الدراسات الاجتماعية التجريبية في القرن التاسع عشر


مالك ابوعليا
الحوار المتمدن - العدد: 6562 - 2020 / 5 / 12 - 23:41
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

المقالة لـ مارينا ساميولوفنا كوفاليفا*

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم.

ان لدى الدراسات الاجتماعية التجريبية تاريخاً أطول من السوسيولوجيا الأكاديمية. لقد نشأت في بريطانيا وفرنسا في القرن السابع عشر على الأقل منذ زمن "علم الحساب السياسي" Political Arithmetic و"الفيزياء الاجتماعية" Social Physics وقبل ظهور كلمة "السوسيولوجيا" بوقتٍ طويل. لقد كانت مصدراً مهماً ومستقلاً للمفاهيم والأساليب الكمية وتقنيات القياس والوصف الاحصائي للسوسيولوجيا الحديثة.
تطور تاريخ الدراسات التجريبية بشكلٍ منهجي في الآونة الأخيرة فقط، منذ ستينيات القرن العشرين. على الرغم من ظهور الأعمال العامة حول تاريخ هذه الدراسات، وكذلك الأعمال المتعلقة بتطور أساليبها وتقنياتها، الا أنه لا يزال يتعيّن على مؤرخي السوسيولوجيا سد الفجوة في ندرة دراسات تطورها كعلمٍ تجريبي والأوصاف الواسعة لتشكيل النظريات السوسيولوجية. كان تطور النظرية السوسيولوجية، والدراسات الاجتماعية التجريبية، في المراحل الأولى لتشكل السوسيولوجيا، يسير في خطوطٍ متوازية، وكانت مرتبطة ببعضها البعض بشكلٍ ضعيف. تحفّز تطور الدراسات التجريبية من خلال الاحتياجات العملية المُلحة، والحاجة الى جمع المعلومات لتبرير الاصلاحات الاجتماعية استجابةً لمشاكل المجتمع الرأسمالي الحادة في القرن التاسع عشر، أي النمو السريع للمدن وسكانها خلال فترة التصنيع، والاستقطاب الحاد للفقر والثروة وازدياد الفاقه الجرائم والتكثّف العام للصراع الطبقي. بقدر ما صارت المشاكل الاجتماعية أكثر تعقيداً، صار البرجوازيين أكثر انزعاجاً من "الفقراء" كتهديدٍ محتملٍ مُستمر لأسس المجتمع. لم يتم تلبية هذه الاهتمام العام بالمشاكل الاجتماعية والاحتياجات المتزايدة للادارة العامة من خلال نظام تحصيل المعلومات الاجتماعية القائم، أي أبرشيات الكنيسة والمُفتشية المالية الحكومية. انخرطت المؤسسات الرسمية والمنظمات الخيرية والأشخاص العاديون (الأطباء المعلمون وأرباب العمل وعلماء الطبيعة) وكذلك اللجان البرلمانية والمُختلطة في أوائل القرن التاسع عشر، باختيارهم أهداف ومناهج دراساتهم بشكلٍ مستقل، في جميع أنواع التعدادات والاستطلاعات والدراسات الاحصائية.
أملت احتياجات الحكومة والحاجة الى معرفة تفصيلية لمختلف جوانب الشؤون العامة تطور الدراسات الرسمية. حاولت الحكومات البرجوازية، من أجل السيطرة على التغييرات الاجتماعية، انشاء مؤسسات تعمل باستمرار بجمع المعلومات، على سبيل المثال، لاجراء احصاء منتظم للسكان. ارتبطت الدراسات الخاصة Private بنشاط المنظمات الفيلانتروبية أو أحزاب المُعارضة. اُنشئت، في البداية في انجلترا، ثم في دولٍ أُخرى لجان فيلانتروبية وجمعيات احصائية للدراسات الاجتماعية لاجراء الأبحاث الاجتماعية لاعلام الرأي العام وتعبئته، ولفت انتباه الدوائر الرسمية الى بعض الظواهر السلبية، لاكتشاف اسبابها، وانشاءء توصيات لـ"معالجة العِلل الاجتماعية" وتحسين المؤسسات الاجتماعية. لم تتجاوز مُعظم الاستنتاجات النابعة من الدراسات التجريبية في القرن التاسع عشر، حدود وجهات النظر الاصلاحية البرجوازية والليبرالية المعتدلة.
بسبب الطابع غير المُنسّق، والمُجزّأ، وغير المتجانس لهذه الدراسات (من حيث موضوعها ومحتواها)، وبسبب انفصالها عن النظرية السوسيولوجية والجامعات، انقطع التقليد التجريبي، أو توقف، وفُقِدَت خبرته القيّمة. تطلّب منطق تطور السوسيولوجيا كعلم، قاعدةً تجريبيةً من أجل فحص الافتراضات النظرية. لكن ظلت الحاجة الى بياناتٍ تجريبية لهذا الغرض ضعيفةً للغاية حتى تم تأسيس السوسيولوجيا بالفعل كتخصصٍ جامعي(1). كان السوسيولوجيين الجامعيين مشغولين بشكلٍ تقليدي بموضوعات فلسفية تاريخية وشاركوا في التحقيقات الاجتماعية كمواطنين عاديين، مما جعلهم يشعرون بعدم الارتياح بسبب المشاكل الاجتماعية والاهتمام بالنتائج العملية الفورية، وليس كمحترفين(2). تُوّجَت محاولات توحيد السوسيولوجيا النظرية والأبحاص الاجتماعية في نشاط أحد العلماء لاحقاً، في وقت دوركهايم.
ولكن صار هناك، بشكلٍ تدريجي، احتراف لنشاط جمع وتحليل البيانات. وانخفضت نسبة الأفراد (الهواة الذين كانوا يَشغلون أنفسهم بالأبحاث التجريبية)، وارتفع في المقابل عدد الأساتذة المحترفين. ان مثال انجلترا له دلالة هنا، حيث ارتفعت نسبة هؤلاء الأخيرين من 2% في أعوام 1834-1854 الى 14% أعوام 1855-1874، والى 24% أعوام 1875-1900(3). مع نمو التخصص، صار هناك تمايز بين أنواع المعلومات الاجتماعية المتنوعة في الكتلة غير المتبلورة من الدراسات العيانية. انفصلت الديموغرافيا والاحصائيات كتخصصاتٍ مُستقلة، وتم وضع الأسس للفهم المستقبلي للبحث السوسيولوجي كتحقيقٍ اجتماعيٍ معقد يجمع بيانات العلوم المتجاورة ونتائج الملاحظات الميدانية الشخصية لجامعيها بالتحليل الثانوي للبيانات الاقتصادية والديموغرافية وغيرها من البيانات الموجودة بالفعل.

1- الدراسات التجريبية في المملكة المتحدة
في المملكة المتحدة، كان النصف الأول من القرن التاسع عشر فترة اصلاح المؤسسات الاجتماعية التي عفا عليها الزمن: نظام التعليم، الصحة العامة، الحكومة المحلية، النظام الانتخابي والبرلمان. كانت الدراسات الاجتماعية، التي اتخذت شكل قاعدة الدراسات الاحصائية، جزءاً من تلك الحركة الاصلاحية في التشريع والسياسة الاجتماعية. تولّت اللجان المَلَكية واللجان الاستشارية وصاية المبادرات الخاصة Private في هذه التحقيقات، مما ساعد على توسيع نطاقها، وفي نفس الوقت لابقائها في سياق المعارضة المسموح بها. أدت استنتاجات هذه اللجان، في حالاتٍ منفصلة، الى تغييراتٍ في التشريعات في المجالات المعنية. كان لدراسة جون سينكلير John Sinclair الضخمة (في 21 مُجلداً) حول الحياة الريفية والسكان الريفيين (الحساب الاحصائي لاسكتلندا) The Statistical Account of Scotland، التي تم نشر نتائجها بين عامي 1791-1825، تأثيراً كبيراً على تنظيم تعدادات السكان ومحتوى الاستبيانات في العديد من دول أوروبا. كان سنكلير قد جذب رجال الدين الاسكتلنديين ليعملوا معه، كما كان سائداً في ذلك الوقت، وحصل على بيانات عن 881 أبرشية في سكوتلندا. لقد وضع قائمةً بالأسئلة التي تحتوي على 116 نقطة، تم تخصيص 40 منها للجغرافيا والموارد المعدنية وتاريخ الأبرشية، و60 نقطة تتعلق بسكان الأبرشيات وجنسهم وأعمارهم ومهنهم وانتمائهم الديني والولادات والوفيات والانتحار والجريمة وادمان الكحول والعاطلين عن العمل وما الى ذلك، ووُضعت بقية الأسئلة عن حالة الزراعة والحِرَف اليدوية.
لم تعد التعدادات والأبحاث اللاحقة مرتبطة، في معظم الحالات، بالأبرشية كموضوعٍ للمراقبة، لانه تم ايقاف كونها وحدة ادارية خلال فترة صعود البرجوازية. أصبحت الأسرة المنفصلة موضوعاً للتحليل.
حتى أربعينيات القرن التاسع عشر، تم توجيه العديد من التحقيقات الى دراسة مناطق العمال والفئات الفقيرة من سكان المناطق الحضرية- أي مسألة النظافة الاجتماعية Social Hygiene. غالباً ما كان المبادرون بهذه الدراسات من الأطباء، حيث واجهوا في عملهم سوء التغذية وظروف المعيشة غير الصحية في هذه البيئة. وكان من بينهم أحد مؤسسي جمعية مانشستر الاحصائية وأحد أعضائها النشطين جيمس كاي شاتلوورث James Kay-Shuttleworth. استغل منصبه كسكرتير لمجلس مانشستر الصحي لجمع المعلومات حول الظروف الصحية للعمال. أقام شبكةً من المجالس في عنابر المدينة وحصل على البيانات اللازمة من خلال الموظفين المحققين الذين تم تزويدهم بالاستبيانات. تعلقت الأسئلة بحالة السكن وعدد المستأجرين والأثاث وحالة الملابس ونوع العمل والحالة الصحية وما الى ذلك. ومن هذا التحقيق، نشر استبيانه المهم للغاية المُعنوَن "الحالة المعنوية والمادية للطبقات العاملة الموظفين في صناعة القطن في مانشستر) The Moral and Physical Condition of the Working Classes 1832، والذي أصبح نموذجاً لدراساتٍ أكثر كمالاً لاحقاً.
دفع المناخ الاجتماعي-السياسي والفكري في المملكة المتحدة في الثلث الأول من القرن التاسع عشر بالباحثين ورجال الدولة الى فكرة ضرورة انشاء مؤسسة احصائية. كانت الاحصائات السكانية المُنظمة، تُجرى، منذ عام 1801، كل 10 سنوات. تأسست الجمعيات الاحصائية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في العديد من المدن، ووحدت المتحمسين للدرسات الاجتماعية التجريبية. كانت جمعية مانشستر المذكورة أعلاه، من بينها(4-5). تم انشاء القسم الاحصائي لرابطة تطوير العلوم البريطانية عام 1833، وأُنشئت الجمعية الاحصائية في لندن عام 1834 بمشاركة أدورلف كيتيليه Adolphe Quételet. اشترك أعضاؤها في الاعتقاد بأن الحقائق التي تكتشفها الاحصاءات هي المؤشرات الوحيدة التي لا لُبس فيها على الاجراءات العملية. كان جمع الحقائق والتوجه الواضح نحو المشاكل الاجتماعية والمساعدة المباشرة للحكومة هي أهدافهم التي توحدهم.
تَنَظّم العمل في جمعية لندن الاحصائية في أربعة فروع للاحصائيات: اقتصادية وسياسية وطبية وأخيراً أخلاقية وفكرية، وكانت الحدود الفاصلة بينها غامضة للغاية. تم ايلاء معظم الاهتمام للاحصائيات الاقتصادية، ولكن احتلت الدراسات الديموغراقية ودراسة أوضاع الفقراء مكاناً كبيراً في "الاحصائيات الأخلاقية".
انطلاقاً من معايير التقدم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الرأسمالي التي تطورت بشكلٍ رئيسي في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، وظف احصائيو ذلك الزمن جداول ربطت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لفترات زمنية معينة (متغيرات السوق ومتغيرات العمر الافتراضي وتقلبات الأسعار أو النشاط التجاري من ناحية، بالظروف الصحية والتنقل المهني وتغيرات الدخل أو التعليم من ناحيةٍ أُخرى)، والتي خدمت كمؤشرات للتقدم الوطني. تم توضيح، من خلال تحليل هذه الجداول، علاقة متوسط العمر المتوقع أو المؤشرات الجغرافية بالبنية الاجتماعية للمجتمع. ولكن على الرغم من جميع المؤشرات الجديدة التي تم انشاؤها، والتحسينات التي طرأت على طرق جمع البيانات وتصنيفها، والتي كشفت عن امكانية اجراء مقارنات مثيرة للاهتمام، فان التعميم النظري لها كان ضعيفاً.
تظهر الحاجة الى مفهوم سوسيولوجي للاستخدام الفعّال للدراسات الاجتماعية التجريبية عندما يُقارن المرء الأعمال الاصلاحية الليبرالية المذكورة أعلاه مع دراسة فريدريك انجلز (حال الطبقة العاملة في انجلترا)(أ)، والتي اعتمدت الى حدٍ كبير على نفس البيانات. بنى انجلز، من مادة الحقائق المعزولة للاحصائيين الليبراليين، والتي لم تصل الى الرأي العام على وجه التحديد بسبب طبيعتها المُجزأة، صورةً مُتكاملةً لوضع الطبقات الرئيسية في البنية الاجتماعة-الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، وقام انجلز بصورة جذرية باستبدال نوايا السياسيين الليبراليين الحسنة بمطالباتهم باصلاحات بسيطة، بمطالبة بتغييرات جذرية شاملة طالت العناصر البنيوية الرئيسية للمجتمع. في نهاية الأربعينيات من القرن التاسع عشر، بدأ الاهتمام بدراسة المشاكل الاجتماعية يميل نحو الانخفاض، ويرجع ذلك جزئياً الى أن أهداف الاصلاحيين الرئيسيية تم تحقيقة. مرر البرلمان عدداً من المراسيم لتحسين حالة الطبقة العاملة، في حين أنها (أي الطبقة العاملة) قد أصابها هدوءٌ نسبي لبعض الوقت بعد هزيمة الحركة الشارتية. لعبت الداروينية الاجتماعية لاحقاً في ستينيات القرن التاسع عشر، دوراً سلبياً في الحد من تدفق الدراسات الاجتماعية التجريبية وساهمت في تخفيض نوعيتها. في حين ربط الباحثون جهودهم في السابق بدراسة الفقر والجريمة ونقص التعليم، فقد سعوا الآن الى ايجاد أدلة تُثبت الانحلالية الوراثية والعيوب الجسدية والعقلية المشروطة بيولوجياً. الآن صارت الفئات الأكثر فقراً من السكان والمجرمين والفاشلين في الاعتبار، كأنهم أسوأ جزءٍ وراثيٍ من الجنس البشري، أما السياسة الاجتماعية التي تهدف الى تحسين حالتهم فهي ضارة لانها تساعدهم على البقاء وبالتالي يتدهور نقاء عرق الأمة(6). تحولت الدراسات الاحصائية التجريبية في تلك الفترة والتي كان من بينها عدداً من الدراسات المثيرة للاهتمام فيما يتعلق بالمنهج، الى الأنثروبولوجيا وعلم تحسين النسل (أعمال فرانسيس غالتون Francis Galton وآخرين).
لوحظ احياءاً للدراسات الاجتماعية، لا سيما الفقر، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وارتبط هذا باسم صاحب الأعمال ومالك السفن تشارلز بوث Charles Booth 1840-1916. لم يكن توجهه بشأن الدراسة التجريبية للحقائق، والدقة القصوى في قياس الفقر ناتجاً عن الاهتمامات الأكاديمية والتدريب العلمي الخاص، بل عن ممارسة البزنس والنظرة الليبرالية التي قادته الى "مشكلة المشاكل"، أي وجود فقر مزمن في المناطق الصناعية في المُدن، في وسط الثراء. لم يقبل بوث سوى "الحقائق العلمية" وحاول دراسة (الأشياء كما هي): " عند الحديث عن "السلوك العقلاني"، كان بوث الأخلاقي البروتستانتي يعني "السلوك الاقتصادي".
صار بوث في العام 1885 عضواً في الجمعية الاحصائية المَلَكية، وبدأ في دراسة بيانات احصاء عام 1881 السكاني (واحدة من أكثر الفترات نشاطاً في الحياة التجارية للمملكة المتحدة)، وبعد ذلك، تابع، بمساعدة العمال الذين استأجرهم، تحليل الاحصاءات السكانية من عام 1801-1881 على أمل اكتشاف الاتجاهات التي ستجعل من الممكن ليس فقط فهم المستقبل، ولكن ايضاً تخطيطه. لقد نجح في اظهار أن هيكل سكان المملكة المتحدة قد تغير الى حدٍ كبير. أصبح العمال العاملين في الصناعة ضعف عدد العاملين في الزراعة، في حين أنهم كانوا متساوين فقط قبل 30 عاماً من آخر احصاءٍ سكاني. كان هذا البحث مدرسةً جيدةً لعمل بوث في المستقبل. لقد فهم الطابع المحدود وغير المتطور لمواد الاحصائيات التي كانت مرتبطةً بالمسائل التي كانت تهمه. بالاضافة الى ذلك، ساعده البحث في التواصل مع الهيئات الاحصائية الرسمية.
خلال هذا العمل، بدأ بوث بالفعل في التفكير في دراسة أُخرى من شأنها الجمع بين التغطية الاحصائية الواسعة للسكان مع دراسة نوعية عميقة للعلاقة بين العمالة والفقر في أوساط الطبقة العاملة في لندن. استندت الدراسة، كما هو الحال مع مدرسة لو بلاي Le Play في فرنسا، على تحليل ميزانيات الأسرة ومراقبة الحياة الأُسَرية. في البداية، كان الباحثين مهتمين فقط بـ"الفقراء"، أما في وقتٍ لاحق، تم تقسيم السكان الى 8 مجموعات وفقاً لحجم وانتظام مدخولاتهم. من "الطبقة الدنيا" التي تتكون من العمال غير المهرة والمتشردين والعناصر الاجرامية، الى "الطبقة الوسطى العُليا" والتي تم تعريفها على أنها الطبقة التي تمتلك خدماً. في النهاية، حصل بوث على صورة مُفصلة وموثقة لعمل وتفاصيل حياة 4 ملايين من سكان لندن، حيث كان الجزء الأكبر من المادة عن الفقراء (أربع مجموعات) وجزء قليل نسبياً عن "الطبقة العليا" والارستقراطية. نُشِرَ كتاب بوث (حياة وعمل أُناس لندن) Life and Labor of the People in London في ثلاث مجلدات أعوام 1889-1891. لكن العمل استمر، وتم تجميع الكثير من البيانات وتحليلها والتي شملت معلوماتٍ ظهرت في الطبعة الثالثة أعوام 1902-1903 في 17 مُجلداً. تم تقسيم هذه الطبعة الى ثلاثة سلاسل: (الفقر) و(الصناعة) و(التأثيرات الدينية)(7).
كانت المصادر الرئيسية لسلسلة بيانات (الفقر)، احصائات عام 1881 السكانية والمعلومات التي تم الحصول عليها من الشرطة والمفتشين الصحيين والمدارس. استلزمت واجبات مفتشي المدارس زياراتهم المنتظمة للمنازل التي كانوا مسؤولين عنها، وجمعوا كمية هائلة من المعلومات حول العائلات التي كانت تحوي أطفالاً في سن المدرسة. بدأ المفتيشين في جمع المواد قبل سنتين او ثلاث سنوات من بلوغ الطفل سن المدرسة، كما سجلوا المتهربين منها، وسجلوا أنواع الأعمال التي مارسها أرباب تلك الأُسر. عمل العديد من المفتشين في منطقة واحدة وكانوا يعرفون كل الناس جيداً. استكمل بوث في وقتٍ لاحق هذه المعلومات ببيانات ملاحظاته الشخصية لشوارع ومنازل معينة، حيث عاش هو نفسه لفترةٍ معينةٍ بين أُسَر العمال. بالاضافة الى ذلك، تم تحليل ميزانيات أُسَر معينة من مجموعاتٍ مختلفة باستثناء "الطبقة الدنيا"، لكن كان عدد ميزانيات الأسر التي تم تحليلها صغيراً للغاية بالنسبة للتعميمات الموثوقة.
من بين الأساليب المُبتكرة الأُخرى لبوث، تلك المنهجية المثيرة للاهتمام القاضية في تجميع خرائط اجتماعيةٍ ملونة لمناطق مختلفةٍ من لندن لاظهار توزيع مجموعات السكان في المدينة جغرافياً، وهذه الآن هي تقنية متبعة للدراسات المدينية. أظهر بحثه أن ما يصل الى 58% من الأشخاص الذين ينتمون الى المجموعات الأربع الأولى من "الفقراء" يعيشون في شوارع معينة في الجزء المركزي من الطرف الشرقي، في حين كان معدل الفقر بالنسبة الى لندن ككل 30.7%.
على الرغم من أن بوث كان قد قرر أن يقتصر على مراقبة الحقائق كما هي فقط، الا انه لم يبتعد عن التساؤل عن أسباب الفقر وما هي التدابير الممكنة لتحسين حالة الفقراء. قام بتحليل الأسباب تحت ثلاثة عناوين: العمل والعادات والظروف.
آملاً أن يُثبت اقتناعه بالصلة بين الفقر وظروف العمل، لجأ الى تحليل المهن والحرف اليدوية في لندن. شكلت هذه الدراسة سلسلة (الصناعة). كانت الأسرة هنا، مرةً أخرى هي وحدة التحليل، ولا سيما رب الأسرة. قام بوث بتعداد كلا العائلات والأفراد عند تحديده عدد الأشخاص الذين يعملون في الصناعة. كان مصدره الرئيسي للمعلومات هو تعداد عام 1891 للسكان، ولا سيما قسم "المستأجرين"، الذي أشار الى عدد الغرف المشغولة، وعدد الخدم الموظفين وقدم بياناتٍ عن مهنة أو تجارة رب الأسرة. وقد استُكمِلت هذه المعلومات بمواد الاحصاءات الصناعية ونقابات اصحاب العمل. تمت مقابلة عدد كبير من أصحاب العمل والقادة النقابيين وغيرهم من الأشخاص.
أنشأ بوث، في تلك السلسلة، تصنيفاً جديداً للسكان وفقاً لمعايير منقحة حول ظروف معيشة الناس، والتي تم بموجبها تقسيم السكان الى ثلاث فئات: "الدنيا" و"الوسطى" و"العُليا". كان المعيار هو عدد الغرف التي تشغلها العائلة، وعدد الخدم التي توظفهم. في مجموعةٍ فرعيةٍ من "الطبقة الدنيا"، عاشت الأسر في معدل 3 أشخاص أو أكثر في الغرفة الواحدة (هذه العائلات تشكل 12% من سكان لندن)، واثنين الى ثلاثة في الغرفة (19%) وفرد واحد (23%). كان هناك غرفة الى 4 غرف لكل فرد عند "الطبقة الوسطى"، أو خادم واحد لكل 4 أفراد (كان مجموع هذه العائلات في لندن 30%)، وشكلت "الطبقة العليا" باقي النسبة.
لم يكن هذا التصنيف غايةً في حد ذاته، بل كان بمثابة أساسٍ لمقارنة ظروف معيشة وعمل العُمّال في الصناعات المتنوعة. تم تصنيف الصناعات نفسها وفقاً لوظائفها الأساسية. بدأ بوث مقارنة ووصف الحقائق الموضوعية المتعلقة بصنفٍ من احدى الصناعات المعنية، وكذلك مع وصف احصائي عام حسب الجنس والعمر وحجم الأسرة والظروف المعيشية لأولئك الذين يعملون في هذا الصنف. ثم انتقل الى وصفٍ أكثر تفصيلاً مُشيراً الى عمر وجنس اولئك الذين يعملون في مهنٍ مختلفة، وعدد العائلات ومتوسط حجمها ومكان ولادة رب الأسرة (في لندن أو في خارجها) وما الى ذلك. وانطلاقاً من هذه البيانات، أجرى مقارنةً بين الصناعات، ثم بين مجموعات (أصناف) الصناعات وفقاً لظروف معيشة الناس من مختلف المِهن (على سبيل المثال، حجم العائلات والاكتظاظ).
في المجلدات الأخيرة من السلسلة، تم ايلاء الاهتمام بالمسائل العامة والنظرية، ولا سيما التجارة والتدريب المهني والنقابات وتوزيع الصناعة ومستوى المعيشة في العاصمة. وتمت دراسة موضوع "لندن كمركز للتجارة والصناعة". خلص بوث الى أن التعليم الشامل يجب أن يكون الأساس للاصلاح في الصناعة، على الرغم من أنه فهم أيضاً أن ارتفاع وانخفاض العمالة في البلاد لعب ايضاً دوراً مهماً في التسبب في الفقر. دعا بوث الى أن تقوم الدولة بالمساعدة في مجال الصحة العامة والتعليم، وعدم التدخل في التوظيف.
تم تلخيص نتائج كل سلاسل هذا العمل الضخم في المجلد الأخير. غطّت الدراسة كامل لندن. تم تقسيمها الى 50 مقاطعة وفقاً لخمس معايير مختلفة: النسبة المئوية للفقر، نسبة الاكتظاظ، معدل المواليد، معدل الوفيات ونسبة الزواج المبكر، وحاول ايضاً ربط هذه المعايير ببعضها. ارتبط تقسيم السكان الى "طبقات" "عُليا" و"وسطى" و"دُنيا" ايضاً بالمقاطعات الخمسين. تم عمل مؤشر مشترك لمقارنة المقاطعات، والذي تم الحصول عليه من خلال حساب متوسط المعايير المذكورة أعلاه. في جوهر الأمر، كان بوث رائداً لـ"الايكولوجيا الحضرية"، والتي أصبحت فيما بعد موضوعاً لمدرسة شيكاغو السوسيولوجية في الولايات المتحدة الأمريكية.
حصل عمل بوث على استجابة كبيرة بين الجمهور وكان أحد دوافع اعتماد عدد من قوانين الحد الأدنى من الأجور والمعاشات التقاعدية واعانات البطالة في بداية القرن العشرين. ومع ذلك، لم يستوعب السوسيولوجيين المحترفين خبراته بشكلٍ كافٍ، ولم تُصبح-اي خبارته- قاعدةً تجريبيةً للسوسيولوجيا. وكما أشار مؤرخ السوسيولوجيا البريطانية فيليب ابرامز: تم التعامل مع بوث، في التاريخ العام لبريطانيا، على أنه الشخص الأكثر أهمية. ان حجم عمله وأصالته النسبية وتأثيره على الرأي العام يجعل أي حكمٍ آخر مستحيلاً. لكن في حالة وضعية بوث، بالنسبة لتاريخ السوسيولوجيا، فانها ليست واضحة تماماً(8).
حصل بوث، في القرن العشرين، على أتباع. قام سيبوم راونتري Seebohm Rowntree في أعماله المتعلقة بالفقر الحضري(9) بتحسين مناهج البحث، ورفض الوسطاء (المراقبون من الطبقة الوسطى)، وتحوّل مباشرةً الى العمال الذين كان يدرس حالتهم. استخدم، في تصنيف وتقييم الدخول، معياراً مستقلاً لـ"الكفاءة"، بالاضافة الى المعيار الرسمي لحجم الدخل الذي استخدمه بوث. اعتمد هذا المعيار على المعرفة الفسيولوجية والغذائية المتوفرة آنذاك. بعد أن أثبت أن الفقر يقع تحت الحد الأدنى من "الكفاءة" التي تحدد القدرة على العمل، فقد تأكد من أن مستوى الأجور المنخفض وغير الكافي للحفاظ على تلك الكفاءة هو سبب الفقر. قاد تحليله الى امكانية استخلاص استنتاجات حول الحد الأدنى من الأجور ونظام الضمان الاجتماعي.
اشتهر آرثر بولي Arthur Bowly بأنه سيد البحث عن طريق أخذ عينات، قدم الكثير مما هو جديد في تنظيم مثل هذه العينات وقلل الجهد المطلوب لاجراء مثل هذه الدراسات(10).
أجرى كلٍ من بياتريس وسيدني ويب Biatrice and Sydney Webb دراساتٍ موثقة عن مؤسساتٍ اجتماعية منفصلة، مكملين بذلك مبدأ بوث في البحث الاستقرائي للبيانات التجريبية بمبدأ التطور التاريخي للتنظيم الاجتماعي المدروس(11).
كان لدى هذا الجيل من التجريبيين البريطانيين وعياً ذاتياً الى حدٍ ما، كعلماء اجتماعيين. بدأ عمل هؤلاء يتميز عن دور علماء الطبيعة والعاملين الاجتماعيين والاداريين. تم اثراء الدوافع والأدوات والأهداف المباشرة للدراسات التجريبية من خلال المساعي والقيم العلمية والمعرفية الأوسع لاحقاً.

2- الدراسات الاجتماعية التجريبية في فرنسا
تأسس تقليد الدراسات التجريبية الاحصائية في فرنسا بالفعل في بداية القرن التاسع عشر وارتبط بأسماء رجال الدولة البارزين مثل كولبرت وفوبان وتورغوت وعلماء القرنين السابع والثامن عشر مثل جين دالمبير Jean d’Almbert ولابلاس وكوندورسيه. عززت الثورة الاتجاه العملي لهذه الدراسات. كانت فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر مركز الدراسة التجريبية لمشاكل السكان. أجرت وزارة الداخلية، عام 1801 أول احصاء سكاني عام لتوضيح التغيرات في أعداد السكان وتوزيعهم وظروف معيشتهم والتغيرات في الصماعة والزراعة التي حدثت منذ عام الثورة 1789. تم تنفيذ احصائيتين اضافيتين أعوام 1806 و1810 خلال حكومة نابليون، لكن برنامجيهما لم تتحققا الا جزئياً فقط. غالباً ما تم نشر التقارير الاحصائية التابعة لمختلف الدوائر والمقاطعات في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، وعملت الجمعيات الاحصائية غير الرسمية أعوام 1803-1806 بنشاط(12).
ومع ذلك، لم تكن الحكومة النابليونية مهتمة بالدعاية الواسعة لدراساتٍ لا يمكن السيطرة على نتائجها، وتوقفت الجمعية الاحصائية عن عملها نتيجةً لضغوط الحكومة. حظرت الحكومة، عام 1810 نشر بيانات الاحصاء السكاني، وأنهت، عام 1812 عمل مكتب الاحصاء الذي نسّق الدراسات الرسمية والخاصة. منذ ذلك الحين أصبح جمع البيانات الاحصائية حقاً حصرياً للحكومة. ولم يتم اجراء احصاء سكاني قياسي كامل في فرنسا مرةً أخرى الا في عام 1836 فقط.
خلال فترة استرداد المَلَكية، أصبحت الدراسات الاجتماعية الخاصة نشطةً مرةً أخرى، وأصبح نشر البيانات الرسمية أكثر تواتراً ووسعت الدراسات الاجتماعية نطاقها. لم يتم نشر المعلومات الديموغرافية حول السكان وحسب، بل ايضاً البيانات حول الاستهلاك والدخل واسباب الوفاة والانتحار وجرت محاولات لتصنيف الجرائم.
اصبحت مسألة العمال ومشاكل التصنيع المتسارع أكثر حدةً بعد ثورة 1830. أعادت الحكومة فتح بعض الخدمات الاحصائية والمؤسسات العلمية التي كانت موجودةً في فترة ما قبل نابليون. في هذه المرحلة، صار اتجاه البحث حول النظافة الاجتماعية Social Hygiene في دراسة أوضاع العاملين هو السائد في فرنسا، كما هو الحال في المملكة المتحدة.
كان كلاسيكي هذا الاتجاه هو الطبيب السابق في الجيش النابليوني لُوي فيليرمي Louis Villermé. نشر العديد من الأعمال حول مسائل النظافة والوفيات بين العمال، وأجرى تحقيقاتٍ رئيسيةٍ في حالة السجون. ظهر كتابه من جزئين (صورة الحالة المادية والمعنوية للعاملين في معامل القطن والكتّان والحرير) Tableau de l’état physique et moral des ouvriers dans les fabriques de coton, de laine et de soie عام 1840. تتعلق البيانات التي نشرها بظروف عمل العمال وحياتهم: أعدادهم، البيانات الديموغرافية (المواليد، الزيجات، عدد الأطفال في الأسر)، متوسط معدلات الأجور لفئات مختلفة من عمال النسيج، طول يوم العمل، حالة المنشآت الصحية، النظافة الشخصية، النظام الغذائي، ميزانيات الأسرة، الخ. كما أولى اهتماماً كبيراً لاستغلال عمل الأطفال ومسألة الولادات خارج اطار الأسرة.
تسببت دراسته في ضجة عامة كبيرة. شهدت الحقائق التي قدمها حول الأجور وميزانيات الأُسر بوضوح على فقر العمال، في حين أدت الدعاية التي أثيرت لمناقشة حقائق استغلال عمل الأطفال في فرنسا الى الاعتداء عليه من قِبَل المدافعين عن النظام القائم. تمت مناقشة الحقائق حول استغلال عمل الأطفال الفرنسيين في البرلمان البريطاني، مما كان حافزاً لتمرير قانون ينظم عمل الأطفال في عام 1841.
كان الباحث الآخر في مسألة النظافة الاجتماعية في النصف الأول من القرن التاسع عشر هو الكسندر دوشاتليه Alexander Duchatlet. شارك مع لوي فيليرمي وأنصار آخرين من المصلحين الاجتماعيين في حركة لتأسيس مؤسسات صحية ودوريات حكومية لمناقشة مسائل النظافة الاجتماعية. بدأت مجلة (حوليات الصحة العامة والطب) Annales d’hygiène publique et de medicine في الظهور في فرنسا عام 1829. جلب له مؤلفيه (الدعارة في مدينة باريس) De la prostitution dans la ville de Paris من جزئين 1834 و(النظافة العامة) Hygiène publique شهرةً اوروبية. استخدم وثائق الشرطة والملاحظات الشخصية والمقابلات والاحصائيات في دراسته. لم يكن مهتماً بالخصائص الديموغرافية لبائعات الهوى واعدادهن في المدينة والتغيرات في الدعارة آنذاك وحسب، ولكن ايضاً الخصائص التي كشفت عن حياة ونفسية هذا العالم المُغلق (الأصل الاجتماعي ومكان ميلاد بائعات الهوى) وخصائصهم الاجتماعية وموقفهم من الأسرة والزواج والدين، وكذلك الأسباب التي دفعتهم الى ممارسة الدعارة. كان الهدف من الدراسة هو جمع معلومات موضوعية من أجل خوض معركة ناجحة ضد هذا الشر الاجتماعي، ولكنه أنهى دراسته باعتراف أن الدعارة ظاهرة حتمية، وأن التوصيات الخيرية والأخلاقية والمساعدة المالية للعاهرات التائبات غير فعالة.
ساهت أعمال المحامي اندريه غيري Andre Guerry كثيراً في الاحصائيات الجنائية، وخاصةً كتابيه (قضايا في الاحصائيات الأخلاقية في فرنسا) Essai sur la statistique morale de la France 1832 وكتاب (الاحصائيات الأخلاقية في بريطانيا مُقارنةً بفرنسا) Statistique morale de l’Angleterre comparée avec celle de la France 1864. في كتابه الأول، أثبت أن عدد الجرائم التي تقع لعددٍ معينٍ من السكان هو نفسه من عامٍ الى آخر في نفس المناطق في فرنسا، وأن كل فئة من فئات الجريمة كان لها توزيع لا يتغير حسب الجنس والعمر والموسم. ارتكب الرجال 78 جريمة في مقابل 22 ارتكبتها النساء لكل 100 جريمة. ولم يتجاوز الانحراف السنوي عن هذه المعدلات على مدار 6 سنوات أكثر من 1%.
لم يتمكن غيري من شرح الانتظام في احصائات الجريمة. وذكر الحقائق ببساطة وعزا الانتظام الى أسبابٍ غير مكتشفة أدت الى الجريمة. في معارضة الرأي الشائع بأن السبب الرئيسي هو نقص التعليم، رفض الربط المباشر بين التعليم والجريمة، وقارن بدقة توزيع التعليم من ناحية، وأنواع الجريمة من ناحيةٍ أُخرى لـ85 قسماً في فرنسا. ولفت الانتباه الى عددٍ من الخصائص المصاحبة لكلتا السلسلتين-مستويات تطور الأقسام الصناعية- واعتبرها متغيراً حاسماً لكلٍ من مستوى التعليم والجريمة.
كانت أعمال العالم الفرنسي-البلجيكي وأحد الاحصائيين الرئيسيين في القرن التاسع عشر أدولف كيتيليه Adolphe Quételet 1796- 1874 ذات أهمية منهجية خاصة لتطور الدراسات الاجتماعية التجريبية حتى يومنا هذا. أثناء عمله في العديد من مجالات العلوم الرياضية (علم الفلك والأرصاد الجوية وما الى ذلك) اهتم كثيراً بالدعاية لدراسة المجتمع عن طريق المناهج الاحصائية. تم تنظيم الجمعيات الاحصائية الوطنية في فرنسا وبريطانيا بمساعدته. كان كيتليه هو البادئ بتأسيس الرابطة الاحصائية الدولية للتعاون، وفي عقد أول مؤتمر احصائي دولي في بروكسل عام 1853.
درس كيتيليه، في اولى دراساته الاجتماعية-الانثروبولوجية مثل (حول ادمان الجريمة في مختلف الأعمار) sur le penchant au crime aux different âges، درس توزيع الخصائص الجسدية للناس واحصاءات الجريمة بمناهج الاحتمالات، سعياً للوصول الى أبسط تعبيرٍ ممكن حول المعلومات الكمية اللازمة للأغراض العملية. أثبتت جداول الوفيات التي جمعها، على سبيل المثال، أنها مفيدة لجمعيات التأمين.
يُمثل كتابه (عن الانسان وتطوير قدراته) المنشور عام 1835 A Treatise on Man and the Development of His Faculties, Translated by R. Knox, Cambridge University Press انتقالاً من الوصف الاحصائي البسيط الى الاستخدام المُعتمد للبيانات الكمية التجريبية من أجل انشاء انماطٍ للحياة الاجتماعية(13). فَهِم كيتليه مهمة الاحصاء بمعنىً واسعٍ تماماً: كانت الاحصائيات معنية بحالة معينة لفترة محددة، تُجمع العناصر التي تتعلق بالحياة لتلك الفترة، ويتم دراسة كيفية جعلها قابلةً للمقارنة وكيفية دمجها بالطريقة الأكثر فعاليةً من أجل ان تُصبح قادرة على كشف أكبر قدرٍ ممكنٍ من الحقائق(14). مثّلت أعماله ايضاً انتقالاً من التطوير العفوي لمناهج منفصلة، الى عملٍ منظومي لتوحيد الاجراءات الفنية والمصطلحات وتقنيات التحليل الاحصائي.
كانت مساهمة كيتيليه الرئيسية في تطور الأبحاث الاجتماعية اكتشافه لقوانين احصائية معينة عن الوجود الاجتماعي(15). لقد فهم (قوانين العالم الاجتماعي) على أنها خصائص معينة ثابتة للناس عند شعبٍ معينٍ في زمنٍ معين: يعني الخصائص الجسدية، ومتوسط النسبة المئوية الثابتة للانتحار والجريمة في المجتمع والمعدل المستمر للزواج عند مختلف الفئات العمرية، وما الى ذلك. لفت الانتباه، عند دراسته للرسوم البيانية لتوزيع هذه الخصائص من السكان، الى أن هذه الرسوم مُشابهة للمنحنى القياسي الكلاسيكي لتوزيع أخطاء الملاحظة، التي درسها علماء الرياضيات جيداً. قاده ذلك الى التفكير في أنه، مع وجود عدد كبير بما فيه الكفاية من الملاحظات، فان توزيع خصائص الناس المختلفة سيخضع لقانون التوزيع القياسي، ويصبح اساساً لفكرة (الانسان المتوسط)Average Man، اي متوسط معين (حسابي عادةً) لخصائص الانسان التي درسها مجموع احصائي معين.
اعتُبِرَ الانسان، بشكلٍ مُجرد، كعضوٍ من الأنواع، وعلى أنه يحمل متوسط جمع الخصائص الموجودة في الأنواع الأخرى أُطلِقَ عليه (الانسان المتوسط). يقول كيتيليه بأنه قد يكون هذا الانسان أقوى أو أطول في بلدٍ من بلدٍ آخر، تماماً كما قد يكون ايضاً أكثر براعةً أو أفضل تعليماً أو موهوباً، ربما، بأخلاقٍ أرقى(16).
اعتبر كيتيليه (الانسان المتوسط) كمتوسط احصائي للصفات الجسدية والمعنوية الرئيسية للأمة، كنوعٍ او معيار، دون اختلافاتٍ فردية، مما يطمس الصورة العامة. كان من المفترض أن يكون بمثابة محورٍ للتحليل ونقطة مرجعية للتقلبات في سلسلة المؤشرات الاحصائية التي تصور الحالات المستقرة والديناميكية للمجتمع: ان الانسان المتوسط بالنسبة الى الأمة، يشبه مركز الجاذبية في أي جسم، انه هو الذي نستطيع من خلاله ان نُقدر جميع ظواهر التوازن والحركة(17). والحفاظ على الانسان المتوسط عند كيتليه، يعني حفاظاً على نوع المجتمع.
ربط كيتليه بمفهوم الانسان المتوسط كمفهومٍ مُسبق وجوهري، بتفسيرٍ استثنائيٍ لـ(المتوسط) Average عموماً. لقد فَهِمَ المتوسط على أنه كمية في الحساب تختفي فيها كل صدفة وكل انحراف، ولا يبقى سوى الثابت والمُنتظم. تعمل في العالم الاجتماعي، وفقاً له، أسباب ثابتة (الجنس، العمر، المهنة، الوضع الجغرافي، المؤسسات الاقتصادية والدينية وما الى ذلك)، والصُدَف النادرة، اي تلك التي تعمل بشكل لامتحدد في اي اتجاه. هذه الأخيرة، هي بشكلٍ رئيسي، قوى الشد العكسي التي تعمل في المجتمع والتي "تُزعزع استقراره". ولكن مع وجود عددٍ كبير بما فيه الكفاية من الاختبارات-بلغة نظرية الاحتمالات، يمكن لعواقب حدوث هذه الصُدف أن تكون محسوبة، وان يتم حساب ضرورتها الداخلية. يؤكد ما يُسمى قانون الصدفة أن كلٍ من خصائص الانسان (على سبيل أبسط مثال-الوزن) موزعة في المجتمع بمتوسطٍ معين في المجتمع المدروس، وأنه كلما زاد عدد العينات التي تُختبر وتُراقب، كلما كان التوزيع التجريبي أكثر دقةً وتوافقاً مع التوزيع النظري المُحتمل. من وجهة النظر هذه، يكون "الانسان المتوسط" ثابتاً احصائياً يشق طريقه عبر سلسلة من الظروف الصدفية، وأن النوع أو المعيار الذي يختلف او ينحرف فيه شعب اي أمة او اي مجموعة احصائية عن "الانسان المتوسط" ما هو الا نتاج تأثير اسباب صدفية بشكلٍ او بآخر.
وضع كيتيليه، متوسط البيانات الاحصائية، على نفس مستوى حقائق العلوم الطبيعية. ان الاقتناع بأن هناك ضرورة وانتظام في الروابط السببية تعمل في الحياة الاجتماعية ولا تقل في مستواها عن انتظام ظواهر الطبيعة، ساعده على اكتشاف اتجاهاتٍ مستقرة في سلسلة متوسط الكميات والارتباطات المستمرة بين خصائص معينة، والتي أعلن على أنها قوانين اجتماعية.
سعى كيتيليه، تقليدياً، الى اثبات الانتظام الاحصائي المُكتشف في الطبيعة الانسانية الثابتة (مثل حججه حول الميل الى الجريمة). كانت جميع تصوراته عن "الانسان المتوسط"، من حيث الجوهر، شبيهة بالمفاهيم الميتافيزيقية عن الطبيعة البشرية العالمية. ولكنه كان قريباً من موقف الحتمية الميكانيكية بسبب سعيه للتأكيد على الفكرة المثمرة عن الانتظام الطبيعي في العمليات الاجتماعية. لقد كان هذا التوجه الشامل هو الذي مكّن كيتيليه من استخدام جريء للمتوسطات في جميع الحالات الممكنة والحصول، في كثيرٍ من الأحيان، على نتائج مثيرة للاهتمام، من جهة، وتوظيفها دون السماح للبيانات الاحصائية أن تتجانس، وبدون تفسير سوسيولوجي جاد. يمكن للمتوسط أن يكون له معنىً فقط كمتوسطٍ لمجموعة متجانسة واحدة من الناحية النوعية. ان التمييز بين هذه المجموعات المتصلة داخلياً هو عمل النظرية السوسيولوجية. رفضت السوسيولوجيا لاحقاً المفهوم الرئيسي الذي وضعه كيتيليه (الانسان المتوسط) باعتباره تبسيطاً كبيراً بشكلٍ واضحٍ للغاية والذي يتجاهل الاختلاف النوعي للعالم الاجتماعي والمجموعات الكبيرة مثل الشعب متنوع القوميات.
هو نفسه لم يكن يُدرك أن مفاهيمه السوسيولوجية تجاوزت النموذج الرياضي الذي طوره بنفسه.
قام كيتيليه بالحصول على النتائج العملية الرئيسية في احصائيات "الخصائص الجسدية" للانسان، من مجالات تنتمي الآن الى الديموغرافيا والاحصائيات الطبية. لقد طوّر تقنيات قياس الظواهر الاجتماعية (التي تحتفظ بقيمتها حتى يومنا هذا) في المجالات المذكورة، اي تحليل التوزيع التجريبي لبعض الخصائص في مجموعة وحساب المتوسطات، وحساب الأحداث من نوعٍ معين في فترةٍ معينة وتحديد المتوسط في وحدة زمنية والتنبؤ بعددها في الفترة التالية وحساب الأحداث حسب الفئات العمرية ومتوسط المعايير لمجموعة معينة.
اثبت طرح مسألة قياس "الصفات الأخلاقية" أهميةً منهجيةً للسوسيولوجيا التجريبية. يقول المتخصص الأمريكي المُعاصر في المناهج الكمية السوسيولوجية بول لازارفيلد أن الاحصائيات الأخلاقية التي قام بها كيتيليه هي دراسات نوعية لخصائص الناس غير الجسدية. في هذا المجال، كان القياس المباشر غير قابل للتطبيق، كما هو الحال عند الخصائص الجسدية، لذا اقترح كيتيليه تقييم "الخصائص الأخلاقية" للناس من خلال نتائج نشاطهم وقياس الأنشطة نفسها (كمية استهلاكها للطاقة، تكرارها الخ)، ولم يُدرك تماماً مدى تعقيد هذه المسألة وحجمها الكامل، بلغة اليوم مسألة تفعيل Operationalisation المفاهيم السوسيولوجية. كان حسم هذه المشكلة، يتطلب، أولاً وقبل كل شيء، اعادة بناء جذرية وصقل النظريات الاجتماعية السياسية المعروفة له وجعلها أكثر عيانيةً. لقد أشار الى اتجاه المزيد من المهام في هذا المجال، مع ذلك، تطابق تصنيفه لحالات القياس، عملياً، في رأي لازارفيلد، مع التصنيف الأكثر شيوعاً للمتغيرات القابلة للقياس في السوسيولوجيا التجريبية المعاصرة. صار اسلوب تفكير كيتيليه جزءاً عضوياً منها.
ترك مهندس التعدين بالأصل، فريدريك لو بلاي Frédéric Le Play بصمةً كبيرةً على تاريخ الدراسات الاجتماعية التجريبية في أوروبا كمنشئٍ لبرنامجٍ اصلاحي ومؤسسٍ لمدرسة نظرية ومنهجية بأكملها. قرر تحت التأثير القوي لأحداث ثورة يوليو July Revolution، مراقبة حياة المجتمع مثل عالم الطبيعة من أجل فهم اسباب الثورات الاجتماعية. لقد اتخذ من الأسرة هدفاً رئيسياً لمراقبته، باعتبارها أبسط نموذج وخلية للمجتمع. ان كل ملامح المجتمع وبذور استقراره أو عدم استقراره متأصلة، برأيه، في الأسرة. ان بساطة وسهولة مراقبة الأسرة، قدمت له، بياناتٍ موثوقة للاستدلالات الاستقرائية ولم تؤسس ارضيةً للتكهنات المجردة. درس لو بلاي، من خلال عمله كمنظم رئيسي واستشاري للتعدين والمعادن في بلدانٍ مختلفة مثل النمسا وألمانيا والمجر وايطاليا وروسيا واسبانيا والمملكة المتحدة، درس حياة مختلف الأُسَر في كل مكانٍ بالتفصيل. نصب لو بلاي لنفسه مهمة دراسة أكثر من 300 اسرة تنتمي الى أكبر عددٍ من السكان في جميع مناطق أوروبا. كرّس اسبوعاً على الأقل، غالباً شهراً كاملاً، لجمع بياناتٍ افرودية Monographic عن كل واحدةٍ منها. أراد قبل كل شيء أن يبحث في الحياة المادية والفكرية والأخلاقية للأسر التي تنتمي الى الأجناس الأوروبية الرئيسية بالتفصيل(18). ونتيجةً لذلك ظهر كتابه (العمال الأوروبيين) Ouvriers européens 1855والذي توسع الى 6 مجلدات في طبعة 1877-1879.
ان تطوير منهج المراقبة والوصف المونوغرافي في دراسته الشاملة للأسرة هو أفضل مساهمة معروفة للو بلاي ومدرسته في اتجاه البحث الاجتماعي التجريبي. تضمنت خطة دراسة الأسرة الأقسام التالية: وصف عام للمنطقة والمهن الموجودة فيها، ووصف عام للأسرة ومصادر رزقها وطريقة حياتها وتاريخ العائلة وميزانيتها، وعناصر مختلفة من التنظيم الاجتماعي العام مثل اشكال عقود العمال مع أصحاب العمل، وأخذ ترقية العمال الشباب في المنطقة بعين الاعتبار ومعلومات تفصيلية عن الظروف التقنية والاقتصادية للصناعة التي تعمل الأسرة فيها. كانت الوسيلة الرئيسية لجمع المعلومات هي الملاحظات الشخصية والمقابلات.
في مركز كل مونوغراف اسرة، كان هناك وصف لميزانيتها، ساعد هذا، في رأي لو بلاي، على الحصول على بيانات دقيقة حول هيكل الأسرة ووظائفها وقدم أساساً موثوقاً به لمقارنة الأُسر وتصنيفها. حاول لو بلاي استخدام بنود الميزانية (النفقات الشخصية، الانفاق على التعليم الخ) كمؤشراتٍ على خصائص وأفعال العامل، وحتى خصائص التنظيم الاجتماعي الأوسع نطاقاً والذي عاشوا فيه، هذه الخصائص التي لم يكن من الممكن تقديرها من قبل. كان مهتماً بشكلٍ اساسي بانفاق الأسرة او عاداتها او ظروف العمل التي عززت او عرقلت صعودها في التسلسل الهرمي الاجتماعي. سمحت له ملاحظة نسبة الانفاق المرتفع على الغذاء في الميزانية، على سبيل المثال، بالاستنتاج بأن لدى هذه الأسرة فرصة ضئيلة للتقدم. اما الانفاق المُفرط على الكحول والتبديد غير المجدي للمال على الرفاهيات فقد عنى عدم احترام للدين والتعليم. حتى انه حاول استخلاص استنتاجاتٍ حول العلاقات الطبقية من مؤشرات الميزانية. وهكذا قرر بأن عمال الصفائح المعدنية والأنابيب "عدوانيين" تجاه الطبقات العليا بسبب عضويتهم الكثيرة في النقابات.
كانت هذه الاستنتاجات الجارفة، تستند في المقام الأول على المراقبة الدقيقة لحياة الأسرة وبيئتها وليس فقط على بيانات الميزانية. تم اعتبار بنود الميزانية كأعراض ومقياس لبعض العلاقات الاجتماعية التي تم بناء اعتبارات أكثر عموميةً عليها، والتي (اي الاعتبارات) لم يتم التعبير عنها بوضوح غالباً. بدا للو بلاي أنه كان يبني علماً اجتماعياً موضوعياً شبيهاً بعلم المعادن، دون اي نظرياتٍ مسبقة(19). ان الانحرافات الواضحة عن امكانية المنهجية، مثل بعض الاستنتاجات التي توصل اليها والمذكورة سابقاً، لم تكن بسبب ضعفها الداخلي بقدر ما كانت بسبب قناعات لو بلاي الايديولوجية المُحافظة. تم تطوير تقنية البحث عن مؤشرات لقياس العلاقات الاجتماعية والتنبؤ بها، بشكلٍ واسع، في السوسيولوجيا التجريبية المعاصرة. أعطت أفكار لو بلاي دفعةً لتطوير المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر تعقيداً. كان أتباعه اللاحقون له مباشرةً قد استكملوا بالفعل مؤشرات الميزانية النقدية بتحليل الميزانيات الزمنية Time Budgets، الخ.
على عكس كيتيليه، اعتبر لو بلاي وتلاميذه التعميمات الاحصائية عديمة الفائدة. لم ينطلقوا منها، ولكن انطلقوا من دراسة شاملة للموضوع، حيث رأوا أن شبكة العلاقات الاجتماعية كاملةً، تتجسد في الأسرة باعتبارها القوة الاجتماعية الرئيسية للتحكم الاجتماعي والجتمعة.
قام تلاميذ وأتباع لو بلاي مثل هنري دو تورفيل Henri de Tourville وادموند ديمولينز Edmond Demolins بتوسيع مجال تطبيق المنهجية المونوغرافية. متابعين لخطه، عادةً ما انتقوا بيئة الاسرة على أنه اللحظة الأولى من مخططٍ عالمي لتحليل الظواهر الاجتماعية المعروفة باسم "منظومة تسميات العلم الاجتماعي" nomenclature of social science. في تلك المرحلة دعمت مدرسة لو بلاي مذهب الحتمية الجغرافية، مُدعيةً أن الظروف الطبيعية تحدد نوع عمل وطابع الأسرة، وفي نهاية المطاف تحدد المجتمع ونظراته. بالاضافة الى ذلك، كان هناك أكثر من 20 نقطة في المخطط مرتبة من البسيطة الى المعقدة. تم استكمال دراسة الأسرة بوصف الحي والدائرة والبلدة والمقاطعة والدولة. قدمت وفرة العوامل التي تم أخذها في الاعتبار في "التسميات" لبيتريم سوروكين، المبرر، لتصنيف مدرسة لو بلاي على أنها مدرسة "تركيبية" synthetic في السوسيولوجيا. نفذت المدرسة مخططها لعقود، وأجرت العديد من الدراسات حول الأنظمة الاجتماعية لمختلف الدول.
كان تصنيف الأسر نتيجةً لدراستها. لكن لم تكن هذه الدراسة هدفاً بحد ذاته للو بلاي أو تلاميذه. كانت دراسة أنواع الأسر وسيلةً لفهم الحركة التاريخية ونظام المجتمع ككل ومن أجل التنبؤ بالاصلاحات. ميز لو بلاي ثلاثة أنواع من الأسرة: الأبوية Patriarchal يخضع فيها الفرد كلياً للمجموعة Community وتتصرف العائلة كوحدة واحدة غير قابلة للتجزئة. الأسرة الجذعية(20)، وفيها يتم نقل جميع ممتلكات الأسرة الى وريثٍ واحد يختاره الأب، ويرحل عنها بقية الأطفال (مع فرصة عودتهم الى سلطة ابويهم في أوقات المحنة)، والشح غير المستقر في الموارد التي تُمَرّر الى الأجيال اللاحقة ووجود منفصل للآباء والأبناء. بالنسبة الى لو بلاي، أشارت الأسرة الأبوية المستقرة للغاية على مجتمعٍ متخلفٍ محافظ (تشبيه تاريخي بالشرق). اما الأسرة الجذعية في رأيه، تشير الى هيكلٍ اجتماعيٍ أكثر قبولاً، حيث هناك توازناً بين الأصالة والمعاصرة. النوع الثالث، الأسرة غير المستقرة، والتي اكنت سمةً من سمات المجتمع الفرنسي الذي عاصره، والتي تأثرت كثيراً وتم جرها الى عملية التصنيع والتحضر. لاحظ لو بلاي بحسرة، انقالاً لأنواع الأسر في المجتمع من الأبوية الى غير المستقرة.
ان قناعات لو بلاي السياسية القريبة من التقليديين (خاصةً آراء لوي دو بونالد de Bonald) المعادية للثورة، قد ازدادت صلابةً قبل أن يبدأ دراساته وبقيت دون تغيير. اثناء تقديمه المشورة بشأن اعادة تنظيم المجتمع (كان لو بلاي أحد مستشاري نابليون الثالث وعضو مجلس الشيوخ) كان متحيزاً بشدة لاستعادة التقاليد أكثر من كونه مشجعاً لانشاء نظام اجتماعي جديد، مدعياً أن تعزيز السلطة الأبوية ضرورية، في المقام الأول، لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، الذي كان مهمةً للمؤسسات التعليمية والمدرسة الوطنية. وهذا يفسر اهتمام تلاميذه بتنظيم التعليم العام في مختلف الدول. كان مثال لو بلاي الأعلى في العلاقة بين العامل مع أصحاب العمل هو مثال (الرعاية والرعية)، أي وصاية أصحاب العمل الصغار على العمال الذين كان على اتصالٍ مباشرٍ معهم حيث شاركهم احتياجاتهم وقلق على مصالحهم.
أثرت وجهات نظره فيما بعد على ايديولوجيا النزعة المؤسسية الفاشية(21).

3- الدراسات الاجتماعية التجريبية في ألمانيا
كان للتأخر المستمر في ألمانيا، والمرتبط بالتخلف والانقسام العام للدول الألمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتأخر انطلاق الحركات الاجتماعية المختلفة مقارنةً بدول أوروبا الأكثر تقدماً، تأثيراً كبيراً على تطور البحث التجريبي في هذا البلد. كان هذا سبباً لاستخدام تجربة وخبرات الدراسات التجريبية التي أُجريت في الدول الأخرى. على النقيض من المملكة المتحدة وفرنسا، جاءت مبادرات هذا البحث في المانيا مباشرةً من السلطات البيروقراطية القوية وكذلك من الجامعات، والتي فسّرت مشاركة علماء بارزين أمثال غوستاف فون شمولر Gustav von Schmoller وفريديناند تونيز Ferdinand Tönnies وماكس فيبر. كانت الاحصائيات في ألمانيا، كما هو الحال في دولٍ أُخرى في بدايات القرن التاسع عشر، مزيجاً من البيانات الجغرافية والتاريخ والديموغرافيا والاقتصاد والمسائل السياسية والادارية. ولكن بدأت هذه الدراسات، في منتصف هذا القرن، بالتمايز.
تطور الاهتمام بمسائل النظافة الاجتماعية والصحة العامة منذ ثورة 1848. وكان عالم الأمراض رودولف فيرتشو Rudolf Virchow من أبرز الشخصيات في هذا المجال وأحد مؤسسي الاحصائيات الصحية في ألمانيا، الذي أعلن أنه "اذا كان على الطب أن ينفذ مهمته العظيمة، يجب عليه أن يدخل الحياة السياسية والاجتماعية"(22). استندت الحركة الاصلاح الصحي الألمانية على أفكار علماء النظافة الاجتماعية الفرنسيين. عرف فيرتشو ورفاقه أعمال كيتيليه. تجاوزت دراسة الحالة الصحية لسيليزيا العليا التي أجراها فيرتشو عام 1848 اطار مجرد تقرير عن حالة الأوبئة والأمراض، وتضمنت تحليلاً لأسباب التخلف الاقتصادي والثقافي للمنطقة. وشكلت توصياته للوقاية من الأوبئة في المستقبل برنامجاً جذرياً للاصلاحات الاجتماعية بروح ثورة 1848. أشار مؤرخ السوسيولوجيا الألمانية، الحديث، انتوني اوبرشال Anthony Oberschall الى أن طريقة تحليل فيرشو كانت قريبةً جداً من النهج المُستخدم اليوم لوصف البلدان المتخلفة(23).
صار البحث في "الاحصائيات الأخلاقية" والديموغرافيا ووضع الجزء الفقير من السكان شائعاً في ألمانيا في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر تحت تأثير غيري وكيتيليه ولو بلاي. حاول ارنست انغل Ernst Engel وهو في الأصل مهندس تعدين ثم لاحقاً احصائي محترف ورئيس قسم الاحصاء البروسي، حاول جمع نهج لو بلاي ونهج كيتيليه لدراسة الميزانيات. كان للقاءه مع لو بلاي تأثيراً حاسماً على تطور اهتماماته العلمية. كان انغل، في وقت لاحق، مرتبطاً بكيتيليه وشارك في المؤتمر الاحصائي الدولي الأول عام 1853. وجد انغل، من خلال مقارنته بيانات 199 اسرة عاملة في بلجيكيا والتي حصل عليها مساعدو كيتيليه، والبيانات الواردة في 36 دراسة من دراسات لو بلاي، أن هناك نمطاً معيناً من الانفاق على الاحتياجات ذات الأهمية، بمعزل عن نوع الأسرة وحجم دخلها، متطابقة في كلا مجموعتي الدراسات: الطعام والملابس والسكن وما الى ذلك. علاوةً على هذا، كلما انخفض مستوى الدخل وكلما كانت الأسرة فقيرة، كانت نسبة الانفاق على الغذاء أعلى. يُعرف هذا الآن بقانون انغل للميزانية Engel’s Budget Law 1857. أعرب انغل عن امله أن حساب متوسط القيم المتوقعة لبنود الاستهلاك في كل مجموعة من الدخول، ستمكنه من توصيف الأسر من خلال مؤشر رقمي وفقاً لانحرافهم عن هذه المتوسطات(24).
أصبح عمل أحد مؤيدي كيتيليه، أدولف فاغنر Adolph Wagner معروفاً تماماً في الديموغرافيا وعلم الجريمة والأنثروبولوجيا خاصةً في روسيا في ستينيات القرن التاسع عشر. كان عنوان أحد كتبه مميزاً جداً (انتظامية الأحداث الظاهرة من وجهة نظر الاحصائيات) Die Gesetzmässigkeit in den Scheinbar willkürlichen menschlichen Handlungen vom Standpunkte der Statistik(25). رأى فاغنر انتظاماً معيناً حتى عندما كان هناك انتشار واسع للبيانات، وحيث كان من الخطر التحدث عن وجود اي اتجاه مهما كان. درس فاغنر، على وجه الخصوص، الاحصائيات المقارنة للانتحار في أوروبا محاولاً اكتشاف اعتمادها على عوامل متنوعة جداً: الطقس Weather، الانتماء الديني والعمر والمهنة والوضع العائلي، أي جميع الأسباب التي حللها دوركهايم تقريباً فيما بعد فيما يتعلق بأنواع الانتحار المختلفة. على عكس دوركهايم، لم يكن لدى فاغنر نظريةً خاصةً به تسمح له بوضع البيانات في ترتيبٍ مناسب، لهذا السبب حصل على صورة مشوشة وفوضوية الى حدٍ ما.
طوّر فيلهلم ليكزس Wilhelm Lexis مفهوم النماذج الرياضية للسلوك الجماهيري(26) التي نُسيت لوقتٍ طويل، ولكن تم ادخالها مرةً اخرى في السوسيولوجيا في أربعينيات القرن العشرين. طوّر كيتيليه فكرة مقاييس المظاهر الاجتماعية quantification of social phenomena وأساليبها الرياضية. اختلف في ذلك عن العلماء الألمان الآخرين، حيث أنتجت حتمية كيتيليه الاجتماعية تأثيراً كبيراً عليهم. ارتبط جميع العاملين تقريباً في مجال الدراسات الاجتماعية التجريبية في ألمانيا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بطريقةٍ ما، مع رابطة السياسة الاجتماعية التي تأسست عام 1872 من قِبَل اساتذة وصحفيين وناشرين وموظفين مدنيين وأرباب عمل. كان من بين أعضاءها السوسيولوجيين والمؤرخين الاقتصاديين الألمان الرائدين مثل فرديناند تونيز وماكس فيبر والفريد فيبر وغوستاف فون شمولر(27). صارت هذه الرابطة في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر المركز الذي يُنظم الدراسات الاجتماعية في ألمانيا.
أُجريت، خلال الفترة من 1881-1902، دراساتٍ حول ظروف العمل الزراعي والربا في المناطق الريفية ووضع العمال الموظفين في النقل والتجارة والتجارة البحرية ووضع الحرفيين. غابت الدراسات حول العمال الصناعيين بسبب الخوف من الاشتباك مع حكومة بسمارك التي كانت تصدر قوانين تستهدف الاشتراكيين، في الرايخشتاغ.
لم تُشبه الدراسات نفسها الدراسات المعاصرة كثيراً. تمت مناقشة برامجهم كأولوية وتم التخطيط للنقاط الرئيسية التي كان من الضروري الحصول على المعلومات بشأنها. ثم صيغت النقاط على أنها أسئلة محددة. تم ارسال الوثيقة التي تم تجميعها على هذا النحو الى جميع أنحاء البلاد الى الأشخاص الأكثر مسؤوليةً ومعرفة (المعلمين ومُلّاك الأراضي وموظفي الخدمة المدنية والقساوسة والكهنة وغيرهم)، الذين أعادوا ملؤها، بعيداً عن اتباع تعليمات واضعيها بالضبط. تم نشر المواد المُجمعة، كقاعدة عامة، دون تحرير جوهري. لم تكن الرابطة مهتمةً بالمسائل المنهجية. لم تُمكن الأسئلة غير الدقيقة والصياغات السيئة من الحصول على اجابات دقيقة وقابلة للمقارنة. انتقد هذه الممارسة غوتليب شنابر ارنت Gottlieb Schnapper-Arndt الذي نشر مونوغراف (حول منهجية الدراسات الاجتماعية) Zur Methodologie sozialer Enqueten (28)،. ولكن حتى ظهور ماكس فيبر، الذي أولى اهتماماً وثيقاً لتطوير منهجية الدراسات التجريبية، كان شنابر ارنت هو الشخص الوحيد الذي عارض الخلل المنهجي لدراسات الرابطة.
بدأت دراسة حياة وعمل العمال مرةً أخرى في الانتشار والسيطرة على الدراسات الاجتماعية التجريبية في أوائل القرن العشرين. يرجع تحوّل الباحثين غير الماركسيين الى هذا الموضوع الى رغبتهم في ايجاد امكانيات لادراة صناعة واسعة النطاق دون التعارض مع مصالح العمال، اي من أجل تقليل الاصطدامات معهم الى اقل الحدود الممكنة، وبالتالي الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم. تم توسيع المهام الى حدٍ كبير بالمقارنة مع مثل هذه الدراسات المبكرة. تمت دراسة العوامل النفسية والفسيولوجية للعمل في المصانع والمرزارع والتوجه الاجتماعي السياسي والمتطلبات الفكرية للعمل بالاضافة الى الظروف المادية للانتاج والحياة اليومية. حدد ماكس فيبر مهام هذه الدراسات على النحو التالي في عام 1908: كان من الضروري، من ناحية، تحديد تأثير الصناعة الخاصة Private واسعة النطاق على الصفات الشخصية والمصير المهني واسلوب حياة عمالها وما هي الصفات البدنية والمادية التي تقوم بتطويرها عندهم وكيف يتم التعبير عن هذه الصفات في تجربتهم الشخصية، ومن ناحية أخرى، كان من الضروري أن نفهم الى أي مدىً يضع الأصل العرقي والاجتماعي والثقافي للعامل وتقاليدهم وظروف معيشتهم حداً لقدرة الصناعة واسعة النطاق على التطور(29). بدأ دور فيبر كمنظم رئيسي للدراسات الاجتماعية التجريبية وكذلك الكلاسيكية للنظرية السوسيولوجية غير الماركسية يُدرك في الآونة الأخيرة فقط نسبياً(30). كان أول عمل تجريبي له هو (ظروف عمل عمال الأرض في شرق الألب الألمانية) Die Verhältnisse der Landarbeiter in ostelbischen Deutschland 1892. يحتفظ بحثه في مجال السوسيولوجيا الصناعية بقيمته حتى يومنا هذا. كممثلٍ لرابطة السياسة الاجتماعية، أجرى دراسةً تجريبيةً في مصنع نسيج في صيف وخريف 1908، ونشر لاحقاً مقدمةً منهجيةً لها تحت عنوان (حول النفسية الجسدية للعمل الصناعي) Zur Psychophysik der industriellen Arbeit 1908-1909(31). حاول فيبر في هذه الدراسة تأسيس ديناميكيات الوظائف المهنية للعمال وأصلهم الاجتماعي ونمط حياتهم وأيضاً التحقق من عدة فرضيات حول عوامل انتاجيتهم. لقد أراد أن يوضح الى أي مدىً كانت الأساليب التجريبية للوضعية النفسية الجسدية للعمال قابلةً للتطبيق على دراسة أُجريت في الظروف الحقيقية لانتاج المصنع. كان فيبر مهتماً بعلاقة الحالة النفسية الجسدية للعامل بانتاجيته وتطور المنشأة ككل. على الرغم من أن معظم العمال رفضوا المشاركة في الدراسة، الا أن المرحلة التحضيرية للعمل أثبتت قيمته في حد ذاته فيما يتعلق بالمنهجية. كان الاختلاف الرئيسي بين منهج فيبر والمقاربة المعاصرة هو، بالنسبة الى نهجه، غياب موضوع البحث الأساسي الذي تبحث فيه السوسيولوجيا الصناعية المعاصرة- اي المجموعة Group. ربما كان ذلك مرتبطاً بمنهجه الفرداني Individualism، ونظريته عن الفعل الاجتماعي. اعتمد على الخصائص الجسدية النفسية لعمال المصانع في سياق مخططه السوسيولوجي العام مستخدماً تصنيفه للأفعال الاجتماعية.
عند تقييم مكانة الدراسات التجريبية في سوسيولوجيا فيبر، توصل معظم الملفين المعاصرين (قبل كل شيء، الأمريكيين) الى استنتاج مفاده الى أنه لا يمكن فهم انشطته كباحث تجريبي واهتمامه بأسلوب وتقنية البحث من خلال استعراضها كملحقٍ لنظريته السوسيولوجية. سعى فيبر الى جعل السوسيولوجيا علماً تجريبياً، وبالتالي كانت هذه الدراسات ضرورةً وليست ترفاً بالنسبة له.
كانت أوسع دراسة للعمل الصناعي في أوائل القرن العشرين هي دراسة أدولف ليفينشتاين Adolf Levenstein التي نُشرت عام 1912 تحت عنوان (مسألة العمل).Die Arbeiterfrag. أرسل في في الفترة بين عامي 1907 و1911 8000 استبياناً الى ثلاثة فئات من العمال (عمال المناجم، وعمال الصلب وعمال النسيج) في ثماني مناطق صناعية، 1000 لكلٍ منها. وزعها في البداية على اصدقائه ومعارفه من العمال. طلب في وقتٍ لاحق من اولئك الذين تلقى منهم ردوداً أن يعطوا الاستبيان للآخرين. ونتيجةً لذلك حصل على نسبة عالية جداً من الاستبيانات المُرتجعة (63%). نشر في البداية اجابات بعض من تم استجوابهم. ثم اطلعها على السوسيولوجيين المحترفين بما في ذلك فيبر، طلب منه الأخير السماح لبعض زملائه بالمشاركة في مزيدٍ من المعالجة للبيانات. رفض ليفينشتاين المساعدة، ولكنه استمع الى نصيحة ضرورة اجراء تحليل كمي للاجابات.
لقد تم وضع استطلاع ليفينشتاين بشكل سيءٍ منهجياً. لكنه أثار عدداً من الأمور المهمة المتعلقة بحياة العمال: دوافعهم ومدى رضاهم ومطالبهم وموقفهم العام من وضعهم. عند تحليل النتائج التي تم الحصول عليها، قُسّم الاستبيان الى 5 أجزاء: بيانات عامة (الأسم، العمر، الوظيفة، وضع الأسرة، عدد الاطفال، الدخل، العمل بالقطعة أو بالأجر في الساعة)، الموقف من العمل (التعب، الشكل المفضل للأجور، الأفكار التي يفكر بها العامل اثاء عمله)، الآمال والرغبات المرتبطة بالعمل، المسائل المتعلقة باستخدام وقت الفراغ. واجمالاً كان هناك 26 سؤالاً مفتوحاً في الاستبيان. وبالتالي كانت هناك صعوبة خطيرة في معالجتها. ولكن عندما تم حساب الاجابات النموذجية لجميع فئات العمال الثلاث، فقد ثبت أنه تم الحصول على بيانات جديدة مثيرة للاهتمام على الرغم من الضعف الخطير والأخطاء في منهجية الاستجواب(32).
اصبح من الواضح، في مطلع القرن العشرين، أن التعميم التجريبي المحض لبيانات الدراسات العيانية لم يكن كافياً. كان من المستحيل ايضاً الاستمرار في وضعية الانفصال المستمر بين السوسيولوجيا والبحوث الاجتماعية التجريبية التي كان الاتصال بينهما عشوائياً ونادراً كقاعدة، في القرن التاسع عشر. على سبيل المثال، عزز تصنيف بوث التجريبي للعائلات، التقسيم البريطاني التقليدي للطبقات الاجتماعية الى "العليا" و"الوسطى" و"الدنيا" في نظرية التقسيم الطبقي.
كانت الفجوة بين النظري والتجريبي ترجع الى حدٍ كبير الى حقيقة أن التخطيطات العالمية التاريخية والتطورية غير القابلة من حيث المبدأ للاختبار على المستوى الميكروي (الصغير) Microlevel، كانت سائدةً في النظريات السوسيولوجية للقرن التاسع عشر. يجب على المرء أن يتذكر أن كونت وسبنسر، التي اصبحت مذاهبهما مرادفاً للفكر التأملي لأجيال السوسيولوجيين الغرب اللاحقين، قد دعت بالفعل الى تحويل النظريات السوسيولوجية الى تجريبية. لكنهم فهموا (التجريبي) بأنها دراسات تاريخية عيانية يمكن أن تملاً التخطيطات المجردة للسوسيولوجيا التي تتجاهل الحركة التاريخية الحية. لكن معظم الدراسات الاجتماعية التجريبية في ذلك الوقت كانت مخصصة لوصف حالة المجتمع المعاصرة لها ومشاكلها الحادة (الفقر، الجريمة، حالة العمال، الخ). وبعبارة اخرى، كانت النظرية السوسيولوجية موجهة تاريخياً، اما البحث التجريبي كان موجهاً بالقياس الحاضر. من أجل تحقيق الالتقاء الذي طال انتظاره بين النظري والتجريبي، كان يجب أن يكون هناك تغيير جذري في طابع الأولى نحو مزيدٍ من التحليل.
لم يكن البحث التجريبي حتى نهاية القرن التاسع عشر مرتبطاً عملياً بنظرية السوسيولوجيا. بدأ هذا الموقف يتغير في نهاية القرن، في أعمال دوركهايم وفيبر وتونيز. ولكن فقط في عشرينيات القرن العشرين، بدأت مسألة توحيد السوسيولوجيا التجريبية والنظرية وتطوير منهجية وتكنيك الدراسات الاجتماعية التجريبية، في الظهور.

* الماركسية السوفييتية مارينا ساميولوفنا كوفاليفا المتخصصة في السوسيولوجيا، تخرجت عام 1970 من جامعة موسكو الحكومية.

1- See Anthony Oberschall (Ed.). The Establishment of Empirical Sociology. Studies in
Continuity, Discontinuity, and Institutionalization (Harper & Row, New York, 1972), p 6.
2- Ibid., p 10
3- See Stephen Cole. Continuity and Institutionalization in Science: a Case Study of Failure. In: Anthony Oberschall (Ed.). Op. cit., p 110
4- Thomas S. Ashton. Economic and Social Investigations in Manchester. 1833-1933 (King, London, 1934).
5- David Elesh. The Manchester Statistical Society: a Case Study of Discontinuity in the History of Empirical Social Research. In: Anthony Oberschall (Ed.). Op. cit., pp 31-72.
(أ)- حال الطبقة العاملة في انجلترا، فريدريك انجلز، ترجمة فخري لبيب. (لم أتوفر على الكتاب الكترونياً، ولم أستطع أن أعرف اسم دار النشر).
6- B. Lecuier, A. Oberschall. Sociology: the Early History of Social Research. International Encyclopedia of the Social Sciences, Vol. 15 (New York, 1968), pp 43-44
7- Charles Booth. Life and Labour of the People in London, 17 vols. (Macmillan & Co., London, 1902-03).
8- Philip Abrams. The Origins of British Sociology: 1834-1914 (Univ. of Chicago Press, Chicago, 1968), p 138.
9- B. Seebohm Rowntree. Poverty. A Study of Town Life (Macmillan & Co., London, 1902).
10- A. L. Bowley and A. R. Runett-Hurst. Livelihood and Poverty. A Study in the Economic Conditions of Working Class Households in Northampton, Warrington, Stanley and Reading (London, 1915).
11- Sidney and Beatrice Webb. The History of Trade -union-ism (Longmans, Green & Co., London, 1907).
12- B. Lecuier and A. Oberschall. Art. cit., pp 44-45
13- Adolphe Quételet. Physique sociale ou Essai sur le developpement des facultés de l’homme, 2 Vols. (Muquardt, Brussels, 1869).
14- Ibid., Vol. l, pp 101-102
15- Quételet. Du système social et des lois qui le regissent (Guillaumin, Paris, 1848).
16- See Adolphe Quételet. Physique sociale, Vol. 1, p 147.
17- Ibid., pp 369-370.
18- F. Le Play. La réforme sociale en France déduite de l’observation comparée des peuples européens, Vol. 1 (Dentu, Paris, 1887), p 68.
19- Ibid., p 70.
20- The concept of famille-souche (stem family), introduced by Le Play, plays an important role in contemporary historical demography and the sociology of the family.
21- WGoldfrank. Reappraising Le Play. In: Anthony Oberschall (Ed.). Op. cit., p 133.
22- Anthony Oberschall. Empirical Social Research in Germany. 1848-1914 (Mouton & Co., Paris, 1965), p 39.
23- Ibid. , p 40.
24- Ibid., p 44.
25- Adolph Wagner. Die Gesetzmässigkeit in den Scheinbar willkürlichen menschlichen Handlunger von Standpunkte der Statistik (Geisler, Hamburg, 1844).
26- Wilhelm Lexis. Zur Theorie der Massenerscheinungen (Freiburg, 1877).
27- Anthony Oberschall. Empirical Social Research in Germany, pp 21-27.
28- Gottlieb Schnapper-Arndt. Methodologie sozialer Enqueten (Frankfurt a. M., 1888).
29 See Max Weber. Methodologische Einleitung für die Erhebungen
des Vereins für Sozialpolitik über Auslese und Anpassung (Berufswahlen und Berufsschicksal) der Arbeiterschaft der geschlossenen Grossindustrie. In: idem. Gesammelte Aufsätze zur Soziologie und Sozialpolitik (Verlag von J.C.B. Mohr (Paul Siebeck), Tübingen, 1924), p 1.
30- Paul F. Lazarsfeld and Anthony Oberschall. Max Weber and Empirical Social Research. In: American Sociological Review, 1965, 30, 2: 185-199.
31- Max Weber. Zur Psychophysik der industriellen Arbeit. In: idem. Op. cit., pp 61-255.
32 Adolf Levenstein. Die Arbeiterfrage (Rheinhardt, Munich, 1912).

ترجمة الفصل السادس من كتاب:
A History of Classical Sociology, a Group of Soviet Sociologists, Edited By Prof I. S. Kon, Translated By H. Campbell Creigton, Published 1979, Translated 1989, Progress Publisher