مرة وعلى العدو مرات أخر . ثم كثرة ما  سمعت من أيقاعات وأناشيد وأغان في مصر . هل نسيت الأبيات التي أحبها " طه حسين " كثيرا
من قصيدتي الشهيرة ( لا تشتر العبد ... ) ؟؟ قلت كلا لم تنسنيها الحياة بعد . تقصد

       لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي   
    شيئا   تتيمه   عين   ولا     جيد

    يا  ساقيي  أخمر  في   كؤوسكما
    أم  في كؤوسكما   هم   وتسهيد

    أصخرة   أنا   مالي   لا   تحركني
    هذي  المدام  ولا   تلك  الأغاريد

    اذا  أردت  كميت  اللون  صافية
    وجدتها  وحبيب  القلب   مفقود

قال بالضبط . هذا ما عنيت . بالضبط . انك دائما تحدس ما أريد . (( هذي المدام ولا تلك الأغاريد )) . ما كان كافور يصبر على مفارقة الطرب والخمرة أبدا . صب لنفسه قدح شاي آخر وطلب قليلا من الخبز . أعجبتك الجبنة الأيطالية , ها ؟؟ أي والله أعجبتني . دلني رجاء أين أستطيع شراءها . حاضر وبرسم الخدمة . سأتحفك ببعض منها هدية مني وتشجيعا لك أن لا تتردد من الآن فصاعدا في طلب ما تريد . لا تخجل . علق بسرعة وبمرارة ( اللي أختشوا ماتوا ...) . أردت أن أضحك لكني تماسكت وقمعت ضحكتي . أتى الرجل بهذا المثل من مصر . تعلم فيها أشياء كثيرة حقا .
بعد الوجبة البسيطة ناولت المتنبيء بعضا من كتبي التي صدرت حديثا . قلبها بيدي وراق متمرس وروية الخبير بالكتب والحروف  . قرأ بضعة أسطر في واحد منها . وضعه على الطاولة وتناول آخر وحاول فك شفرة حروفه فعجز . سألني بأية لغة كتبت هذا الكتاب؟؟ قلت بالأنجليزية . قال لا أفهم من لغة قوم صاحب ( وعد بلفور ) شيئا . تناول الكتاب الثالث فتصفحه كالعادة من اليمين وشرع يقرأ شيئا منه . قلبه بعناية فائقة فلاحظ حروفا غير عربية . قال لغة من هذه ؟؟ قلت هذه حروف ألمانية . قال وما علاقة اللغة الألمانية بالكتاب ؟؟ قلت انها تمثل ترجمات لبعض أشعاري من العربية الى الألمانية . قال ومن قام بالترجمة ؟؟ قلت صديقي الدكتور " هامان " . ردد كلمة " هامان " مرارا كأنه يحاول أن يتذكر شيئا أتى عليه النسيان . قال أفلم تجد شخصا آخر يحمل اسما آخر مناسبا غير " هامان "  ليترجم لك أشعارك ؟؟ قلت وما الذي يزعج أبا الطيب في هذا الأسم ؟؟ قال انه يذكرني بفرعون وهامان وجنودهما وشرع يرتل بصوت جميل        (( ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون / سورة    القصص )) .  يا أبا الطيب ... قلت , يا أبا الطيب , ان الدكتور الصديق الذي ترجم أشعاري هو أديب مثلنا وروائي وكيميائي مثل جابر بن حيان وصديقك أبي نصر الفارابي . ثم هو انسان رائع , مسالم ولطيف المعشر ولا علاقة له لا بفرعون مصر ولا  بهامانها ولا بهامانات وديناصورات الشرق الأوسط ولا بسواهم من ذوي الجبروت والطغيان . بالعكس , انه ووالديه ضحية الجبابرة والمتكبرين في الأرض . قال اذن أعتذر
وأسحب كلامي وتحفظاتي وأرجو أن تسمح وأن يسمح الدكتور لي أن أقترح تبديل اسمه وقلبه رأسا على عقب . قلت وكيف تقلب بشرا أو اسم بشر رأسا على عقب ؟؟ قال بكل بساطة " أجعل “ هامان " " ماهان "  . ماهان بدل هامان . واضح ؟؟ أزيح أداة النفي ( ما ) من وسط كلمة هامان وأضعها أمام أداة الأستفهام ( ها ) فيكون الحاصل
( ماهان ) , وهو اسم جليل الدلالة يليق بالأصدقاء . فالرجل كما يبدو لي حسب وصفك ومديحك  ما  هان في حياته . لا هان وسوف بحيل الله لن يهون. واضح ؟؟ واضح جدا يا أبا الطيب . جدا جدا جدا . موافق ولكن هل يوافق الدكتور هامان على تبديل اسمه ؟؟ يجب أن نستمزج رأيه وأن نأخذ موافقته لأن للأمر جوانب أخرى بعضها قانوني وبعضها اجتماعي وبعضها يتعلق بالأرث وملحقاته . ليس الأمر بهذه السهولة التي تتصورها . الأمور في هذه البلدان معقدة . لا تنس أنك في ألمانيا يا أبا الطيب. قال حتى في بيتك أجد ألمانيا في مواجهتي  ؟؟  ألمانيا ورائي وألمانيا قدامي وفوقي وتحتي ... الى أين أوجه وجهي ؟؟ قلت له  ألذلك قلت مرة

    على قلق كأن الريح تحتي
    أوجهها  جنوبا  أو شمالا

قال قد قلت ذلك في زمان آخر ومكان آخر . اليوم أجد نفسي مقيد الحركة رغم مظاهر الحرية التي أجد أمامي . لا حرية مطلقة لي في هذا البلد . لا حرية لمن لا يعمل ويطعم نفسه بجهوده وعرق جبينه . ما قيمة جواز اللجوء ان كنت عاجزا عن زيارة قريب في أمريكا أو كندا أو أستراليا . ما قيمة وجودي هنا ان كنت لا أستطيع أن أمد يد العون والمساعدة لقريب أو صديق محتاج ؟؟ بلى , قد كنت كالشياطين سيد الرياح أحركها حسب رغباتي وأهوائي كما أشاء وكما تملي علي مشيئتي وخططي . كنت أحلق وأطير على بساط الريح . يوما في الكوفة ويوما آخر في حمص أو اللاذقية أو الرملة ثم حلب ثم فسطاط مصر وأخيرا بغداد وشيراز فارس . لا تعوزني الخيول الأصيلة ولا القدرة الفائقة على قراءة مسارات وأتجاهات ومواضع النجوم ليلا . كان لي أصدقاء من علية القوم . أما اليوم فكما ترى : لا صديق لي الا أنت ( لا زغرا بيك !! ) . أطلب منك جبنة الماعيز والشاي الثقيل . هون عليك يا أبا الطيب . هون عليك . مازالت الدنيا بألف خير . أنت محسود أنك هنا بعيد عن القتل والسموم والسجون والقهر والذل . لا أحد يستعبدك هنا ولا أحد يجبرك  على التصفيق لزيد أو عمر من رجال السياسة ولا أن تضع على جدران بيتك صور كل من هب ودب من حثالات البشر . هل أتاك حديث الأمير الذي أنقلب ملكا ؟؟ قال ماذا قلت ؟؟ أعدت عليه القول . قال أمير أنقلب ملكا ؟؟ قلت أجل . قال على طريقة أبي نؤاس . قلت ماذا تقصد ؟؟ قال (( فتدحرجت من تحت الى فوق )) . قلت بالضبط : تدحرج " أبو طوق " من تحت الى فوق !! . ضحك المتنبيء كثيرا وضحك طويلا وهو يردد  شر البلية ما يضحك . شر البلية ما يضحك . لعن الله الشيطان . أخاف وأتشاءم يا أخي من الضحك الكثير . هكذا علمتني المرحومة والدتي . كانت تنصحني أن اقتصد في ضحكي وأن أجعله قدر الأمكان مستورا مكتوما . قلت هنا لا يستر الناس شيئا . اضحك وقهقه عاليا ما دمت في بيتي أو في بيتك . وتحاش ذلك ان كنا في مقهى أو في محل عام . بالك وأياك . خذ حريتك في البيت . كل ما شئت وأشرب ما شئت وأنس القلق وبساط الريح ومغامرات سندباد البر والبحر . لقد كبرت ولات وقت مغامرات وعنجهيات . أخفض رأسك للريح حتى تمر بسلام , وأشبع بطنك بالجبن وشاي الدارسين والهيل . فالهيل والدارسين والجبن مفقودة في وطنك . قال ما كنت يوما أعير الطعام الا القليل من الأهمية . الكرامة وعزة النفس أولا وآخرا .
ظهر التعب فجأة على محيا ضيفي وأخذ يتثائب , فقلت له كم الساعة الآن ؟؟ قال تعلم جيدا أني ( ساعه سز ) فلم تسأل ؟؟ أنا من يجب أن يسأل لا أنت . قلت أنها الثانية بعد الظهر . وأقترح أن نحضر غداءنا هنا معا . قال ماذا لديك في مقبرة القطب الشمالي ... عفوا ... في الثلاجة ؟؟ قلت لدي كل شيء . لدي كل ما لذ وطاب . قال مثلا ؟؟ قلت افتح المقبرة ... عفوا ... الثلاجة وأختر ما شئت مما فيها . فيها لحوم منوعة ما حلل منها وما حرم . فيها أجبان شتى وفيها سمك ودجاج . فيها خضرة وفاكهة وأنواع المشروبات. وهو يدس رأسه في الثلاجة سمعته يقول هذه جنة الخلد وليست مجرد ثلاجة .  
أين حور العين والولدان المخلدون ؟؟ قلت قد حجزهم الأمير الذي أضحى بقدرة قادر ملكا على  جزر الأنس والجن التي سبق وأن سماها " جلجامش السومري "  ( دلمون ). أستورد جميع ما في أوربا منهن ومنهم  ليشاركوا في حفل تنصيبه ملك ملوك آخر زمان . قال تعني ( شاهنشاه ... بالفارسي ؟؟ ) قلت لا أعرف اللغة الفارسية . أنت - ربما  - تعلمتها أثناء أقامتك في أرجان وشيراز . قال خمسة شهور في بلاد فارس لا تكفي لتعلم اللغة الفارسية . مهازل مهازل . أي طرطرا هي طرطري ...قلت له لا تندهش أبا الطيب. تذكر أننا نعيش اليوم ازدواجية المهازل - المآسي . هل رأيت الفضائية المصرية قبل بضعة أيام ؟؟ قال ليس لدي جهاز تلفزيون . ماذا جرى فيها أو عليها من برامج , أقصد مهازل؟؟ قلت عرضت احتفالات ( شارون التكريتي ) بذكرى ميلاده الخامس والستين . قال على الفور والشرر يتطاير من عينيه : يحتفل الزنيم بيوم مولد مشبوه مشؤوم وفلسطين تحترق شعبا وزرعا وأرضا وما فوق الأرض من عمائر وبيوت؟؟ أي مولد هذا ومصير العرب قاطبة على كف عفريت ؟؟ أين أبواق الوحدة والقومية والأمة التي نبحت دهرا وما أنفكت تنبح وتزعق وتغتال وتسحق بأسمها الآخرين , وحين حان أوان الجد التزمت الجحور وأرسلت المغفلين والسذج والمنتفعين ورجال الأمن والمخابرات الى تكريت يرقصون ويهزجون ويطلقون الأعيرة النارية في الفضاء الكئيب الحزين . فلسطين تحترق والعوج يحتفلون . ألا يخجلون قليلا من أنفسهم , من شعبهم , من أمتهم , من عنترة ومحمد وصلاح الدين , ألا يخجلون ؟؟ هل في جباههم أو في رؤوسهم قطرة من حياء الرجال أو ذرة من خجل وغيرة البشر الأسوياء ؟؟؟؟ لا حول ولا قوة الا بالله . لا حول ولا قوة الا بالله . قلت له هون عليك عزيزي , هون عليك. ما يفعله شارون العبري اليوم في فلسطين فعله وما زال يفعله بالعراقيين وبالعراق صورته وصنوه ووجهه الآخر صدام العربي ... أستغفر الله ... السفاح جنكيزخان التكريتي المحسوب خطأ على العرب . انهما وجهان لعملة واحدة . قال أحسنت . هذا ما كنت أحاول أن أقوله لكن خانتني ذاكرتي لشدة هول وفضاعة ما سمعت .
أطفأ سيجارته بعصبية وقام قائلا لا أستطيع تحمل المزيد من هذه الأخبار التي يشيب لها الجنين قبل مولده . لا أستطيع . قلت له أجلس . ما زالت لدينا بقية من آخر أبريق شاي جهزناه  والمزيد من الجبنة الحلوة البيضاء التي أعجبتك . بعد ذلك سنأكل اللحم المشوي مع الطماطم والبصل وبعض الخضروات . قال شكرا جزيلا . ليس بي حتى أدنى رغبة  في الأكل . فقدت الأحساس بالجوع . اشبعتني هما وغما .  مر علي غدا كي نناقش معا موضوع علاقتي بالمرحوم وطيب الذكر صديقي أبي العلاء المعري . مع السلامة . مع السلامة .  


     
            - 15 -

في الساعة الواحدة بعد الظهر فتح المتنبيء لي باب شقته حسب اتفاق أمس . لم يرحب ويهلل كعادته بحرارة . دخلت فسألته عن سبب برودة أستقباله وما رأيت من وجوم يصبغ وجهه السمح . قال وهل نسيت أتفاق أمس ؟؟ قلت أي اتفاق تقصد ؟؟ قال أن نناقش بعض أمور أبي العلاء المعري . قلت عفوا . أعذرني . كنت مشغولا في أمور أخرى غير الشعر والشعراء . عفوا سيدي . قال لا عليك ,كلنا ننسى وبعضنا يفتعل النسيان ... يتناسى . هات ما عندك . قلت أريد أن أعرف رأيك بأبي العلاء وهل كان حقا شديد الأعجاب بك وبشعرك حتى أن البعض قد عده واحدا من تلاميذك ومريديك وهم كما تعلم كثر . وهل أنه قصدك أنت بالذات في كتابه الذي أسماه " معجز أحمد "؟؟
ثم أتدري ما كتب في مقدمة ديوانه ( سقط الزند ) ؟؟ قال ما كتب ؟؟ قلت كتب كلاما خطيرا في نظرية الشعر حتى أني أجرؤ على القول أن الرجل قد سبق زمانه بعشرات القرون فيما يخص  هذه النظرية . قال وبالحرف الواحد  (( والشعر للخلد - البال والقلب والخاطر - مثل الصورة لليد يمثل الصانع ما لا حقيقة له , ويقول الخاطر ما لو طولب به لأنكره ... )) . ما رأيك بهذا القول ؟؟ قال قد أصاب الرجل . لقد قالت قبله العرب ( الشعر أعذبه الكذوب ) . والشعراء أحرار فيما يتخذون من سبل ووسائل وما ينهجون من مناهج للتعبير عن فنهم الشعري . وهم مختلفون في ثقافاتهم وبيئاتهم وطبائعهم وعقولهم ثم أحوالهم النفسية والجسدية من مرض وصحة . قلت له اذن كيف تقارن أبا العلاء مع نفسك ؟؟ قال كان الرجل يفضلني في أمور كثيرة . كان الرجل رهين محبسين وكنت طليقا طائرا غردا . كان أعمى وكنت بصيرا . كان منضبطا ولزم نفسه بما لا يلزم بينا كنت حرا منفلت اللسان الى حد التهور والخروج عن المألوف . كان شديد الميل الى الفلسفة والحكمة وكان لغويا من الطبقة الأولى . كان لديه الكثير من الوقت للدراسة وتثقيف النفس حيث كان ملازما داره - محبسه الأول - . لم ينشغل الرجل في حرب ولا تورط في مناظرات ولا جابه ما جابهت من حساد وخصوم ساسة وشعراء ومتشاعرين . لعلك تتذكر ما واجهت من منغصات في حلب ومن مشاكسات أبي فراس الحمداني واللغوي ابن خالويه وأضرابهما . كان قانعا بما لديه لا يلبس الا الصوف والقطن والكتان ولا يأكل غير الدبس والعدس والتين المجفف . على أن كثرة ما لديه من وقت ساعده أن يتفرغ للدراسة ومتابعة آثار السابقين من شعراء ومفكرين وما ترجم عن الأغريق الى العربية من فلسفة وطب . كان موسوعة ووحيد زمانه ذكاء وفطرة وخلقا . لا تقارني بهذا الرجل النادر الفلتة . قلت لكنه جاراك في بعض أشعاره . قال قد يجوز ذلك . لا أستبعد ذلك فقد كان الرجل ذا حافظة عجيبة . والمحفوظ في الذاكرة يؤثر على صاحبها ويفرض نفسه عليه سواء أراد ذلك أم لم يرد . تأثير ما تسمونه اليوم العقل الباطن أو أللاشعور . هل لديك أمثلة كي تريني أن الرجل كان متأثرا في بعض ما نظم من أشعار بي ؟؟ قلت نعم . قال المعري في قصيدة " ألا في سبيل المجد "

    وأني وأن كنت الأخير زمانه
    لآت  بما لم  تستطعه  الأوائل 
أما أنت فقد قلت
                                 سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
    بأنني خير من تسعى  به  قدم
قال لا شبه بين القولين . قلت حسنا . اسمع بيته التالي من نفس القصيدة

    وأني جواد لم يحل  لجامه
    ونضو يمان أغفلته الصياقل
أما أنت فقد قلت

     وما  في  طبه  أني جواد
    أضر بجسمه طول الجمام
        
قال ولا أجد هنا أي وجه للتشابه . قلت حسنا , أستمع الى البيت التالي

    وأن سدد الأعداء نحوك أسهما
    نكصن, على أفواقهن , المعابل

قال أعد قراءة البيت . أعدت قراءته . فكر مليا ثم قال قد أجد هنا بعض الشبه بين هذا البيت وبيتي القائل

    فصرت اذا  أصابتني    سهام                        
    تكسرت النصال على النصال

قلت وما رأيك في البيت الذي قاله في قصيدته المسماة “ أيا جارة البيت المنيع “

    وأرسلت طيفا خان لما بعثته
    فلا تثقي, من بعده, برسول

قال هنا شبه كبير مع أحد أبيات قصيدتي المعروفة " ما لنا كلنا جو يا رسول "

    كلما عاد من بعثت اليها
    غار مني وخان فيما يقول

أين الشاي يا أبا الطيب ؟؟ قال لا شاي اليوم عندي ولا مال . سنشرب الشاي لديك وسنأكل ما خزنت في مقبرة القطب الشمالي حتى لو كان لحم خنزير . اليوم هو آخر الشهر وقد طال هذا الشهر بشكل غير أعتيادي . قلت يحصل ذلك يا أبا محسد . انه مجرد شعور بطول وثقل مر الوقت . انها السآمة وملل الأيام . جد لك عملا مناسبا ينسيك هذا الشعور ويخفف عنك البلوى . قال قم وسنواصل حديث المعري في بيتك . الحديث عن هذا الرجل مغر وممتع . انه أفضل مني بأشواط . انه من طينة أخرى غير طينتي . قم هيا . تهيئنا للخروج . كان المتنبيء متعبا شاحب الوجه .

في الطريق الى بيتي كف المتنبيء عن الكلام لكني لم أكف . كنت أمطره بوابل من الأسئلة الجيد منها والرديء , المعقول والسخيف , الى حد الأستفزاز. غير أنه ظل مصرا على صمته كصخرته التي شبه يوما نفسه بها فقال (( أصخرة أنا مالي لا تحركني ... )) . ما الذي جرى للرجل ؟؟ قبيل وصولنا بيتي قلت له ما تفسير هذا الصمت المطبق ؟؟ قال , كأنما كان الجواب جاهزا في رأسه وعلى شفتيه : الأفلاس يا أبن العم . الأفلاس . كنت في بيتي ورأيته بأم عينيك تماما كمسجد الفقراء . لا شيء عندي , لا جبن ولا خبز ولا مال . ضحكت فقرأ على الفور ما كان يدور في رأسي فقال (( لا خيل عندك تهديها ولا مال )) . قلت لكنك كنت قد قلت هذه القصيدة في أبي شجاع " فاتك المجنون " أمير الفيوم في مصر . قال هل تصدق أن الرجل كان خالي اليدين حين أنشدته هذه القصيدة فأضطر أن يستدين ألف دينار قدمها لي هدية .وهو مبلغ بكل المقاييس كبير . بينما لم أقبض من خصي مصر الأسود الا الوعود يكيلها لي جزافا ولا يلتزم ولا ينفذكما يلتزم وينفذ ما يعد الرجال . لذلك قلت فيه

    أمسيت أروح   مثر خازنا  ويدا
    أنا   الغني   وأموالي      المواعيد

    أني   نزلت   بكذابين    ضيفهم
    عن  القرى وعن  الترحال  محدود

    جود الرجال من الأيدي وجودهم
    من اللسان , فلا كانوا  ولا الجود

    جوعنا يأكل من زادي   ويمسكني
    لكي  يقال  عظيم  القدر  مقصود

في بيتي أراح الضيف نفسه . تهاوى فوق احدى الأرائك مادا ساقيه عليها دون أن يخلع حذاءه . كان في بيتي يتصرف كما لو كان في بيته . وكان ذلك يبهجني ويجلب لي الكثير من السرور . لقد أرتفعت الكلفة فيما بيننا وزال حاجز الحياء والتردد ورسخت فيه الثقة بي فأصبحنا كأصدقاء العمر . لا يخفي عني شيئا ولا أخفي بدوري عنه أمرا من أمور دنيانا ... اذ لم يتبق لدينا كلينا ما نخفيه أو نخشى عواقبه . وأنما الدنيا ( كعفطة عنز ) أو كما قال هو نفسه ( كشعرة في مض ... ) .
سألته أتنام القيلولة أم نجهز طعام الغداء ؟؟ قال أتركني أنام قليلا وجهز أنت الطعام . لا تفرط في  الأكثار من الطعام . تعرف أن شهوتي للأكل أقل من القليلة . تعرف ذلك جيدا فلا تجعله يغيبن عن بالك .
نام الرجل ساعة فأيقظته أذ أصبح طعام الغداء جاهزا . قال هل مارست عادة الشخير السيئة التي لا تفارقني سواء في بيتي أو في بيوت الآخرين ؟؟ قلت انها ليست عادة يا أبا الطيب . انها نتيجة لخلل في مجاري الأنف التنفسية , ويمكن التخلص منها بأجراء عملية جراحية بسيطة . فهي كهي لا يمكن أن تكون جيدة أو سيئة . معظم الناس يشكون من خلل في آنافهم أو أنوفهم . تبسم الرجل قليلا ثم قال ( آناف ) ... حلوة . كنت أميل الى جمع الجبل على ( أجبال )  والرمح على ( أرماح ) وكان ذلك يغيض الحساد وبعض النقاد . يا أبا الطيب ... قلتها عامدا لكيما أبدل أجواءك النفسية وأزيل عن سمائك هذا اللون الليلي الأسود الحزين . قال أحسنت . أصبحت تعرف عروقي ومجسات روحي الخفية . قلت له لم أجد فيك شيئا خافيا أو مخفيا . أنت لا تخفي شيئا , بل ولا تستطيع.
ونحن على مائدة الطعام تذكر الشاعر أبا العلاء المعري فقال هيا , ما هي أسئلتك وأية مسألة تود مناقشتها حول هذا الرجل معي . قلت كل أولا ثم نتناقش . قال بل يحلو النقاش أحيانا لي وأنا على مائدة الطعام . بعض الأطعمة تفتح النفس والمعدة معا . قلت طيب . ما سر شغف هذا الرجل الضرير بعالم الحيوان ثم بعالم الفلك والنجوم ؟؟ قال وعالم الدروع ودرعياته ؟؟ قلت ذلك أمر لا يعنيني . وقد طالما نوقش وأشبع من قبل الدارسين والباحثين والنقاد بحثا . ثم أني كما تعرف لست رجل حرب وسيوف ورماح ودروع . أكره الحروب ولا أطيق ذكر أو سماع أسمها وخاصة ما يسمى منها بأسلحة الدمار الشامل كالأسلحة النووية والبايولوجية والغازات السامة . قال أما النجوم والكواكب ومنازل الشمس والقمر فكانت معروفة منذ جاهلية أجدادنا العرب ومنذ الأزمنة السحيقة لحاجتهم اليها في الأدلاج ليلا . ثم عرفت بشكل أوسع في زماننا بفضل بعض المترجمين من الأغريقية الى العربية . كنا نعرف عالم النجوم ولعلك تتذكر قولي
(( الخيل والليل والبيداء تعرفني ... )) , الليل يعرفني لكثرة أدلاجي فيه ولا يدلج ليلا الا من يعرف معرفة دقيقة مسارات وأتجاهات النجوم وموقع القمر من الشمس والشمس من القمر . لذلك كثر في القرآن الكريم ذكر النجوم والشمس والقمر حد القسم بها . أذكر لك بعضا مما جاء في القرآن (( فلاأقسم بالشفق . والليل وما وسق . والقمر اذا أتسق // من سورة الأنشقاق )) . ثم (( والسماء ذات البروج // سورة البروج )) . ثم (( والسماء والطارق . وما أدراك ما الطارق . النجم الثاقب // سورة الطارق )) . ثم
(( والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر . والليل اذا يسر // سورة الفجر )) . ثم (( والشمس وضحاها . والقمر اذا تلاها . والنهار اذا جلاها . والليل اذا يغشاها . والسماء وما بناها . والأرض وما طحاها // سورة الشمس )) . ثم (( والليل اذا يغشى . والنهار اذا تجلى // سورة الليل )) . وهذا قليل من كثير . أجل كانت العرب منذ الزمان القديم على علم ودراية ممتازة بأحوال السماء وكواكبها ونجومها بل وحتى أحوال الطقس والغيوم والرياح والأمطار . حياتها تتطلب ذلك . أحكام الحياة يا أخانا !! قلت قد حشد الرجل ما لا يحصى من أسماء ونعوت الكواكب والنجوم والظواهر الكونية الأخرى . حشدها في قصيدة واحدة عنوانها " ابن مستعرض الصفوف " . قال تقصد قصيدة ( عللاني فأن بيض الأماني ) قلت بالضبط . لقد ذكر فيها وحدها الظلام والليل والصبح
والنجم والزمان والبدر والظلماء والهلال والثريا والحندس والفرقدين وسهيل والشعريين
والدجى والفجر ونجم النسر وذنب السرحان والصبح الكاذب . ثم الدهر والحشر والمريخ والميزان والسماوات والأفلاك وبرج الحمل وقرني الحمل " الشرطين " والسماك وقوس الكواكب . ثم برج الحوت وزحل " كيوان "  والسبعة الطوالع " الكواكب السبع السيارة " والزبرقان " القمر " . ثم ذكر الأرض وقران النجوم . وأخيرا ذكر القمرين
و " المرزمان " وهما نجمان . هذا قاموس فلكي كامل يا أبا الطيب لا يستوعبه الا خبير.
وما حاجة رجل كفيف لمثل هذه الموسوعة من المعلومات والأسماء ؟؟ وما علاقتها بمدح رجل من أشراف بغداد ؟؟ قال أنا مثلك يحيرني أمر هذا الرجل . قلت حسنا أنس موضوع الفلك والنجوم , ما سر ولع الرجل وتعلقه بالحيوان ؟؟ لقد حشد في قصيدة رثائه لأمه ( سألت متى اللقاء ؟ )  جمعا غريبا من أسماء الحيوانات أحصيتها فبلغت العشرة. أمر غريب لم يسبقه اليه أحد من شعراء العربية . قال هلا ذكرت أسماء هذه الحيوانات لعلنا معا نجد تفسيرا مناسبا لهذه الظاهرة ؟؟ طيب . سأذكرها حسب سياق تسلسل ورودها في أبيات القصيدة .أسمع : الحمامة والنسر والأسد والفراشة والحية والناقة
( تلميحا وتضمينا ) والحرباء والجنادب والضب والنعام . أسماء عشرة حيوانات في قصيدة واحدة !! خص الشاعر الحمامة بخمسة أبيات في هذه القصيدة. وخص الأسد ( وقد أسماه الورد ) بعشرة أبيات . كما ذكر الأفعى في تسعة أبيات . فعلام يدل هذا ؟؟ ظل المتنبيء واجما ساهما غارقا في سحب دخان سيجارته . قلت له كل شيئا, فالأمر غاية في الجدية . وقد لا نهتدي الى اجابة صحيحة في هذه الساعة أو حتى في هذا اليوم , وطب نفسا اذا حضر الغداء ... قال وما تفسيرك لهذا الأمر ؟؟ قلت قد قدمت بعض الأفتراضات لتفسير هذه الظاهرة في كتابي " نقد وشعر وقص "  . قال أود الأطلاع عليها , لعلني أجدها صائبة وصحيحة . والا فلسوف أجهد نفسي لأيجاد تفاسير أخرى قد تكون معقولة مقبولة من لدن محبي شعر أبي العلاء . قلت أتفقنا . فلنأكل ... اليوم تمر وغدا أمر . مد ضيفي يده نحو طعامه وهو يقهقه عاليا ثم قال : لم حرفت وصحفت وأقويت ؟؟ انما حقيقة القول هي ( اليوم خمر وغدا أمر ) . قلت حرفت لأجل عينيك وأجلالا لتشريفك بيتي وأنت من أنت . ثم احتراما لأمتناعك عن تعاطي الخمور . قال ليس في الحكم والأشعار من مجاملة . دعها تأخذ مجراها كما هي وكما قيلت وكما قالها قائلها . وكما قالها قائلها ؟؟ قال أجل . قلت لكن أبا العلاء المعري أخذ منك بيتا
_ حسب أدعاء البطليوسي _  ولم يشر أليك والى بيتك الشعري وأنت قائله. قال وأي بيت تقصد؟؟  قال المعري
    فخرقن ثوب الليل حتى كأنني
    أطرت  بها  في  جانبيه  شرارا
أما بيتك فهو

    اذا  الليل  وارانا  أرتنا   خفافها
    بقدح الحصى ما لا ترينا المشاعل

قال لا أظن أن الرجل سرق شيئا من بيتي الشعري الذي ذكرت توا . قد يكون جاراني وحذا حذوي وذلكم أمر مشروع ومعروف في عالم الشعر والشعراء . قلت لكن قال بعض الباحثين في هذا المقام (( وقد أشار الشراح الى ما يربو عن أربعين موضعا من الأقسام الخمسة المحققة التي بين أيدينا , أخذ أبو العلاء فيها عن أبي الطيب . // حسب كتاب شاعرية أبي العلاء في نظر القدامى . تأليف محمد مصطفى بالحاج . الدار العربية للكتاب. ليبيا - تونس  1976 . الصفحة 213 )) . فماذا تقول يا أبا الطيب ؟؟ قال لهم رأيهم ولي رأيي الخاص . أخطأ البطليوسي فيما أخال في حكمه على هذا البيت .
لعلمك ... أني أحسب بيت المعري أفضل من بيتي . قلت عجيب ما تقول . قال لا عجب فيما قلت . ألرجل أعمى , ولقد كنى عن عماه بالليل وأعرب عن أمنيته في أن يبصر بالشرر الذي يأتي بالضوء والنور . لذا حمل بيته مغزيين وصور حالين هما واقع الشاعر ثم الليل كظاهرة كونية خارج ادراك الشاعر الحسي . الشاعر كفيف لا يميز الظلمة أو الشرر . أنا كما تعلم لست ضريرا . فأذا أقول الليل فأني أرى ظلامه . وكذلك يصح القول عن الضوء والنور والشرر . هل فهمت يا أخا العرب ؟؟ أجل قد فهمت يا أبا الطيوب .
بعد أن أنتهينا من تناول طعامنا الذي استغرق وقتا طويلا , أقترح المتنبيء أن نواصل الحديث عن أبي العلاء المعري في مناسبات أخرى ... اذا أحببت أنا وكنت مستعدا لذلك. رحبت بالفكرة قائلا : ربما نعود اليه ثانية .
غادر الشاعر منزلي على أن نلتقي غدا مساء . 
    

 

                               - 16 -
حوالي السادسة مساء كنت على باب شقة المتنبيء . قال تفضل وأشرب شايا . قلت لا وقت لدينا . هيا نخرج مسرعين .  قال خيرا أن شاء الله . قلت ستستمع في السابعة الى الشاعر علي أحمد سعيد ( أدونيس ) يلقي بعضا من أشعاره في أحد دور الثقافة في هذه المدينة . قال لا أعرف الرجل . قلت سأعرفك عليه . قال موافق لكن لا تقدمني له بأسمي. قلت وماذا سأقول له , من أنت ؟؟ قدمني بأسم ( الأخ أبو جاسم السماوي ) ولا تزد . قلت واذا ما طلب المزيد من المعلومات عنك ؟؟ قال سمعت أن الرجل خجول مؤدب وكثير الحياء . وعليه لا أتوقع أن يرغب في المزيد من الأسئلة عني وعن شأني الشخصي . أتركني مغطى ولا تكشفني يا أبن أمي . كنا متجهين صوب محطة قطارات الأنفاق القريبة من منزل أبي الطيب . قلت له ولماذا الغطاء والحجب , أما زلت واقعا تحت تأثير تحفظات الحركة القرمطية وطقوسها السرية ؟؟ أنتهى عهد القرمطة والقرامطة . كلا , قال , هذا تقديرك للأمر . أنا لي تقديراتي الأخرى . رجاء لا تخالف . قلت  حسنا. على عيني ورأسي .
في السابعة الا ربعا وصلنا بناية مركز الملتقيات العالمية ( أحد قصور الثقافة ) الواقع في قلب المنطقة الجامعية في ميونيخ . وجدنا قاعة الأستقبال غاصة بالمدعوين عربا وألمانا . شغلت ركنا واسعا منها موائد رصت فوقها زجاجات النبيذ الأحمر والأبيض وكؤوس البللور اللماع الذي يخطف الأبصار . كان الضيف أدونيس هناك محاطا ببعض معارفه من السوريين والفلسطينيين ومستشرق أو مستعرب ومترجم ألماني رأيته مرة في  أحدى    المناسبات يترجم بعض أشعار المرحوم بدر شاكر السياب . تقدمنا من أدونيس , حييته ثم عرفته على ( أبي جاسم ) . وكما توقع ( أبو جاسم ) ... لم يطلب الضيف أية معلومات أخرى عنه . تبادلت وأياه أطراف الحديث فلفت نظري أنه لا يشرب شيئا من النبيذ . وفي مجرى الحديث الودي معه قلت له كيف جمعت الصيف والشتاء معا ؟؟ قال ماذا تقصد ؟؟ قلت كنت قد كتبت في بعض دواوينك الكثير من المرايا , خصصت احداها للحجاج بن يوسف الثقفي والأخرى للحسين بن علي . قال أفما وجدت فارقا ما بين المرآتين ؟؟ كذبت مكابرة فقلت كلا , ما وجدت بينهما أي فارق . لاذ الرجل بالصمت وهو يدري أني كاذب . قدمت له واحدا من كتبي هدية . تناول الكتاب وتطلع في غلافه ثم أعاده ألي قائلا ( أبعثه لي الى برلين ) . أعطيته ورقة بيضاء فكتب عليها عنوانه في  برلين باللغة الأنجليزية : المعهد العالي للدراسات الأدبية ( أو معهد الدراسات الأدبية المتقدمة ) . كان الرجل يتمتع بزمالة ألمانية لأجراء أبحاث لا أعرف طبيعتها . قد تكون في الأدب أو الفكر أو الفلسفة . ألله أعلم . لم يعجبني موقفه ذاك مما قد قدمت له . أهملت الموضوع فيما بعد جملة وتفصيلا ولم أرسل الهدية . أخذت له ومعه بعض الصور وكان يقف خلفنا الكاتب والروائي التونسي ( حسونة المصباحي ) رافعا كأس شرابه الذي لم يفارق كفه طوال الأمسية . لم يشرب المتنبيء كعادته دوما نبيذا بعد أن حرمه على نفسه.  سألني لم لا يشرب أدونيس نبيذا ؟؟ قلت له علمي علمك , لم لا تسأله أنت ؟؟ قال لا أتدخل في شؤونه الشخصية. قد يكون مثلي أقسم أن لا يقرب الخمور . أو أنه يعاني من خلل صحي أو اضطراب عصبي . من يدري !! علقت قائلا أفلم تقل أنت ( أذا ما الكأس أرعشت اليدين ...) قال بلى قد قلت . وهذا لأشد ما أخشاه . اذا أرتعشت الكف بكأس الخمرة أهتزت نفس الأنسان وفقد توازنه وتماسكه وسيطرته على ذاته وعلى دنياه.
حان وقت الشروع بقراءة الأشعار . دخلنا القاعة المخصصة للقراءات . قدم الترجمان الضيف أدونيس . بدأ أدونيس يقرأ مقتطفات من أشعار ( أغاني مهيار الدمشقي ) بالعربية بينما يقرأ الترجمان الجالس الى يمينه ترجمات هذه الأشعار الى اللغة الألمانية . شعرت طوال الفترة المخصصة لهذه القراءات  ببعض البرد في مفاصلي . ألتقطت لضيفنا المزيد من الصور . وحين أنتهى من قراءاته صفقنا له كما جرت العادة . لم يخصص وقت للنقاش والمساءلة , مما زاد في برودة جو الأمسية . النقاشات تثري وتدفيء الأجواء وتثقف المحاضر والحضور معا .  أثناء زمن التصفيق قامت أمرأة سوداء الشعر من بين صفوف الحاضرين وأتجهت ناحية أدونيس فمدت له يدها اليمنى مصافحة وقدمت له باليد الأخرى باقة ورد . قربت رأسها منه لكنه تراجع قليلا برأسه الى الوراء . لم يطق المتنبيء صبرا فلكزني بمرفقه متسائلا عمن تكون هذه ( السوادة ) ؟؟ قلت لا أدري . علمي علمك . بعد الأمسية وفي طريق الرجوع الى بيوتنا سألت المتنبيء عن رأيه فيما سمع ورأى . قال لا أحسب أن ما ترجم للشاعر هو أفضل ما كتب من أشعار. ثم , أضاف , قد أحزنتني وأبأستني طريقة قراءته لأشعاره . كان باردا خجولا ولا أجد لذلك من سبب أو مبرر . قلت أتفق معك في هذه النقطة . ليس كل الشعراء خطباء , فالخطابة موهبة وقدرة على الخروج من القوة الى الفعل . الخروج من أعماق دواخل النفس البشرية الى عالمها الخارجي . الخروج من الظلمة الى النور . توقف المتنبيء عن المشي , أمسك بذراعي بقوة وجرجرني قائلا : أمسكتك الآن متلبسا بالتهمة التي رافقتني طوال سني عمري . أنت اذن متهم مثلي بالمانوية والزرادشتية . سألته ما جلية الأمر ؟؟ قال قد تكلمت عن النور والظلام وتلكم بدعة من بدع فلسفة (ماني ) ولطالما قذفني بها الحساد والخصوم . قلت لكننا لسنا أخصاما ولسنا خصوما , نحن أصدقاء تجمعنا الشدة والمحنة . قال أعتذر . ما كنت جادا فيما قلت . قلت له وبالمناسة , فأن الصديق مترجم أشعاري الى الألمانية الدكتور هامان ( قاطعني قائلا تقصد ماهان ) خبير بماني وبالمانوية والزرادشتية وحتى بفلسفة الفيلسوف ( نيتشه ) المتأثر كثيرا بالزرادشتية . قال سمعت أن لهذا الفيلسوف الأل ( ماني )  كتابا اسماه ( هكذا تكلم زرادشت ) . قلت أجل . قرأته وأود أن أقرأه مرات ومرات . قال بل ستقرأه لي وسنناقش ما جاء فيه . سألته عن سر أهتمامه بهذا الكتاب . قال أريد أن أعرف هل حقا أني مانوي - زرادشتي كما كان يدعي الخصوم. قلت قال سقراط ( أعرف نفسك ) . سمعته يردد بصوت منخفض ( واذا كانت النفوس كبارا ..).
حين أقتربنا من منزل المتنبيء سألته هل لديه رغبة في تناول شيء من الطعام . قال تعال نطبخ أكلة سريعة وبعدها نشرب الشاي المهيل الثقيل . قلت لا أشرب الشاي الثقيل ليلا
أبدا . قال طيب , ستأكل معي ما يتيسر . قلت لا أشعر بجوع . ثم عادتي أن لا أتناول طعاما بعد الساعة التاسعة ليلا مهما كانت الظروف والأحوال . قال بل أأكل أنا حتى في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل اذا ما شعرت بعلامة جوع . أأكل قليلا ثم أخلد للنوم فورا . قلت ألهذا ما كنت تطيق أن تصوم شهر رمضان ؟؟ تضاحك بخبث وقال, بيني وبينك , كنت دائما متهما أني لا أصوم رمضان ولا أصلي الفروض الخمسة. قلت وما كانت حقيقة الأمر ؟؟ قال هذا أمر بيني وبين ربي . الله يقرأ ما في سرائر وصدور عباده.
جهز لنفسه قليلا من الطعام وشرب كأسين من الشاي الثقيل . كنت جالسا أراقبه عن كثب مستعيدا مشاهد أمسية أدونيس .
بين اللقمة الصغيرة ورشفة الشاي قال هل تعرف الشاب الذي كان واقفا وكأس النبيذ في يده خلفنا ساعة كنت منشغلا بالكلام مع أدونيس ؟؟ قلت تقصد ( حسونة المصباحي) ؟؟ قال أجل , قد يكون هو . قلت ما به ؟؟ قال أظن أني قد رأيته بضعة مرات على هامش أحد مهرجانات ( أو في الحقيقة تهريجات ) المربد الأدبي أو الشعري . واصل الكلام ... رأيته أول مرة في ( فندق الرشيد ) في بغداد . ورأيته ثانية يوم كنا مع باقي المدعوين على ظهر زورق بخاري يجوب بنا شط العرب بين البصرة والفاو . ثم رأيته خلال احدى فعاليات المربد الثقافية جالسا غير بعيد عني . سألته هل قرأ شيئا , نصا أدبيا أو قصيدة أو شيئا من هذا القبيل ؟؟ قال على الفور : حلوة !! شيء من هذا القبيل !! كلا . لم يقرأ المصباحي شيئا . ثم , لعلمك , ما قدم في ذاك التهريج الذي أسموه مهرجانا  ما كان في الحقيقة الا شي ... شي ... شي . أراد المتنبيء أن يقول الكلمة الألمانية التي تعني بالأنجليزية  SHIT  . ضحكت من أعماق قلبي معلقا أن صاحبي قد ضبط أمور لغته الجديدة وتعلم - كالعادة - أسوأ لا أحسن ما فيها . عدت أسأله عن دوره في هذا الفيلم التهريجي وما قدم أو قرأ . قال ولا شيء . أتخمونا بما لذ وطاب والشعب يتضورمن الجوع ويئن تحت طائلة الحصار والذل والفاقة والبطش . بلى , قرأ ت بضعة أنفار من المرتزقة . هل قلت قرأت ؟؟ كلا . كنت أعني تقيأت فضلات كلام رخيص . ولا غرابة في الأمر . فبعد أن أتخمت كالضباع من الطعام الحرام طفقت تتجشأ علنا وبصوت عال كي يسمعها سماسرة  المهرجان وجلادو الأدب وشرطة النظام السرية والعلنية . اعتراف تحت شمس البصرة وبغداد بالجميل ( عوافي ) . ولما حان آوان تقديم الفقرات وقفت على خشبة مسرح المهزلة - لتفاجيء جمهور المستمعين أن ليس في مقدورها أن تقرأ كالبشر الأسوياء ما كانت قد أعدت من منثور ومنظوم . بدل الألقاء السليم كانت تتقيأ ... تتقيأ في وجوه الحاضرين ما دست كلاب الزمهرير في أحشائها وأمعائها الغليضة من دم عبيط . دم أطفال وأرامل سومر وبابل وآشور . قلت وهل أعطوكم شيئا من المال ؟؟ قال قبيل مغادرتنا أرض الرافدين ومهد الحضارات دسوا في جيوبنا مظاريف ملأى بالدولار الأمريكي . قلت وكم كان نصيبك من هذا الدولار ؟؟ قال نصيبي كان ألفا فقط . ألف دولار لأنني لم أقرأ شيئا . أكلت وسكنت فنادق الدرجة الأولى ( خمس نجوم ) وأستمتعت بالنزهة فوق مياه شط العرب الذي فقدنا نصفه شهر آذار عام 1975 . نصفه طولا وعرضا . كانت الخسارة بالطول وبالعرض . هل تفهم خسارة الطول والعرض ؟؟  قلت كلا . لكني أفهم شيئا عن خطوط الطول وخطوط العرض متفرقة لا جمعا . تلك كانت من مباديء دروس الجغرافية . قال لكي تفهم هذه الفلسفة أنصحك أن تزور بغداد مشاركا في أحدى مسرحيات تهريج المربد . زر بغداد وشارك ثم عد لي وفي جيبك ألف دولار أمريكي . نحتاج هنا الى العملة الصعبة . قلت يا عزيزي  أضحت بالنسبة لنا كل العملات صعبة , بل وفي غاية الصعوبة . ثم هل تعرف معنى ( مربد ) في لغة الضاد ؟؟ قال طبعا أدري . انها تعني حضيرة الماشية والأبل . قلت اذن كيف تطلب مني أن أشارك في مربد للبهائم رأيت أنت نماذج مدعويه ومرتاديه . كلا . لا أقبل دعوتهم حتى والله لو أعطوني ملك وأموال فرعون وقارون وهامان . الذي يتحمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة الآتي يأنف من دولارات أمريكا .  قال لا تحمل كلامي محمل الجد ( ثخنتها شوية...) . كنت أمزح وكنت أحب أن أشاكسك . كم الساعة الآن ؟؟ الساعة تقترب من الحادية عشرة . قال لدي سؤال أخير لا أطيق الصبر عليه . قالوا ونعم ما قالوا لا تؤجل عمل اليوم الى غد .  قلت قل وأوجز . قال ما هي خلاصة رأيك في أدونيس ؟؟ قلت انه كاتب كبير ومفكر ممتاز ثم انه رجل على خلق عظيم لولا ... لعن الله هذه أل ( لولا ) . قال ملحا لماذا هذه أل لولا وما تعني ؟؟ قلت ليس الوقت وقت الخوض في هذا الأمر خاصة  وفلسطين اليوم أضحت كما ترى دمارا ودماء وخرابا . أنس الموضوع مؤقتا . قد نرجع يوما أليه ثانية. قد ... !!  أنس الموضوع وسأتركك لتنام هنيئا حتى غد . غدا سأعرفك على الحديقة الأنجليزية وفيها بحيرة وزوارق خشبية صغيرة وتطل عليها مقهى ساحرة . صرخ المتنبيء ( ألله !! ) شوقتني . متى يأتي الغد ؟؟ أحب  الماء والبحيرات والبحار صيفا وشتاء . أحب قوارب النجاة . أهوى المقاهي المطلة على البحيرات .  ثم كيف تكون في ألمانيا حديقة أنجليزية ؟؟ سأشرح الأمر غدا , أجبته . شرعت وأنا أغادر شقة صاحبي بالغناء ( يا ليل الصب متى غده ... ) فجاوبني مسرعا كالصدى ( أقيام الساعة موعده ) .                    

       

                             - 17 -


في طريقنا الى الحديقة الأنجليزية سألت المتنبيء لماذا أخفى هويته عن الشاعر علي أحمد سعيد وأصر أن لا أكشفه له . فكر طويلا قبل أن يقول : عرفت أن  ( أدونيس )  معجب بي ويتخذني مثالا للشعراء . ثم انه كتب كتابا أو أكثر عني . ولهذه الأسباب
تحمل الرجل - كما تعلم - قساوة نقد صديقك صاحب ( ثياب الأمبراطور ) العاري من الثياب . قال عن الرجل أنه ينتمي الى مجموعة شعراء المدرسة الشامية فوضعه في صف أبي تمام والبحتري والمتنبيء . هل سأل الأخ فوزي كريم نفسه أين عاش وعمل وشهر أبو تمام والبحتري ؟؟ نعم , ولد الشاعران في بلاد الشام لكن أين كسبا شهرتيهما وأصبحا أعلاما في دنيا الشعر ؟؟ هل يعرف فوزي من كان شاعر خليفة المسلمين المعتصم ومن كان شاعر المتوكل ؟؟ هل يعرف أين ولد وترعرع وحكم ومات ودفن كل من المعتصم والمتوكل ؟؟  وكيف أجاز لنفسه أن يضعني في قائمة شعراء بلاد الشام وأنا العراقي مولدا وأصلا ونشأة ومصرعا ؟؟  سأرسل له نسخة ( فوتو كوبي ) من دفتر نفوسي ونسخة من شهادة الجنسية العثمانية التي هربتها معي حين غادرت العراق . دخلنا الحديقة الأنجليزية
فأتخذنا طريقنا بين ظلال أشجارها الوارفة . كانت شمس شهر مايس ( آيار ) قوية وكان المتنبيء شديد التوتر والأنفعال . رأى منضدة خشبية تحت ظلال الشجر فقال نجلس هنا. قلت بل نواصل المشي حتى المقهى المطلة على البحيرة . رحب بالفكرة فأشعل سيجارة أخرى وظل ينفث الدخان متواصلا مثل مدخنة أو قاطرات سكك الحديد القديمة . قلت له هل أنهيت كل ما أردت أن تقول ؟؟ قال تقريبا . قلت له كنت مغاليا بعض الشيء فيما قلت. المسألة ليست مسألة مكان مولد الشاعر ونشأته بل ان تقسيم السيد فوزي كريم كان تقسيما فنيا لا جغرافيا . لماذا أخذتك دواعي القطرية وأنت متهم بالشعوبية؟؟  ضحك الرجل ثم قال أعجبني كلامك . القطرية والشعوبية . أفلم يكن أدونيس قطريا -
قوميا - سوريا - سوريا  ليا ) ؟؟ هل أتهمه أحد كما أتهموني بالشعوبية ؟؟ قلت بل أتهمه البعض بالباطنية والأسماعيلية , ذات التهمة التي لصقوها يوما بك . قال وما زلت متهما بها . وبعدي تورط فيها المسكين أبو العلاء المعري . قال الآن قد أفهم دواعي حساسية فوزي مني ومن أدونيس لكن لا أفهم سر أعجابه بأبي العلاء وهو مثلي أسماعيلي وهو شعوبي يفضل فارس على العراق وسوريالي مثل أدونيس ؟؟ قلت لأن الرجل أعمى وكان رهين ثلاثة سجون هي العمى والبيت والجسد . ولأنه لم يمدح أحدا مقابل المال . ثم قد وجد في شعره شيئا من شعر الروح والحيرة والحنين الى الموت والفكر الفلسفي العالي غلفها بمهارة تجنيسا وتورية من باب التقية حسب اعتقاد طه حسين وفوزي  . قال ألذلك وضعه في مدرسة شعراء الروح البغدادية مع بشار وأبي نؤاس وأبن الرومي وبدر شاكر السياب ؟؟ قلت نعم . قال لكنه ولد ونشأ في معرة النعمان الشامية . قلت لكنه زار بغداد وأختلف الى مجالس علمائها وشارك في بعض ما دار من جدل حول مسائل الفقه والدين والشعر . قال لكن بعض أهل بغداد آذوه وأهانوه خاصة الشريف المرتضى. قلت كان كسقراط جريئا جرأة الفيلسوف وشجاعا شجاعة المفكر الضرير الذي لا يخشى أحدا . قال رأيه ثم تحمل جراء ذلك ما ناله من أذى . ثم زيارة بغداد شيء والأنتماء  (القطري ) شيء آخر . كان وظل الرجل وسيبقى محسوبا على معرة النعمان في بلاد الشام حيث ما زال قبره مزارا لمحبيه ورافعي قدره . لقد خلد بغداد والعراق في قصائد رائعة .  سنرجع  اليها واليه يوما . قال ان شاء الله .
وصلنا مقهى البحيرة فوجدنا مصطبة خالية تقع تماما على ضفة البحيرة . قال هنا نجلس.
كانت حديقة المقهى الداخلية مفعمة برائحة شواء مختلف اللحوم . وصلت أنف صاحبي
فقال أريد طعاما مشويا . سألته ماذا يشرب  قال ستأتي بنت حلوة تسألنا ماذا نشرب . قلت هنا لا يأتيك أحد ليسألك ماذا تشرب . هنا أنت تخدم نفسك .  قال وما معنى أن تخدم نفسك في مقهى عام ؟؟ قلت تعال معي لأريك . مشى خلفي حتى وصلنا مكان طلب الطعام والشراب . دخلنا في صف المنتظرين ووقفنا لبضعة دقائق حتى جاء دورنا فطلبت قطعتي لحم مشوي وقطعتي خبز أسمر وكأس بيرة بحجم ليتر كامل يسمونه هنا  MASS . طلب صاحبي ( مقانق ) مشوية وخبز وسلاطة مع شاي وزجاجة ماء معدني . دفعت الحساب فسألني من سيحمل هذا الطعام لمنضدتنا ؟؟ قلت نحن . أنا وأنت . كل يحمل صينيته . وهذا هو مفهوم  أخدم نفسك    SELF  SERVICE    . حمل صينيته ماشيا ورائي مغنيا ( شهلبلشه يا ربي حسن سموني ). منذا يلوم اذا أسميت نفسي معيدي لندن ؟
هل هكذا سيكون وضعي في لندن ؟؟ قلت أجل . نظام اخدم نفسك شائع هنا وفي أوربا وفي الكثير من بلدان العالم . انه يوفر للمطاعم والمخازن الكثير من الأموال .
جلسنا لنأكل ونمتع النظر في البحيرة وما يعوم فوق سطوح مائها من طيور وبط وبش وأوز . لكن المتنبيء شرع يأكل بشهية منقطعة النظير. ترك سيجارته تأكل نفسها بنارها . أنقطع عن الكلام وغاب عن العالمين متفرغا لصحون طعامه . تركته يمارس حريته وأنا على ثقة أن الرجل سيؤوب عاجلا لي ولنفسه ولما حولنا من عوالم رائعة . أعرف أنه يهوى الماء والبحيرات حتى هوس العشق الصوفي . كان جائعا كأن لم يأكل طعاما منذ سنين . نسي حتى كأس الشاي أمامه لكن لم ينس الماء . كان يأكل ويتناول بين الفينة والفينة رشفة من كأس الماء . بعد حين رفع رأسه وأجال ببصره في أرجاء البحيرة والمقهى ثم سألني : أين نحن ؟؟  قلت 
    
    مغاني الشعب طيبا في المغاني
فعقب على الفور
    بمنزلة   الربيع    من  الزمان

    أبوكم   آدم   سن المعاصي
    وعلمكم   مفارقة    الجنان

قلت لكنك كنت دوما زاهدا بالجنان وبأنهار اللبن والخمر والعسل والولدان المخلدين وحور العين , هل نسيت أبا محسد ؟؟ قال أي ورب الكعبة قد نسيت . هذه الجنان الأرضية حيث أنا وأنت تنسيني تلك التي لا تراني ولا أراها . تلكم الجنات جد بعيدة عني وعن أمثالي , لذا فأني زاهد فيها . ولا أحسبها تقبل فيها واحدا مثلي . تجشأ بقوة لفتت أنتباه الحاضرين قريبا منا . قلت له قل عفوا . قال لمن أقول عفوا ؟؟ هؤلاء أجانب لا يفهمون العربية !! قلت التجشؤ لا يحتاج الى لغة وترجمان . يسمعه الناس وتتقزز أنفسهم من الصوت النشاز . ثم أن أنكر الأصوات ... قال طيب طيب أعتذر . ما ذنبي ان وجدت الطعام هنا لذيذا فوق العادة فأكلت كما لم آكل في حياتي قط . أكلت أكل الوحوش . أنت السبب لأنك أنت من قادني الى هذا الفردوس الأرضي الساحر . قلت له أنس الموضوع وقل لي رأيك بالبيت الذي قلت يوما (( فقيل تخلص نفس المرء سالمة //  وقيل تشرك جسم المرء في العطب )) . أستأنف الأكل لكن ببطء وحذر قبل أن يجيب . قال وما علاقة التجشوء بهذا البيت ؟؟ قلت لا علاقة بينهما , انما كنا نتكلم عن جنات الخلد التي فارقها اذ عصى أوامر ربه أبونا آدم . أزداد حماسه للأكل قبل أن يقول (( فهذه الأرواح من جوه // وهذه الأجسام من تربه)). قلت ذكرتني بذاك الذي فسر الماء بعد الجهد بالماء . من الماء وبالماء الى الماء . قال قد قال صديقنا المعري شيئا قريبا جدا من هذا القول . قلت نعم , في رسالة الغفران , لكن اقتبسه منه لاحقا ( لسان الدين أبن الخطيب الأندلسي ) ثم أخذه عنه ( أبن خلدون ) في مقدمته وأشار أستاذنا ( علي الوردي ) الى ذلك في كتابه ( منطق أبن خلدون ) . أشار الوردي الى أقتباس أبن خلدون لعبارة أبن الخطيب غير عارف بعلاقتها أصلا بالمعري .  قال عجيب !! السارق يسرق . سنة الله في خلقه . الدنيا سارق ومسروق . قلت لكنك لم تجبني عن سؤالي . قال كيف أجيبك والمسألة ما زالت شائكة ولا حل لها . لم يحلها بعد لا العلم ولا العلماء . أحسبك تقصد مصير النفس البشرية بعد موت صاحبها . قلت بالضبط. قال شائكة شائكة . قلت سأحتفظ لنفسي بحق مناقشة هذا الأمر معك مرات ومرات . لقد أكثرت في أشعارك من ذكر النفس والجسم مرة والروح والجسد مرات أخر . فمشكلة ثنائية النفس / الجسم - الروح/ الجسد أراها مسألة جديرة بالأهتمام . وأنت تعلم مقدار أهتمامي ببيتك الشعري الذي قلت ... وضع السكين والشوكة على المائدة  وقاطعني قائلا (( وأذا كانت النفوس كبارا // تعبت في مرادها الأجسام )) . قلت أحسنت . واصل الأكل بشهوة أقوى حسدته عليها . قال لا الوقت وقت مناقشة مثل هذه المسائل المعقدة ولا الجو جو جسم ونفس وجسد وروح . دعنا نتمتع بسحر هذا الفردوس البرمائي . دعني أتمتع بحريتي التي ما مارستها كاملة في أوطاننا , من الشام لبغدان ومن مصر لتطوان . كان ساخرا مرحا بعد أن أكل وشبع وزاد فتجشأ . أصبح صاحبي وقد بشم زاهدا بالجنان العلوية. يرفض مناقشة مسائل جدية أثارها في شعره . أسأل من اذن اذا كان أبو الطيب المتنبيء الجالس قبالتي يرفض تزويدي بالجواب ؟؟ . (( كالماء في الماء الى الماء  )) .
مزمز وتلمظ بشفتيه بعد أن مسح صحونه ثم ولع سيجارة الكنت وسألني هل من بيت هنا للراحة ؟؟ شرحت له كيف يجد هذه البيوت . قلت له انها في آخر الحديقة . ثم حذرته أن لا يخطيء العلامات كما فعل مرة في أحدى المقاهي عندما دخل المكان المخصص للسيدات . كانت فضيحة أضحكت كل من كان في تلك المقهى .
كنت أراقبه حين أكمل شغلته خارجا من بيوت الراحة ( المراحيض ) . رأيته يحكم أغلاق أزرار سرواله ( البنطرون ) . حين وصل مكاننا عنفته كما فعلت مرات سابقة معه.  عرف السبب فقال عفوا . ما كنت في حياتي أعرف هذه الملابس . لا تلمني. ما كنا نعرف الأزرار ولا البنطرونات . كنا نتبول , نقوم , نشد التكة ونغادر المكان . لا زر ولا بنطال ولا هم يحزنون . لا من يسأل ولا من يراقب وأنت تعلم أن من راقب الناس مات هما . سألته وما كان أسم البنطال أو البنطرون في زمانكم ؟؟ قال ( سروال).
من خام أبيض عادة يشد على البطن بتكة . تحيرت في أمري . فالسروال كلمة هندية     ( لعلها بلغة الأوردو ) متداولة  في الهند وباكستان . عدت أسأله وما معنى ( السربال ) ؟  قال الثوب . قلت وهل عنيت السروال أم السربال في بيتك :

    أني على شغفي بما في خمرها
    لأعف  عما   في  سرابيلاتها
 
فنقادك أختلفوا في حقيقة الأمر . قال لا فرق عندي بين الأثنين . سروال كلمة أجنبية معربة يحتمل فيها الوجهان . فصوت الحرف ( واو ) في سروال ينقلب في بلاد فارس الى صوت الحرف الأنجليزي  V   . وينقلب في لسان بعض قبائل العرب الى الحرف ( باء ).  غير أن قبائل أخرى تلفظه كما هو في الأصل وكما جاء بلغة السند والهند ( سروال ) . قلت يا أبا الطيب, هل تعرف أن أسم المدينة الأسبانية ( فالنسيا ) قلبه العرب يوم كنا وكانوا في الأندلس الى ( بلنسية ) ؟؟  وفالنسيا تبدأ في الأصل بالحرف  V  . قلبوا هذا الصوت الذي لا وجود له في حروفنا العربية الى الصوت ( باء ) .
عدت أسأله -  رصدت بعض أمارات الضجر آخذة كقطر الندى بالتجمع على قسمات وجهه - وهل هناك من علاقة بين كلمة سربال والفعل تسربل يتسربل الذي أستعمله فارس العرب عنترة العبسي في معلقته التي قال في أحد أبياتها ((  ما زلت أرميهم بثغرة نحره // ولبانه حتى تسربل بالدم )) ؟؟ . نفض رماد سيجارته كمن يدفع سأما أو حرجا عن نفسه وتلبس بلبوس الجد الرسمي وشرع يهمهم كالهمس مصرفا الفعل الماضي تسربل ومشتقا منه ما شاء من ضروب الأشتقاق : سرب  ( مخففة حرف الراء )... سرب       ( مشددة الراء )... تسرب... سر ( فعل الأمر من سار والفعل الماضي للفعل سر يسر سرورا) ... بسر...برس ( أسم مكان قرب مدينة الحلة )  رسب... ترسب ...  ستر... ترس... سب... سبر... تبل... لبس ... تلبس... سل... لس... لت... لب... سرت  ( أسم مدينة ليبية ) ... رب... بر... سل ( فعل الأمر للفعل سأل يسأل وأسم الداء المعروف ) ... بل ( من البلل بالماء والأبتلال من المرض ... فما أبتلت جوانحنا...) بتر... ربت... تبر ( الذهب)... ترب ( جمع التربة ).....في لحظة عابرة خيل لي أن المتنبيء قد أطال في صرفه وأشتقاقه الممل متعمدا أغاضتي عله ينجح في جعلي أصرف النظر عن سؤالي اياه . خيبت ظنه اذ أدركت مبتغاه فبقيت متماسكا ضابطا أعصابي متصنعا الصبر والأهتمام بما كان يقول بصوت شبيه بالهمس المسموع. حس الرجل بمدى عبث اللعبة فأنصرف الي آخر مطاف جولته اللغوية مصطنعا بسمة دبلوماسية تخفي وراء قناعها احساسا مشوبا بشيء يشبه الخيبة ... أو الأخفاق. قلت له لم شغلت نفسك بهموم تصريف الفعل ( تسربل ) ؟؟ قال أقول لك الحق : في هذا الفعل معنى التستر والستر . والسروال أو السربال ملبوس لستر الجسد . ثم - وهذا هو الأهم - ان الفعل تسربل الرجل يعني أرتدى وغطى جسمه سواء ببردة أو طيلسان أو بالدماء على سبيل المجاز... نقول مسربل أو متسربل بالدماء . وكان هذا ما قصده شاعرنا بطل بني عبس الذي فرط به قومه فقال (( يسمونني في السلم يا أبن زبيبة // وعند أشتباك الخيل يا أبن الأطايب )). خلاصة القول أنه ان كانت كلمة سروال هندية - سندية الأصل فأن كلمة سربال عربية خالصة مشتقة من الفعل تسربل يتسربل . تسربل الرجل بسرباله مثلا . بدا أمامي منتصرا, وكان منتصرا حقيقة لا مجازا ثم قال بثقة وعنجهية  هل فهمت ؟؟ أجل فهمت لا فض فوك يا أبا الطيب. خلصتني من ورطة كبيرة ومن هم مقيم . قال قد شغل بعض النقاد أنفسهم قبلك بهذا الأمر ولا سيما أولئك من مدعي الأخلاق والفضيلة. رموني بالفحش وقول الكلام البذيء بسبب قولي ( سرابيلاتها ) اذ أدعى بعضهم أنه رآها في بعض نسخ ديواني ( سراويلاتها ) ... وليس سرابيلاتها ولا أرى فرقا بين الأثنين .
قمنا لنغادر المقهى والبحيرة والحديقة الأنجليزية على مهل . فقد ثقل بما أكل الرجل من طعام  وكانت سيجارته تتنقل ما بين أصابع يده وشفتيه وعلامات الشبع تفضح الشاعر المتقاعد اذ أرخى قليلا من حزام ( سرباله ) وتجشأ في الهواء الطلق تحت باسق الشجر بعد أن تأكد أن ليس من أحد حولنا أو قريبا منا . قال بعصب جد بارد لدي سؤال . قلت قل ما دمنا في داخل حدود هذه الجنة . قال لم تخبرني بعد عن سبب تسمية هذا الفردوس بالحديقة الأنجليزية . قال لي بعض من أثق به من الأصدقاء أن سبب هذه التسمية لأن الحكومة تسمح بالأنبطاح في بعض أنحاء هذه الحديقة تحت شموس الصيف والأيام الدافئة بعري كامل . قال ألله ألله !! نساء ورجالا ؟؟ قلت أجل . هنا لا فرق بين رجل وأمرأة.
الكل مواطنون سواسية أمام الحكومة التي أنتخبوها وأمام القانون . حواء تساوي آدم وآدم يساوي حواء . ثم , أضفت , هناك على سواحل نهر ( أيزار  ISAR  ) الذي يشق مدينة ميونيخ نصفين مناطق معينة يتشمس داخل حدودها محبو التعري من البشر . ثم , أزيدك علما , هتف هيا هيا زدني علما ... قلت وهناك بضعة جزر في نهر أيزار  
يتعرى على حصبائها كلا الجنسين ( ربي كما خلقتني ) . يعشقون حرارة الشمس صحة وطبا وسمرة لأدمهم ناصعة البياض شتاء . يأتون محملين بالصحف والطعام ومختلف المشروبات ويقضون أوقاتا طويلة بين الأنضجاع تحت أشعة الشمس ولعب الكرة وسواها
عراة عراة يا أبا الطيب . كان الرجل سارحا مسحورا بما كان يسمع . كان واضحا أن لديه سؤالا يتحرج من طرحه علي . بادرته قائلا سنذهب معا في شهر حزيران أو تموز أو آب الى نهر أيزار وأريك واقع ما قلت باهرا تحت خيوط شمس الصيف العسجدية التي يتحمص تحتها الدر والزمرد والمرجان والياقوت والفيروز والنرجس . تنهد صاحبي عميقا
ثم قال متى يأتي حزيران ؟؟ يأتي حزيران في شهرحزيران يا أبا الطيب . سترى وستود أن تشاركهم عريا ولعبا وطعاما وشرابا . ألم أقل لك أنما أنت في جنة حقيقية من جنات النعيم ؟؟ قال أسفا , فاتني الكثير . كان المفروض أن أطلب اللجوء قبل عشرين عاما . قلت ما زال أمامك الكثير . لم يفتك شيء . لم تخسر شيئا . تستطيع هنا حتى أن تتزوج
وأن تنجب . أحتج بأنفعال قائلا وكيف أنجب وقد بلغت من الكبر عتيا ؟؟ قلت زكريا ليس بأفضل منك . وأبراهيم ليس بأقوى منك .  الأمر بسيط : تتزوج من أمرأة لديها أطفال من زوج سابق أو أكثر فيحملون أسمك وتكون لهم أبا شرعا وقانونا . قال أعوذ بالله . تزوجت مرة واحدة فقط وأنجبت ولدا واحدا وعلى حين غرة فقدت الجميع . خسرت الزوج والولد . لا . لن أسمح بتكرار الكارثة . لن أسمح مطلقا . أرجوك أبعد عني هذا الموضوع. التعرض للشمس عاريا شيء ربما أتقبله لكن الزواج شيء آخر . بالمرة شيء آخر . العري والتعري في العراء في هذه البلدان أفضل من الزواج . التعري ليس معرة ولا مجلبة لخجل .  لا تورطني بما لا طاقة لي به . رفقا بالقوارير . قلت طيب . سأراك عاريا في يوم قريب . سأعريك ما دمت في ألمانيا . وسأصورك عاريا على النهر بآلة تصوير سينمائية وأعرضك على شاشة جهاز الفيديو في بيتي . سأوزع نسخا من الفيلم على أصدقائي وعلى بعض محبيك . وربما أرسل منه ثلاث نسخ الى العراق . واحدة الى الكوفة والثانية الى السماوة والأخيرة الى عاصمة خليفة المسلمين المطيع لله في بغداد .
سيراك معز الدولة البويهي , وسيراك وزيره المهلبي ثم خصمك اللدود الحاتمي . قال ضاحكا : ترسلني هكذا عاريا بدون ثياب امبراطور صديقنا فوزي كريم ؟؟ . قلت بل سأجعلك بالعري أكبر منه . سأجعلك ملك ملوك الشعراء . ( شاهنشاه ) شعر وشعراء العرب , العاري منهم والمدثر والمتسربل ... يا أيها المسربل . قال ثم لمن سترسل فيلمي عاريا ؟؟ سأرسل نسخة الى أتحاد الكتاب والشعراء العرب . ونسخة الى ( كوفي عنان )
سكرتير عام هيئة الأمم المتحدة . قال قد أجد تفسيرا أو تبريرا لنسخة أتحاد الكتاب العرب ولكن ما علاقتي بالسيد كوفي عنان وهيئة الأمم المتحدة وما كنت يوما سفيرا لبلادي , وما كنت قنصلا ولا مستشارا ولا وزيرا مفوضا ؟؟ قلت ذلك أحتجاجا على وضع الشعراء والمثقفين المشردين والذين يعانون الأمرين في دنياهم . أنت رمزهم ومثالهم وقدوتهم وحامل الراية . فلنتذكر الشاعر محمود درويش والشاعر سميح القاسم . لنتذكر شعراء العراق من الشباب المشرد والهارب واللاجيء والذي يكتب ولا يجد دارا تنشر ما يكتب . جسدك العاري هو الصرخة المدوية في مجمع الشعوب والأمم في نيويورك حيث يثرثرون عن الحرية والعدالة وحقوق الأنسان . جسدك هو بصمات أصابع المثقف العراقي الأبي الذي لا يقبل ضيما . جسدك النقي هو القرطاس وهو القلم . أرفع صوتك عاليا بأسمي وأسم جميع من ذكرت . قل لهم لا أملك شيئا في دنياي . قل لهم لا أريد الا حريتي ورأسا مرفوعا علما فوق قامتي . أنشد لهم شعرك (( بم التعلل لا أهل ولا وطن)) . قل لهم لا أريد ثياب الأمبراطور فلقد كان أبونا آدم وقرينته أمنا حواء عاريين في الجنة حتى أغواهما الشيطان فأكلا من شجرة الخلد ففوجئا أنهما عاريين من شدة الخجل ولم يجدا ما يستران به عورتيهما الا وريقات من بعض شجر الجنة التي حرما منها في نهاية المطاف .  قال بل وأزيد أني لا يضيرني أن يراني العالم عاريا ما دمت لم أقترف أثما ولم أرتكب معصية ولم أتناول شيئا محرما . لم أزن ولم أتغزل كما كان يفعل أبو نؤاس بغلام. تعري البريء تأكيد لطهارته ونقاء روحه وصحة جسده وخلوه من الأمراض والأوبئة الخبيثة .                            قلت له تقول انك لم تزن ولم تلط أو تتغزل بغلام , لكنك تغزلت بالفعل  بغلام مرة واحدة في بيت واحد من أشعار ديوانك الضخم اذ قلت      

     وأغيد  يهوى  نفسه كل  عاقل
     عفيف ويهوى جسمه كل فاسق

أنزعج أبو الطيب قليلا فقال : يا رجل , ليس الوقت وقت مزاح . أين الغزل في هذا البيت ؟؟  كنت أؤكد على نفس هذا الغلام التي تجتذب الى هواها عقلاء القوم . هنا الثنائية التي طالما كنت توليها أكبر أهتمام . العاقل يهوى النفس والفاسق يهوى الجسم, واضح ؟؟ واضح جدا يا أبا الطيب . أعتذر , فلقد كنت واقعا تحت تأثير بعض نقادك. أعتذر والعذر عند كرام الناس مقبول . 

رافقته حتى بيته وكان متعبا قليلا ومخدرا من كثرة الطعام ومما قد سمع من أمور رآها كالأحلام عارية في مرآة الزمان  . الأحلام تصبح واقعا في هذه الأيام  يا أبا الطيب . فلنظل نحلم .

 

                                            - 18 -

ألتقينا الساعة الواحدة بعد ظهر الأحد حسب الأتفاق في المحطة الرئيسة لقطارات السكة الحديد في وسط المدينة . كنت أنتظره على رصيف  القطار  S   BAHN - 5 
الذاهب الى مدينة          HERRSCHING  
وبحيرة            AMMERSEE
لا أتذكر أني رأيته يوما في مثل حيوية هذا اليوم والحبور يشع من وجهه وعينيه . كان شديد الفرح في مشروعنا ولا غرابة . فالرجل يعشق الماء والبحيرات والبحار كما صرح بذلك عدة مرات . سأل قبيل وصول القطار كم ستستغرق الرحلة . حوالي نصف ساعة أو أكثر بقليل . طار فرحا وطفق بصوت جد خفيض يحدو حداء شبيها بحداء الجمال . قال وهل بحيرة اليوم أجمل أو أكبر من البحيرة التي زرناها المرة السابقة ؟؟ قلت كلا . لا أجمل ولا أكبر . قال اذن ما الذي دعاك أن تجرجرني الى محلات غير مغرية أو ليست متميزة بشيء ما . تضاحكت قائلا هذه (( الشيء )) جلبت عليك البلاوي . قال أفهم مقصودك . تقصد آخر بيت في القصيدة التي مدحت بها كافورا الأخشيدي عام 348 للهجرة بعد قتله " شبيبا العقيلي " في دمشق اثر تمرده عليه . قلت نعم . أقرأه لي رجاء . أحب سماعه بصوتك الرخيم . قال

           لو الفلك الدوار أبغضت سعيه                                                                                                       
    لعوقه  شيء   عن    الدوران

قلت وكيف جوزت لنفسك أن ترفع مكانة ممدوحك وهو من تعرف الى مقام النجوم والأفلاك  ووهبته القدرة الخارقة التي هي عادة فوق ما يطيق البشر. من الذي يتحكم بالكون . من الذي يستطيع أعاقة حركة الفلك الدورانية ؟؟ قال لو رجعت الى القصيدة لعرفت السبب . قلت ما هو السبب ؟ قال أفتتحت القصيدة بالبيت التالي

    
                  عدوك   مذموم  بكل  لسان
    ولو كان من أعدائك القمران

قلت لم أفهم رباط الكلام . قال ألا تفهم علاقة الأقمار بالفلك ؟؟ ألا تعرف أن حركة الشمس والقمر مرهونة بحركة الفلك ؟؟ تتوقف حركة القمرين اذا ما توقفت حركة الفلك التابعين له . هذه من مباديء علم الفلك كيف لا تعرفها أنت ولا النقاد - الحساد. ثم أني رجل شاعر . ومن شيمة الشعر المبالغة أو الغلو بلغة أرسطو وقدامة بن جعفر . واذا لم تصدق كلامي أقرأ كتاب " نقد الشعر " لقدامة بن جعفر وكتاب " كتاب الشعر"        
  لأرسطو . وأكثر من ذلك , يقول قدامة بن جعفر أنه ليس مطلوبا من الشاعر من حيث هو شاعر أن يتوخى الصدق , بل ولا أن يتقيد بالأخلاق ( طه حسين / من تأريخ الأدب العربي . المجلد الثاني . دار العلم للملايين. بيروت 1982  . الصفحة 490 ) . 
قلت وأين أجد هذه الكتب وأنا في شبه عزلة عن العالم .
وصل قطارنا مدينة وبحيرة " هيرشنغ "  فتبدلت فجأة سحنة المتنبيء وعادت البسمة البريئة الى وجهه الصبوح المعطر . تركنا محطة القطار القريبة من ساحل البحيرة فألفيناه كالعادة مكتظا بالبشر نساء وأطفالا ورجالا مع أو بدون كلاب . تمشينا على الساحل الشمالي فهال صاحبي جمال البيوت الخاصة التي لا يفصلها عن البحيرة الا شارع ضيق للمارة المشاة .  ثم الفنادق والمطاعم والمقاهي وأكشاك بيع الدوندرمة ( الآيس كريم ... عفوا )           
الأيطالية ومواقف الزوارق البخارية والشراعية وقوارب التجديف . أما ألوان الزهور وكثرتها وجمال تنسيقها فقد أذهلت شاعرنا عن نفسه وعن دنياه فغاب عني - وهو شيء ألفته وتكيفت له - وغاب عن نفسه فأكثر من التدخين وعاد يتمتم ويحدو بصوت قريب من الهمس أو مناجاة الذات الشاردة . عاد الي والى نفسه حين دنا كلب ضخم منه فلامس ( سرباله ) وتشمم كف يده فلم يجفل صاحبي ولم يعترض . هالني أن أراه يمسد ويمسح رأس الكلب ويداعب أذنيه وكان الحيوان منسجما غاية الأنسجام مع مداعبات أبي الطيب . تركنا بعد أن نادته صاحبته فجرى خلفها كأي طفل من أطفالها . ظل الشاعر يهز رأسه بلطف يمنة ويسرة مندهشا غير مصدق عينيه . قال اذ رأى مصطبة خالية أود أن أجلس هنا . قلت سنجلس قليلا لأن وراءنا جولة تمشي تستغرق ساعة واحدة . نخترق خلالها غابة في منتهى الروعة والجلال . ثم ننتهي الى ربوة عالية جدا تحتل سمتها كنيسة تسمى   ANDECHS    يحيط بها مجمع هائل من المطاعم والمقاهي الصيفية التي تظللها الأشجار الباسقة . هناك سنرتاد أحد هذه المطاعم وسنلتقط أنفاسنا ثم سنأكل ما لذ وطاب . الكنيسة تجهز الطعام الطازج دوما وتعرض أنواعا من أفخر أنواع الخبز والجبن الخاصة بها والتي تحمل أسمها . كما أنها تدير فنادقها الخاصة في بعض المدن المجاورة . المنطقة عادة شديدة الزحام أيام الأحد . ولا غرابة في الأمر اذ يجتمع هنا الدين والدنيا معا . المؤمنون يزورون  الكنيسة القديمة للصلاة وبعد الصلاة يتمتعون بالجزء الآخر من دنياهم : الطعام والبيرة التي تنتجها الكنيسة نفسها . قال قم وعجل . شوقتني للدين والدنيا معا . هيا قم . قلت له هل تطيق ساعة مشي على قدميك ؟؟ قال بل أطيق أكثر من ساعتين . قلت وهو كذلك , لأننا سنمشي ساعة أخرى عند رجوعنا لقطارنا . قال ولا يهمك . 

تركنا ساحل البحيرة متجهين خلال شوارع المدينة الأنيقة الى الطريق الذي يشق الغابة الكثيفة صعدا نحو الكنيسة ومجمع المطاعم والمقاهي . ما كنا وحدنا بالطبع نغذ السير وسط أشجار منوعة باسقة شاهقة تمد أعناقها عاليا نحو سماء لا نكاد لشدة كثافة الشجر أن نراها . أسترعى صوت خرير المياه المتساقطة من أعالي الجبال المحيطة بالطريق أنتباه الشاعر فقال واحسرتاه !! واحسرتاه أني لا أستطيع أن أصف هذا المكان شعرا . " شعب بوان " في أرجان الذي قلت فيه شعرا لا يعد شيئا مقارنة مع هذا الغاب . لا شيء بالمرة . 
سألته وهل ثمة هنا من شيء يذكرك بأجود ما قلت في " شعب بوان " ؟؟  شرع ينشد :

    ملاعب جنة لو سار فيها
    سليمان   لسار  بترجمان  

    غدونا تنفض الأغصان فيها
    على أعرافها  مثل  الجمان

    فسرت وقد حجبن الحر عني
    وجئن من الضياء  بما كفاني

    وألقى الشرق منها في ثيابي
    دنانيرا    تفر    من  البنان

    لها   ثمر   تشير  أليك   منه
    بأشربة   وقفن   بلا   أوان

    وأمواه  تصل   بها  حصاها
    صليل الحلي في أيدي الغواني

    اذا غنى الحمام الورق  فيها
    أجابته      أغاني    القيان

قلت لكأنك يا أبا الطيب كنت في الجنة . قال نعم , ولكن قبل أن أرى هذا المكان . شكرا جزيلا . تريني جنات تنسيني ما قد رأيت في حياتي من جنان . قلت ذكرتني بما قال صديقنا المرحوم نزار قباني . قال وماذا قال . قال

    مثلما تطرد الغيوم الغيوما
    الغرام الجديد ينفي القديما 

قال لا فض فوه . مجازات حلوة .
غرق المتنبيء مرة أخرى في صمت عميق . تأخر عني بضعة أمتار . رأيته متسمرا يحملق في واد عميق يتوسطه نهير صغير يتعرج كالأفعى الأفريقية العملاقة الخناقة ( البيثون ) . تجاسرت أن أقترب من الشاعر الشارد فسألته ما الذي يشغلك ؟؟ أجاب ( وأمواه يصل بها حصاها// صليل الحلي في أيدي الغواني ) . قلت طبعا . مسيل الماء الساقط يجرف أمامه جموع الحصى التي تبطن مجرى النهر . سترى الكثير من هذه النهيرات ومساقط المياه فالغابة ملأى وعيون الماء لا تنضب . ثم قد قال بعدك الشاعر بدر شاكر السياب :
(( وأقدامها العارية // محار يصلصل في ساقية )) . قال ولمن يعود الضمير ( ها ) في لفظة أقدامها ؟؟ قلت انه يعود الى ( الصبية ) في قصيدته " الأسلحة والأطفال " ...( عصافير أم صبية تمرح ) ؟ .  اقتربنا من المجمع الهائل وكان علينا أن نرتقي مدرجا صخريا عاليا شديد الأنحدار قبل أن نصل الى بغيتنا . كان الصعود صعبا على المتنبيء وذلكم أمر طبيعي بالنسبة لكل من يدمن التدخين ويدخن بأفراط . كان يتوقف كثيرا وهو يرتقي الممر الصعب الصاعد . يلتقط الكثير من الأنفاس قبل أن يستأنف الصعود . اشفقت عليه جدا.  ندمت أني ورطته بهذه السفرة . ما قدرت  الأمر بشكل دقيق وسهوت أن الرجل كثير التدخين . كنت أهون الأمر عليه لكنه كان يتجاهل ملاطفاتي وتشجيعي ويتظاهر كأن المسألة عادية ولا شيء يستدعي القلق . كنت قلقا حقا عليه . ربما يصاب بالسكتة القلبية فقلب الرجل ضعيف لشدة ما عانى في حياته وقسوة ما تحمل في سبيل ضمان  حق اللجوء السياسي . ثم طامة الأسراف في ضخ سموم النيكوتين في رئتيه المتعوبتين أصلا . مسكين أبا الطيب . صدرك يذكرني بصدر المرحومة والدتي . كانت مثلك تدخن كثيرا ضاربة بنصائح طبيب القلب المختص الدكتور نعمة السحار عرض الحائط . توفيت بعد أن زرناه بوقت قصير . فحص القلب وضغط الدم فقال كل شيء على ما يرام . لتقلل   ( الحاجة ) من التدخين ومن ملح طعامها . كان ذلك حوالي الساعة الحادية عشرة من مساء السبت الخامس من شهر حزيران عام 1972 . رجعنا الى بيتنا وبعد أقل من ساعة أسلمت الروح . الفاتحة . لنتذكر الخامس من شهر حزيران . عام النكبة العظمى . فارقت الوالدة الحياة في يوم الهزيمة احتجاجا على ما حصل وأنفة مما قد حصل . لم تحتمل نتائج عار ما حصل . فما حصل يومذاك ما زلنا نعاني منه أكبر معاناة . ولا أحد يدري متى سنصحح الأوضاع . نعم , متى ؟!!

وصلنا المجمع الهائل فكانت المطاعم مكتظة بالشاربين الآكلين وكؤوس البيرة مصطفة على موائدهم العامرة بما لذ وطاب من بركات سيدنا المسيح . قلت مازحا ألا ندخل الكنيسة لترى ما يجري داخلها ؟؟ قال أيسمحون للمسلمين بدخول كنائسهم ؟؟ قلت نعم . يسمحون . يقولون أن الرب واحد والدين واحد وأماكن العبادة مشاعة للجميع.  قال وأين سنترك أحذيتنا ؟؟ قلت لا نخلع أحذيتنا . الناس هنا يدخلون كنائسهم بأحذيتهم . قال لا أصدق ذلك . ذلك لا يصح في مكان للعبادة .  قلت هيا معي وسترى .
دخلنا الكنيسة فأخذه العجب مما رأى . الناس يصلون اما واقفين أو يصلون جلوسا على مصاطب خشبية . يتوجهون نحو تمثال الأم العذراء ووليدها الصغير عيسى على صدرها تحوطهما الشموع الضخمة والملائكة حولهما يسبحون . وهالات النور الرباني معلقة فوق رأسيهما أكاليل وتيجان هيام الروح في قدس الملكوت الأعلى . لم يكن ليصدق ما يرى من أعاجيب شتى . ثريات البللور الثمين تتدلى من السقوف والمصابيح الملونة واللوحات التي تزين جدران الكنيسة العالية لتنسجم مع مجد الله . فالمجد في الأعالي وعلى الأرض السلام . ثم موسيقى الأرغن الهادئة تضفي على المكان أجواء من الطمأنينة الساحرة والهدوء  الروحي الأخاذ . كان المتنبيء منسجما الى الحد الأقصى مع ما يرى وما يسمع . لكنه وعلى حين غرة أدار الحديث وجهة أخرى . قال سمعتك تقول ( المجد في الأعالي وعلى الأرض السلام ) . قلت أجل قد قلت . قال بعصبية ونرفزة عالية النبرة : عن أي سلام تتكلم وكنيسة المهد , المكان الذي ولد فيه المسيح سيد السلام محاصرة بالدبابات ويتم اغتيال بعض من فيها . أليس هناك من حرمة لهذا الطفل المسالم الوليد ؟؟ أما من حرمة لمهده ولمن حملته وهنا على وهن وولدته ؟؟ عن أي سلام تتكلم ويتكلمون ؟؟ 
جزعت على ضيفي فقلت له أنا متفق معك ومتفق مع مشاعرك الأنسانية لكن دعنا نغادر الكنيسة لنأكل شيئا . لقد أتعبنا طريق الوصول اليها . انها تقع على قمة مرتفع عال ليس من السهل أدراكه على أمثالنا . جرجر أقدامه أمامي مستسلما لا لي ولكن , لدواعي الجوع الممض الذي ضربنا كلينا .
    
اتخذنا مجلسنا في ركن أحد الأجنحة الضخمة حيث تمتد كراسي ومناضد الخشب الثقيل والصقيل ذي اللون البني الغامق . تزين اللوحات جدران الجناح وتتدلى من سقوفه
مصابيح مختلف ألوانها وأشكالها وتنتصب هنا وهناك شامخة قوائم تعليق الملابس والقبعات. علق صاحبي قبعته التي لا تفارق صلعة رأسه ولم أعلق شيئا .  يشرف الجناح من جهة على سهل مترامي الأطراف تمتد فيه خضرة سيقان القمح والشعير ونبات البنجر السكري والذرة الى أبعد ما يستطيع النظر . كما يشرف من الجهة الأخرى على واد سحيق يمر فيه نهر ( يصل فيه الحصى ) بأيقاع رتيب . تذكرت أن المطاعم هنا هي من نوع مطاعم الخدمة الذاتية ( أخدم نفسك ) . قلت لضيفي أترك على مائدة الطعام الضخمة علبة السجاير وأي شيء آخر , علينا أن نجلب طعامنا بأنفسنا . قال حتى هنا
بجوار كنيسة السيد المسيح يخدم المرء الكهل نفسه بنفسه ؟؟ قلت لا ضير في ذلك . أعتبرها رياضة أخرى . وقفنا في الصف الطويل حتى جاء دورنا فطلبنا طعاما مناسبا وأشربة ساخنة . حملنا ما طلبنا قافلين الى مكاننا الذي حجزنا بعلبة سيجائر . وضعت الصينية أمامي ثم قلت مازحا ومستفزا الشاعر : لقد أضنانا الطريق . أضنانا الطريق يا أبا الطيب . قال ساخرا ( ومن يتهيب صعود الجبال / يعش أبد الدهر بين الحفر ) . ضحكت . ضحكت ثم سألته هل تعرف قائل هذا الكلام ؟؟ أولج اللقمة الأولى في فمه وهو يقول مترنما بنشيد الطفولة ( ومن نجد الى يمن / ومن مصر لتطوان ) . قلت له تقصد تونس ؟؟ هز رأسه بلطف مستأنفا التمتع بطعامه الكنسي - المسيحي وعلى قمة جبل .
كنت كصاحبي جائعا فغرقت في طعامي لكن لاح لي أن أشجع صاحبي على الكلام , فالكلام صابون القلب كما درجت جدتي على القول . سألته أما عن لك أن تصلي في الكنيسة ؟؟ أوقف يديه عن الأكل رافعا رأسه وحاجبيه نحوي مستنكرا قائلا : وهل فعلها قبلي خليفتنا عمر بن الخطاب عندما زار القدس ؟؟ أفحمني . قلت كان ذلك قبل دمار مدينة بيت لحم وحصار كنيسة المهد . قال هذا صحيح . لو كنت هناك لصليت في كنيسة المهد . لقد اختلط فيها دم المسلمين ودم المسيح . وقتلة المسيح هم هم قتلة المسلمين . أضفت وقتلة المسيحيين أيضا .
في الفترة القصيرة التي أقترحناها للراحة من عناء عملية الأكل , قال صاحبي لقد لاحظت أمرا في الكنيسة عجبا . قلت ما هو ؟؟ قال ما رأيت في الكنيسة ساجدا ولا راكعا بين من رأيت من الجموع . قلت له هذه هي صلاتهم . يقولون أشياء لها علاقة بتراثهم وأنجيلهم وتأريخ المسيح . يقولونها همسا كيف ما كانوا , جلوسا أو وقوفا مع رسم علامة الصليب ما بين الرأس والصدر. ولديهم تراتيل أخرى للصلاة ينشدونها في مناسبات خاصة بشكل جماعي . يقرأونها  مرتلة ترتيلا في كتب لا بد أنك رأيتها في مدخل الكنيسة . قال نعم , قد رأيت كتبا منضدة في المدخل . قال ألا يتوضأون قبل الصلاة ؟؟ قلت يدخلون الصلاة بدون وضوء . قال ألا يتيممون رملا أو ترابا ؟؟ قلت كلا . لا يعرفون هذا . قال ذاك أمر طبيعي , ليس لديهم رمالنا ولا صحراء معسكر     ( رفحا ) . تضاحكت وأقترحت أن نواصل جهادنا مع الباقي  أمامنا من طعام .
بعد الفراغ من الجهاد ضد جوع الجسد عاود المتنبيء عادة الأسراف في التدخين . كان
التدخين في الجناح لحسن حظ الشاعر مسموحا به . تركني وأنصرف كلية سارحا بخياله مع السهل الزبرجدي الممتد خلف النافذة بلا حدود . بعد فترة قصيرة سألته أيحب أن يشرب شيئا باردا أو ساخنا ؟؟ فكر هنيهة ثم قال كلا . شربنا بما فيه الكفاية . سنرجع أدراجنا الى مدينة  هرشينغ . أمامنا رحلة الأوبة , رحلة الساعة مشيا على الأقدام . قلت هناك حافلات يمكن أن تأخذنا الى المدينة . قال فكرة جيدة لكني أفضل أن أتمتع وأن أتمتع كثيرا بسحر وغموض الغابة . أريد أن أتنصت لموسيقى خرير ماء السواقي المنحدر من أعالي الجبال الشاهقة .  سنمشي هذه المرة وسنركب المرات القادمة .

تركنا جناح مطعمنا فدنا المتنبيء مني بحياء متسائلا هل من بيت هنا للراحة ؟؟ قلت تقصد
( تواليت ) ؟؟ قال سمه ما شئت . أنا لا أعرف رطانتكم . أريد أن أريق المائية . أن أترحض أو أتمرحض . أريد أن أتطهر أو أن أتوضأ كما كان الأجداد يقولون . ذهبنا الى التواليت في الطابق تحت الأرضي . قضينا الحاجة . غسلنا أيدينا بالماء الساخن والصابون ثم جففناها بالورق . خرجنا ولم ندفع شيئا للشابة الأفريقية التي تجلس عند مدخل المكان  مسؤولة عن صيانة ونظافة ( بيوت الراحة ) . ما كان معنا عملة صغيرة مناسبة .

قطعنا الغابة الغناء مع مجاري الماء الساقط وتغريد الأطيار ورائع الشجر حتى توقفت عند  مكان بعينه أعرفه جيدا . قال لماذا توقفت ؟؟ قطفت له مجموعة أغصان من بعض الشجيرات قائلا : هاك , شم . قرب الأغصان من أنفه فصرخ ( ألله !! ) . نعناع . أين وجدته؟؟ هذا أمامك بكثرة . قطف كمية كبيرة من النعناع قائلا سأخلطه مع الهيل والدارسين أو أن أغليه وحده مع الشاي . قلت وهل لي فيه حصة ؟؟ قال سوف لن أقربه الا معك . أنت المخترع . قلت بل المكتشف .

أخذنا القطار رقم 5 عائدين الى مدينتنا ميونيخ التي أحبها الشاعر أخيرا , أو فلنقل أعتادها . ولعل في الأعتياد شغفا فحبا .                                                    ما أن تحرك القطار بنا حتى بدأ شهيق وزفير صاحبي يتصاعد الى عنان السماء . لحسن الحظ كانت العربة الأخيرة خالية تقريبا من المسافرين . بضعة أنفار جلسوا هنا وهناك متفرقين . هذا يقرأ وهذا يقضم شيئا والآخر غط في سبات عميق ... دون شخير .
أيقظت صاحبي قبيل أن يصل القطار المحطة الرئيسة في مركز المدينة . فز من نومه كالمبغوت وما كان مرتاحا من أيقاظه الذي كان لا بد منه . كانت الساعة بعد السادسة بقليل . جرجرته الى منزله مودعا على أن يرتب هو موعد لقاء آخر عبر أحد تلفونات الشوارع . قلت له قبل أن يغيبه المصعد الكهربائي لا تنس الشاي بالنعناع . أبتلعه المصعد وما ترك من فراغ في الفضاء ولم أسمع منه تعليقا .

أتجهت ناحية سكني متخذا شارعا فرعيا وأنا أردد (( خدري الشاي خدري / يمه ألمن أخدره . راح أليشرب الشاي سكن ديرة البصرة )) . وبدونما أي تفكير وكعجلة تتدحرج من عل  وجدت نفسي أغني أغنية شاعت يوما في العراق تقول كلماتها  ((بالبصرة زفتهم , الليلة حنتهم )) . توارد خواطر , ليس الا .

 

 

 

 

                               - 19 -

ألتقينا على تمام السادسة عصرا أمام المسرح الألماني   Deutsches  Theater  
حيث جاءت فرقة أسبانية من الغجر كي ترقص وتغني على ألحان أوبرا " كارمن " للموسيقار الفرنسي " بيزيه " . فضلا عن عروض موسيقية راقصة تمثل مقاطع من الرواية الشهيرة  ( دون كيخوت )  للروائي الأسباني المعروف " سرفانتس " . يتخلل هذه العروض باقات منوعة من رقصة ( الفلامنكو ) الواسعة الشهرة . 
قبل العرض طلب المتنبيء مني أن أشرح له موجزا ما ستقدم الفرقة الأسبانية من عروض . حين سمع اسم ( كارمن ) قال يعجبني هذا الأسم كثيرا . قلت لكن كارمن فتاة غجرية لعوب . ورطت الجندي ( خوسيه ) . فترك خطيبته راكضا وراءها . ثم ورطت الضابط المسؤول عنه . قتل  المجند خوسيه ضابطه غيرة منه عليها . طرد من الخدمة فأصبح مثلك عاطلا عن العمل . ثم تركت الأثنين ووقعت في غرام مصارع ثيران " اسكميللو ". قال ذلكم أمر طبيعي . فالغجر أقوام متوحشة ... حسب تعبير أبن خلدون . ومصارعة الثيران عملية قتل وحشية . وعليه لا أجد أية غرابة ان مالت غجرية الى مصارع ثيران مثلها وحشي الطبع والأعداد والمهنة . شبيه الشيء منجذب اليه . عاد أبو الطيب فسأل وما كان مصيرها ومصير من أحبت في نهاية المطاف ؟؟ قلت الموت البربري . قال ماذا تقصد؟؟ قتل خوسيه كارمن قريبا من أسوار حلبة مصارعة الثيران الخارجية اذ كانت تنتظر خروج حبيبها المصارع منتصرا على خصمه الثور المسكين . قال وهل خرج المصارع منتصرا في  معركته مع الثور ؟؟ لا يا أبا الطيب . سقط صريعا أمام خصمه البهيمة . قال لا حول ولا قوة الا بالله . توافق غريب . وكيف تفسر موت الأثنين في يوم واحد لا بل في غضون بضعة دقائق ؟؟ ذهبت كارمن الى حلبة المصارعة كي تكون قريبة جدا مما سيجري تحت هاجس غريب ينبئها أن من تهوى سيهوي قتيلا في هذه المعركة . أما المصارع الذي فتنها فقد كان قلقا عليها دائم التفكير بها وبعلاقة الحب التي جمعتهما وبأحتمال أن ينالها أذى من غريمه خوسيه . لم يستطع التركيز بالشكل المطلوب ففقد السيطرة أمام خصمه المثخن بالجراح وبذل صيحات الأستهزاء منه والسخرية به .     

حان وقت العروض فدخلنا قبيل الساعة السابعة المسرح وأتخذنا أماكننا في المقاعد التي حجزنا . لم يبق لبدء العروض الا دقيقة واحدة .
رفعت الستارة فصدحت موسيقى افتتاحية أوبرا كارمن المعروفة ثم ظهرت كارمن الغجرية بشعرها الفاحم الأسود وجيب ثوبها المفتوح الى منتصف صدرها . غنت أمام معمل للتبوغ وصنع السجائر . وغنت معها جوقتها ثم ظهر الأطفال يهزجون .أختفت كارمن لتظهر الفتاة الريفية ( ميكائيلا ) التي أرسلتها أم المجند خوسيه كي تتعرف عليه حاملة له من والدته رسالة وبعض النقود . وفي الرسالة توصيه أمه أن حاملة رسالتها هي المرشحة أن تكون زوجا له . ما كان ساعتها خوسيه موجودا فأضطرت ميكائيلا  أن تنتظر قدومه الى الثكنة العسكرية القريبة من مصنع السجائر . كان الجنود الآخرون يتحرشون بها ويغازلونها كعادة كل الجنود وفي كل مكان . جاء أخيرا خوسيه الى نوبة خفارته فألتقى ميكائيلا وأستلم منها ما أرسلت أمه معها له . طار فرحا بأخبار أمه وبالنقود وبالزوجة المرشحة. لكن الأفراح لا تدوم في الحياة . الحزن هو الوجه الآخر للفرح. كانت كارمن على الطرف الآخر من الخط . كانت تراقب خوسيه الوسيم وخطيبته الطارئة التي برزت على مسرح الأحداث بشكل فجائي. حضرت كرسالة مسجلة تمشي على قدمين دونما طوابع بريد , ورسولا حاملا رسالة . صيد كارمن اذن في خطر . وكارمن وجدت نفسها بغتة تواجه غريما جديا . الأنسان حريص على ما منع . خوسيه مكتوب لكارمن . اذن لا بد من التخلص من الغريم  الغريب الطاريء . نصبت كارمن الحبال لايقاع خوسيه . كانت تغني وتوحي اليه أنه رجلها المفضل الأوحد. رمت اليه وردة حمراء فجن بها ولم يدر أنها ستكون نذير شؤم .
غادرت كارمن خشبة المسرح وسط تصفيق حار مستمر, فجاءت الى المسرح ثانية وثالثة
لترد تحية أعجاب الجمهور بأحسن منها . كانت تقبل يديها وتنشرها بأتجاه الحاضرين وقوفا . أوتنحني حتى منتصف الجسد . 
ظهرت فرقة الفلامنكو ترقص وتغني وتصفق صفقات أيقاع الفلامنكو الخاصة . النساء بملابس جذابة الألوان تتسع كثيرا كلما اقتربت من الأرض . غرسن في سود شعورهن الورد الأحمر. الرجال مع آلاتهم الموسيقية مشدودة الى صدورهم . كانوا جميعا يتبادلون الغناء دوريا نساء ورجالا. كان المتنبيء لا يصدق عينيه . حين يصفق الجمهور يبالغ في التصفيق حتى بعد أن ينتهي . يظل وحده يصفق واقفا . كنت أطلب منه أن يجلس وأن لا يبالغ بالتصفيق . كان جوابه أنه لم ير في حياته شيئا كهذا الذي يرى في المسرح الألماني . كان شديد التلهف لرؤية كارمن ثانية . لقد سحرته الغجرية فخيل أليه أن قد وقع في حبها . كان يلحف  بالسؤال متى تظهر مرة أخرى ؟؟ قلت اصبر أبا الطيب قليلا. ستأتي بعد قليل . كان يردد ( صبرا جميلا وعلى الله المستعان ) . 
انسحبت مجموعة الفلامنكو فظهرت كارمن لتنفذ الجزء الأخير من الأوبرا . مصرعها بطعنة خنجر كان يخفيه خوسيه بين ملابسه ساعة كانت تنتظر خروج " أسكميللو " منتصرا على خصمه الثور . بعد مصرع كارمن بقليل ظهر أسكميللو قتيلا محمولا على نقالة الموتى . مر به حاملو جثته حيث كانت كارمن مطروحة على الأرض وسط بركة من دمائها . سقط العاشقان قتيلين في زمن واحد . هو حيث كان يمارس مهنة حياته , وهي حيث كانت تنتظر خروجه منتصرا متوجا بأكاليل النصر والزهو , والكثير من المال.

بعد أستراحة قصيرة رفعت الستارة على منظر طاحونة الهواء الشهيرة التى أرتبط أسم
 " دون كيخوت " بها , كتلك الطواحين التي رأيت منتشرة في هولندا طولا وعرضا.
سألني صاحبي وهو يقول ( يا ساتر !! ) ما هذا ؟؟ هذه طاحونة دون كيخوت . قال وما سيطحن لنا هذا ( الكخوت ) في هذا المساء ؟؟ لا شيء . سوف لا يطحن شيئأ . قال أذن لماذا نصبوها أمامنا كالشيطان الرجيم على الشانو ( يقصد خشبة المسرح ) ؟؟ أنتظر قليلا وسترى لماذا نصبوها . ألا تطيق صبرا يا رجل ؟؟ أكثر من ترديد ( صبرا جميلا ) .
ظهرت الفرقة الخاصة بهذه الفقرة بملابس مغايرة لما رأينا في الفصول السابقة . البعض يرقص والآخر يغني وآخرون مصطفون خلف الراقصين يصفقون التصفيقة المشهورة . النساء ترقص منفذات دورات مغلقة كأجمل فراشات حقول الربيع الأسباني فتخلب الألباب . ثم كانت المفاجأة بظهور راقص طويل القامة نحيلها يتقلد سيف خشب يتدلى حتى يتماس مع أرض المسرح . ذهل المتنبيء متسائلا من هذا البهلول ؟؟ هذا هو دون كيخوت ... أجبت . قال ألم يجدوا شخصا آخر أفضل من هذا الكخوت ؟؟ قلت هذا هو الشخص المناسب للدور الذي رسمه مؤلف الرواية ( الهر سرفانتس ) . رقص الكخوت فأذهل الجميع برشاقته وخفته وحسن أدائه وغنى مقاطع قصيرة باللغة الأسبانية ثم فاجأ الحضور بأن أشهر سيفه وتسلق العجلة الخشبية الضخمة ملوحا بسيفه في كل أتجاه كمن  يقاتل عدوا حقيقيا . في هذه اللحظات زاد حماس الراقصات والمغنين وأرتفعت أصواتهم قليلا حتى مست حرارة الأداء المذهل شغاف قلب أبي الطيب . سمعته يقول بصوت خفيض ( أحسنت . والله أحسنت ) . أعجبه الكخوت أخيرا . قال أشرح لي القصة بعد أنتهاء العروض . قلت حسنا , سأفعل . ثم كانت المفاجأة الأخرى : ظهور شخص قصير بدين على المسرح يمتطي ظهر حمار ضئيل . غص القوم بالضحك وأشتعلت قاعة المسرح بالتصفيق . سأل المتنبيء من هذا ؟؟ هذا ( سانجا بانجا ) رفيق وصديق وخادم دون كيخوت . قال يذكرني بأنيكدو صاحب جلجامش . قلت أنكيدو كان الند لجلجامش
وهذا هو الضد لدون كيخوت . ضده حتى بما يركب واسطة للتنقل . ذاك يركب حصانا هزيلا وهذا يركب حمارا مثله بدينا .    


أنتهت العروض الساحرة فغادرنا المسرح الألماني حوالي الساعة العاشرة والنصف مساء وكان المتنبيء غائبا عني وعن نفسه وعن كل العالم . تركته سارحا كيما يستمتع بما رأى . ليته يقول شعرا في كارمن التي أحب وفيما رأى أمامه من رقص وطرب أنتهى بمأساة دموية مروعة راح ضحيتها بطلا الأوبرا : كارمن ومصارع الثيران وكان قد سقط قتيلا قبلهما أحد ضباط خوسيه . الكل فارق مسرح الحياة ما خلا الجندي السابق خوسيه . وهذا بدوره خسر ميكائيلا وخسر وظيفته مجندا وخسر كارمن .
كان المساء رخيا دافئا والشارع هادئا تغمره الأضواء الساطعة لكن صاحبي أضرب عن الكلام . أسأل فلا يجيب . كان ما زال واقعا تحت تأثير سحركارمن صوتا وقواما    وتمثيلا . كان تأثيرها في النفوس عميقا حقيقيا فلم ألم صاحبي . أحب المتنبيء الغجرية كارمن . 
أمام سكنه قلت له سأراك غدا وسنناقش مشكلتك مع كارمن . أعد جوابا لسؤالي  كيف لم تذكر أو تكتب شعرا في الغجر وقد كتب لهم وفيهم كبار كتاب العالم ؟؟
                                                                                                               
                                             - 20 -

زرته في بيته في الثانية عشرة منتصف نهار ساخن الحرارة قليلا . استقبلني نشطا نظيفا حليقا عارضا أن أشرب معه شايا قبل أن نتجه الى طرف المدينة الآخر المسمى
SCHWABING  . شربت قدح شاي واحد اذ شرب صاحبي قدحين . تركنا شقته آخذين أحد قطارات تحت الأرض المتجهة صوب ( شفابينغ )  U  Bahn  6   . وصلنا هدفنا فأنتبه المتنبيء أن هذا الطرف يمثل عالما آخر متميزا قليلا عما ألفه في وسط المدينة . لاحظ المقاهي الأنيقة تملأ الأرصفة ومحلات بيع الملابس والأحذية والمطاعم ودور السينما متصلة ببعضها . المنطقة حيوية دائما , ليلا ونهارا . يقع أحد أطراف الحديقة الأنجليزية وراءها تماما . والمنطقة الجامعية ليست بعيدة عنها .
قال صاحبي الى أين تمضي بي ؟؟ قلت سنرتاد مقهى تسمى ( مقهى الواقف )  أو الوقوف. قال وفي البصرة سوق يسمى ( سوق الواجف ... أي الواقف أيضا ) . قلت ذلك سوق وأنما هذه مقهى . نشرب فيها قهوتنا وقوفا , ليس فيها كراس أو محلات للجلوس . قال ولماذا أخترت لنا هذه المقهى دون سواها , وأنا كما تعلم لا أطيق الصبر على الوقوف . قلت ( كبر ... الكبر يا أبا الطيب ) . قال لا فض فوك , الكبر . جئنا هذه المقهى لكي نلتقي بصديقنا مترجم أشعاري . قال تقصد دكتور هامان ( عفوا ... ماهان ) ؟؟ أجل . انه يرتاد هذه المقهى بين فترة وأخرى ويلتقي فيها بالبعض من أصدقائه. لقد عود نفسه عليها ويجد فيها راحة رغم الوقوف شاربا وآكلا . قال أظن أن هذه المقهى أنسب ( أرخص ) من سواها ؟؟ قلت أجل . لا فض فوك . أرخص لأنك تشرب واقفا . أنت تجلب ما تود أن تشرب من البائعة . تهلل وجه صاحبي ثم قال : حتى هنا تخدمنا النساء  وقوفا  ؟؟

لم نلبث في مقهى ( الواقف ) سوى بضعة دقائق حتى أطل صديقنا هامان  كعادته باسما يحمل تحت أبطه حقيبة من الجلد البني صغيرة يضع فيها نقوده وبعض الأوراق . عرفته على صاحبي على أنه ( أبو جاسم السماوي ) . أتى بقدح قهوة ومعه قطعة كيك ثم قال سيأتي بعد قليل الدكتور عبد الرحمن , وسنزور جميعا صديقنا حسين زيدون في بيته . عاد لتوه من المغرب حاملا كعادته الكثير من أفلام الفيديو حول الكثير من المدن المغربية . وسيضع أمامنا كعادته على المائدة كل ما في ثلاجته من طعام وشراب . سيحبه أبو جاسم لأنه شخصية فريدة في بابها , أنه يشبه دون كيخوت . أراد المتنبي أن يعلق لكني عاجلته بلكزة خفيفة من مرفقي ففهم مرامي وأحجم عن الكلام . أراد أن يقول شاهدنا مساء أمس هذا الكخوت على خشبة المسرح الألماني .
لم نطل المكوث في مقهى ( الواجف ) فأعتذرنا من هامان لأن أمامنا - قلت له - الكثير الذي ما زال ينتظر الأنجاز . رجوته أن يبلغ حسين وعبد الرحمن سلامي وتحياتي الحارة .

في طريق عودتنا مشيا خلال شارع  LEOPOLD  STRASSE    تحت شمس آواخر شهر مايس متجهين صوب مركز المدينة فتحت موضوع كارمن ودون كيخوت كما وعدت . أراد أن يتهرب من الموضوع فأدار الحديث حول هامان وصحبه متسائلا لم لم نلتحق به وبجماعته الآخرين . قال أنها فرصة قد تكون جيدة للتعرف على بعض الناس  الأخيار في هذا البلد . قلت له لا تنس ما قد قلت يوما ... وقبل أن أنهي ما أردت أن أقول سارع قائلا : وما الخيل الا كالصديق قليلة ... , أحسنت , لا فض فوك .
أقتربنا من المبنى الهائل لمكتبة بافاريا الحكومية فقلت له هذه هي المكتبة التي أردت يوما أن أريك , لكنك فضلت البقاء في مقهى الشباب اليافع وطلبة الجامعة التي سحرتك وأفقدتك صوابك . قال لكل مقام مقال . فضلت آنذاك البقاء في المقهى أما أليوم فأني أريد التعرف على مكتبة بافاريا وما فيها من مخطوطات وكتب ومجلات باللغة العربية . دخلنا المكتبة الضخمة وأتجهنا نحو المصعد الكهربائي ليقلنا الى الطابق الثالث حيث القسم الذي نريد . لم ير المتنبيء مكتبة كهذه في حياته لا في العراق ولا في ليبيا ولا في ( مخيم رفحا ) الصحراوي . لفت الهدوء المطلق أنتباهه , وطريقة تنظيم الكتب على الرفوف وعدد أجهزة الكومبيوتر التي تخزن أسماء وأرقام الكتب فيها لتيسير الحصول عليها . نظام نظام !
أخذ صاحبي يردد مع نفسه . جلسنا بالقرب من رفوف الصحف والمجلات العربية فأختار وأخترت بعضا منها . جلسنا نقلب الصفحات آنا ونقرأ عناوين الصحف محاولين الألمام السريع بكل ما فيها . كان صاحبي بشكل خاص مهتما أن يعرف أكثر ما يمكن من أخبار البلاد العربية وبأسرع وقت . قلب الكثير وقرأ الكثير حتى شعر بألم في عينيه . ليس مع الرجل نظارات طبية .  ثم الكبر , الكبر . سألني عن جريدة ( الزمان ) التي تصدر في لندن . قلت أنها لا تصل الى هذه المكتبة . قال لا وجود هنا للزمان وهذه الرفوف ملأى بالجرائد السعودية والسورية والأيرانية وأخرى بلغات لا أفقه منها شيئا . قلت له علمي علمك . محرومون منها . قال لا حول ولا قوة الا بالله .
لقد شدت المكتبة أنتباه المتنبيء وأعادت اليه رغبته القديمة في القراءة وأعادة تثقيف نفسه . قال سوف لن أفارق هذه المكتبة . ثم سأل هل في الأمكان أستعارة بعض الكتب التي رأى معي على شاشات أجهزة الكومبيوتر ولا سيما ديوان أشعاره  . قلت ذلك ممكن ولكن يلزمك أستحصال هوية خاصة لأستعارة الكتب . الشروط غير متوفرة فيك الآن . أنتظر حتى يمر عليك عام في هذه المدينة اقامة دائمة . بعد ذلك سنأتي لطلب هذه الهوية . سيطلبون منك صورة صغيرة لهذه المناسبة فهيئها . قال ليس الآن . بعد عام .

غادرنا المكتبة في الساعة الخامسة وأتجهنا نحو ( مارين بلاتس ) . ذكرت صاحبي أن أمامنا جولة جادة أخرى تخص حبيبته الغجرية كارمن . قال لا تذكرني يا صاح بها . لقد وقعت في غرامها حقا . أريد أن أنساها . قلت لا بأس أبا الطيب عليك . ستنساها وتنسى هواك اذا ما أوقعت نفسك في هوى سواها . تضاحك مرددا شعر نزار قباني الذي سمعه قبل أيام مني  (( مثلما تطرد الغيوم الغيوما // الغرام الجديد ينفي القديما )) . قال ساخرا : بفضل الله وفضلك سأحاول فعسى أن يحالفني حظي أو بختك فأنسى .

وصلنا ساحة مارين بلاتس فكانت كما هي دائما مكتظة بالبشر . وجدنا لحسن حظنا كرسيين خاليين فجلسنا نمتع الطرف مبتهجين بما حولنا وبالجو الذي شرع في الأعتدال مع مجيء ساعات المساء . أخرج من جيبه سجائره وأبتدأ التدخين . ما كان يشعر بالتعب ولا بالجوع . بعد وقت قصير أعتدل مزاجه وقويت معنوياته فقال هيا أخبرني عن كارمن وعن دون كيخوت , ما خطبهما ؟؟ قلت قبل أن أفيض في الحديث عنهما أود أن تخبرني لم لم تتطرق الى ذكر الغجر في أشعارك ؟؟ لقد ذكرهم بالأعجاب الكاتب الروسي العظيم تولستوي . وكتب الشاعر الأسباني لوركا  عنهم شعرا كثيرا ممجدا شجاعتهم وعشقهم للحرية . كما كتب عنهم كتاب آخرون . ولدينا في العراق الحبيب مغنية معروفة تسمى
 وحيدة خليل التي غنت ( على من تعتب يا قلب تعتب على من )  وأخرى تدعى حمدية صالح  . أضاف و سعدي الحلي  الذي غنى ( تناشدني عليك الناس وأتحير شجاوبه ) .  قلت كلا . سعدي من بابل وليس غجريا . أنه قريب حمورابي ونبوخذنصر ثم آكل الأفاعي الفردوسية وماضغ الزجاج الهبش الحلي . فكر المتنبيء طويلا وبالغ في أبتلاع دخان سجائره . لم يجد جوابا لسؤالي مناسبا . لم يفكر فيه قبلا . ما مر يوما باله . ألححت عليه في أن يقدم جوابا ولججت . رمى عقب سيجارته على الأرض وتظاهر بالدخول في سبات عميق . أعرف أن الرجل يجيد التمثيل في الوقت الذي يشاء . لا غرابة فأنه في الأصل شاعر . كان ما زال في يقظته صاحيا لم يلج ملكوت الكرى . غياب الشخير أكبر فاضح لمراوغة المتنبيء وانه لم يمارس بعد سلطانه الطاغي عليه . تركته يتمتع بهذا الضرب من الحرية . حرية الهروب من أهون ألتزام أمام الأصدقاء ومن هم بحكم الأصدقاء . لم يطل هروب المتنبيء كثيرا . تثائب ثم فتح عينيه وتساءل أين نحن ؟؟ قلت ما زلنا حيث كنا وكانوا . قال من ؟؟ الغجر . أبتسم ابتسامة غامضة المعنى وعقب قائلا حسنا سأجيب على سؤالك . أنفرجت أساريري وقلت مشجعا هيا أجب فالوقت يمضي سريعا وما يمضي لا يعود . أجب فلقد أنفتحت أخيرا أبواب السماء . قال لم ألتق غجرا في حياتي لا في الكوفة ولا في بادية سماوة بني كلاب ولا في بلاد الشام ولا في مصر . ما كانت كلمة ( غجر ) معروفة يومذاك . كانت جوارينا والقيان يمارسن الغناء والعزف لذا لم نعرف ظاهرة الغجر . والكلمة - لعلمك - ليست عربية . قد تكون فارسية الأصل أو تركية أو ربما هندية . قلت له ان في بلاد فارس قبيلة معروفة تدعى ( قاجار ) , فلعل
( غجر ) هي معرب ( قاجار ) . قال ذلكم جد محتمل خاصة وأن الشعوب تبدل بعض الحروف ببعض . ففي هذه الحالة أنقلب حرف القاف الى حرف الغين . ابدال حرف بحرف . ولقد مارست القلب والأبدال في بعض أشعاري التي تعرف . قلت أجل . لقد قلت مرة ( طاسم ) بدل ( طامس ) وقلت ( غلت ) بدل ( غلط ) . قال وتعرف كيف ينقلب حرفا  القاف والجيم في مصر . قلت أنها ظاهرة شائعة ومنتشرة من نجد الى يمن  فعلق على الفور قائلا : ومن مصر لتطوان .   
أعلنت ساعة برج بناية مارين بلاتس السابعة مساء فقال صاحبي هل سنواصل الحديث هنا في هذا المكان الرائع أم نواصله في بيتي أو في بيتك ؟؟ قلت بل هنا . فلليل هنا مزاج متميز ومذاق خاص . سنخوض هنا في الحديث عن دون كيخوت . أما ( القاجارية ) كارمن وأوبرا كارمن فلسوف أريك في بيتي يوما أفلام فيديو خاصة . لدي منها ثلاثة مختلفة الأنتاج والمنشأ . سترى كارمن تغني أمامك قرابة الثلاث ساعات . ستمثل وتغني الأوبرا كاملة . الفيلم يا أبا الطيب غير المسرح . قال وما خطب الكخوت ؟؟ قلت تقصد دون كيخوت ؟؟ قال نعم. قلت كنت رأيت الرواية مرة على المسرح تمثيلا فأعجبتني شخصية الرجل . ثم رأيت الرواية في فيلم روسي نادر الأخراج . ولقد قرأت عنه حديثا مقالة طريفة كتبها الأديب الروائي ( محسن الرملي ) في مجلة ( ألواح / العدد 12 للسنة 2002) الصادرة في مدريد, أرسلها لي مشكورا الصديق الدكتور الفنان كاظم شمهود خبير الحفر البارز والعميق على المعادن . ورأيت في زيارة لمدريد أنصابا كبيرة في وسط المدينة تمثل دون كيخوت على ظهر حصانه الهزيل وخلفه صديقه البدين سانجا بانجا على ظهر حماره . قال ألم تقرأ الرواية ؟؟ قلت كلا . للأسف لم تقع في يدي ترجمة لها  الى العربية ولم أبحث عنها في لغات أخرى . قال قصرت . قلت أعرف ذلك . قال وما قال عنه الروائي محسن الرملي ؟؟ قلت ان السيد محسن يعمل ويدرس في مدريد . وان دون كيخوت أسباني الأصل والنشأة . وكان يعرف العرب والمسلمين بشكل جيد حتى أنه وضع في روايته جملة على لسان  فتاة عربية أسماها ثريا . نص الجملة هو ((  الله ومريم أمه يكون في حفظك يا سيدتي )) . قال وما الطريف في الأمر ؟؟ الطريف - كما كتب محسن الرملي - أن دون كيخوت كتب كلمة ( الله ) بلفظها العربي الأسلامي . قال بارك الله فيه . قال وماذا بعد عن هذا الدون كيخوت ؟؟ ترجم محسن بعض ما جاء في الرواية على لسان دون كيخوت الذي قال (( ان رجال الدين بكل سلام وكسل يكتفون بأن يطلبوا من السماء الخير للأرض, أما نحن الجنود والفرسان فأننا نقوم بتنفيذ ذلك الذي يطلبونه. أننا وزراء الرب في الأرض )). ويضيف محسن (( فينبه غارودي - كاتب ومفكر فرنسي - الى أن هذا هو تماما شعار المرابطين في الأندلس والذي أستقوه من القرآن , من كون أن الأنسان خليفة الله في الأرض, وهذا ما يتطابق أيضا مع ما جاء في القرآن من تفضيل للأنسان على الملائكة المكتفية بالتسبيح وأمره لها بالسجود للأنسان )).
شرد المتنبيء عن حضوره مرددا مع نفسه (( أننا وزراء الرب في الأرض . نحن الجنود والفرسان نقوم بتنفيذ ذلك الذي يطلبونه . أننا وزراء الرب على الأرض )) . ثم أتبع نجواه الخافتة بقراءة الأية (( وأذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا الا أبليس أبى / سورة طه )) . ثم  (( فسجد الملائكة كلهم أجمعون. الا أبليس أستكبر وكان من الكافرين/ سورة ص )) . ثم رفع صوته قليلا ليقرأ (( واذ قال ربك للملائكة أني جاعل  
في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال أني أعلم ما لا تعلمون / سورة البقرة )) . خمد صوته برهة ليرتفع قليلا ثم ليقول أننا معشر الشعراء حقا أننا وزراء الرب على الأرض . منا السفراء والوزراء والفرسان . قلت كلكم ؟؟ قال ولا سيما اللاجئون والمشردون والمنفيون قسرا رغم آنافهم . أننا السفراء والوزراء وفينا الأنبياء والملوك . قام فجأة قائلا أنما نحن الفرسان ثم أنشد بصوت جهوري (( الخيل والليل والبيداء تعرفني ... )) . قلت كفى أبا الطيب , كفى . هيد . أجلس . لا أحد يعرفك هنا في أوربا . ثم قد ولى زمن الفروسية والفرسان وزمن السيف والرمح . قال فما الذي تبقى اذن ؟؟ قلت القرطاس والقلم ثم قنبلة الذرة والنيوترون وسم الثاليوم وغاز الخردل والأعصاب والبريد الألكتروني وفضائية الجزيرة وفيصل القاسم وجميل عازار و ... و... الخ. قال لا أفهم هذا الكلام . هذه رطانة معقدة لا أفهم منها شيئا . قلت أحسب أنك فهمت الآن الفارس دون كيخوت . قال لم أفهمه بما فيه الكفاية . قلت بأختصار شديد كان الرجل طيبا الى حد السذاجة . يحب البشرية كأي نبي . وكان يقاتل بسيف خشبي طواحين الهواء احتجاجا على ما في الحياة من مظالم وعسف . يحارب الطواحين لأنه كان عاجزا عن قتال من هم أهل للقتل والقتال . ما كان يملك مالا ولا سلاحا ولا جيوشا جرارة ولا أجهزة مخابرات وأستخ ( بارات ) ولا أجهزة أمن وأمن الأمن وأمن أمن الأمن . قتال الطواحين ثورة رمزية مزدوجة : هي صرخة بوجه الأنحراف عن الطبيعة السوية , ونداء واضح صريح لبني البشر أن يرفضوا الظلم الواقع عليهم وأن يهبوا  وأن يثوروا  من أجل الحرية والأنعتاق وتحطيم قيود الذل والعبودية . الذي لا يستطيع رفع السلاح ضد الحاكم  المتعسف علنا وصراحة عليه أن يحتج  بلسانه ( وهذا هو أضعف الأيمان في نظري ) . عليه أن يعبر عن رفضه لما هو واقع عليه ولو بالصورة الكاريكاتيرية الساخرة ( قتال الطواحين ) و بالوسائل الأخرى  المتاحة لديه حتى لو أستخدم سيفا من خشب وركب حصانا هزيلا ليس لديه ما يطعمه. تكلموا  أيها الناس. أحتجوا . أصرخوا . صرخ أبو ذر قبلكم فاضحا الأنحراف وقبل النفي الى صحراء الربذة.  أبو ذر واحد منك فيكم وليس أستثناء ناشزا . وسائل القتال كثيرة . أختاروا ما يناسبكم  منها .  لا تتأخروا فالزمن يجري سريعا . الزمن لا يلتفت الى الخلف ولا يجري ماء في نهر مرتين . تعلموا من دون كيخوت ولا تخنعوا ولا تذلوا ولا تقبلوا هوانا فأن (( من يهن يسهل الهوان عليه )) . سألني صاحبي بعد أن مل خطبتي الطويلة كم الساعة الآن ؟؟ الحادية عشرة قبل منتصف الليل . قال بقيت لدي بعض الأمور أود لو تنورني بشأنها . ما هي يا أبا الطيب ؟؟ قال وهو يقوم سنناقشها غدا أو بعد غد . أشعر بالتعب وقد حان وقت الأيواء الى الفراش . سنلتقي غدا . قلت كلا. بل سنلتقي بعد غد.سيزورني غدا صديق ليعيرني بعض كتبه ولأقول له رأيي في آخر ما نشر من أشعار. قال واين نشر صديقك هذه الأشعار ؟؟ في مجلة تصدر في الأردن , تحررها نخبة من أدباء الشتات في عمان . قال اذن سنلتقي بعد غد فأعد لنا برنامجا طموحا . قلت وهو كذلك.

 

 

 

 

 


                             - 21 -

أخذنا قطار الأنفاق رقم 4 متجهين الى مكتبة ودار أرشيف موناسنزيا الحكومية
MONACENSIA  ملبين دعوة مديرة المكتبة السيدة تفوريك TWOREK 
لحضور أمسية أدبية فنية يشارك فيها بعض الكتاب والشعراء من أقطار مختلفة من الذين أختاروا ميونيخ ( أو أختيرت لهم ) أو أضطروا أليها ملجأ ومقاما . فيهم الروسي والألباني والأوكراييني والسيلاني والأيراني وبربري من الجزائر غير أسمه العربي الى اللغة الأمازيغية . وآخر من شيللي . قرأنا هذه التفصيلات في الدعوة التي وجهت لنا .
وصلنا المكتبة حوالي الساعة السابعة والنصف  فأستقبلتنا المديرة بحرارة ودفء . قدمت لها أبا الطيب شاعرا معروفا من العراق فرحبت به أحر ترحيب وأقترحت أن يدخل في برنامج الأمسية ليقرأ شيئا من أشعاره . أعتذر المتنبيء فألحت السيدة تفوريك قائلة أنها تود كثيرا أن يقدم شيء من الشعر العربي وأن يدخل شاعر عربي في هذه التشكيلة الأممية ... حسب تعبيرها . شجعته أن يستجيب ويشارك . تردد كثيرا بحجة أنه لم يقرأ منذ فترة طويلة أي شعر, ثم أنه لفرط التدخين فقد قدراته على الألقاء الفني الجيد . وأضاف ما جدوى أن أقرأ أشعاري باللغة العربية التي لا يفهمها أحد من الحضور . أمسكت المديرة الشقراء الأنيقة الفارعة الطول بذراع المتنبيء ملامسة كتفه بجزء من صدرها طالبة بضراعة منه أن يتجاوب وأن يستجيب . قالت اللغة ليست بالمشكلة , الدكتور هامان موجود الآن بين المدعوين وسأطلب منه أن يقوم بترجمة ما ستقرأ ترجمة فورية الى العربية . سيجلس معك والى جنبك مترجما ومبددا لوحشتك. وسيعزف  السيدان ( عمار )     و(فيصل ) ما يناسب أشعارك من أنغام وألحان أغان عراقية تعودنا على سماع البعض منها في مناسبات سابقة. ماذا تريد أكثر ؟؟ ثم أضافت : رجاء رجاء لا تخيب أملي ولا تدع هذه الفرصة الثمينة أن تفلت مني ومنك ومن حضور هذا المساء . أخذته من ذراعه الى حيث نصبت في قاعة للأستقبال كبيرة موائد ملأى بقناني النبيذ الفاخر الفرنسي والأيطالي والأسباني والألماني والبلغاري وكؤوس البللور  (الشعشعاني )  ففوجيء بحشد كبير من المدعوين منهمكين في أحاديث ساخنة شتى وكؤوس النبيذ أو عصير البرتقال في أيديهم. تغير بغتتة مزاج الشاعر وعاوده الحنين الى قول الشعر والى أن يشغل الناس كما كان أبدا وأن يملأ جو الحفل بشخصه وبشعره وثقل ماضيه شاعرا ومقاتلا وقتيلا . لا بد أن يفرض على هذا المساء وهذا الجمهور النشوان كثافة حضوره الروحي الخاص . سيعادل الجميع ثقلا ووزنا . شعراء ومستمعين . نساء ورجالا . ثم قادته الى شرفة واسعة تطل على حديقة غناء تتخفى ألوان الأضواء فيها خجولة بين غصون أشجارها وتهذي نافورات المياه بغمغمات شبيهة بأصوات تراتيل كنائس سريان وكلدان وآراميي بغداد والموصل ,  وجرس حزن حمائم أبي العلاء المعري ( بنات الهديل ) وغموض سجع وسحر شياطين ربات الشعر زمن الجاهلية الأولى. لم يصدق عينيه . تعلق بذراع السيدة معلنا موافقته على أقتراحها شرط أن تجلس هي الى يمينه ويجلس المترجم الى شماله . وافقت .

في الثامنة تماما التأم الحضور في القاعة الكبيرة المخصصة لمثل هذه المناسبات . رحبت المديرة ( صاحبة المتنبيء ) بالحضور في كلمة تضمنت بأيجاز طبيعة مهمات مكتبتها وما قدمت من منجزات في حقل الأدب والفن على مدى الأعوام الخمسة المنصرمة . أعلنت برنامج الأمسية الذي سبق وأن وزعته بالبريد على الأدباء وأصدقاء المكتبة ومن يعنيهم أمر الثقافة . ثم أعلنت المفاجأة الكبرى وهي حضور أبي الطيب المتنبيء في قاعة الأحتفال وموافقته أن يلقي شيئا من أشعاره رغم بلوغه سن التقاعد وضعف حنجرته التي خدشها النيكوتين وصروف الزمان الرديء ورمال معسكر ( رفحا ) . صفق الحضور وقوفا دون أن يعرفوا من هو المتنبيء . صفقوا طويلا . أخذوا على ما يبدو بحماس وصدق نبرة أعجاب السيدة تفوريك بالشاعر الضيف وحرارة عبارات الترحيب به. وقف مع الواقفين وصفق لنفسه معهم كما تقتضي الأصول . هكذا , وبكل بساطة يتغلب أحيانا أحساس الأنسان المنقول أليه من سواه على كل ملكاته العقلية الأخرى . ينسى نفسه , يتحرك بشكل آلي كأي ماكنة . يتثائب مع المتثائبين , ينعق مع الناعقين .كذلك تعوي الذئاب والثعالب اذا ما ذئب أو ابن آوى عوى . الأنسان حيوان ناطق !!
توالى على منصة القراءة خلف مكبر الصوت عدد من الشعراء والكتاب. قرأوا فأختصروا.    حتى السيد ( سعيد ) الأيراني الأصل ورئيس أتحاد الكتاب الألمان قرأ هو الآخر نتفا قصيرة من بعض قصصه التي كتبها ونشرها في كتب باللغة الألمانية .  تلت ذلك فترة أستراحة قصيرة للتدخين خارج القاعة أو لزيارة ( بيوت الراحة ) أو لتناول المزيد من كؤوس النبيذ . فالناس يتقبلون  ويتذوقون الشعر بنفسية أصفى حين يكون مزاجه  كافورا أو نبيذا . لاحظ صاحبي خارطة لبغداد معلقة على جدار أحد أروقة مبنى المكتبة فكاد أن يغمى عليه سرورا . توقف عن الكلام أو بالأحرى خانه لسانه فأخرج من جيبه سيجارة وشرع يسحب دخانها الى عالم رئتيه المعتم أصلا بكل ما تبقى لديه من قوة وقدرة جسدية. هكذا يتفاعل بعض الناس مع مفاجآت الحياة . تركته يتأمل كالوثني  بغداد فرأى صورته في مركزها في قلب ساحة التحرير. هذا هو جسر الجمهورية وهذا هو نصب الحرية للنحات جواد سليم وهذه عمارة مرجان تنتصب شامخة رغم تقلب الزمن. وهنا كانت حديقة غازي وسينما غازي زمان العهد الملكي . وهنا كان يأكل اللبن الزبادي وكاسات المحلبي  واقفا كباقي الزبائن من الدكاكين التي كانت تصطف هناك متجاورة حائطا لحائط مثل بيوتنا القديمة .كان طبيعيا أن يسأل عن سر ما يرى . قلت يسأل عن سر ما يرى وليس عن ( سر من رأى ) . قلت له أن أدارة المكتبة قد أعدت لك  هذه المفاجأة التكريمية تشرفا بزيارتك وقبولك أن تساهم في فعاليات هذه الأمسية. قال ومن أين أتوا بصورتي ؟؟ أخذوا لك صورة بأجهزتهم السرية المخفية . هناك كاميرات للمراقبة مثبتة في كل زاوية وركن . قال مستنكرا وبنبرة غضب حتى هنا تلاحقني الأجهزة السرية ؟! قلت لست وحدك في هذا المكان . ثم لا علاقة للمكتبة بهذه الأجهزة. جهات أخرى مسؤولة عن هذا الأمر . جهات أخرى تراقب كل نأمة ونفس
وكل شاردة وواردة لا هنا حسب , وأنما في كل بقعة من بقاع العالم . قال عجيب !! حتى بغداد تحت المراقبة ؟؟ نعم , يراقبونها ليلا ونهارا ومن شتى خطوط الطول والعرض وزوايا السماء وسمتها . تحت وفوق نطاق الجذب الأرضي . من كردستان حتى حقول مجنون . ومن زاخو الى الفاو . ومن أعالي الفرات في دياربكر ونصيبين وسد أتاتورك حتى صحارى معسكر رفحا .  أبتسم الرجل ساخرا جاذبا أقصى ما يستطيع من دخان سيجارته مرددا لا حول ولا قوة الا بالله .
أعلن عن أستئناف الحفل ثانية لأكمال بقية الفقرات فأستقبلتنا المديرة لدى مدخل القاعة وأخذت المتنبيء من ذراعه لتجلسه وسطا بينها وبين المترجم الدكتور هامان . كان ما زال مرتبكا غير واثق من نفسه . يتعثر ويتلعثم ويمشي مطأطيء الرأس .  قدمت عبر مكبر الصوت الشاعر المتنبيء قائلة (( يشرفني أن أقدم لكم في هذه الأمسية شاعرا يسميه قومه ماليء الدنيا وشاغل الناس )) . أنه أبو الطيب المتنبيء , أحمد بن الحسين الجعفى الكوفي ثم الكندي. وقف الحاضرون مرة ثانية وسط تصفيق حاد متواصل فقام ومن معه يشاركون المصفقين تصفيقا . ولما طال زمن التصفيق جلس المتنبيء فجلست المديرة وجلس المترجم ثم جلس الحضور . عدلت السيدة تفوريك من وضع المايكروفون أمام المتنبيء . ساد القاعة صمت مهيب يناسب مقام الشاعر الضيف . أجال ببصره متفحصا الوجوه التي لم ير مثلها في حياته قط, لا في حلب الشهباء ولا في فسطاط مصر ولا في شيراز . مرت على مخيلته صور الأعرابيات والبدويات يوم قال (( من الجآذر في زي الأعاريب // حمر الحلى والمطايا والجلابيب ؟؟ حسن الحضارة مجلوب بتطرية // وفي البداوة حسن غير مجلوب )). هز رأسه وهو يقرأ هذين البيتين هزات خفيفة كأنما كان يدوزنها على أيقاع خفاف أرجل بعير ماش في بيداء سماوة بني كلاب . مال برأسه يسارا حيث يجلس المترجم
وهمس في أذنه شيئا لم يسمعه غيره . تغيرت سحنة الدكتور هامان فهمس بدوره في أذن تفوريك , فشحب وجهها وقطبت ما بين حاجبيها ثم سمعتها من خلال المايكروفون الذي كان موصولا بالتيار الكهربائي قائلة للمترجم : غير معقول , غير ممكن . كارثة. لقد قدمناه الى جمهور الحضور ووضعنا على الجدران خارطة بغداد وفي وسطها صورته. ثم قد رحب به الجمهور ترحيبا عز نظيره . ماذا سنقول لهذا الحضور ؟؟ ساعدني . جد لي حلا رجاء . تكلم المترجم معتذرا نيابة عن المتنبيء . قال أن ضيفنا أخبره أنه توقف عن قول الشعر بعد أن أغتيل في وطنه العراق . وأنه بعد مقتله أحال نفسه على التقاعد أحتجاجا على قتل وتصفية وأغتيال الشعراء وآخرهم محمد البريكان , أبن الزبير والبصرة ثم العراق. أنها صرخة مدوية عسى أن يسمعها من يسمع. واصل الترجمان كلامه قائلا :
وبالأتفاق مع ضيفنا الكبير وشاعر العرب الأكبر سأقرأ وأترجم لكم - سيداتي وسادتي-  بعضا من أشعاره وسأختار منها ما قاله في الغزل وفي وصف الطبيعة وفي العتب على الزمن المشاكس . ضجت القاعة بالتصفيق ونهض من بين الحاضرين عراقي صارخا عاش شاعر العرب الأكبر . عاش شاعر البدو والحضر . عاش المناضل الكبير أبو الطيب المتنبيء.
تحيا الكوفة والسماوة وحلب . يسقط كافور الأخشيدي والأستعمار والرجعية . يسقط الحاتمي والمهلبي وعزة الدوري ومعز الدولة البويهي . تحيا سبأ ومأرب وكندة . تحيا بابل وحمورابي . يا يا يا يعيش يسقط يسقط . طز في المهلبي .

أشارت السيدة تفوريك لعمار وفيصل أن يتداركا الموقف وأن يملآ الفجوة بصداح موسيقى ألتيهما . أخذ عمار زمام المبادرة فسارع الى النفخ في آلته سداسية الصوت
( السكسافون ) بلحن شجي سوداوي الطابع ذكرني بسكسافون المغني الأمريكي فرانك سيناترا في فيلم ( من الآن والى الأبد ) . ثم تلاه فيصل موقعا على عوده بعض الأغاني العراقية . طلبت منه أن يغني أغنية ( مروا بنا من تمشون ) للغزالي فغناها مشكورا وأجاد .   
أستمر الحفل حتى الساعة الحادية عشرة مساء . تفرق السامر . ودعت السيدة المديرة أبا الطيب مقبلة خديه وطالبة منه أن يعيد النظر في موقفه من قراءة أشعاره وأنها ستنظم له أمسية خاصة به وستدعو أليها خيرة شعراء ألمانيا موتى وأحياء , فضلا عن شعراء العربية محمود درويش وسعدي يوسف وسميح القاسم وقاسم حداد ونزار قباني والبياتي وأبي تمام.  أنتبه المتنبيء لدى ذكر أبي تمام , اذ له منه عقدة أرقته طوال سني حياته . ثم أردفت قائلة وأن وافقت سأجزيك الجزاء الأوفى . خابرني أو أبعث لي فاكس .  قال سأفكر في الأمر . شكرها وأنصرفنا .

في طريق عودتنا الى بيوتنا أضرب صاحبي عن الكلام . ولم أشأ من جهتي أن ألومه أو أعاتبه أو أن استفسر عن سبب أمتناعه عن أنشاد شعره .  قلت سأخرجه من أضرابه وسأغريه بخوض موضوع يهوى الخوض في تفاصيله . قلت له هل تحب أن نكمل السهرة في بيتي معا لنشاهد الفيلم الخاص بأوبرا كارمن وربما نناقش أمورا أخرى ما سبق وأن ناقشناها ؟؟ أخرج سيجارة من جيبه وطفق يعب من أدخنتها كما يمتص طفل رضيع صدر أمه . دخل في بئر عميق من ظلامة التفكير . ثم رفع رأسه على حين غرة فقال مبتسما : وهو كذلك . سنسهر مع الكاولية كارمن . سحرتني هذه الغجرية . ما زالت لدي بعض الأستفسارات حول القضاء الذي ألم بمقتل من سقط صريعا ومن لم يقتل .

فضلت أن أعرض على ضيفي في بيتي الأنتاج البريطاني الخاص بأوبرا كارمن الذي صور منقولا نقلا حيا لأحد عروض هذه الأوبرا في واحد من مسارح لندن حيث قاد أوركسترا العزف المايسترو المعروف " زوبن ميهتا " الذي يتكلم الهندية والأنجليزية والألمانية . أنتبه ضيفي أن لغة ممثلي الفيلم - المسرحية لا تشبه الألمانية . قلت له أنهم يتكلمون الفرنسية لأن واضع موسيقاها رجل فرنسي يدعى " بيزيه " . قال لكن " كارمن " فتاة غجرية
أسبانية وكذلك خوسيه ومصارع الثيران وعاملات مصنع السجاير. قلت هذا صحيح , القصة أسبانية وأحداثها وقعت في مدينة أشبيلية لكنها ترجمت لواضع الموسيقى الفرنسي فصاغ موسيقاه من روح لغة ما ترجم له الى لسانه . الموسيقى ليس لها لسان ولذلك تسمى اللغة العالمية . أنها تخاطب نفوس البشر . سوف تحبها وتنسجم معها كأنك غجري أسباني يفهم الفرنسية . ثم لا تنس أن الشعر أيقاع موسيقي وأنت من أنت في عالم الشعر .
كان شديد الأنسجام مع ما يرى أمامه . لم يطلب طعاما أو شرابا .كان مسحورا غائبا عن وعيه . نسي التدخين ولم يسمح لي أن أعلق على بعض مشاهد المسرحية شرحا لبعض تفاصيلها . كان متكئا بكامل ظهره على الأريكة العريضة مغمض العينين حتى خيل ألي مرة أن الرجل قد غط في سبات دون شهيق وزفير وصفارات أنذار . ما كان مهتما الا بمتابعة سماع الموسيقى أما أحداث وتفصيلات القصة فقد شاهدناها معا على خشبة المسرح الألماني .
أنتهى الفيلم الممسرح مع خيوط الفجر الأولى حيث بان  في الأفق الشفق الأصفر الوردي آخذا بالأصطباغ التدريجي باللون الأحمر القاني , لون زهور شجرة الرمان في بساتين الطفولة . قال سأنام هنا على هذه الأريكة . لا أحتاج الا الى بطانية واحدة أو لحاف عادي غير سميك , لحاف صيفي. بعد بضعة سويعات سأناقش معك ظروف مقتل الضابط وكارمن ومصارع الثيران . فالموضوع يحيرني ويشغل تفكيري.

نهض المتنبيء من نومه حوالي الساعة الحادية عشرة وكان الفطور جاهزا . سأل وهو يتجه نحو الحمام هل أن الشاي جاهز ؟؟ كل شيء جاهز يا أبا الطيب . تحمم وتعال نتناول فطورنا . أتعبتنا الليلة الماضية .

سأل ونحن على مائدة الطعام ما تفسير أن يقتل العسكري خوسيه كارمن وضابطه ثم يسقط مصارع شهير قتيلا أمام ثور ويظل هو , خوسيه ,حيا يرزق ؟؟ قلت له ما هو تفسيرك لهذا الأمر ؟؟ أرتشف رشفة قوية عميقة من كأس شايه قائلا : في الحياة ما يسمى بالقدر الأعمى . صحيح أنه أعمى لكن تتحكم في هذا الأعمى جملة ضوابط تشبه من وجوه كثيرة القوانين الصارمة. أنها توجهه حينا ويوجها هو ويتحكم في مسارها حينا آخر. يتبادلان الأدوار في الخفاء . لكن من الذي يحركهم ؟؟ من يرسم لهم الطريق ؟؟ من يحدد الأتجاهات ؟؟ تسلسل الأحداث يا أبا الطيب . للمصادفات قوانين لا نراها . لها منطقها الخاص . قال وضح قليلا . قلت أن بقاء الجندي خوسيه حيا مقابل سقوط ثلاثة قتلى ليس محض مصادفة ... مصادفة عمياء . كلا . للأقدار عيون قوية مفتوحة ترى ما لا يرى البشر . الحدث حين يقع يرسم طريق ما يلي من أحداث . فكرة القصة كما أراها
تترسم خطى فلسفة مفادها أن الغجر عموما وأن كارمن خاصة مخلوقون لنوع غريب من عشق الحرية الطبيعية . تهوى كارمن من تهوى وتبغض من تبغض . لا قوة في الأرض تجبرها أن تغير رأيها أو أن تخون قلبها . جسدها وروحها متحدان , الغجر لا يعرفون الأنفصام ولا التردد . أنت كنت في أشعارك تؤكد على أزدواجية النفس - الجسم . الغجر لا يعرفون هذا الأزدواج  وهذه الثنائية . متوحدون داخل أجسادهم . وهذا كما أخال سر قوة شخصياتهم . ملخص القول أن كارمن سقطت ضحية طبيعتها الخاصة .
لم تبال بالموت ثمنا لأصرارها على التخلي عن خوسيه والأنصراف لمصارع الثيران الذي أحبت بكل جوارحها . هان الموت أمام القرار . طلب ضيفي المزيد من الشاي لتتميم فطوره . جاء الشاي سريعا . بدأ يأكل برغبة أقوى مازجا الكل بالكل . البيض المقلي مع مربى المشمش حينا , والزبدة مع الجبنة والعسل حينا آخر . أنفتحت معدة صاحبي على حديث كارمن وكان يبدو عليه أنه يصدق ما أقول بشكل مطلق . أعجبه منطقي .
واصلت الحديث قائلا أن المجند العسكري خوسيه قد يكون هو الآخر متحدرا من أصول أندلسية غجرية , أي يحمل في دمه ذات خصائص كارمن . قال وربما  تجري في عروقه  دماء عربية . قلت ذلك محتمل . كنا يوما هناك . أحسنت أبا الطيب , تذكرني بأمور تفوتني خاصة في ساعات تناول الطعام . لقد عز على هذا العسكري أن تهجره كارمن وتعشق سواه بعد أن فرط بالفتاة التي رشحتها أمه له خطيبة . قال تقصد ميكائيلا ؟؟ نعم, ميكائيلا . قال بصراحة ... أنها لم تعجبني , أنها لا شيء مقارنة مع كارمن . قلت يبدو أن في عروقك دماء أندلسية يا أبا الطيب !! قال البدوي مثلي كالغجري حسب وصفك . طبيعي جدا وعنود جدا ومكابر جدا . قتلتني السجايا التي قتلت كارمن . الشبه بيننا كبير . لنا نفس الجبلة والطبيعة . أنا غجري ترحلت كما يترحلون وتقلبت كما تقلبت في هواها السيدة كارمن . تراجع قليلا عن مائدة الطعام فأشعل سيجارة وقال تفضل أكمل حديث العسكر والغجر ثم أنشد (( الخيل والليل والأهواء والغجر )) . هل هي قصيدة جديدة يا أبا الطيب ؟؟ قال كلا . خربطات أو أضغاث أحلام متخوم بالمربى وعسل الملكات وأجبان قبرص / القسم اليوناني . نعم أحب العسكري خوسيه كارمن وأرادها أن تحبه كما أحبها . أراد اقامة معادلة التوازن الطبيعي بين حواء وآدم . تركته وشرعت تجامل الضابط الأعلى رتبة منه في السلم العسكري . لم يهن الأمر على خوسيه . لا سلم عسكريا أعلى  في دنيا الحب وبالنسبة لمن يحب . حين أهان الضابط خوسيه لم يتردد في قتله . لقد قتل فيه مجمل المؤسسة العسكرية , المافوق والمادون كما يقول العسكر في العراق . الضبط العسكري شيء والحب شيء آخر . لكل زمانه وأحكامه فلماذا يخلط الضابط الأمور وهي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ؟؟ نجوم الأكتاف لا تمنح حامليها أمتيازات فوق العادة خارج أسوار الثكنات العسكرية . بلى , أمتيازاتهم في ثكناتهم وليس خارجها . ليس كل الناس عساكرا . المدنيون يكرهون اللون الخاكي .
قال المتنبيء هذا كلام جميل أعرفه لكني أصغيت له ولك أكراما لعيون المرحومة الشهيدة   أسمهان . ضحكت وصححت قائلا كارمن ,كارمن وليست أسمهان . أسمهان ماتت غرقا في حادث سقوط سيارتها في ترعة ماء جار.  قال عفوا , كنت أقصد الشهيدة كارمن . ألم يقل نزار قباني (( قد مات شهيدا من مات على دين المحبوب )) . بلى والله قد قال . ولا أراه قد قال ما قال  الا في صاحبتنا كارمن . لو والله قمت كعيسى المسيح من موتي حيا لقلت في كارمن شعرا أفضل مما قال نزار.
 حين أنفتح المتنبيء على الحديث الذي أساغ رميت الكرة في ملعبه فطلبت منه أن يفسر
سبب عجز العسكري خوسيه في أن يقتل مصارع الثيران أسكميللو أثناء العراك الذي نشب بينهما . كان خوسيه يحمل سكينا وكان المصارع أعزلا . قال سأحيل سؤالك الى المصارع  الأمريكي ( عدنان القيسي / عراقي سابقا ) . قلت لا مزاح في سؤالي يا أبا الطيب . قال وأنا كذلك لا أمزح . علام المزاح ؟؟ المصارع يعرف حيل المصارع . كلاهما دجال . المصارعون دجالون . الناس لا يمزحون في أمور الموت والعراك . قلت بل أصر على سؤالي . قال طيب سأجيبك عن سؤالك أن أغرقتني بالمزيد من الشاي  ذي الوزن الثقيل . قلت صرت أبا الطيب تتكلم بالأوزان الثقيلة . قال لم لا , أفلم يكن القيسي من الوزن الثقيل ؟؟ قلت سيأتيك الشاي كما أحببت بل ومن وزن ثقيل الثقيل .
مع الشاي الثقيل قال المتنبيء ان هذه المسألة لتستحق التفكير حقا . لم لم يستطع الجندي المهووس حبا والمفعم بالعنجهية العسكرية وما يحمل من سلاح يدوي ... لماذا عجز عن قتل مصارع ثيران أعزل ؟؟ المسألة تحتاج الى ( صفنة ) جدية وطويلة . الساعة الآن قاربت الواحدة بعد الظهر ولدي مهمات بيتية علي أن أقضيها . سنواصل نقاش هذا الحديث  في فرصة أخرى . أعطني وقتا . طيب يا أبا الطيب . معك حق . سنلتقي أخريات الأسبوع القادم . أنا أيضا لدي ما يشغلني طيلة هذا الأسبوع . خابر من الشارع ان أستجد أمر طاريء أو حصل لك - لا سمح الله - مكروه .
صحبته حتى موقف الحافلة التي ستأخذه الى منزله . بقيت أنتظر حتى غابت الحافلة عن ناظري وغاب المتنبيء معها في جوفها وفي جوف فراغ الغيب المغيب .

 


                              - 22 -

ركبنا قطار الأنفاق رقم 3 قاصدين المركز الأولمبي للسباحة في مسابحه الهائلة . وصلنا المركز في العاشرة والنصف صباحا . دفعنا أجور ثلاث ساعات ودخلنا القسم الخاص بأيداع الملابس ثم طلبت من صاحبي أن يهيء نفسه لأخذ حمام ( دوش ) حار مع الشامبو. أحتج بنبرة فيها حدة قائلا لماذا ؟؟ أخذت صباح اليوم حماما ساخنا وما زلت على طهارتي ولم أدخل بعد حمامي ذاك أي بيت للراحة . هل هي طقوس وضوء أم ماذا ؟؟ قلت كلا. أنها التعليمات وأنها خطوة ضرورية لمراعاة صحة الجميع , أنت وأنا والآخرين من أمثالنا. لا تتنرفز ولا تفقد أعصابك . افعل ما سأفعل ولا تورطنا في مشاكل نحن عنها في غنى . تذكر أنك ما زلت لاجئا في هذا البلد . تبعني على مضض لكنه رفض أن يخلع ملابس السباحة كما تقتضي التعليمات . أصر أن لا يخلع القطعة الأخيرة  الباقية على جسده وأن لا يتعرى ( ربي كما خلقتني ) . قال أفضل الرجوع الى معسكر رفحا الصحراوي ولا أتعرى . سأكسر المجرشة ويا غريب أذكر هلك . دخلت الحمام قبله وكان مكشوفا دون أبواب فرأى جمعا من المستحمين عراة يغنون ويغسلون رؤوسهم ويدلكون أجسامهم بالصابون ومشتقاته . جفل الرجل أول الأمر من منظر ما سبق وأن رأى مثيلا له في حياته.  قلت له مشجعا ومداعبا (( هون على بصر ما شق منظره )) مذكرا أياه بواحد من أبياته الشعرية . فهم التلميح فأبتسم ورمى جانبا قطعة التوت الأخيرة  متخذا مكانه تحت دوش غير مشغول . لما رآني ضاحكا قال (( حشر مع الناس عيد )) . فعلقت قائلا (( عيد بأية حال عدت يا عيد ... )) . لم يسمعني وهو يفرك رأسه ووجهه ثم باقي أعضائه بالصابون مستمتعا بالماء الساخن يتساقط فوقه مدرارا.  سمعته - يا للعجب - يغني صوتا غريبا وهو مغمض العينين تحت فقاقيع الصابون التي غطت وجهه ورأسه بشكل كامل . قلت له هيا . كفى أستحماما وماء ساخنا وصابونا .  وضعنا على أجسادنا أوراق التوت ودخلنا أحواض السباحة المجاورة . قفز المتنبيء في الحوض الكبير العميق المخصص للسباحين المهرة ففوجئت أن صاحبي يجيد السباحة . ترى أين تعلم فن العوم ؟؟ أخذ يقطع المسبح جيئة وذهابا بدون توقف . بل وشرع يتبارى مع بعض السابحين من الشباب . قلت له ممازحا أراك تسبح كأحد تماسيح النيل . قال أي ورب الكعبة . هناك تعلمت السباحة وكاد تمساح مرة أن يقتلني . هاجمني ثم تخلى بقدرة قادر عني . سبح المتنبيء كثيرا وقفز عدة مرات من القفاز العالي فسقط مرة على بطنه مما أثار ضحك السابحين , الأمر الذي أغاضه كثيرا . قلت له فلنسترح قليلا وسأجلب القهوة من الكافيتيريا . رحب بالفكرة . أستلقى كاملا على أحد كراسي الأنبطاح المحيطة بحوض السباحة وقدح القهوة في يده . كان مرتاحا جدا مما هو فيه . أعجبه جو المسبح الذي أخذ مع مرور الوقت يغص بالسابحين والسابحات . قلت له تستطيع أن تنام وأنت في وضعك هذا . قال كلا . أريد أن أناقشك في الأمر الذي أرجأنا مناقشته في لقائنا الأخير في بيتك . قلت ذلك أمر جاد يتطلب جوا آخر للخوض فيه وفي دقائق تفاصيله . أستلق كما أنت وتمتع بالقهوة وجو المسبح الأولمبي ومتع ناظريك بما ترى من أجساد حور العين شبه عاريات . أنس ما يجلب لك ولي المزيد من الهموم . لدينا ما يكفينا . رأيت صاحبي سارحا مغمض العينين حتى خلته قد أخذته سنة من نوم . تركته في الجو الذي هو فيه وأنصرفت أقلب صحيفة " الزمان " علني أجد على صفحاتها شيئا منشورا لي . بعد فترة قصيرة من الزمن فتح المتنبيء عينيه متأهبا للنهوض قائلا هيا نقفز ونعوم ونتسابق مع السابحات الفاتنات وسأقهر بسباحتي جميع السابحين . قفز المتنبيء في حوض السباحة العميق قبل أن يسمع جوابي. حاولت اللحاق به سدى . كان يشق الماء برشاقة وسرعة مثل دلافين الفرجة المدربة . وكان يغوص تحت سطح الماء عميقا كلما حاولت الدنو منه . وحين حاولت أن أمسكه مرة فلت مثل شبوط دجلة من يدي متضاحكا ساخرا مرددا هيهات هيهات . لم يمسك بي أحد من بشر قبلك . هيهات هيهات . لا تجرب المستحيل . جربه المهلبي وكافور من قبلك فلم يفلحا . ثم طفق يردد مقطعا حرفه قليلا من أحدى قصائد الشاعر نزار قباني مترنما متحديا هازئا ((  أن كنت قويا أخرجني من هذا اليم //  فأنا أعرف أعرف أعرف فن فنون العوم )) . ثم يدور فجأة دالقا لسانه في وجهي هزءا وتندرا . لم أر شاعري أبدا في مثل هذا الحال من النشوة والحبور . أهو تأثير الماء أم جو المسبح الرائع أم ماذا ؟؟ تبدل مزاج الرجل جذريا حتى أني كدت أن أتخيل أن الرجل قد تغير ... قد تحول . في الماء يجد الأنسان نفسه أخف وزنا , وبالتالي سيخف وزن همومه .
شعرت بالأعياء وأحمرت عيناي وضاقت الرؤية أمامي لكن صاحبي كان غارقا في جو أثيري علوي ساحر يعز عليه فيه أن يغادره . تركت الماء لأستلقي على كرسي الأضطجاع الطويل مقلبا جريدة الزمان ومجلة ( رسالة العراق ) التي أستعيرها عادة من الصديق مصطفى. غرقت في قراءة بعض المواضيع لكني كنت أحرص أن ألقي بين الفينة والفينة نظرة على صاحبي الذي كان كثيرا ما يضيع من ناظري بين حشود السابحين . متى سيغادر الماء صاحبي ؟؟ لقد تحداني بقوله (( أن كنت قويا أخرجني من هذا اليم )) .
فمنذا يستطيع أخراجه من هذا اليم ؟؟ سأحاول النوم أو أن أغرق نفسي في قراءة بعض المواضيع السياسية .
ترك المتنبيء أخيرا حوض السباحة نافضا الماء عن رأسه ماسحا وجهه بكف يده اليمنى . دنا مني فناداني ( هي هي ) ظانا أني كنت نائما اذ رأى الجريدة تغطي وجهي كاملا . أزحتها عن وجهي متسائلا هل شبعت سباحة ؟؟ قال كلا . بل شبعت ماء . ثم عاد يسألني : وأنت هل شبعت نوما ؟؟ قلت كلا . لا يأتيني نوم في المسابح . بل كدت أن أشبع قراءة . قال ذلك أفضل الجميع وأخذ يقرأ (( وخير جليس في الزمان كتاب )) . 

في السادسة تركنا المسبح عائدين الى دورنا . وفي قطار الأنفاق رقم 3 فاجأني صاحبي أن لديه دعوة لحضور مهرجان ثقافي في العاصمة السويدية ( ستوكهولم ) . قال لي ما رأيك؟
قلت اذهب وشارك ثم عد وحدثنا عما رأيت . قال ليس لدي ما أقول للقوم . قلت بل هم سيقولون الكثير وما عليك الا الأصغاء . ثم ان حضورك بحد ذاته سيملأ سماء العاصمة السويدية وسيشغل ساكنيها قاطبة .  قال وهل تظن أنهم سيسمحون لي بتوجيه كلمة نقد أو تعليق أو أشارة ؟ قلت ذلك يعتمد على جو المهرجان العام وعلى نوعية المشاركين فيه ومستوى الحضور. قال وستودعني في المطار ؟ قلت أجل . وسأكون مسرورا أن أودعك . قال اذن تأهب فغدا ظهرا سأغادر ميونيخ متوجها الى ستوكهولم.

 


                                          - 23 -

                                ( دولة الخروف الأسود )

قضى أبو الطيب خمسة أيام في ستوكهولم ( 29/5  - 3/6  2002 ) وعاد ليقص علي ما رأى من أعاجيب في عاصمة السويد. أستضفته في بيتي على الطعام الذي يحب والشاي الذي يفضل ولكيما نستمتع بأقصى قدر من الحرية . لقد أرجأ ضيفي الكلام الى ما بعد طعام الغداء . قال لا يأتي الكلام الجيد مع الطعام الجيد .  اما هذا أو ذاك . تركته على سجيته يأكل كيفما شاء لكنه كان غائبا عني في مكان وعالم آخرين . كان يفكر بعمق , لا يرفع عينيه عن مائدة الطعام , يتنقل بهما ما بين الصحون برشاقة فراشة وخفة نحلة . طلب ماء باردا فأتاه مع قليل من الثلج . تلفت يمنة ويسرة وقال أين اللبن ؟ قلت له قد طلبت ماء . قال أجل , نسيت . في الصيف ضيعت اللبن . هل الشاي جاهز ؟ أجل , وأكثر من جاهز. سألته هل ستفتح قمقم أسرارك ؟ قال لا أسرار لدي. ليس في حياتي ثمة من أسرار . مع الشاي الحقيقي يأتي الأبداع . هات شايك أولا لأقص عليك ما قد رأيت.  قال المتنبيء :

في يوم المهرجان الثاني رأيت موكبا تتقدمه ملكة السويد . توسط الموكب ( دولة الخروف الأسود ) محاطا بجوقة من الطبالة والمصفقين ومهرجي السيرك الصيني. ما أن تقدم الموكب  قريبا مني حتى أستطعت تشخيص بعض المعارف . فهذا رسام وذاك عازف عود وآخر مصور ثم لمحت شخصا يقرأ في كتاب . وحين واصل الموكب مسيرته في واحد من أهم شوارع المدينة  رجمت الجماهير المصطفة على الأرصفة جوقة ( دولة الخروف الأسود) بالطماطم والبيض المسلوق . الأمر الذي أدى الى تدخل الشرطة الملكية التي أنقذت ( دولته ) والزمرة التي كانت تحيط به . لم يكد الشارع يخلو من جماهيره الغضبى حتى وجدت نفسي  وجها لوجه أمام الملكة التي مدت يدها تصافحني مرحبة محيية عاتبة علي أني لم أخبرها بحضوري الى عاصمة بلدها. أعتذرت منها أني لم أعد أحمل سمة شاعر وانما قبلت دعوة المهرجان الثقافي لأستمع ولأرى وحسب . قالت سأدعوك غدا الى القصر الملكي على حفلة عشاء ولأقدمك الى صاحب الجلالة الملك . قلت لها على الفور
معتذرا أني لا أطيق منادمة الملوك . ثم قرأت لها (( قالت ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون // سورة النمل )) . قالت لكنك يا أبا الطيب تعلم أن بلدنا بلد عريق في ديمقراطيته ومشهور بمستوى وتنوع حرياته وأن الملكية فيه رمز لأستقرار أوضاعه ليس الا . ثم , أضافت , ألم يزدنا العرب ملكا جديدا ؟ قلت أجل , لكن الملك الجديد لا يطلق على نفسه لقب ( صاحب الجلالة ) ... انما الجلالة لصاحب الجلالة والأكرام خالق الملوك والصعاليك من أمثالي وسائر البشر . قالت ان لفظ
( الجلالة ) بلغتنا لا يعني ما يعنيه في لغتكم . انه مجرد من الهالة الدينية التي تسبغونها أنتم عليه . قلت لها بحزم : مع ذلك فاني أعتذر عن مقابلة السيد زوجك .
مع الشاي الرابع سألت ضيفي : يا أبا الطيب لدي سؤال أخشى أن أطرحه عليك . قال قل ولا تخف . قلت له انك لم تبن لي بعد لماذا اسميت ( دولته ) بدولة الخروف الأسود .
قال على الفور لأن ( دولته ) كان يوما خروفا صوفته بيضاء , واللون الأبيض كما تعلم ينقلب مع مر الزمن الى الأسمر الفاتح فالجوزي البني الغامق ثم ينتهي متحولا الى الأسود . ثم ألم تحكم العراق عام 813 للهجرة  قبيلة أجنبية تركمانية حملت دولتها اسم دولة الخروف الأسود ( قره قوينلو ) وأسم مؤسسها قره يوسف حيث حل أبنه شاه محمد في بغداد وحكم العراق بأسم أبيه ؟  قلت بلى قد كان ذلك . وقد حكمتنا بعدها دولة أخرى تسمى ( دولة الخروف الأبيض ). قال انما هي تلك بعد أن تحولت اليها. السواد ( الظل ) يتمم البياض ( النور ). قلت له وهذا ما قلت في واحد من أبياتك الشعرية (( ومن خبر الغواني فالغواني // ضياء في بواطنه ظلام  )) . تضاحك الرجل وهو يجهز سيجارة أخرى ولم يعلق. ثم عدت أسأله ولماذا سميت دولة التركماني قره يوسف بدولة الخروف الأسود ؟ قال لأن ( الخروف الأسود ) كان شعار هذه الدولة المرسوم على راياتها ... كما يقول المؤرخون (( كتاب : تأريخ الحلة للشيخ يوسف كركوش الحلي . القسم الأول. منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف / الطبعة الأولى 1965 , الصفحة 100 )) .                                                                                       لم أعطه فرصة كافية لكي يتمتع بمذاق طعم تبغ سيجارته اذ يهوى ذلك مع الشاي وخاصة بعد الطعام , فسألته : ولماذا أسبغت عليه لقب ( الدولة ) فقلت دولة الخروف الأسود ؟ . نفث دخان لفافة التبغ ضجرا متأففا ليقول انك أكثرت من الأسئلة ودماغ الأنسان  - كما تعلم - لا يعمل بشكل طبيعي ما دامت المعدة ملأى بما لذ وطاب . زد على ذلك أني ما زلت أشعر بالأعياء جراء وعثاء السفر وأجراءات المطارات ومطبات الأجواء العليا وفرق الضغط الجوي وسواها من أمور لم أألفها من قبل . قلت حسنا , فلنؤجل الجواب والمسألة برمتها حتى موعد لقاء آخر . قال كلا . بل سأجيب على أمل أن ننتهي من الخوض في هذا الموضوع . قلت هيا . قال وهل نسيت أن  ( دولة السيد فلان ) هو اللقب الرسمي لرئيس الوزراء في البلد الشقيق لبنان ؟ قلت أي والله قد نسيت. عذرا أبا الطيب . عذرا والعذر عند كرام الناس مقبول . دولة السيد رياض الصلح ودولة السيد رشيد كرامي ثم دولة السيد رفيق الحريري . قال أفلا يستحق هذا الخروف الغارق في نرجسية مركبة غريبة في شذوذها أن يحمل لقب ( دولة الخروف ) ؟ كان السيد قره يوسف قوينلو يمثل دولة الخروف الأسود . أما صاحبنا ( خروفنا ) فأنه دولة بذاته . قلت بل وأكثر. يستحق لقب ( صاحب العصمة ). قال لا تخلط الجد بالهزل. هل نسيت أني قلت يوما (( ووضع الندى في موضع السيف بالعلى // مضر كوضع السيف في موضع الندى )) . أعتذرت مرة أخرى فقد لاحظت أن صاحبي قد آب من سفرته الى ستوكهولم ومقابلته لملكة السويد بمزاج حاد وصدر يضيق لأبسط الأسباب . معه حق . انه يكره لقاء الملوك . وانه هو الذي قال (( أرانب غير أنهم ملوك // مفتحة عيونهم نيام )) .

بعد الغداء والشاي والسجائر عرضت على صاحبي أن يمضي القيلولة في بيتي وأن يقص علي بعدها وقائع يوم المهرجان الثقافي الأول فقد تجاوزه قافزا الى فعاليات اليوم الثاني. وافق الرجل ونام فورا بكامل ملابسه . بعد لحظات بدأ قطار الشخير يشق عنان سماء البيت . كان الرجل متعبا حقا ومتخما . معه حق .   

في أمسية المهرجان الثقافي الأولى - قال المتنبيء أثناء شاي ما بعد القيلولة - سمعت شعرا بالفصحى وباللغة الدارجة . تلت ذلك بعد فترة أستراحة قصيرة محاضرة عن الغموض  والأبداع في شعر أبي الطيب المتنبيء . قال المحاضر في بداية محاضرته كلاما غريبا علي
لم أسمع له مثيلا من قبل . تكلم عن الصورة الشعرية وأبداع الغموض وغموض الأبداع في الشعر . تكلم عن أسقاط المحور الشاقولي على المحور الأفقي كأحدى أبرز آليات توليد الصورة الشعرية وغير ذلك مما قرأه وأستعاره من كتب بعض مفكري الغرب وآخرين من العرب . ما كنا في زماننا نعرف السوريالية ولا كنا نسعى للغموض في أشعارنا كهدف أو وسيلة لجلب الشهرة على قاعدة ( خالف تعرف ) . كنا نعرف أن الشعر شعر وكفى. أي أما أن يكون المرء شاعرا بطبعه وسليقته أو أن لا يكون . اما أن يكون الشعر مطبوعا أوأن لايكون شعرا على الأطلاق . لقد ظلمني بعض نقادي السابقين اذ أتهموني بالسعي المتعمد للغموض وخلق الأشكال والتغريب واللعب على حبال اللغة وأستفزاز أئمة اللغويين ومشاهير النحاة . كنت وبكل بساطة رجلا شاعرا بطبعي وحسي وثقافتي وعلمي . وكنت أخضع بالكامل لسلطان الشعر وجبروت غوايته حين يأتيني مداهما. كان يخترقني ويسخرني كالعبد من خلال طبيعتي وتكويني وجبلتي التي فطرت عليها. وما كان في وسعي أن أرد هذا الجبروت الطاغي ولا أن أوجهه الوجهة التي أريد . بالعكس , كان هو المحرك والموجه . كنت مجرد قشة في كف هذا القدر الغامض الذي رسم مجرى وخطوط حياتي وما لاقيت من عنت ومشاكل كان ختامها مأساة قتلي غيلة في دير العاقول ما بين واسط والنعمانية عام 354 للهجرة كما يعرف الجميع . لم أندم على ما أذعت من أشعار بين الناس أبدا . وكان لحسن الحظ في زمني من يفهم ويقدر شعري وفلسفتي في نظم الشعر . كما كان هناك الحساد والمتشاعرون والموتورون .
قلت له قد أبنت فأحسنت البيان ولكن ألم يقل المحاضر شيئا آخر عن شعر المتنبيء ؟ قال بلى . ساق الكثير من الأمثلة على الأبداع في الغامض من أشعاري وأعتبرني مؤسس المدرسة السوريالية في الشعر العربي . سألته وهل وافقته في كل ما قال . قال كلا . بل كنت أوافقه على الكثير مما قال . قلت مثلا ؟ قال وافقته على الأبداع الغامض بشكل خاص في البيت (( اذا بدا حجبت عينيك هيبته // وليس يحجبه ستر اذا أحتجبا )) والبيت الآخر (( نافست فيه صورة في ستره // لو كنتها لخفيت حتى يظهرا )) . لقد أعتبرهما المحاضر قمة هرم الأبداع في شعر المتنبيء وقال متعجبا ( كيف لم ينتبه النقاد الى تفرد وسحر هذين البيتين ؟ ) . قلت معلقا : لا فض فوه . انهما لكذلك غاية في الغموض والأبداع . قال ولقد طلب المحاضر من الحضور أن يساعدوه في شرح البيت الثاني لأنه عصي على الشرح والتفسير . قلت وأنه حقا لكذلك يا أبا محسد . قال مزيدا من الشاي.
مع الشاي سألته وهل كانت هناك أسئلة من لدن الحضور أو ملاحظات وتعليقات . قال نعم . أبدى البعض بعض الملاحظات ,كما حاول أحدهم التشويش بخبث فتحاشاه المحاضر بلباقة وكياسة . ثم ماذا يا أبا الطيب , هل حضرت باقي أيام المهرجان ؟ قال نعم, حضرتها جميعا , وكانت بين شعر وعزف وغناء وعرض لوحات رسم وبعض الأفلام . كانت أيام المهرجان تظاهرة رائعة حقا دلت على قدرة وكفاءة منظميه وسخاء يد الجهات السويدية المسؤولة التي مولت المشروع . شكرا لملكة السويد وشكرا           ( لعصمة ) زوجها الذي لولاها لما تنعم بهذا اللقب السامي , فسواه مجرد ( أمير ) !!

 

 

 

 

 

 

 

 

                                       - 24 -
                                     ( في لندن )

وجهت دعوة لشاعرنا المتنبيء لحضور أمسية شعرية تقام في صالة كاليريه ( ديوان ) الكوفة . كان مجرد سماعه اسم الكوفة كافيا ليشعل فيه الحماس لزيارة لندن رغم تحفظاته المعروفة حول الأنجليز والأستعمار البريطاني والأمبريالية . فهو ما زال يذكرمصير ثورة العشرين ومعاهدة 1930 وثورة الجيش العراقي المسماة بثورة مايس  1941  أو ثورة رشيد عالي الكيلاني . ما زال الرجل شديد الغيرة على الوطن ولم يستوعب بعد ما جرى في العالم اليوم من تغيرات وتطورات وآخرها العولمة والقطب الأوحد وسواها . سألني ما الذي يجمعه والأنجليز ؟ قلت له الكوفة والشعر . قال غلبتني بهذا المنطق , وانك ستسافر معي لحضور الأمسية لأنني لا أطيق لندن دون صحبتك . قلت وهو كذلك , وسأعد لك برنامجا حافلا تلتقي فيه ببعض الشعراء من محبيك وببعض رجال الصحافة والأدب والقلم,  ثم قد يجد الصديق فلاح هاشم شيئا من الوقت كي يجري معك مقابلة أذاعية في ستوديو راديو ( سبكتروم ) في لندن . قال ذلك يزيدني تعقيدا . قلت ستسعد اذ تقابل هؤلاء النخبة من مثقفي العراق . قال بل سنرى . ليس لدي تجربة سابقة مع رجال الصحافة والأعلام المسموع والمرئي . قلت جرب , فالبرهان في التجربة .
سألته ومتى سيكون السفر ؟ قال الأثنين القادم . جهز نفسك وتأهب . قلت سمعا وطاعة.

في السابعة مساء دخلنا ديوان الكوفة الواقع في منطقة Bayswater  على الشارع المسمى 26  Westbourne Grove , London W2 5RH        

فكان الأخوان رشيد بندر الخيون ووليد عطية في أستقبال جمهور غفير من رجال الأدب والصحافة وغيرهم من المثقفين ومحبات ومحبي الأدب والشعر. أعتلت المذيعة في أذاعة هيئة الأذاعة البريطانية  ( بي. بي. سي . ) السيدة هدى الرشيد منصة الألقاء يحيط بها عدد من الشعراء والشواعر . بعد كلمة مؤثرة شرعت السيدة هدى الرشيد بتقديم شعرائها الضيوف الذين تناوبوا الألقاء واحدا بعد الآخر .  تابع المتنبيء ما كان يسمع من شعر بأنتباه عميق . كان يتابع ذلك مغمض العينين , وكان هذا ديدنه كلما أحب أن يستمع الى شيء من الشعر.
حين أعلنت السيدة هدى ختام الأمسية فوجئنا بأن السيد محمد مكية , صاحب الديوان الكوفي , يتقدم مخترقا الصفوف مرحبا بأبي الطيب المتنبيء . بعد عناق وعتاب وبعض ذكريات الكوفة أعتذرنا فأنسحبنا لأننا كنا حقا متعبين . لقد أصر محمد مكية على ألتقاط صورة مع المتنبيء فقبل على مضض . ما كان يحب أضواء العصر الحديث .
الغريب في الأمر أن أحدا من الحاضرين غير السيد محمد مكيةلم يعرف المتنبيء . كما أن الرجل كان قبل وصولنا ديوان الكوفة قد وجه لي تحذيرا شديد اللهجة في أن لا أقدمه الى أحد . 

ونحن نتناول التكة والكباب والبامياء في مطعم ( بغداد ) غير البعيد عن ديوان الكوفة , سألني أبو الطيب عن برنامجنا ليوم غد . قلت له لدينا دعوة لزيارة ألصديق أبي مخلص الشاعر عزيز السماوي في بيته . قال سمعت أنه يكتب شعرا شعبيا . قلت نعم . قال وهل تعرف عنوان بيته . قلت قد أملاه بالتلفون علي . قال ومتى نزوره ؟ قلت ظهر غد . دعانا السماوي على غداء عراقي أصيل . قال قد أحسن وأحسنت .
في فندقنا القريب آوينا الى الفراش مبكرين . كنا تعابى .
نهضنا صباح اليوم التالي مبكرين لأن صاحبي كان شديد الشوق للتعرف على لندن . لم يرها من قبل . في الطابق تحت الأرضي كان مطعم الفندق شديد الزحام . تقوم على ادارته وخدمته مجموعة من الفتيات البولنديات . لم يأكل صاحبي الا القليل , لكنه أكثر من شرب القهوة مرة بالحليب ومرات بدونه . كان كعادته قلقا لا يستقر على حال . قلت له تريث قليلا , ستشبع من لندن ولدينا برنامج حافل يغطي الأسبوع بكامله .
قال قبل أن نمضي في سبيلنا الى دار الصديق عزيز السماوي أريد أن أتعرف على حدائق  ( الهايد بارك ) . قلت هل تود أن تقول شيئا لأهل لندن ؟ قال مثلا ؟ قصيدة أو خطبة سياسية أو نقدا للحكومة أو لأحد وزرائها . قال أعوذ بالله . جئنا لندن زائرين لا شاتمين. كفانا ما تحملنا في حياتنا من متاعب جراء ما وجهنا للبعض من نقد . قلت له لدينا ساعة من الوقت فقط والهايد بارك قريب منا , لذا سنسرع الخطى كي لا نتأخر في وصولنا الى بيت السماوي وهو بعيد وطرق الوصول اليه معقدة . قال هيا, أسرع.
مررنا على أهم معالم الهايد بارك مر الكرام . فهذا قصر اقامة الأميرة السابقة ( دايانا ) وهذه بحيرة ( السربنتاين ) وفي الطرف القصي تمثال الشاعر لورد بايرون ممسكا دفترا وقلما وكلبه يجثم قرب قدمه العرجاء . قصصت عليه بأختصار شديد أهم منعطفات حياة بايرون لكن صاحبي لم يتأثر الا بالطريقة التي مات بها في جزيرة كريت غريبا وحيدا بعيدا عن بلده ومسقط رأسه . قال أجد في خاتمة حياته مشابه من خاتمتي التي تعرف . قلت لكنه مات مقاتلا من أجل حرية بلاد اليونان وأستقلالها عن السلطنة العثمانية . قال أما أنا فلقد قضيت عمري مقاتلا من أجل حرية الكلمة وحرية وأستقلال الشاعر . ثم لا تنس أني حاربت الروم بسيفي وشعري يوم أن كنت مع سيف الدولة الحمداني في حلب. كعربي دافعت عن العرب وكمسلم ذدت حدود الدولة العربية الأسلامية , فما كانت دوافع صاحبك بايرون في أن يترك وطنه ليدافع عن قضية لا تهمه لا من قريب ولا من بعيد؟ وما كانت مصلحته في أن يعادي الترك المسلمين وأن يؤلب وأن يجيش الجيوش ضدهم ؟
الحرية يا أبا الطيب . قاتل الرجل من أجل حرية الأنسان . قاتل من أجل تحرير شعب كامل من قيود طغيان محتل غاز أجنبي . ثم تذكر جيفارا . تخلى عن الوزارة في كوبا وأعلن نفسه - وهو الأرجنتيني الأصل - مقاتلا عالميا من أجل شرف الأنسان وحريته . قال لا أفهم هذا المنطق . كان لنا منطقنا الخاص,  منطق عصرنا وزماننا . أستأنفت كلامي عن الشاعر الأنجليزي بايرون قائلا : هل تعلم عزيزي أبا الطيب أن بايرون كان في شبابه اليافع قد أرتكب خطيئة شنعاء ؟ قال وما هي ؟ لقد مارس الجنس المحرم مع أخته لأبيه وأنجبت منه طفلة كان يتباهى فخورا بين أصدقائه بأن الطفلة منه . قال أبو الطيب ممتعضا ومستغفرا ربه ألا ما أقبح صنيع هذا الشاعر . ثم قال قد جرى ما يماثل هذه الحادثة في الزمن القديم . حثثته في أن يقص علي ما يعرف عن مثيل قصة بايرون , فقال قد ورد في العهد القديم ( سفر صموئيل الثاني / الأصحاح الثالث عشر ) أن ( أمنون ) أحد أبناء الملك داوود قد اغتصب أخته ( ثامار ) غير الشقيقة , مما حدا بشقيقها         (  أبشالوم ) أن يقتل أخاه غير الشقيق ( أمنون ) أنتقاما لشرف شقيقته. سألته وكيف كان موقف  والدهم داوود من هذا الأمر ؟ قال قد لا تصدق اذا رويت لك ما جاء في نفس السفر ونفس الأصحاح . قلت بل قل وسأصدق كل ما ستقول . قال قرأت ما يلي
( وناح داوود على أبنه الأيام كلها ) . قلت ولله في خلقه شؤون . قال وأية شؤون وأية شجون !! .
حين رأيت الجو قد أخذته حمى السخونة غيرت الموضوع فقلت مازحا : أتريد أن أريك أين يسكن الملياردير المصري محمد فياض أو محمد فايد أو محمد آل فايد ؟ قال أعد ما قلت . أعدت قولي فرأيت صاحبي في غاية الذهول . ما بك يا أبا الطيب ؟ قال ملياردير مصري مقيم في لندن ؟ نعم يا صديقي . انه يقيم في هذا الفندق المقابل لنا على شارع  Park Lane   . قال ولم لا يقيم في بلده مصر . قلت ولماذا هربت أنت من مصر ؟ قال غلبتني يا لعين . فلنترك المزاح وللنصرف الى لقاء صديقك الشاعر عزيز السماوي .

وصلنا بيت صديقنا ومضيفنا الكريم حسب الموعد . كان في أنتظارنا واقفا بقامته المديدة في شرفة منزله ملوحا محييا مشرق الوجه .ما أن فتح باب شقته لنا حتى أخذ المتنبيء بالأحضان شاما مقبلا والدموع تتساقط من عينيه الكليلتين . عجز عن الكلام وأختنقت الكلمات . شد ما آلمني أن أرى المتنبيء منخرطا هو الآخر في نوبة بكاء ونحيب . أغرورقت عيناي فطيبت من خاطريهما مفتعلا البشاشة وبعض النكات السطحية .
بعد السؤال التقليدي عن الصحة والعافية وباقي الشؤون الشخصية طلبنا من أبي مخلص عزيز أن يقرأ علينا شيئا من آخر أشعاره . قال بل سأريكم فيلما بصوتي وصورتي . طلب المتنبيء اعادة مشاهدة الفيلم مرارا وكان مأخوذا خاصة بطريقة القاء الشاعر الشعبي عزيز . كانت السيدة أم مخلص تدور بيننا كالنحلة رافعة كأسا ناصبة أخرى . بين كؤوس الشاي والماء البارد قال أبو الطيب لعزيز لقد ألحقني صاحبنا ( يقصدني أنا ) بك بالنسب فأسماني مرة ( أبو جاسم السماوي ) وأنا كما تعلم أحد أبناء الكوفة مولدا ونشأة , ويعرفني جيدا المهندس السيد محمد مكية صاحب ديوان الكوفة. ضحك عزيز وأنفرجت أساريره ثم قال أن ذلك يسعدني ويشرف كل سماوي على وجه البسيطة . من الآن فصاعدا سأسميك ( أبا الطيب السماوي ) . قال أتشرف بأيما لقب يسبغه أخواني الشعراء علي .
كان عزيز السماوي يشكو من تفاقم مرض سكر الدم الذي أثر على قلبه ورؤيته كثيرا . لذا ماكان يقرأ شيئا الا بمساعدة جهاز مكبر خاص . وكان في قدمه جرح عصي على الأندمال .
في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر كان طعام الغداء جاهزا . وكرم أهل السماوة لا يحتاج الى دليل . أعدت أم مخلص كل ما قد يعن على بال العراقي المتغرب من أطعمة ومأكولات عراقية يحن لها من كان قد تعود في بلده عليها .
مع شاي بعد الغداء أتصل عزيز بصديقه الأذاعي فلاح هاشم مؤكدا وصول المتنبيء الى لندن وأنه الآن في ضيافته وأنه مستعد لأجراء مقابلة معه الساعة الثامنة مساء . أقفل التلفون طالبا من المتنبيء أن يقرأ له بعض أشعاره . اعتذر الرجل منتحلا ذات العذر : انه شاعر متقاعد وأقسم بعد تقاعده أن لا يقول ولا يقرأ شعرا . بالعكس , طلب من عزيز أن يقرأ له شيئا من أشعاره . العيون تخون يا أبا الطيب . رد عزيز .
في السادسة شكرنا أم وأبا مخلص على حسن الضيافة وجودة الطعام وحرارة اللقاء على أمل أن يجود الزمان بفرصة أخرى يجتمع فيها شملنا ثانية في لندن أو ألمانيا أو في السماوة.     
 
في السابعة والنصف جاء الصديق فلاح هاشم بسيارته الى فندقنا Bayswater Inn
الواقع على        8 - 16  Princes Square , London W2 4NT    
فركبنا معه الى أستوديوهات راديو سبكتروم    Spectrum  
دخل فلاح والمتنبيء في داخل ردهة البث الأذاعي فكانت موسيقى أغنية محمد عبد الوهاب ( خي خي ) تصدح شجية ساحرة . وضع فلاح لاقطات الصوت على أذني أبي الطيب وأشار من خلال الزجاج العازل لمهندس الصوت في أن يبدأ البث المباشر . لم يضطرب المتنبيء وكان رابط الجأش مسيطرا ومسرورا بهذه المقابلة .
أستمرت المقابلة ساعة ونصف الساعة , دارت خلالها الأحاديث المنوعة سياسة وشعرا وذكريات . سأل فلاح ضيفه عن رأيه في شعر اليوم وحال الشعراء فقال بدون تردد أنه يعتبر نزارا القباني ومحمود درويش من أفضل الشعراء . سأله فلاح ومن يأتي بعدهم من الشعراء ؟ قال سريعا : يحتل باقي الشعراء المرتبتين الثالثة والرابعة... في أحسن أحوالهم . سأله فلاح لماذا ؟ قال لأن مقومات الشعر وأركانه الأساسية ثلاث : الفكر واللغة الناطقة ثم الشعور . فان كان فكر أحدهم عاليا جاء شعوره واطئا وان كان الشعور عاليا جاء الفكر متدنيا . هذه هي المعضلة في الشعر . وهذه هي المهمة الأصعب التي تواجه الشعر والشعراء : كيف تقيم التوازن الحرج بين الأفكار والمشاعر , أقصد كيف تحول الفكرة الى شعور يتحسسه القاريء ويتاثر به كأنما هو شعوره الخاص لا شعور غيره . كيف تستفزه فتجعله يضحك حينا ويبكي أحيانا أخرى . كيف يسر ومتى يتألم لألمك كشاعر . فقولك مثلا اني سعيد لا يكفي , ينبغي عليك أن تقنعني كقاريء لشعرك أنك سعيد بالفعل لا بالقول . كيف تترجم أو تحول كلمة السعادة الى احساس يخترق عصب القاريء . والذي يقول لك أن الدم يسيل منه ليس كمن يريك الدم نازفا من عروقه فعلا.  هذه هي المعادلة الأصعب والأروع في دنيا الشعر : الفكرة - الشعور .  سأله وماذا عن اللغة . قال أن لغة أغلبهم لغة منطوقة وليست لغة ناطقة . اللغة الناطقة وحدها هي لغة الشعر . ثم أردف قائلا أني أعترف أن ثقافتهم عالية ولغتهم سليمة لكنها ليست على الدوام لغة شعر . لذلك - مختصرا - فالشعر الحقيقي نادر يا عزيزي .
بعد فترة استراحة قصيرة وبث لبعض الأعلانات عاد فلاح يحاجج المتنبيء متسائلا عن مصير هؤلاء الشعراء من القدامى المعروفين . قال لا مكان لهم اليوم في عالم الشعر. مر بهم الزمن وجرفهم أمامه . الزمن اليوم زمن ما يسمى بقصيدة النثر . الأذن العصرية لم تعد تستسيغ رتابة موسيقى أو أيقاع التفعيلة . التفعيلة قيد رتيب بغيض يذكر برتابة مطارق الصفارين وجلبة أسواق الصفر . لقد نبذ جيلكم بحور وقوافي الخليل بن أحمد الفراهيدي ظهريا . مسرح اليوم هو مسرح قصيدة النثر شئتم أم أبيتم عزيزي فلاح.
 تنهد فلاح الصعداء لا يدري كيف يعلق على أقوال ضيفه المتنبيء الذي كان جريئا وصريحا وواضحا كالزجاج . سأل فلاح أية أغنية يحب أن يسمع أبو الطيب . قال بدون تردد أحب سماع أغنية ( نخل السماوة يكول طرتني سمرة // سعف وكرب ظليت ما بيه تمره ) . سأله فلاح مداعبا ولماذا هذه الأغنية بعينها ؟ قال لأن صديقنا العزيز عزيز السماوي يتابع هذا البرنامج ويسجله في جهاز التسجيل . قال فلاح ضاحكا أي أن أبا مخلص يتلصص علينا . قال المتنبيء نعم وأكثر من ذلك , أنه يتجسس علينا . انفجرنا جميعا ضاحكين .
وبالفعل , كان عزيز السماوي يسجل في بيته هذه المقابلة التي كان طول العمر في أنتظارها .
بعد المقابلة قدم فلاح لضيف برنامجه نسخة من كاسيت تسجيل المقابلة قائلا يمكنك أعادة أستنساخ الكاسيت وتقديمه هدايا للأصدقاء والمعجبين .
أخذنا أخيرا فلاح بسيارته مشكورا الى فندق اقامتنا . في صالة الأستقبال سألني أبو الطيب عن برنامج اليوم التالي . قلت له سنزور جريدة الزمان وسنلتقي بالمسؤولين فيها . قال حتى في لندن يلاحقني الزمان . قلت له الزمان التي سترى غير الزمان الذي عانيت منه . هل نسيت قولك ( صحب الناس قبلنا ذا الزمانا // وعناهم من أمره ما عنانا ) . قال بلى والله , قد نسيت . الزمان أنساني كل شيء . الزمان أنساني حتى زماني . 

في الساعة الثالثة بعد ظهر اليوم التالي وصلنا مكاتب جريدة الزمان البعيدة قليلا عن مركز مدينة لندن . وكان الأخ نضال الليثي أول من قابلنا ونحن في طريقنا الى الطابق الأول . رحب الرجل بنا ترحيبا حارا وقادنا الى مكتبه وأمر لنا بالقهوة . فاجأناه بزيارتنا لأننا جئناهم دون تثبيت موعد للزيارة كما تقتضي الأصول في مثل هذه البلدان . كان كثير الأدب لدرجة أنه لم يسأل من نحن ولا عن الغرض من الزيارة . بعد القهوة بادرت أنا للقول جئنا نتعرف على الأستاذ رئيس تحرير جريدة الزمان . قام فورا قائلا عفوا , سأرى ان كان موجودا أو لديه الوقت الكافي لمقابلتكم . عاد دون تعليق وبقينا ننتظر . قدم لي بطاقة التعريف الشخصية . أدركت  على الفور أن الرجل يحثني على تعريف أنفسنا  فبادرت الى تقديم بطاقتي الشخصية له . بدا الكثير من الأطمئنان والسرور على وجهه الصبوح . بعد هنيهة قام ثانية قائلا أنه سيعود حالا . عاد ليدعونا الى مكتب السيد سعد البزاز رئيس تحرير الجريدة . استقبلنا سعد في وسط مكتبه الواسع مرحبا بنا بكل ود وحرارة . قال أعرف بعض أقاربك . قلت له أعرف ذلك . وأن هذا القريب ( زعلان ) عليكم لأنكم لم تنشروا كل ما أرسل لكم للنشر على صفحات جريدتكم . طلب من السكرتيرة أن تتصل بابن أخي علاء الدين في هولندا . لم تجده في بيته فأقترحت أن تتصل به على تلفونه في الجامعة . فعلت لكن علاء ما كان موجودا في مكتبه . ظل ( ابو جاسم السماوي ) صامتا طول الوقت . لم يسأل وما كان مستعدا أصلا أن يدخل في أي حديث . وما أبدى سعد البزاز أي قدر من الفضول لكشف سر هذا الرجل الصامت صمت أبي الهول . همس أبو الطيب في أذني قائلا ( أسأله من أي بزاز هو , وهل له علاقة قربى برئيس الوزراء الأسبق عبد الرحمن البزاز أو بوزير التربية السابق حكمت البزاز ؟ ) . سألت الأخ سعد هذين السؤالين فنفى أن يكون قريبا لأي منهما . قال انه مجرد لقب يدل على مهنة بيع الملابس  لا غير .  تذكرت ألقاب الصفار والصائغ والعطار والنجار والحكيم والأطرقجي وسواها من مهن وصنائع شائعة في العراق . بعد بضعة دقائق دخل المكتب شاب وسيم بوجه خجول باسم فقدمه لنا سعد قائلا ( دكتور فاتح عبد السلام ) . تجولنا جميعا برهة في بعض أقسام الجريدة ثم أخذنا دكتور فاتح الى مكتبه الخاص في الجريدة نائبا لرئيس التحرير . قدم لنا بعضا من آخر ما نشر من كتب أكاديمية وقصص وروايات . شكرنا الجميع وأنصرفنا الى باقي شؤوننا في لندن . لقاء آخر لا يتكرر في العمر , همس المتنبيء ونحن نغادر بناية الصحيفة.
في قطار عودتنا الى قلب لندن سأل أبو الطيب وماذا سنفعل غدا ؟ سنزور المتحف البريطاني يا أبا الطيب . شد حيلك لأن زيارة هذا المتحف تستغرق الكثير من الوقت . سترى فيه تراث وآثار أجدادك السومريين والأكديين والبابليين أجدادي ثم الآشوريين
أجداد سعد البزاز . قال على الفور وما علاقة الآشوريين بالسيد سعد البزاز ؟ قلت ان الرجل من الموصل ( مصلاوي ) , من نينوى عاصمة آشور . قال قد فهمت .

 

 

 


 

                                      - 25 -
                                        لندن
                               ( في المتحف البريطاني )

دخلنا المتحف البريطاني الذي يرمزون اليه بحرفي  B. M.   ففوجئنا بلافتة تقول
Pay one Pound , if you can             
الأمر الذي لا سابقة له في تأريخ هذا المتحف العريق . لقد كان دخوله دوما مجانا , فما الذي طرأ فبدل أعرافه السابقة ؟ وضع بريطانيا السيء يا أبا الطيب . البطالة والتضخم والكساد العالمي وزيادة نفقات التسلح ونفقات الحروب الباهظة التكاليف ونفقات الشؤون السرية وسواها من المهمات الدولية المتشعبة .  أنتبه صاحبي الى أن طلب الباون الواحد , وهو طلب زهيد , جاء بصيغة فعل الأمر ( أدفع باونا ) بدون كلمة( رجاء ) التي يحرص الأنجليز على قولها دائما وتحت كافة الظروف. 
لم نتوقف طويلا لدى تماثيل ملوك آشور والثيران المجنحة, ولا في قسم تماثيل مصر القديمة
وأذرع الغرانيت الضخمة , لأن أبا الطيب كان مشوقا لرؤية الجناح السومري ثم القسم الخاص بلوحات صيد الأسود الآشورية . أصر المتنبيء أن ألتقط له العديد من الصور أمام القيثارة السومرية ورأس الفتاة السومرية المحلى بزينات الذهب الخالص والأحجار الكريمة .
ما كان يصدق عينيه أبدا . سمعته يكثر من ترديد ( لا حول ولا قوة الا بالله ) . حاول التدخين فذكرته أن التدخين في المتحف ممنوع . لقد زحزحته أخيرا من مكانه الذي تسمر فيه مغريا أياه بالذهاب الى الجناح الخاص بلوحات صيد الأسود الآشورية . جرجر قدميه بصعوبة بالغة وهو يردد ( لا حول ولا قوة الا بالله ) . سألته لماذا الحوقلة يا أبا الطيب . قال هذا تأريخنا العريق . هكذا كنا وهكذا أصبحنا . كان لنا قبل خمسة آلاف عام موسيقى وغناء وطرب وألات طرب وصناعة ذهب وتعدين معادن وذوق فني رفيع المستوى . كانت لنا ( تكنولوجيا ) متطورة وأدب وملاحم أشهرها ملحمة جلجامش التي تعرف . تأخرنا كثيرا للأسف الشديد .
نسي المتنبيء همومه حين وجد نفسه في القسم الخاص بلوحات مطاردة الأسود وقتلها بالرماح وسهام قسي الملك الآشوري وفرسانه ومرافقيه . طلب مني التقاط المزيد من الصور له أمام هذه اللوحات رغم عتمة المكان المصممة خصيصا لحفظ اللوحات من تأثير الضوء الضار . فالألواح أصلا من طين وليست من حجر صلد . لقد أدهشته دقة رسوم الخيول التي تجر عربات الصيد ثم روعة تناسب أعضاء أجساد الأسود ودقة الوضع المتوتر الخاص لحظة اطلاق السهم بأتجاه اللبوة أو غرس الرمح في فم الأسد الذي يهاجم عربة الملك من الخلف . تلكم أمور يحار في تفسيرها المرء , قال المتنبيء . من أين أتى لهم كل هذا الكمال الفني النادر ؟ ولماذا كل هذا الأهتمام بصيد الأسود وليس بباقي الحيوانات ؟
خاصة وأن شعارهم هو الثور المجنح وليس الأسد . فالأسد رمز بابل التي دمروها والثور ليس كالأسد كما تعلم . أنتهزت فرصة كلامه عن الأسود فسألته ماذا قالت الشعراء في الأسود . بعد هنيهة تفكير قال أن خير من قال شعرا في الأسد هو الشاعر البحتري . قلت له وماذا قال البحتري ؟ في قصيدته التي وصف بها مصارعة وزير الخليفة المتوكل ( الفتح بن خاقان ) لأحد الأسود , وصف لحظة المقابلة بينهما أبدع وأتم وصف لا يأتيه الا شاعر عبقري . اتجهت اليه بكل ما في من أنتباه حاثا أياه على الأستمرار في الكلام . قلت له أقرأ الوصف . قال البحتري :

        فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا
    وأقدم لما  لم  يجد عنك مهربا

لا حظ هندسة البيت صدرا وعجزا . لاحظ طباق الفعلين الرباعيين ( أحجم ) و
( أقدم ) ثم مواجهة المطمع بالمهرب وهما نقيضان . لاحظ مرة ثانية سحر التضاد في اتجاه الحركة الفضائي ما بين الأحجام ( التقهقر الى الخلف ) والأقدام ( الأندفاع الى الأمام ) . هذا التناقض في الأتجاه الفيزيائي للحركة لمما يبهر قاريء هذا البيت , بل ويهزه هزا . انه قمة الأبداع في شعر البحتري . قلت له لكن لك في الأسد لشعرا رائعا ووصفا لم يسبقك اليه أحد من الشعراء لا قديما ولا حديثا . قال تقصد القصيدة التي مدحت بها
( بدر بن عمار ) أمير طبرية ؟ نعم يا أبا الطيب . قال وما تحفظ منها ؟ أنشدته على الفور :

    ورد اذا ورد البحيرة شاربا
    ورد  الفرات زئيره  والنيلا
    
    في وحدة   الرهبان  الا أنه
    لا يعرف التحريم والتحليلا
    
    يطأ الثرى مترفقا  من تيهه
    فكأنه   آس  يجس   عليلا 

    ويرد   عفرته   الى يافوخه
    حتى  تصير   لرأسه أكليلا

    ما زال  يجمع  نفسه   في زوره
    حتى حسبت العرض منه الطولا

قاطعني قائلا أحسنت في ذكرك هذا البيت الأخير . ففيه حققت ما قد حقق البحتري قبلي من أبداع . هذا البيت صنو في الصياغة الشعرية لبيت البحتري الذي يأخذ بالألباب.  قلت له أوافقك مائة بالمائة يا أبا الطيب . لا يغلبنك شاعر مهما بلغ شأوه . لقد رسمت في هذا البيت صورة يعز نظيرها في دنيا الشعر اذ صورت حال جسد الأسد في لحظة أستعداده للوثوب على متحديه دفاعا عن نفسه . يتساوى العرض والطول في تلكم اللحظة الحرجة , حتى لكأن الأسد بأختصاره لطول جسمه انما يختزل الزمن متعجلا وقوع النتيجة الحاسمة اذ ليس لديه  الكثير من الوقت للأنتظار . اما قاتل أو مقتول . انه يجمع سني عمره في نقطة واحدة لا غير . انها فلسفة تركيز الزمن في لحظة واحدة يأتي بعدها الأنفجار المدمر الذي يحرر طاقة المادة المخزونة في الذرة أو على قاعدة صرخة شمشون الجبار ( علي وعلى أعدائي يا رب ) . هم أبو الطيب أن يقول شيئا لكنه أحجم ولم يقله .
ما كان الرجل ليريد أن يغادر هذا المكان من المتحف البريطاني لولا ألحاحي في أن نتناول شيئا من الطعام في أحد مطاعم لندن . جررته جرا نحو مطعم أغريقي قريب لنأكل فيه الدونر كباب الذي يهوى . بعد الطعام والقهوة المرة أقترح أن نقطع شارع أكسفورد مشيا على الأقدام ما دام النهار هو آخر نهار تبقى لنا في عاصمة الأمبراطورية البريطانية .
كان الشارع كعادته شديد الزحام يعج بالبشر من مختلف الألوان والملل والنحل . سألته أيحب أن يبتاع من هذا الشارع شيئا يحتفظ به للذكرى ؟ قال كلا . سأنسى سريعا ذكريات لندن حين أعود الى مكان أقامتي في المانيا . الذكريات تؤلمني وتشجيني . الأفضل لي أن أنساها وأن أشغل النفس بسواها . قلت له وماذا عن لقائنا بالصديق الشاعر عزيز السماوي . قال ذلكم أمر آخر . لا ولن أنسى دعوته في بيته ولا الطعام الفاخر الذي أعدته  لنا السيدة أم مخلص . قلت له وماذا عن أسود آشور وجداريات مطاردتها وجمال الخيول الأصيلة ودقة نقشها واللبوة القتيلة بأكثر من سهم مطروحة على ظهرها كأنها تشكو مقتلها الى رب السماء ؟ قال لا تذكرني بهذا الأمر . انه فوق ما يحتمل البشر . كيف تجتمع قساوة الأنسان وأعلى درجات الفن , كيف ؟ قلت له وماذا عن أمسية ديوان الكوفة الأدبية ؟ قال أتفقت وصديقي محمد مكية أن نكون على أتصال وثيق عن طريق التلفون أو الفاكس أو الرسائل وأن يدعوني كلما أنتظم حفل أو مهرجان ثقافي في ديوانه . قلت له حتى لو لم تقرأ شيئا ؟ قال قد تفهم الرجل ظروفي وطبيعة قراري . واذا عرف السبب زال العجب والعتب . قلت له وهل حققت زيارتك هذه كل أمانيك أو جل ما كنت تتوقع منها رغم قصرها ؟ قال ما زال في نفسي أمر لم أحققه . ما هو يا أبا الطيب ؟ قال لم أتمتع بسفرة في زورق على نهر التايمس . لا بأس عليك أبا محسد . سنقوم بذلك في السفرة القادمة . تنهد الرجل متسائلا بكل هدوء كأنما كان يكلم نفسه : ومتى سيكون ذلك ؟ قريبا جدا يا عزيزي . المهم تهيئة وأنضاج الظروف المناسبة . ضحك صاحبي بمرارة ساخرة قائلا أراك تتكلم بمنطق رجال السياسة والتاكتيك والستراتيج . قلت له لا شأن لي بالسياسة ولا التكتكة ولا السترجة . تقاعدنا يا أبا الطيب كما تقاعدت أنت عن الشعر . لا العمر يسمح ولا الصحة . ولقد أصبح كلانا زاهدا في بيتك الشعري الذي قلت فيه

    أريد من  زمني  ذا  أن يبلغني
    ما ليس يبلغه من نفسه الزمن

أخذ من سيجارته نفسا عميقا ثم قال هامسا

    بم  التعلل  لا  أهل  ولا وطن
    ولا نديم ولا كأس ولا سكن

حين أنهينا شارع أكسفورد مشيا على الأقدام وجد أبو الطيب نفسه وجها لوجه أمام البوابة المسماة  Marble Arch   . توقف فجأة ودخل في لحظات تفكير عميق . لم يحرك قدميه ولم يشأ أن ينطق أي حرف . وقف ذاهلا غائبا عني وعن عالمه . ما بك يا أبا الطيب ؟ لا شيء لا شيء . أتركني للحظة وشأني . تركته في غيبوبة الوجود أرقب حاله التي ألفتها منذ زمن بعيد . سرح ببصره بعيدا وهو ينفث من أعماق صدره سحب الدخان الكثيفة . لم يأبه بتطفل المارة وما كان أصلا حاسا بوجودهم . حين أنهى سيجارته شرع يكلم نفسه قائلا : يجلس هناك اللورد الشاعر بايرون , يجلس في تلك الزاوية من حدائق الهايد بارك مع قلمه وأوراقه وكلبه . لعله يروم أن يكتب شيئا لم يعرفه ناس زمانه . يحتل ركنا يقع بين قصر القتيلة ( دايانا ) وشارع شقة السيد محمد الفايد . كان بايرون ثائرا ومغضوبا في بلده عليه . كانت دايانا أميرة أما السيد آل فايد فانه مليونير معروف , صاحب مخازن هارودز الشهيرة . ما الذي جمع ما بين هؤلاء الثلاثة ؟  قلت كان الرجل يتكلم مع نفسه بصوت مسموع فأجبته انها الحياة التي جمعت معا هؤلاء الثلاثة يا عزيزي أبا الطيب . التفت الي مقطبا ما بين حاجبيه قائلا : ماذا تقصد ؟ قلت ان بايرون رجل أنجليزي ودايانا سيدة أنجليزية والهايد بارك يتوسط العاصمة البريطانية وقصر الملكة ليس عن هذا المكان ببعيد و ... فقاطعني قائلا أما السيد محمد  آل فايد فان وزارة الداخلية البريطانية ترفض منحه جواز سفر بريطاني كما تقول الصحف!! لم ينفعه ماله . فليرم به في أعماق نهر التايمس . قلت ألهذا تود القيام بسفرة نهرية خلال هذا النهر ؟ قال كلا . أموال الفايد شيء ورغباتي شيء آخر , لا علاقة لها بالمال ولا بالبشر . قلت هيا أذن فلنسرع الخطى . سنتناول طعام العشاء في أحد المطاعم العربية في شارع  Edgware Road   , وسيسعد أبو الطيب برؤية سياح الخليج وعوائلهم وأطفالهم يجوبون هذا الشارع مرحين مسرورين ليلا ونهارا . وسيرى مقهى خاصا يقدم النارجيلة لمن يود التمتع بها . أبتسم الرجل بصدق وعفوية ثم قال أتباع بقلاوة جيدة في مخازن هذا الشارع ؟ قلت أجل , ولكنها ليست بقلاوة بيروت وبلاد الشام . بقلاوة لندن تصنع في لندن والفارق كبير يا أبا الطيب . سمعته يردد مع نفسه ( وفي المدامة معنى ليس في العنب). قال ساخرا : لا أترك لندن من أجل البقلاوة. سأعود نفسي على نوعيتها التي لا تضاهي نوعيات بقلاوة بيروت ودمشق وحلب . قلت له وهل سمعت ببقلاوة ( حداد ) و ( نعوش ) ؟ قال رحم الله أيام ذاك الزمان . لم يبق في بغداد لا حداد ولا نعوش ولا شربت الحاج زبالة في شارع الرشيد قريبا من مقهى حسن عجمي ولا شربت جبار أبو الشربت في بداية شارع أبي نؤاس في بغداد . أضفت قائلا لعلمك يا أبا الطيب , لقد ذكر الشاعر والقاص عبد الهادي سعدون الحاج زبالة وجبار أبو الشربت في مجموعته القصصية الأخيرة التي أعطاها عنوان " انتحالات عائلة "  ( أزمنة للنشر والتوزيع , عمان, الطبعة الأولى 2002 ) . قال ومن يكون هذا السعدون ؟ قلت انه ناشر وشاعر يدرس ويعمل في العاصمة الأسبانية مدريد. قال هل له صلة قربى بالمرحوم دون كيخوت ؟ قلت كلا . لا أقرباء له في مدريد . ثم انه رجل عصري واقعي لا يقاتل طواحين الهواء , انما يقاتل بقلمه وعلى صفحات مجلته " ألواح " طواغيت زمانه التي تعرف وأعرف . يعمل  هذا الشاب المكافح أغلب ساعات الليل عاصر برتقال أو نادلا في أحد بارات مدريد الليلية كي يستطيع أن يواصل دراسته الجامعية العليا وأن يواجه متطلبات حياته الأخرى . انه مكافح من الدرجة الأولى يا أبا الطيب ومثال ممتاز لقوة ارادة الحياة الخيرة المتطلعة أبدا الى السماوات العلى . هز الرجل رأسه موافقا ثم قال أريد أن أقرأ قصص وأشعار عبد الهادي . القصص نعم , تستطيع أن تقرأها وأن تفهمها , أما أشعار الرجل فعصية على فهمك يا عزيزي . انه يكتب قصيدة النثر التي لا عهد لك بها . وقد داعب في بعض شعره مرة المطرب داخل حسن , هل تعرف هذا المطرب ؟ قال كلا , بل أعرف سعدي الحلي . على أية حال , قال , سأستمتع اذن بما يكتب عبد الهادي سعدون من قصص وسأترك سوريالية شعره الى أمثالك من جيل القطب الواحد والعولمة وقصائد النثر العابرة للقارات والأزمنة .
ونحن نقترب من مدخل فندقنا قال المتنبيء : على ذكر دون كيخوت ... أليس لعبد الهادي رفيق مثل سانشا بانشا ؟ قلت بلى ورب الكعبة . له صديق حميم هو الروائي الفذ السيد محسن الرملي . قال لا حول ولا قوة الا بالله !! لا دون كيخوت في الحياة الا وله سانشا بانشا . أعترضت منبها أبا الطيب أن عبد الهادي ليس كدون كيخوت , وأنه لا يقاتل طواحين الهواء . قال أفهم يا رجل قصدي جيدا . الذي يقاتل طواغيت الزمان بقلمه فقط كمن يقاتل طواحين الهواء بسيفه الخشبي . قلم الخشب كسيف الخشب , كلاهما خشب في خشب . قلت متضاحكا وماذا عن شربت جبار أبو الشربت ؟ قال سواء بسواء ... كشربت الحاج زبالة في حيدرخانة شارع الرشيد في بغداد ... أصباغ جميلة وكثير من  السكر وهشيم الثلج . طيف زبيب في الحيدرخانة والكثير من قشور الرمان في بداية شارع أبي نؤاس على دجلة الخير وأم الطواحين ... عفوا .. أم البساتين .

نهضت مبكرا صباحا فحلقت وجهي وتحممت وأرتديت ملابسي على عجل لألتقي بصاحبي حوالي الساعة الثامنة لتناول طعام الفطور في مطعم الفندق كما تعودنا صباحات الأيام القليلة السالفة . اليوم نغادر لندن الساعة الثانية بعد الظهر عائدين الى مكان اقامتنا في مدينة ميونيخ الألمانية . طال أنتظاري فشرعت بتناول فطور مختصر اذ أنتابني شيء من القلق . هل أصابت صاحبي وعكة صحية جراء ما تناولنا مساء أمس من طعام في المطعم العربي ؟ كلا . لو كان ذلك صحيحا لأصابني ما قد أصاب صاحبي من مكروه ... مغص في المعدة أو أسهال مثلا . هل غط صاحبي في نوم عميق ؟ جائز . اذن سأذهب اليه في حجرته لأستجلي الأمر أو لأوقظه من سباته . طرقت باب حجرته مرارا , طرقا خفيفا باديء الأمر ثم ازداد الطرق حدة . لا جواب . بقيت الباب مغلقة . ماذا حل بصاحبي ؟ هل أسأل أدارة الفندق عن الأمر ؟ كلا . سأحاول أن أفتح باب الحجرة . فتحت الباب وما كان موصدا فذهلت أني لم أجد أبا الطيب  . أين ترى غاب الرجل ؟
ماذا حل به ؟ هل نقلوه ليلا الى المستشفى ؟ أخذت أحد المصاعد نازلا الى ادارة الفندق مستفسرا عما حل بالرجل صاحبي . فوجئت أن لا علم لأدارة الفندق بالأمر . صعد أحد المسؤولين معي الى حجرة صاحبي وشرع يبحث عنه في دولاب الملابس وتحت الفراش وفي الحمام وفي بيت الراحة فلم نعثر له على أثر . أين أختفى الرجل ؟ وأين حقيبة ملابسه المتواضعة ؟أتصل المدير بشرطة لندن ينقل لهم الخبر المشؤوم ... اختفاء الشاعر أبي الطيب المتنبيء . كنا في الفندق مساء أمس معا حتى لآخر لحظة قبيل النوم . أتفقنا أن نجهز حقائبنا وأن نلتقي الساعة الثامنة على طعام الفطور . ماذا حل بالرجل ؟ أعطيت افادتي للشرطة مفصلة وكان أكثر أسئلتهم مركزا على وقائع اليوم السابق ولا سيما الساعات الأخيرة التي قضيناها معا سواء في شارع أكسفورد أو في شارع  Edgware Road   وفي أي مطعم تناولنا عشاءنا الأخير وماذا أكلنا ومن قدم لنا الخدمات في المطعم وغيرها الكثير من الأسئلة . طلبوا مني البقاء في لندن وألغاء موعد سفري الى ألمانيا لدواعي أتمام التحقيق . أقنعتهم أن ذلك غير ممكن نظرا لأرتباطي ببعض المواعيد الهامة . تركت معهم رقم هاتفي وعنواني كاملا في ميونيخ وقلت لهم أني على استعداد للعودة الى لندن ان أقتضت الحاجة . شكروني وأنصرفوا قائلين أخبرنا على الفور بما يستجد من أمور لها علاقة بحادث اختفاء الشاعر الشهير أبي الطيب المتنبيء .

ما كنت أرى في سماء لندن الا الظلمة والأحباط . أخذتني سيارة التاكسي الى محطة  فكتوريا لأستقل الباص الذاهب الى مطار هيثرو . ظلام في ظلام. أين صاحبي أبو محسد ؟ ماذا سأقول لأصدقائنا في ميونيخ ؟ كيف سأخبر الشرطة الألمانية عن اختفائه في بلد آخر وقد سافرنا الى لندن معا ؟ وهل تساوي ميونيخ شيئا بدون شاعري العظيم أبي الطيب ؟؟  من سيملأ فراغ هذا الرجل في حياتي الباقية ؟؟

وصلت منزلي في ميونيخ لأجد أمامي رسالة بالفاكس يقول المتنبيء فيها :
عزيزي وصديقي الوفي /

لا تبتئس بعدي ولا تحزن ولا تهن . ليبق رأسك مرفوعا فوق كتفيك عاليا . واصل القراءة والكتابة كعادتك ليلا ونهارا كي تنسى أوجاعك ولربما تنساني . ستعوضك الحياة
بمن هو أفضل مني .

أعتذر اليك أني قررت البقاء في لندن منذ أن شاهدنا معا في المتحف البريطاني ألواح حملات ملوك آشور لصيد الأسود . شيء ما غامض , جد غامض , شدني الى ذلكم التأريخ السحيق . تخيلت نفسي أقف مع الملك الآشوري خلف خيول عربته الملكية حاملا رمحا وقوسا وسهاما . تماما كما كنت أقاتل الروم كتفا لكتف مع سيف الدولة الحمداني. مشهد القتال يستهويني ويستفز طبعي حتى لو كان قتالا بين أنسان وأسد . لعن الله بني أسد الذين كما تعرف قد أغتالوني وسبوا عيالي وخدمي وحشمي وعبيدي ونهبوا ما حملت معي من بلاد فارس من نفيس الهدايا والمتاع .

أجل صديقي ... سأبقى هنا ما دام المتحف البريطاني قائما , ففيه ملاحم أجدادنا وتأريخنا جميعا مذ سومر وأكد وبابل وآشور . أجد نفسي فيهم وواحدا منهم . هم جذور تأريخي وأسس كياني ثم أنني ألم قليلا بلغة الأنجليز الذين فتحوا عام 1917 عاصمة الرشيد بغداد وأستعمرونا ثم أستوردوا ملوكا لنا . فهم ليسوا غرباء علي والناس كما تعلم على دين ملوكهم والمقهور ظل قاهره . وعليه أرى نفسي أقرب أليهم من الجرمان أصحاب ( الهر هتلي ) والبارباروسة. فلقد قضيت في بلدهم قرابة عام دون أن أستطيع أن أتلفظ كلمة واحدة بشكل سليم . اللغة , عزيزي , هي جذورك في أرضك وأساس بيتك.
أما لم لم أخبرك بقراري في حينه وكيف غادرت الفندق ومتى ... فذلكم أمر سأكتب تفاصيله لك في الوقت المناسب . وسأبعث لك عنوان أقامتي في بريطانيا العظمى لتزورني بين الحين والآخر . سأكون مسرورا بزياراتك غاية السرور ولسوف تستغني عن فنادق لندن الغالية وسراديبها وحماماتها الضيقة . ثم أن في لندن خاصة كثرة من الشعراء والأدباء وعلى رأسهم صديقي السابق وراويتي المستر علي بن حمزة البصري الذي هرب متبرئا مني في ساعة الشدة لأسقط قتيل سيوف أعدائي في دير العاقول في ظاهر النعمانية.
وأخيرا ان في لندن جريدة صاحب الزمان الذي ينشر خواطرك عني مشكورا .

                                                     التوقيع

                                    (  صديقك أبو الطيب المتنبيء  )

 

 

 

 

 

 

 

 


                                        - 26 - 

                      ( المتنبيء في بريطانيا )

قرأت الفاكس الذي أرسله لي صديقي أبو الطيب المتنبيء من أنجلترا فتنازعني شعور الفرح من جهة وقلق عميق من الجهة الأخرى . فرحت أن صديقي لم يزل بخير وأنه لم يتعرض
لحادث أختطاف أو أبتزاز أو أغتيال . وقلقت أشد القلق أن صديقي سيمر بتجربة لجوء جديدة ما أطولها على أمثاله وما أكثرها تعقيدا . صحيح أن لديه الماما متواضعا باللغة الأنجليزية وأن لندن قد أعجبته بحيث أنه لم يخف هذا الأعجاب . وأنه أعرب عن ذهوله بما رأى من معروضات آثار أجداده الغابرين في قاعات المتحف البريطاني . من له كمثلي من صديق في بريطانيا ؟ وهل سيبقى الى الأبد معجبا ببلاد قاهريه وصانعي ومستوردي الملوك ؟ هل سيتحمل البرد والضباب والمطر ؟ لا أدري . كان القرار قراره فليتحمل النتائج كاملة . لعله مصيب وأني المخطيء في تقديراتي وتحفظاتي . أجل , قد يكون الرجل على صواب في قراره فلم الحزن والجزع ؟ من قال أن ألمانيا أفضل من بريطانيا ؟     ثم هل يستطيع الرجل المقام في أرض واحدة طويلا ؟ مكلف بفضاء الله يذرعه ( أبن زريق البغدادي ) .  ألم يقل مرة

    على قلق كأن الريح تحتي
    أوجهها جنوبا   أو شمالا 

 من ذا الذي يقدر أن يسجن الريح في قفص من جريد , من ؟؟ دعه يجرب حظه في بلد آخر اذ ضاقت الدنيا بعينه في ألمانيا بعد أن فشل في أن يجد لنفسه عملا مناسبا يكسب به قوت يومه ويدفع أيجار شقته المتواضعة . العراقيون والعرب كثر في بريطانيا ويصدر في لندن الكثير من الصحف والمجلات الناطقة باللغة العربية والمتنبيء أحد سادة هذه اللغة التي قال يوما عنها (( أنام ملء جفوني عن شواردها // ويسهر الخلق جراها ويختصم )) . ثم في لندن بعض الفضائيات العربية فضلا عن راديو سبكتروم وهيئة الأذاعة البريطانية / القسم العربي , حيث يعمل هناك الكثير من معارف ومحبي المتنبيء عراقيين وعربا . سيرحبون به كاتب عمود يومي في أحدى الصحف أو محرر برنامج أدبي أو ثقافي عام في بعض محطات الأذاعة أو لدى احدى الفضائيات . هنا وبكل تأكيد تتفوق لندن على ميونيخ أو على أية مدينة ألمانية أخرى , بكل تأكيد . فلماذا اللجوء الى طلب اللجوء ما دام المرء قادرا على العمل ؟ وفي العمل حرية وكرامة وكبرياء الرجل . دعه يجرب حظه في بلاد صديقه شكسبير . ولعله يزور يوما نصب الشاعر الثائر بايرون فيعن له أن يقرأ في حدائق الهايد بارك قريبا منه بعض أشعاره الثورية التي أستفزت أهل زمانه .  

قرأت الفاكس مرات عدة لكني لم أشأ أن أهيء الرد المناسب عليه . ببساطة لأن المتنبيء لم يترك لي عنوان اقامته في لندن أو في أحدى المدن البريطانية الأخرى , فما جدوى الرد الفوري . فلأنتظر بعض الوقت لعله أن يكتب لي ثانية مثبتا عنوانا أو رقم تلفون . ثم لم يحمل الفاكس الذي أرسل لي أي رقم . لعله استخدم جهازا خاصا لا يروم صاحبه كشف هويته , فأجهزة الفاكس تثبت أرقامها عادة حين ترسل رسالة ما .  فلأنتظر ... فالعجلة من الشيطان يا أبا فلان . أنتظر فالصبر مفتاح الفرج .
قضيت الكثير من الوقت مفكرا في أمر صديقي . ما الذي حمله على البقاء في بريطانيا وعهدي به لا يحب الأنجليز , لا الجنرال مود ولا المس بل ولا يحب الملك فيصل الأول ولا نوري السعيد . وكان يتذكر دوما ثورة العشرين ومعارك الرارنجية وأهزوجة ( الطوب أحسن لو مكواري ) و ( يا حسين الطاير ماذينا ) وسواهما من أهازيج الثوار المعروفة . لماذا تغير الرجل , أو ما الذي ترى قد غيره على حين غرة وخلال سفرة واحدة الى العاصمة لندن . هل أتصل بأحد من وراء ظهري ؟ هل أصطادته بعض الأجهزة السرية المشبوهة كما كانت تفعل زمن الحرب الباردة فتصطاد علماء الكتلة الأشتراكية وسواهم من أعلام الدبلوماسية وأبطال الرياضة ؟؟ . ثم أننا لم نفترق عن بعضنا خلال فترة مكوثنا معا في لندن خلا فترات النوم في الفندق ليلا . من أتصل به في ظلام الليل وكيف عرفوا رقم غرفته ؟؟ تذكرت فجأة فأخذت أردد (( أجتنبوا كثيرا من الظن . ان بعض الظن  أثم )) . ان بعض الظن أثم , وأي اثم !! M15 .... M16   .  . ان بعض الظن أثم.
لم أجرؤ أن أبرح داري , فمكثت أسبوعا لا أغادره خشية أن يراني الأصدقاء وحيدا دون رفقة صاحبي الشهير . ماذا سأقول لهم ان سألوا عنه ؟
نفذ ما في الثلاجة من طعام فوجدتني مرغما على مغادرة داري للتسوق ولقضاء بعض الحاجات الضرورية الأخرى . وغدا الجواب جاهزا في رأسي : سأقول لمن يسأل عن سر تخلف المتنبيء في لندن أن  قد حصل الرجل على عرض أولي للعمل في احدى صحف لندن , وكفى الله شر المؤمنين القتال .
بقيت لأكثر من أسبوعين أتحاشى لقاء الأصدقاء دفعا للحرج ولكيما أكسب بعض الوقت لعل صاحبي يكتب لي أو يفتح تلفونا أو أن يرسل فاكسا آخر أو أن يؤوب الى ميونيخ عائدا كعودة الأبن الضال . كل شيء ممكن في الحياة . لعله يمل لندن أو أن ينتفض على من ورطه ان كان هناك من مورط وورطة . ثم ان الرجل ملول محمول ومجبول على القلق والأرق لا يعرف الثبات ولا الأستقرار .
لم يطل العذاب , فلقد كتب أبو الطيب رسالة مطولة أقتطف بعضا مما جاء فيها :

( عزيزي أبو فلان / أبشرك بشروعي في عملي الجديد في لندن محررا أدبيا في صحيفة
" الشرق الأوسط " . لقد فوجئت أن الأستاذ خالد القشطيني هو الآخر أحد العاملين في هذه الصحيفة . قد تفاجأ ان علمت أن الأستاذ عبد الباري عطوان أعتذر عن طلبي العمل في صحيفته " القدس العربي " بحجة أنه لا يتعامل مع المعارضة العراقية . له حق , فظروفه معروفة وعلاقاته متينة مع بغداد . فهل يكون المتنبيء سببا في قطع أرزاق الناس ؟ معاذ الله.
ثم هناك امكانية أخرى للعمل في مجلة " المجلة " الأسبوعية مسؤولا عن الصفحة الأدبية التي كان يحررها المرحوم الشاعر " بلند الحيدري " .      
وهناك وعود كثيرة للعمل في فضائية " المستقلة " وفضائية  ANN  بل وحتى لدى هيئة الأذاعة البريطانية المسماة بي بي سي  BBC  . وعود كثيرة ومجالات عمل كثيرة والرزق على الله الكريم .
لقد تم اسكاني مؤقتا مع عائلة بريطانية صغيرة تتكون من سيدة مطلقة شابة وأبنتها الطفلة
" لويزا " . أدفع أربعين باونا في الأسبوع , وتقوم السيدة " كاثرين " صاحبة البيت بغسيل وكي ملابسي مشكورة . أحمل لها لقاء ذلك في بعض المناسبات باقات الورود ولطفلتها بعض الحلوى وهدايا أخرى تناسب سنها . لا أكاد أراهما الا في الأماسي في أوبتي حوالي الثامنة والنصف من عملي . سعيد في بيتي الجديد وأهل البيت أكثر مني سعادة بوجودي بين ظهرانيهم . أن بيت أهل كاثرين ليس بعيدا عنها , اذ يزورها والدها ووالدتها  RUTH   وأشقاؤها يوميا تقريبا . تذكرني هذه العائلة الكريمة بأجوائنا الشرقية . يتزاورون على الدوام , يزورون المسارح والأصدقاء معا , ويحتفلون بالمناسبات المنوعة معا , ثم يتناولون طعام عشائهم في مطاعم لندن الراقية في أمسيات السبت . هذا دأبهم الذي لا يتغير , وتحفة الجميع الطفلة البارعة الحسن لويزا .
ماذا يريد أبو الطيب أكثر من ذلك ؟ لندن والشرق الأوسط وخالد القشطيني وأحدب بغداد السيد الألوسي وكاثرين ولويزا ثم الأم روث . لقد قلت كما تعلم في بعض أشعاري ( أريد من زمني ذا أن يبلغني // ما ليس يبلغه من نفسه الزمن ). أليس هذا ما قصدت بهذا البيت ؟ ما ليس يبلغه من نفسه الزمن .  أراك توافقني . ليتك معي فنفوز فوزا عظيما يا عزيزي . معك ستكون أجواء لندن أفضل وهواؤها أنقى وطعم الدونر كباب الأغريقي أشهى وألذ . سأفتقدك كلما أزور المتحف البريطاني أو حين ألقي التحية على صديقنا الشاعر الأعرج بايرون . وأتخيلك تمشي معي في شارع أكسفورد أو ريجنت
REGENT STREET  .  سأكلم السيدة كاثرين وعائلتها كثيرا عنك صديق العمر والمهمات الصعبة . صديق الجد والهزل والمقالب والمصائب. ستزورني وستمكث معنا ففي البيت الكبير غرفة فارغة أخرى في أعلى قسم منه يدعى  ATTIC  .
لا تقلق علي رجاء فالأمور كافة تجري على ما يرام . أنا جد سعيد بعملي الجديد وسكني الجديد في كنف كاثرين والطفلة لويزا . دم لأخيك . أكتب لي على وجه السرعة فشوقي لك لا حدود له  . التوقيع / صديقك الى الأبد / أبو الطيب المتنبيء . عنوان البيت :
 44 Leeds Road                        
London  4 W 9JH                    
U.K.                                         
 
 قرأت الرسالة مرات عدة . وظلت بي رغبة عارمة لمواصلة قرائتها . أردت أن أسمع عبر التلفون صوته لكن الشاعر لم يرسل لي بعد رقم هاتفه . ترى كيف أستقبله زملاء العمل في هيئة تحرير صحيفة " الشرق الأوسط "  ؟ ولماذا يكتب مقالاته وتعليقاته بأسم مستعار؟ كيف تمشي أموره في لندن وما هي طبيعة علاقته بصاحبة الدار السيدة           " كاثرين" ؟ أسئلة كثيرة ولا من جواب شاف لها . كلما أمعن في تعداد مثل هذه الأسئلة يزداد فضولي أضعافا مضاعفة ويزداد شوقي لرؤية صاحبي الذي تخلى فجأة عني وفي ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ليست طبيعية . على أية حال , سأكتب له مساء رسالة مطولة . سأزين له ترك لندن والرجوع الى ألمانيا . سأمنيه بأحتمال أيجاد عمل له في معهد الأستشراق مرجعا ومستشارا وعالما في اللغة العربية . وهناك احتمال قوي أن تكلفه الجهات الحكومية المختصة أن يتولى أختبار آهلية المرشحين لوظيفة مترجم وأمتحان قابلياتهم في مجال  قواعد اللغة العربية  ونحوها وصرفها ومفرداتها . مجرد امكانيات نظرية محتملة ليس الا . عسى أن يوافق صاحبي ويعود الى شقته ومكانه في مدينة ميونيخ قريبا من سويسرا والنمسا وايطاليا وجبال الألب .
جلست مساء الى مكتبي وكتبت لصديقي المتنبيء رسالة ضمنتها كل هذا الكلام. يا لغرابة الأنسان !! أكتب وأعاني من صراع حاد : أأواصل حثي في أن يعود الرجل الى ألمانيا أو أن أدعه يجرب حظه في عاصمة الأمبراطورية البريطانية ؟ لقد نجح الرجل في ايجاد عمل مناسب يلهيه عن نفسه وعما هو فيه وعن مصائب زمانه , فلماذا الحث على ترك هذا العمل والأوبة الى ألمانيا ؟ عصفور في اليد خير من مليون على الشجرة . دع الرجل وشأنه الذي هو فيه . دعه يجرب حظه مع السيدة الأنجليزية " كاثرين " . لعلها تقع في حبه يوما فتعرض عليه الزواج الذي قد يقبله وربما يعتذر عنه . أحتمالات ... الحياة احتمالات وفرص ممكنة وقابلة للتحقيق . حين يتحرك المرء تتحرك معه وله الحياة . الزمن هو مقياس الحركة . والزمن لا يتكرر ولا يكرر نفسه . دعه يتحرك ويجرب زمنا آخر ونمطا من الحياة آخر ولسانا لغويا آخر ومحيطا عائليا جديدا غاية الجدة عليه . كاثرين قد تقلب حياته رأسا على عقب . قد يجد فيها ضالته المنشودة .
مزقت الرسالة وكتبت له بدلا عنها ما يلي :

عزيزي وشاعري وسيد شعراء العربية طرا
تحياتي وسلامي وبعد ,
وصلتني صباح هذا اليوم رسالتك الكريمة فطرت من فرحي بها وحلقت في الأجواء الساحرة العليا . لقد شوقتني رسالتك كثيرا الى لندن والى أن نكون ثانية معا , فالحياة لا تساوي شيئا بدونك . هل أقول عد لي والى ميونيخ لنعيد سيرتنا الأولى في هذه المدينة التي احتضنتنا قرابة العام فتمتعنا بها وفي ما يحيط بها من جبال وغابات وبحيرات ومدائن فائقة الروعة ؟ ثم جوها الثقافي وأماسيها الأدبية ومقاهيها ومسارحها التي تعرفت فيها على الصديق " دون كيخوت " , الأنسان الطيب المكافح من أجل خير البشرية ومثل الأنسان العليا . ثم صاحبتك الغجرية " كارمن " سيدة الطرب والغرابة واللعب على أعصاب المغرمين . هل تستطيع نسيان شاعر فلسطين " محمود درويش " وقصيدته التي ألقاها في أحدى ساحات مركز مدينة ميونيخ حول مصرع الطفل " محمد الدرة " ؟ ولا أحسبك ناسيا أمسية الشاعر الذي يسمي نفسه " أدونيس " . سأفتقدك . سأفتقدك كثيرا. سأفتقدك ليلا ونهارا على حد سواء . سأفتقد نقاشاتنا وأماسينا وحياتنا التي أمضينا سوية في السراء والضراء . سأفتقد طعامنا معا وشايك الثقيل الفائق القوة والمشبع برائحة الهيل والقرفة ( الدارسين ... كما نسميه في العراق ) . سأفتقد أبا الطيب كثيرا .

توقفت عن الكتابة فجأة . كأني تذكرت أمرا على جانب من الخطورة .
تذكرت أني مزقت قبل قليل رسالة تحمل الكثير من محتوى هذا الكلام , فلماذا كررت ورددت, لماذا ؟ لماذا محاولة توريط الرجل بأغرائه بجميل الذكرى وجر قدمه لكي يترك لندن ويعود الى ميونيخ ؟؟ أنانية ؟ حسدا ؟ تذكرت البيت الذي قاله في " كافور الأخشيدي "
    جوعان يأكل من زادي ويمسكني
    لكي يقال  عظيم   القدر مقصود

كلا . اني لست كافورا الأخشيدي . كلا ثم كلا . سأمزق الرسالة وأكتب له شيئا آخر مغايرا . سأشجعه على التشبث بالبقاء في لندن ومزاولة عمله الصحفي هناك وأن لا يفكر بالعودة الى ميونيخ . سأقول له ان شرف المرء في عمله وفي جده وسعيه . سأحثه أن يكتب لي المزيد عن أحواله وظروفه الجديدة في لندن . سأحذره من زيارة " أحدب بغداد" وأن لا يسمح لنفسه أن يكون فريسة لأهل الدجل والضحك على الذقون . سأحذره من آفتي السفلس والأيدز وحي " السوهو " في قلب لندن وأشجعه على الزواج والأنجاب ففي الأنجاب عشبة الخلود التي كان " جلجامش " السومري يبحث عنها . سأقترح عليه أن يزور متحف مدام توسو ( متحف الشمع ) وأن يقص علي ما سيرى . سأطلب منه أن يحرص كل الحرص على المشاركة في فعاليات " ديوان الكوفة " ولو كمستمع , مجرد مستمع . (( تذكرت أم كلثوم وأحمد شوقي : ورب مستمع والقلب في صمم )) . وتم لي بالفعل ما أردت . أنتصرت ارادة الحياة في علي . انتصر العامل الموضوعي على العامل الذاتي ... كما يقولون. مصلحة صديقي اذن في بقائه هناك في لندن وليس معي عاطلا عن العمل في ميونيخ . كتبت للمرة الثالثة رسالة تحمل المضامين الأخيرة سالفة الذكر . وقعت الرسالة وختمتها بتثبيت تأريخ الحادي عشر من شهر أيلول ( سبتمبر ) 2002 .  
شعرت بسعادة غامرة أني أديت واجبي بنزاهة تجاه صديق العمر . مصلحته أولا لا مصلحتي . غدا سأضع الرسالة في صندوق البريد . أشعر دوما بسعادة لا حدود لها حين أنتهي من كتابة رسالة الى صديق ترتاح النفس له . آويت وقد جاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل الى فراشي متعبا جذلا مسرورا مفكرا بصديقي وكيف سيتلقى رسالتي وكيف سيتجاوب مع مقترحاتي فيها . هكذا أنا على الدوام . لا أكاد أن أنتهي من القلق والمعاناة والمشاعر الغامضة المختلفة الأشكال والألوان التي تتلبسني ساعةكتابة رسالة حتى تبدأ معاناة من نوع آخر . لهفة أن تصل هذه الرسالة الى المرسلة له بأسرع ما يمكن . أن تصله سالمة كاملة بظرفها وطوابعها وختم اسمي وعنواني ورقم هاتفي عليها . أتخيلها بين يديه يقرأها باسما معلقا على بعض ما فيها متوتر العصب قليلا مكثرا من التدخين ومفكرا أيضا في تفاصيل رده عليها . كم مرة سيقرأها صاحبي قبل أن يشرع بالرد عليها ؟؟؟؟
لا يملك المرء الا الأنتظار . فلأنتظر .


                                         - 27 -

                     (( المتنبيء يقيم في لندن ))

بعد أسبوعين فقط وصلني بريد المتنبيء حاملا لي رسالة فخمة أنيقة يفصل فيها نمط حياته الجديد وما يلاقي من أمور شتى في العاصمة الجديدة . كان برما بوسائط النقل في لندن اذ شكا من تعقيد محطات وخطوط قطارات الأنفاق  التي تسمى بلغة الأنجليز
Underground , وقلة المصاعد الكهربائية نزولا الى مواقف القطارات وصعودا الى الشوارع منها . قال ان السلالم الحجرية تتعبه وتسبب له ضيقا لا يحتمله صدره المتعب    والمشبع بنيكوتين لفائف التبغ .  قال انه كان قد ضبط بسهولة تقريبا حركة وأتجاه القطارات  ومواقع كافة المحطات في ميونيخ والتي يسميها الألمان  U - Bahn   . خلاف ذلك كان المتنبيء جد سعيد مع تجربته الجديدة في مدينة أخرى . وكان أكثر سعادة في عمله محررا في صحيفة " الشرق الأوسط " ومعلقا في فضائية " المستقلة " مع الدكتور الموسوي . قال سأضحكك كثيرا اذ أقص عليك احدى مفاجآت الزمان . قال انه زار - حسب وصيتي - متحف الشمع ففوجيء بوجود " دولة الخروف الأسود " هناك . قال انه لم يصدق عينيه باديء الأمر. اقترب منه متفحصا فوجده كما هو , كما رآه في ستوكهولم أول مرة أواخر شهر مايس - أوائل شهر حزيران من هذا العام . حياه وتساءل منه عن الذي أتى به الى متحف الشمع في هذه الساعة من النهار؟ قال له أنظر . إنني  أقف هناك الى جانب المسيو " الجنرال نابليون بونابرت " , ألا تراني , ألا ترى تمثالي؟ قال المتنبيء : تعوذت بالله من شر الشيطان الرجيم ومما يوسوس في صدور بعض الناس الخرفين . أجبته أنني لا أرى الا تمثالا لنابليون القصير القامة واضعا يده اليسرى على أسفل كرشه المترهل . ثم - أضاف المتنبيء - أرى بشكل جيد خروفا أسود الصوفة ضالا تائها بين جموع التماثيل . فمرة يقف بإزاء المستر تشرشل ومرة خلف الملكة وأخرى ما بين القتيلة دايانا ولاعب التنس الألماني المعروف " بوريس بكر " . بإختصار شديد : لا مكان ثابتا حتى في متحف أصنام الشمع لخروف أسود ضال فقد نصف عقله بعد أن مر به قطار العمر. ثبت الخروف الأسود نظرات حادة في عيني متأهبا للنطاح . كان شديد الهيجان , فأعتذرت أني مرتبط بموعد هام وعلي مغادرة هذه الحظيرة على الفور. تشبث   بي ماسكا كتفي بقوة محاولا إيقافي لكني تمكنت من التملص والتخلص من هذا الخروف الناشز . لا أتورط - أضاف صديقي - بعد اليوم في المزاح مع الخرفان سودا أكانوا أم بيضا .
لم أتمالك نفسي من الضحك . تصورت نفسي أنا من كان يحاور في متحف الشمع هذا الخروف المنتفخ ورما والمصاب بداء تضخم الغدة النرجسية وداء آخر يدعيه هو من غير حرج : الخلل العقلي وفقدان السيطرة على مجسات بعض حواسه !! مسكين , كنت أعرفه انسانا سويا يتكلم بإسم الفقراء والمظلومين قبل أن ينتحل هيئة بهلوان غجري بجلد ماعز أسود وأسنان ذئب إتقاء شر عيون حاسد إذا حسد .     
ثم ساق لي المتنبيء مفاجأة كبيرة أخرى . قال إنه تلقى رسائل كثيرة من نخب منوعة من العراقيين يدعونه فيها لإلقاء بعض المحاضرات عن شعره وعن تجربته الشعرية والحياتية العريضة في شتى أصقاع الدنيا . وقد ذكر مدنا مثل ليدز ومانجستر وسوانزي وكاردف  وبريستول ومدينة الحمامات الرومانية باث ومدينة مصانع الصلب والمدافع العملاقة شفيلد. ثم سألني رأيي في هذه المدن وأيا منها تستحق الزيارة قبل غيرها وأفضل وقت للقيام بمثل هذه الزيارة .
قررت أن أضيف الى قائمة المدن التي ذكرها منطقة أخرى تقع في أقصى شمال مقاطعة ويلز البريطانية  Wales   حيث يقيم الصديق إبراهيم مع زوجه الأنجليزية سوزان        " سو  Sue  " . سيفرح هذان الصديقان الحميمان بزيارة أبي الطيب المتنبيء خاصة وأن إبراهيم ينتمي الى عائلة معروفة في أوساط بغداد الأدبية, فضلا عن ولعه الخاص بأشعار المرحوم " الملا عبود الكرخي "  إذ لا يفارقه ديوان هذا الشاعر الشعبي الساخر وخاصة قصيدته " المجرشة " التي حفظها عن ظهر قلب حيث كان يشبه شركته الإنشائية بمجرشة الملا عبود الكرخي حين تضيق بعينه الدنيا فيهدد بترك هذه الشركة ( يقوم بتفليشها ) ويهيم على وجهه في شتى أنحاء المعمورة . وكنا نردد معا ونحن نتمشى على سواحل البحر الرملية المترامية الأطراف : ساعة وأكسر المجرشة وألعن أبو راعيها // ذبيت روحي على الجرش , ما أدري الجرش ياذيها .  
على أية حال , قررت فورا أن أكتب رسالة لصاحبي أطلب فيها منه أن لا يجامل الحيوان وإن بدا أليفا , وأن لا ينهج مناهج ذؤبان وخرفان هذا الزمان , فالخرفان أضحت تقبل طوعا حماية الذؤبان . وبأختصار, أن يكون شديد الحذر من سحر السحرة ومن الأدعياء,
 فشرهم عميم وخيرهم نزر يسير وفي التوقي السلامة . ثم ذكرته أن الأنجليز تسمي الأنسان الشاذ في طبعه أو سلوكه خروفا أسود  Black Sheep    . كما أننا درجنا في تراثنا على تسمية مثل هذا الأنسان بالبقرة السوداء  , لذا نقول للقوم المتميزين بشيء سلبي ( سودة بكراهم ) , أي أن بقراتهم سود. والذي لا يصدق فليرجع الى إحدى أغاني المطربة" سميرة توفيق"  التي خبا ذكرها وذكر أغانيها بأسرع من لمح البصر . 
تذكرت ... سأطلب من صاحبي أن يكتب لي تغطية كاملة شاملة عما يدور في كواليس لندن السياسية وما يدور خلف كواليسها وكوابيسها ودهاليزها وما يكتب وينشر في صحافتها ووسائل الإعلام فيها حول معضلة العراق التي أنست الناس عما يدور من مآس على أرض فلسطين ,  سيما وقد أصبح الرجل واحدا من رجالات الإعلام ومن مشاهير كتاب الأعمدة ومعلقي بعض الصحف فيها . يبدو لي أحيانا أن تضخيم أمر العراق هو عمل مقصود ومخطط له بدقة فائقة لغرض توجيه أنظار العالم عما يبيت من مؤامرات كبرى للقضية الفلسطينية وما تقترفه اسرائيل يوميا بحق أرض وشعب فلسطين . هذا الشأن يذكرني بالقول الشائع الذي مفاده أن (( الذي يرى الموت يقبل بالحمى )) . المصيبة أن أمريكا قد وضعت العرب جميعا أمام كلا الخيارين معا :  دمار العراق بأسلحة أمريكا التقليدية أم حرقه بأسلحة إسرائيل النووية مع ضياع فلسطين وإبتلاع المزيد من أراضي العرب . أتكلم مع النفس الأمارة بالسوء ويخيل لي كأني أسمع صوت أبي الطيب المتنبيء يأتيني صارخا محمولا على رياح وأمواج بحر الشمال العاتية: (( لقد أسمعت لو ناديت حيا // ولكن لا حياة لمن تنادي )) . أجل يا عزيزي , لا حياة لمن تنادي . هل أكتب لك ما يجول بخاطري من وساوس ومخاوف أم أتركها تصلك عن طريق ما يسمى ب  Telepathy   ؟؟ بالفعل , وجدت أخيرا نفسي أتجاوب معك وأنت بعيد عني في الكثير من أمور دنيانا التي لم أر أعجب منها في حياتي السالفة . وسمعت صاحبي يخاطبني بوضوح لا مثيل له قائلا : انه عصر العولمة والقطب الواحد !! لا تجعل من نفسك ضحية للدهشة والإستغراب . لا تكن مغفلا . إفتح عينيك وحدق في الظلام .  وماذا عساني واجدا في الظلام بعد أن تساوى الليل أمام ناظري والنهار . أفلم تقل أنت يوما  (( وما إنتفاع أخي الدنيا بناظره // اذا أستوت عنده الأنوار والظلم )) ؟؟ سمعته ثانية يقول بوضوح لا مثيل له : أجل , قد قلت وكنت أعني أن على الإنسان أن لا يقرأ ما بين السطور فحسب , وإنما عليه أن يقرأ المخفي والممحي من السطور , وأن يقرأ ما تخبئه له الأقدار التي لا يراها . أخي الأنسان : تحر المكتوب , إقرأه جيدا ثم أرفضه , لا تقبله كما هو , لا تستسلم له ولحروفه وفقه لغته. لك حروفك ولك لغتك الخاصة التي تحسن فك شفرة رموزها وما تخفيه من أسرار .
 هل أضحك أم أبكي ؟ يطلب المتنبيء مني وهو بعيد عني أن أفتح عيوني وأن أحدق كالمجانين في عتمة الأيام وفي ظلمة الليالي . سأتقبل نصائحه كما هي , لم لا , أليس هو المتنبيء وأنه هو الذي درج على التنبؤ وتحمل ما قد تحمل جراء ذلك ؟؟ . والمتنبئون كالشعراء  سحرة وكهنة ومجانين !! .
ما حاجتي اذن للرسائل ما دمت أستطيع التواصل بالخواطر والهواجس والمخاوف عن بعد مع صديقي وصديق الجميع المتنبيء ؟؟ لماذا البريد والفاكس والتلفون ؟؟

كلا . بل سأكتب رسالة الى الصديق الوفي , صاحب الأقلام التي خاطبته يوما وأصدرت الأوامر له في أن يكتب بها وأن لا يدع السيف وحده يصول ويجول و ( يكتب ) بدم  الأعداء مسطرا قرطاس ملاحم النصر والمجد . أعني بيت الشعر المشهور الذي جلب له حنق وعنتريات بعض المحسوبين على نقد الشعر والشعراء من الذين إتهموا الشاعر بتفضيل السيف على القلم والقتال على العلم :  

   حتى رجعت وأقلامي قوائل لي
   المجد  للسيف  ليس المجد  للقلم

   أكتب بنا أبدا بعد  الكتاب  به
   فإنما   نحن   للأسياف  كالخدم

أليست أمجاد القلم تأتي عادة بعد أمجاد السيوف ؟ ما العيب إذن إن ثبت المتنبيء هذه الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني, الجاهل والعال م؟ هل إمتدت الشعوب والأمم والإمبراطوريات التي نعرف وإتسعت وسادت بالثقافة وحدها أو بالدين وحده ؟ ما هو سر جبروت أمريكا اليوم وعربدتها ونكرانها لحقوق الشعوب وللشرائع الدولية وقرارات مجلس الأمن والغائها من طرف واحد لبعض الأتفاقيات الدولية وإصرارها أن تكون القطب الأوحد الذي يقود ويسير العالم ؟؟ ثقافتها وطعام الهامبرغر والكوكا كولا وبنطرونات الجينز وأفلام هوليوود أم الجبروت العسكري والتكنولوجي والمالي ؟؟ هل ينكر أحد أن التفوق العسكري وترسانة الأسلحة النووية هما سبب عربدة اسرائيل وعتوها في منطقة الشرق الأوسط وإستهتارها بكل ما وقعت من إتفاقيات وعهود وإصرارها على إبتلاع أراضي جيرانها العرب وتوسيع ومد الإستيطان ودمار وإلغاء فلسطين أرضا وشعبا من على خارطة الوجود ؟؟  فيا أيها النقاد إفتحوا عيونكم حين تجلسون لنقد سواكم . لا تكتبوا وأنتم سكارى أو بعين واحدة . أيقظوا ضمائركم وأنتم تكتبون ما تكتبون ... رجاء ... رجاء !!. والإ فلسوف نصمكم بعلة الغباء فضلا عن  الحقد الأعمى والغفلة المفرطة .
كتبت بقلمي الذي هو في عين الوقت ألمي ... كما قال يوما أحد الأدباء المصريين , كتبت رسالة جوابية لصديقي الذي شاء أن يقيم في بريطانيا مستهلا إياها ببيته الشعري الذي قال فيه :

    بقائي  شاء  ليس  هم إرتحالا
    وحسن الصبر زموا لا الجمالا

أي والله يا أبا الطيب !! لقد زممنا بعدك حسن الصبر عسى الصبر أن يجعلنا نسلوك قليلا,
وأضحى شعارنا قولك ( لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... ) . سألته في رسالتي له أن يكتب لي المزيد عن أخباره وما يستجد من أمور تخص الشأن العراقي في عاصمة المنافي لندن . سألته هل سيلعب دورا ما في الحكومة العراقية الجديدة كأن ترشحه معارضة لندن وزيرا للثقافة ومن سيكون رئيسا للوزراء ومن سيكون نائب الرئيس ؟؟ ثم شجعته من كل قلبي أن يزور صديقي إبراهيم وزوجه ( سو ) في شمال ويلز شرط أن يحمل لهما الكثير من التمور والدبس والرز البسمتي وهي أمور لا يخلو بيتهما منها على مدار السنة. لقد إعتاد إبراهيم أن يقطع بسيارته مئات الكيلومترات قادما من شمال ويلز الى لندن لا لشيء الا ليبتاع الدبس والبسمتي من مخازن شارع   Westbourne Grove  قريبا من    ( ديوان الكوفة ) . سألته مازحا مرة هل لديه سكر في الدم وهل يشكو من عينيه ؟؟ فاجأني أنه لم يزر طبيبا في حياته , لذا فأنه لا يدري إن كان ميزان السكر في دمائه مضطربا أم لا . سألته وكيف   ( أموره الأخرى ) مع السيدة سو ؟ قال ألحمد لله .كل شيء على ما يرام . مرة في اليوم منذ عشرات السنين بلا زيادة ولا نقصان , صيفا أكان الموسم أم شتاء !! الحمد لله . ألف الحمد لله .
وبعد , ماذا سأكتب لأبي الطيب , شاعر الطيوب والمسك والند والعنبر ؟ سأكتب له شيئا عن بعض تفاصيل حياتي في ألمانيا لعلها تثير فيه رغبة للرجوع إلينا في ميونيخ . فلقد أصبحت أكثر من ترديد بيته الشعري الذي قاله في رثاء جدته ( وما أسودت الدنيا بعيني لضيقها // ولكن طرفا لا أراك به أعمى ) . سأخبره بمشروع محاضرتي القادمة التي سأتناول فيها مواقف بعض النقاد والمفكرين منه شخصا وشاعرا . سأركز على مواقف محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي ثم طه حسين . سأطلب منه أن يرسل لي طردا ضخما بصناديق الشاي الثقيل الذي لا يباع الا في مخازن ( ماركس & سبنسر ) في انكلترا .

 

 

 

 


                                       - 28 -

                 (( صوت النمسا ))

أدهشني وصول رسالة عاجلة بالبريد المسجل من لندن بعثها لي صديقي أبو الطيب المتنبيء,كان فيها عاتبا مر العتاب . قال إنه قرأ في بعض مجلات لندن خبرا عن تقديمي لمحاضرة في العاصمة النمساوية  فيينا  "WIEN    أو بالأنجليزية  VIENNA  "  بعنوان غريب هو ( فكر وشعر ) دون أن أتطرق له لا من قريب ولا من بعيد . قال ماذا عدا مما بدا , هل تغيرت صديقي كعادة أهل هذا الزمان التعيس ؟؟ لو كنت في روما لقلت (حتى أنت يا بروتوس ؟؟ ) .
شعرت بقلق مضاعف وحرج شديد من هذه الرسالة غير المتوقعة على الإطلاق . لا بأس. سأرد على صديقي موضحا , فكلام الصحافة شيء وحقائق الأمور شيء آخر . سأوضح له ما جرى في فيينا , فالغائب ليس كالحاضر . تناولت أحد أقلامي وكتبت :

أخي الشاعر الرائع /
قضيت بدعوة من " البيت العراقي " ثلاثة أيام في مدينة فيينا الجميلة . قدمت في أمسية الأحد الموافق العاشر من شهر تشرين الثاني ( نوفمبر ) 2002 المحاضرة التي تفضلت بذكر عنوانها . كنت مصيبا في أني لم أتطرق - خلافا للمألوف - في محاضرتي الى ذكرك , ذلك وبكل بساطة أن المحاضرة غطت موضوعا آخر لا علاقة له بأبي الطيب المتنبيء . تناولت فيها مزايا قصيدة النثر وخصائص شعراء هذا الصنف من الفن الشعري .

 






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,580,769,029
- أطياف الندى
- السامري
- تدوين لزمن ضائع للشاعر عباس خضر
- كيف يحصل التلوث في الكون؟ - البيئة والكيمياء والسموم.. زواج ...


المزيد.....


- يوم مهم في تاريخ المسرح العراقي؟! العام الستون لاعتلاء الفنا ... / تيسير عبدالجبار الآلوسي
- حــياةٌ جـــامدةٌ / سعدي يوسف
- فى رثاء الشهداء الشيوعيين / زياد الجشى
- المقهى والجدل / سهر العامري
- ليل الضمير البشري / التجمع الشيوعي الثوري
- الليلة جرح روح ضعيفة / منذر بدر حلوم
- الهاوية / جمال جاف
- يعيش العراق .. يعيش العراق - قصائد / كريم عبد
- الليلةَ … لن أنتظرَ شـيـئاً / سعدي يوسف
- ديوان - وطنيتي - قصة الروح الثائرة / أحمد الخميسي


المزيد.....

- ناشطتان صحراويتان تنددان في جنيف بالحصار المفروض على النساء ...
- معرض تشكيلي حول المغرب ببوردو
- دورة ثالثة من فعاليات المهرجان الايطالي المغربي بتريفين (شما ...
- متقي الله الطويل باحث مغربي في تقنية النانو يثير اهتمام الشر ...
- مسرحية رسائل حب لاتزال تأسر قلوب النقاد
- مهرجان السماع الدولي للإنشاد والموسيقى الروحية في القاهرة
- تفسير السينما للحانوتي والفنان ورب العلاقات العامة
- وزير الأوقاف: الإخوان اختطفوا الخطاب الديني خلال السنوات الم ...
- ننشر خطوات تنفيذ مشروع دمج الموسيقى في المناهج التعليمية
- كتاب جديد يدعو إلى أن: لا غنى عن الأخلاق في الحرب - رويترز


المزيد.....

- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ
- رواية -الصراصير- محمد عبد الله البيتاوي / رائد الحواري
- رواية -شهاب- صافي صافي / رائد الحواري
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- قلم وفنجان / بشرى رسوان
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- ما بعد الجنون / بشرى رسوان
- تياترو / ايفان الدراجي
- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان الظاهر - مع أبي محسد المتنبيء في أوربا